eKtab
EN ع
حكايات عصفور النار
اقرأ عينة مجانية

حكايات عصفور النار

بقلم علاء الدين المدرس

صفحة 1
حكايات عصفور النارمن وحي الفلوجة والنجف وحلبجة
 
عصفور النار.. مجموعة مقالات وحكايات كتبت في ظل الاحتلال، ومن وحي ما جرى من أحداث ومآسٍ وصدامات وصراعات وإرهاصات متنوعة عاش في كنفها هذا الشعب الصابر، في الفلوجة والنجف وحلبجة خلال السنينالعجاف، وهو ينـزف دماً وألماً وحزناً من جراحه المتفاقمة قبل الاحتلال وبعده. وعصفور النار هو رمزٌ أخلاقيٌ وجهاديٌ لوقفة الحسين الشجاعة في أرض كربلاء وعلى ضفاف نهر الفرات قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، تلك الوقفة البطولية التي وقفها في أرض العراق أمام الانحراف والطغيان الذي تلا عصر الخلافة الراشدة، فجاء مع أهله وذويه حاملاً دمه الزكي بيده الشريفة ومضحياً بأغلى ما عنده من أجل الدفاع عن مبادئ الدين الحنيف وفي مقدمتها الشورى ومبادئ الحق والعدل والخير، وهو في الوقت نفسه –أي عصفور النار- يمثل أيضاً وقفة الفلوجة الباسلة اليوم في معركتها الثانية أمام قوات الاحتلال المدجّجة بأحدث الأسلحة والعتاد الفتاك، تلك الوقفة التي استمدت شرعيتها ومنهجيتها من وقفة الحسين الشهيد، في وجه الظلم والطغيان والقوة الغاشمة التي تريد إسكات أصحاب الحق وأهلبلاد الرافدين الذين رفضوا الاحتلال الذي جثم على أرضنا العزيزة، والذي يريد خنق كل نَفَس مخلص وصوت غيور للمعارضة الحرّة والمقاومة الشريفة، التي وقفت بوجه الغزو والعدوان الذي جعلنا في ذلك المنـزلق الخطير والمسار الخطأ الذي انحدر إليه البلد بعد احتلاله، لتعيد له السيادة والاستقلال والسلام، وعصفور النار أيضاً رمزٌ معبرٌ لمحنة شعبنا الكردي الأصيل في حلبجة وغيرها من مدن كردستان العراق قبل الاحتلال وبعده. وهو فوق ذلك كله رمزٌ قرآنيٌ خالدٌ لأصحاب الأخدود الذين هلكوا بأجسادهم وظلت أرواحهم ترفرف على الأرض وفي الآفاق، وهي تدين الكفر والطغيان، وهؤلاء الذين سطروا تلك الملحمة التي خلدها القرآن، هم أولئك الفتية المحتسبة والشباب المؤمن الصابر الذي حُفرت له الخنادق ثم أحرق فيها بالنفط والقطران، على مرأى ومسمع من الناس، وهم ينظرون إليهم والى النار الملتهبة حولهم في الأخدود وهم يصطلون، وكانت تلك المحنة الرهيبة لأصحاب الأخدود بسبب موقفهم الإيماني المبدئي وعقيدتهم الربانية الصادقة التي أصرّوا على الثبات عليها، رغم علمهم بفداحة الثمن والمصير الذي ينتظرهم، حين يحرقون في الخندق والأخدود الذي حفروه لهم، فثبتوا وصبروا أمام الاستبداد والطغيان الجاهلي، ليكتبوا بدمائهم الحقيقة التي دوّنها بعدهم الحسين، أن الإيمان أقوى وأبقى من جبروت الطغيان مهما تجبّر، تلك هي صورة الوقفة الشامخة لأصحاب الأخدود التي ما زالت تدوّي في الآفاق، وتشير إلى تضحياتهم الجسيمة والنادرة، حتى أضحت قرآناً يتلى وسيرة تحتذى لمن يريد أن يرفع راية الله أكبر أمام الكفر والجبروت إلى يوم الدين. قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد .
 
وما أشبه اليوم بالأمس حين يعيد التاريخ نفسه، فنسمع ونرى أن البهتان والباطل يلتف حول صهوة الحق والخير وأصحابه، فيتهمه بالإرهاب تارة والعنف تارة أخرى، حتى أصبح الإرهاب قريناً للإسلام في الإعلام الغربي، وهو دين السلام والأخوة الإنسانية ورمز العدل والتسامح والمحبة، وتتهم المقاومة المشروعة والرافضة للاحتلال بشتى التهم، وتحاك حولها الدسائس والمؤامرات الخفية، في محاولات يائسة لتشويه صورتها ونعتها بشتى الأوصاف والصفات النابية، ويوصف أعدائها وخصومها من السائرين في ركاب المحتلين ومخططاتهم المشبوهة، بالوطنية والنزاهة والشرعية ، وأنهم دعاة الحرية والاستقلال وحمائم الأمن والسلام، وانهم منقذو البلد الجريح من براثن الجهل والتخلف والاستبداد، وهم بذلك يكونون قد أخذوا أوصاف أصحاب الأخدود ورموا عليهم أوزارهم الكريهة، تماماً كما يصفهم المثل العربي القديم: رمتني بدائها وانسلّت… فصبر جميل والله المستعان على ما يصفون ... وهو أعلم بما يمكرون.
 
علاء الدين المدرس
 
21/12/2004م
صفحة 2
حقيقة الإبراهيمية وخرافة السامية
 
قد يفاجأ البعض حين يعلم أن السامية ومفهوم معاداة السامية الذي يتحصن بها اليهود الصهاينة لتوفر لهم الحصانة الأخلاقية والقانونية لكل الجرائم التي اقترفوها ويقترفونها بحق الشعوب والأمم التي تقف بالمرصاد أمام أطماعهم ورغبتهم الجامحة في السيطرة على العالم والهيمنة على مقدرات الشعوب والدول بشتى انتماءآتها، ما هي إلا خرافة توراتية وخدعة يهودية روجّوا لها سياسياً وإعلاميا واستعانوا بها في تحقيق مآربهم، منذ رحيل هتلر بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وسنحاول هنا تحليل ومتابعة أصل هذه الأكذوبة التي انبهر بها الغرب المسيحي وروّج لها في العصر الحديث منذ وعد بلفور حتى اليوم، ليجعلها تكأةً للتخلص من وجود الأقليات اليهودية، ومحاولة تجميعهم في أرض الميعاد التوراتية بوصفهم العرق السامي الوحيد الباقي على الأرض من شعوب العهد القديم وعصر الأنبياء الأوائل، وهم شعب الله المختار الذي يستحق من البشرية الاحترام والتقديس، ويستحق أن تخدمه الأمم وتعينه لإنشاء الوطن المقدّس والدولة القوية التي وعدهم الله بها في التوراة على أرض فلسطين كما يزعمون، وهم –أي الغرب- باعتماد تلك الأساطير والخرافات التوراتية قد ضربوا عصفورين أو أكثر بحجر واحد، فهم قد تخلّصوا من اليهود أوجزءٍ مهمٍ منهم، ومن مشاكلهم الكثيرة في أوربا والتي استمرت قروناً طويلة من النـزاعات والفتن والصراعات الدموية والتصفيات التي سوّدت تاريخ أوربا في العصور الوسطى، وفي الوقت نفسه يكونون قد ضمنوا إنشاء دولة صغيرة في الشرق العربي الإسلامي مهيأة دينياً وسياسياً وعرقياً لتثيرالفتن والقلاقل مع العرب بسبب لاشرعية تلك الدولة المزروعة في قلب بلاد العرب واغتصابها للأرض، وبسبب استراتيجيتها العنصرية والتوسعية المدعومة من قبل الغرب نفسه على الدوام،لتمهّد لهم الطريق لاستعمار الشرق متى شاءوا، أو تكون في حدها الأدنى موطئ قدم للغرب لإثارة الحروب والفتن والقلاقل وافتعال الأزمات التي لابد منها للغرب، وفق استراتيجيته الإمبريالية والاستعمارية في واقعنا المعاصر، ولاسيما خلال القرنين الماضيين وتحديداً بعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى .
 
في الواقع إن اسم سام والسامية لم يذكرفي القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية الصحيحة، وإنما ذكر هذا الاسم فقط في العهد القديم الذي يطلق عليه اليهود والنصارى اسم التوراة أيضاً، وتقول التوراة وبقية كتب اليهود الدينية عن سام بأنه أحد أبناء النبي نوح الثلاثة وهم (سام وحام ويافث) وتجعل من سام جداً للعبريينوحام جداً للكنعانيين (أي العرب) ويافث جداً للروم (أي: الأوربيين!). وتذكر الأساطير التوراتية أنه –أي: سام بن نوح- هو الجد الأعلى للعبريين واليهود وبني إسرائيل، ولسنا هنا بصدد التحليل والتمييز والفصل بين هذه الأقوام في التاريخ القديم، وتحديد الفروق بين هذه المسمّيات وزمن تواجد كل واحد منها، فان لذلك مكان آخر، رغم أن اليهود أرادوا أن يدمجوا هذه المسمّيات في معنى واحد وأصل واحد وهو الأصل التاريخي القديم لليهود، حين كتبوا تأريخهم وملئوه بالكذب والتزوير، بل إنهم تمادوا في ذلك الكذب بعد أن نسبوا أنفسهم إلى سام بن نوح، فجعلواالأنبياء كلهم يهود بهتاناً وزورا، وأكدّوا في توراتهم التي كتبوها بيد عزرا الكاهن وتلامذته- بعد السبي البابلي- إن إبراهيم كان يهودياً وهو الجد القريب لهم ولبني إسرائيل، وأن سام بن نوح هو الجد البعيد والأصل الأول لوجودهم على الأرض، وللرد التفصيلي على هذه الأساطير والروايات المفتراة مكان آخر أيضاً، سنحدد فيه -بإذن الله- المفاهيم والمصطلحات والأسماء والشعوب التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة، ولاسيما الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا بعد إبراهيم، والذين أستحوذ عليهم التراث اليهودي زوراً وقرصنة، بنفس الوسائل الأسطورية التي استخدموها في قصص الأنبياء الأوائل، أمثال آدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وربما يكفي الآن أن نذكر رأي القرآن والتوراة في هذا الموضوع،فقد تكلم القرآن عن إبراهيم محدداً شخصيته ودينه وعصره فقال تعالى:
صفحة 3
 يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون. هاأنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.ماكان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. وبذلك يؤكد القرآن حقيقة عصر إبراهيم وانه أقدم من عصر نزول التوراة والعصر اليهودي والعصر المسيحي أيضاً، وهي حقيقة علمية آثارية متفق عليها بين العلماء اليوم.
 
أما ذكر التوراة لسام بن نوح فإننا سنحاول أن ننتقي بعض النصوص في التوراة الحالية التي تعرّضت لأسماء أبناء النبي نوح ، لاسيما ما جاء في سفر التكوين/الإصحاح التاسع والعاشر والثاني والثلاثين وغيرها. والحقيقة إن تسمية السامية هي تسمية حديثة نسبياً، فقد حاول المستشرق النمساوي شلوتسر قبل قرنين من الزمن وتحديداً في عام 1781م، أن يحاكي ما جاء في التوراة من ذكر لسام وباقي أخوته وطبيعة العلاقة بينهم ومع أبيهم، للربط بين الأقوام التي كانت تتكلم بلغات متقاربة يبدو على صفاتها أنها ذات أصل واحد فأسماها اللغات السامية، وعن الأقوام والشعوب التي كانت تتكلم بها بالأقوام السامية، وهم الأكديين (البابليين والآشوريين) والعرب والكنعانيين والعبريين والفينيقيين والآراميين، وقال عنها أنها انحدرت جميعها من جد واحد هو سام بن نوح، وذلك استناداً إلى قائمة الأنساب التي ذكرتها التوراة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين. إذ تذكر التوراة في هذا الصدد ما نصه: ( وهذه مواليد بني نوح سام وحام ويافث وولد لهم بنون بعد الطوفان.. وسام أبو كل بني عابر وأخو يافث الكبير وولد له بنون أيضاً.بنو سام عيلام وآشور وأرفكشاد ولود وآرام. وبنو آرام عوص وحول وجاثر وماش. وأرفكشاد ولد شالح وشالح ولد عابر. ولعابر ولد ابنان اسم واحد فالج؛ لأن في أيامه قسمت الأرض واسم أخيه يقطان. ويقطان ولد الموداد وشالف وحضرموت وبارح وهدورام واوزال..جميع هؤلاء بنو يقطان. وكان مسكنهم من يشاح، بينما تجيء نحو سفار جبل المشرق. هؤلاء بنو سام بحسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم بحسب أممهم)(1). كما تذكر التوراة اسم سام في موضع آخر فتقول: (وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل ابنه الصغير فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لاخوته( وهو ابن حام المزعوم وأبو الكنعانيين والعرب كما يخيل كتبة التوراة، كما انه لم يولد بعد ولكنه لعن عوضاً عن أبيه حام على لسان نوح أبيه!).. ثم يكمل نوح دعوته كما ترويها التوراة فيقول:مبارك الرب اله سام، وليكن كنعان عبداً لهم، وليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبداً لهم)(2). وتذكر التوراة أيضا في مواضع أخرى: (أنجب نوح أبناءه وعمره 500سنة(3).. وحدث الطوفان وعمر نوح 600 سنة(4).. ولما كان حام هو أصغر اخوته(5) .. وسام هو أخو يافث الكبير(6).
 
وبعد استخدام شلوتسر لهذا المصطلح التوراتي الغريب عن علم التاريخ القديم والآثار حتى ذلك الحين، بدء مصطلح الساميون واللغات السامية يلاقي القبول لدى العلماء والمستشرقين اللاهوتيين وغيرهم، فشاع استعماله على نطاق واسع في مراكز البحوث والمؤسسات العلمية التي تعنى بالتاريخ القديم والآثار، ولاسيما تاريخ اللغات والحضارة والأديان. ويذكر الدكتور فاضل عبد الواحد في كتابه (من ألواح سومر إلى التوراة) أهم مميزات التقارب اللغوي بين الأقوام التي أطلق عليها اسم الأقوام السامية، نقلاً عن المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه / تاريخ اللغات السامية، فيقول: ويتجلى هذا التقارب في جوانب أساسية لعل أبرزها الآتي:
 
1. اعتمادها بصورة أساسية على الحروف الصحيحة وليس على حروف العلة، كما هو الحال في اللغات الآرية، ثم إن فيها حروفاً صحيحة إضافية غير موجودة في اللغات الآرية كالحرف اللهوي (ط) والحنكي (ق) والسني الصافر (ص) والحلقي (خ).
 
2. إن الغالبية العظمى من كلماتها مشتقة من أفعال ذات جذور ثلاثية.
 
3. وجود جنسين فقط للتعبير عن الأشخاص هما المذكر والمؤنث وعدم وجود ما يعرف بـ (لا مؤنث ولا مذكر).
 
4. وجود مجموعة كبيرة من المفردات في هذه اللغات تتطابق لفظاً ومعنى. (من ألواح سومر/ص 49).
صفحة 4
وقد ردّ العديد من علماء الآثار ذلك الرأي الذي قال به شلوتسر ومن تابعه ورفضوا التأصيل العرقي الذي جاء به، وذلك لأنه يصطدم بعقبتين رئيسيتين -كما يقول الدكتور لطفي عبد الوهاب في كتابه (الساميين أو الشعوب السامية)- همامفهومي النقاء العنصري والنقاء اللغوي..فيقول: (إن الحديث عن الشعوب السامية كمجموعة بشرية تنتمي إلى جنس أو عنصر واحد له ملامحه وخصائصه الجسمية الخاصة والمميزة له، هو حديث لا يستند إلى أساس علمي لسببين: أحدهما يتصل بقضية النقاء العنصري والآخر يتصل بين العنصر واللغة. وفيما يخص السبب الأول فان تطابق الملامح والخصائص الجسمانية بين الشعوب السامية أمر غير قائم، فنحن نجد تبايناً واضحاً في هذا المجال بين هذه الشعوب من جهة، وثم في داخل كل شعب منها من جهة أخرى..وفي الواقع فان علماء الأجناس قد انتهوا منذ أواسط القرن الحالي إلى أن الحديث عن نقاء الأجناس قد اصبح في حقيقة الأمر (خرافة علمية) بحسب تعبير أحد علماء الأنثروبولوجية المعاصرين)(7) كما يوكّد في نفس كتابه على مفهوم علمي آخر هو إن اللغة لا تصلح كأساس لتحديد العنصر والعرق فيقول: (إن الثابت من الملاحظة التاريخية هو إن اللغة لا تصلح أساسا لأي تحديد عنصري لسبب بسيط هو أن الفئات البشرية لها قابلية غريبة لالتقاط اللغات إذا كان ذلك يخدم أهدافا مصلحية أو عمرانية). أما فيما يخص قائمة النسب التوراتية فهي أيضاً لا تتفق مع الحقائق العلمية والتاريخية المعروفة، حين تجعل منالكنعانيين حاميين –أي: من أبناء حام- وتخرجهم -عن قصد- من الأقوام السامية، بسبب موروث تاريخي عن صراعهم مع الكنعانيين (الفلسطينيين) منذ القدم، وتخرجهم -عن قصد أيضاً- من قائمة الساميين، في حين أن هنالك إجماع بين العلماء على إن الكنعانيين والعرب عموماً يكونون واحدة من الجماعات الكبيرة بين القبائل السامية على حد تسمية شلوتسر، ويرتبطون مع هذه القبائل بروابط تاريخية ولغوية متينة، بل إن اللغة العربية القديمة تعدّ من الناحية العلمية هي أمّ اللغات السامية التي تكلم بها الأكديين (البابليين والآشوريين) والآراميين والأحباش والفينيقيين والكنعانيين وغيرهم من الأقوام التي عاشت في المشرق العربي في التاريخ القديم. كما إن ما يؤخذ عن قائمة الأنساب التوراتية، فضلاً عن ارتباكها ومجانبتها الحقائق التاريخية، أنها تغالي في تأصيل تلك الأنساب إلى الحد الذي أرجعت فيه تلك القبائل إلى جد واحد مشترك هو نوح، ويعقب الأستاذ لطفي على ذلك بقوله: (إن الحديث في تأصيل النسب شيء والمغالاة فيه شيء آخر..فقد يكون منطقياً أن يعرف أبناء أسرة أو عشيرة نسبهم بشيء من الدقّة النسبية إلى حدود معينة، أما أن يدفع هذا النسب تأصيلاًإلى عهد سام بن نوح فأمر لابد وان يدخل فيه قدر كبير من النحت والخيال) (ص84). كما يؤكد المستشرق كويتن في كتابه (اليهود والعرب) بان الحديث عن أصل مشترك للمتكلمين باللغات السامية وعن خصائص طبيعية(جسمية) واجتماعية مميزة لهم، لا يقوم على أساس علمي إطلاقا(8).
 
وفي ذلك أيضا يقول المؤرخ د. جواد علي ما ملخصه: إني سأطلق لفظ (عرب) على جميع سكان الجزيرة بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه والمكان الذي وجدوا فيه..وعرب اسم علم لقومية خاصة ومصطلح ظهر متأخراً في حدود القرن التاسع قبل الميلاد، وتركّز وتثبّت قبيل ظهور الإسلام، وعلى هذا فالذين عاشوا قبل الميلادبآلاف السنين هم عرب وان لم يدعوا عرباً. ويستطرد قائلاً: إن الوقت قد حان لاستبدال مصطلح (سامي) و (سامية) بـ(عربي) و (عربية)، فقد رأينا إن تلك التسمية مصطنعة وتقوم على أساس التقارب في اللهجات وعلى أساس فكرة الأنساب الواردة في التوراة.. أما مصطلح (العرب) الذي يقابل السامية فهو الأقرب إلى العلم.. وليس بعيداً عن العلم والمنطق أن تعد السامية عربية لكونها ظهرت في جزيرة العرب، لأن كثير من العلماء يرون أن جزيرة العرب هي مهد الساميين)(9).
 
ويقول المؤرخ المعروف طه باقر أيضاً حول مصطلح السامية: إن هذه التسمية الشائعة، أي: السامية والساميون، غير موفقة ولا صحيحة -في رأيي- رغم شيوعها في الاستعمال. ولو إننا اسمينا هذه اللغات بلغات الجزيرة أو اللغات العربية، والأقوام السامية بالأقوام العربية أو أقوام الجزيرة لكان أقرب إلى الصواب(10).
صفحة 5
أما القرآن الكريم فلا يعترف بتلك الأسماء التي اختارتها التوراة وأثبتها كتبة التوراة خلال عصر تدوين التوراة الذي دام قرابة ألف عام (من القرن الخامس عشر إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وهو ما يسمى تاريخياً بعصر تدوين التوراة، وقد استمرّ التنقيح والتصحيح والتعديل والإضافة والحذف على نسخ التوراة العديدة إلى قرون أخرى تجاوزت القرون الأولى بعد الميلاد كما هو ثابت علمياً في دراسة النصوص المقدسة، وتوجد اليوم أكثر من سبع نسخ أساسية مختلفة يطلق عليها اسم التوراة أو العهد القديم لدى اليهود والنصارى، كالبابلية والسامرية والسبعينية واليونانية والعبرية وغيرها)، ولم يذكر القرآن أياً من هذه الأسماء التوراتية، لا سام ولا حام ولا يافث، وإن وجدت في التراث الإسلامي فهي روايات إخبارية موضوعة وضعيفة لا تصمد أمام النقد التاريخي والعلمي وفي مواجهة نقد علم الجرح والتعديل، وغالباً ما يطلق عليها العلماء أسم الروايات الإسرائيلية، أي: التي تشربت من تراث أهل الكتاب ومروياتهم خلال اختلاطهم بالعلماء المسلمين، ولعل أبرز من روى الإسرائيليات في العصر الإسلامي الأول هم: كعب الأحبار ووهب بن منبّه وابن الكلبي وغيرهم من الرواة الذين تحدّروا من أصل يهودي. وفي الوقت نفسه فإن القرآن يحاول في استعراضه لتراث الأنبياء التأكيد على مصطلح علمي وتاريخي هام هو مصطلح الحنيفية الإبراهيمية كبديل لمصطلح السامية التوراتي الذي جاء به المستشرق اليهودي شلوتسر حين أطلقه لأول مرة على الشعب اليهودي الذي ورث رسالة موسى باعتباره شعب بني إسرائيل، والذي أضفى على هذا الشعب المشرّد صفة من القداسة والاحترام، ولاسيما في الغرب الذي كان يحتقره ويكرهه ويعاديه منذ حادثة صلب المسيح في مطلع القرن الأول الميلادي وحتى القرون الأخيرة، إذ كانت أوربا مسرحاً للعديد من الفتن الدينية والمذابح والاضطهاد الطائفي لليهود الذين كانت تهمتهم التقليدية لدى المسيحيين في أوربا، انهم مسعّروا الفتن والصراعات والحروب بين الشعوب والدول ورمزاً لشعب يعيش إلى التطفل الاقتصادي القائم على السحت والاحتكار والربا الفاحش، وكانت آخر تلك المذابح التي قام بها الأوربيون بحق اليهود هي حوادث المحارق الجماعية في ألمانيا النازية (أو ما يسمى بالهولوكوست) خلال الحرب العالمية الثانية والتي حاول اليهود الصهاينة تضخيمها واستغلالها لكسب التعاطف الأوربي والعالمي لقضيتهم والحصول على التأييد والدعم الدولي لإقامة دولتهم في فلسطين، وتشويه سمعة كل معارض لها باسم معاداة السامية المزعومة. أي أن هذا الربط بين أسم السامية وبين اليهود والمشروع الصهيوني هو ربط حديث لم يمضِ عليه أكثر من قرن أو قرنين من الزمن.
 
لقد كرر القرآن في عدد من السور والآيات اسم حنيف عشرة مرات وعبارة ملة إبراهيم ثمان مرات، وجمعهما في عبارة (ملة إبراهيم حنيفاً) خمس مرات، وللاستئناس بذكر القرآن لتلك التسمية نستشهد ببعض الآيات القرآنية التي تشير إلى ملة إبراهيم الحنيفية، والتي جاء الإسلام ممثلاً لها وعلى هديها ومنهجها وخاتماً لها ولرسالة التوحيد الإلهية التي دعت لها أديان التوحيد الثلاث السماوية (اليهودية والنصرانية والإسلامية)، ومن تلك الآيات الكريمة:
 
ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً(11).
 
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين(12).
 
إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً وما كان من المشركين(13).
صفحة 6
فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(14).
 
إن لهذا التكرار لعبارة (ملة إبراهيم حنيفاً) دلالة مهمة للإشارة إلى أن الإسلام في أصله ونبعه يعود إلى إبراهيم الخليل أبو التوحيد وأبو الأنبياء، وتعود تعاليم الإسلام إليه كرسالة ومنهج، كما تعود التوراة والإنجيل إلى هذا النبي الكريم سواء بسواء، وفي ذلك إشارة إلى وحدة الدين والرسالة ودعوة إلى الحوار الإبراهيمي والتعايش الديني والحضاري بين الأمم، ولاسيما أمم الشرق الإسلاميوالغرب المسيحي، وتشير أيضاً إلى أن الإسلام يمثّل الرسالة الخاتمة لتلك الملة الحنيفية (ملة إبراهيم)، وهي رسالة كاملة خالية من التزييف والتحريف الذي لحق بالنسخ السابقة لرسالة التوحيد بما استحفظه البشر لهذه الرسالات ولم يستطيعوا حفظها، كما أكدت البحوث العلمية والتاريخية حول تدوين الكتب المقدسة وشهد بها علماء الغرب أنفسهم، وفي الرسالة الخاتمة (رسالة الإسلام) يتعهد الخالق سبحانه بحفظها وصيانتها من التزييف والتحريف، قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. في الحقيقة إن مفهوم وحدة الدين والرسالة القرآني هو غير مفهوم وحدة الأديان التوراتي، والذي يدعو له البعض لجمع خليط ومزيج من النسخ المتعددة لرسالة التوحيد الصحيحة والمحرّفة في ميزان واحد، والدعوة إلى قبولها جميعاً على علاتها دون دراسة وتمحيص لفرز المحرّف عن الصحيح وتشخيصه وتحديده علمياً وتاريخياً ودينياً، فالقرآن يدعو إلى دين واحد ورسالة واحدة، هي رسالة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعاً، كما قال تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وقال: إن الدين عند الله الإسلام فالإسلام هو رسالة التوحيد الأصيلة التي بشّر بها الأنبياء عبر تاريخ التوحيد من لدن آدم إلى ظهور الإسلام الصريح والأخير، وحفظها الله تعالى في الرسالة الخاتمة بحفظه للقرآن الكريم ووحيه الحكيم.
 
وبناءً على ما تقدم فان (الساميّة) خدعة علمية وتزييف تاريخي وأسطورة توراتية، الهدف الأول منها رفع منزلة اليهود فوق مستوى البشر، وجعلهم الشعب المختار زورا وبهتاناً، لأن الشعب المختار والأمة المجتباة ينبغي أن تكون -في المنظور العلمي والمنطقي والديني-هي الأمة التي تسير على منهج التوحيد وخطى الرسالة الإلهية التي جاء بها الأنبياء عبر العصور، وليس هناك أمة أو شعب أو عرق محدّد بعينه يمكن أن يوصف بأنه شعب الله المختار، إلا إذا استحق ذلك التشريف بعمله واتباعه للمنهج الإلهي القويم، ويستحيل على الله سبحانه خالق البشر أن يفضّل عنصر أو عرق ممن خلق على غيره من الأمم لذاته ويطلق عليه اسم الشعب المختار، وإنما يمكن أن يكون أي شعب من شعوب الأرض وفي أي عصر وأية بقعة من بقاع الدنيا، تنطبق عليه صفات إتباع منهج الله ورسالة التوحيد هو الشعب الذي يختاره الله ويشرّفه لهداية وقيادة البشرية نحو النور. والسامية –إذن- بذلك الاعتبار هي خرافة توراتية أخترعها المستشرقون اليهود وأذنابهم لربط التاريخ اليهودي بعصور موغلة في القدم -كما ذكرنا- تصل إلى عصر نوح ، وجعلهم من نسله ونسل ابنه المفترض سام، وجعلت التوراة باقي البشر من ابنيه حام ويافث، لكي يتفردوا بالشرف والتكريم دون سائر الأمم. والحقيقة التي يؤكدها القرآن ويؤيدها العلمأنه لم يثبت تاريخياً أن لنوح أبناء لهم تلك الأسماء من غير رواية التوراة والتراث اليهودي، والتوراة الموجودة حالياً بنسخها العديدة قد كتبت -كما نعلم- بعد ضياع التوراة الإلهية المنزّلة بعد فترة من السبي البابلي ، أي: بعد منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وإن صحة هذه الأسماء التوراتية بحاجة إلى دليل علمي وتاريخي لم يدّعيه أحد من العلماء والباحثين الآثاريين المحايدين وغير المعتمدين على ثقافة التوراة وتراثها والمتأثرين بمنهجها الأسطوري. أما الحنيفية الإبراهيمية أو ملة إبراهيم، فهي مفهوم قرآني رباني من جهة، وعبارة علمية وتاريخية دقيقة تشير إلى عصر إبراهيم التاريخي المعروف والذي يتفق عليه علماء الآثار وعلماء الدين للديانات الثلاث، وهو يشير إلى مفهوم وحدة الدين والرسالة التي جاء بها الأنبياء والرسل إلى البشر من جهة أخرى. وليس في هذه التسمية القرآنية أية دعوة عنصرية أو عرقية أو طائفية، بل العكس تماماً هي تسمية علمية تاريخية متوازنة ومنيرة تدعو إلى الوحدة والتقارب والتعايش والحوار الحضاري والديني، بخلاف تسمية السامية التوراتية والتي احتكرها اليهود لأنفسهم وقاموا باستبعاد الشعوب التي يفترض أن تعود معهم إلى نفس الأصل، والتي أثبتت الدراسات اللغوية والتاريخية وجود تشابه كبير بين لغاتهم وصلة وثيقة وتكامل فكري وتاريخي بين أعراقهم وآثارهم التي أكتشفها العلماء في المواقع الآثارية وفي بحوثهم العلمية المعاصرة، وأكد معظم العلماء إنهم يعودون من حيث اللغة والأرومة إلى أصل مشترك واحد.
 
ولعلنا نستطيع أن نقوم بمقارنة بسيطة بين مفهوم الحنيفية الإبراهيمية القرآني وبين نظرية السامية التوراتية في هذا البحث الموجز، وسنحصل على النتائج المثبتة في جدول المقارنة الآتي:
صفحة 7
وعندما نصل إلى تلك النتيجة التي تؤكد خرافة مفهوم السامية وعنصريتها وعدم انطباقها على الواقع التاريخي للشعوب التي عاشت في الشرق خلال حقبة العهد التاريخي القديم وما تلاه، تصبح أطروحة (معاداة السامية) التي يتحدث عنها الغرب بدفع وتغذية من اليهود المتشدّدين لاسيما الصهاينة ومن تحالف معهم من اليمين المسيحي المتطرف والجناح البروتستانتي منهم بوجه الخصوص في أمريكا وأوربا، تصبح هذه الأطروحة خالية من أي مقياس علمي وأي مغزى موضوعي يمكن الارتكاز عليه، وتصبح هذه الفكرة الصهيونية وما يبنى عليها، ما هي إلا فقاعة جوفاء لا تمت إلى الحقيقة العلمية بصلة ولا إلى الواقع التاريخي والسياسي الذي يريد التيار الراديكالي المتشدّد في أمريكا وإسرائيل أن يسلّط الضوء عليها ويعاقب من يتجاوز عليهاويخترق الخط الأحمر لها، والذي وضعت قوانين متشدّدة في أمريكا مؤخراً لتحديد ملامحه وأوصافه، وتم صياغته على هيئة قانون وتشريع رسمي، يمكن أن تحدد في ضوئه الأشخاص والهيئات والدول التي يمكن أن تقع تحت طائلة تهمة معاداة السامية على وفق القرارات والقوانين التي قننت بالتنسيق مع أصحاب القرار الصهيوني في أمريكا وإسرائيل، وذلك لتوفير الحماية اللازمة لليهود الصهاينة، وتحصينهم أمام خصومهم ضد أي تهمة دينية أو عنصرية أو سياسية من الممكن أن توجه لهم، وكذلك لاطلاق يدهم في الأرض يعيثون فيها فساداً وطغياناً لتحقيق أحلامهم في السيطرة على مقدرات الشعوب وتسخير إمكاناتها ورصيدها الاقتصادي والسياسي والديني في خدمتهم لحكم العالم، من خلال التزييف الإعلامي والاحتكار الاقتصادي والقوة الغاشمة التي تستخدم لتكميم الأفواه وسمل العيون في عالم القوة والمادة وتجبّرها، بعد أن أضحت أمريكا اليوم القوة العظمى الوحيدة في العالم والراعية المتشدّدة لمصالح اليهود الصهاينة ومصلحة إسرائيل، وقد قاموا بتكريس هذا التوجه المنحاز والمتجبّر من خلال تشكيل العقل الجمعي والرأي العام العالمي بالصورة المناسبة لسياستهم وأهدافهم الاستراتيجية، بفضل تراكم المال والتقنية المتطورة والسيطرة الفعلية على وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، إن ذلك التضخيم الإعلامي لفكرة معاداة السامية وجعلها السلاح الفكري والسياسي لإرهاب الأمم والشعوب قد تم فرضه وتكريسه اليوم بحجة ما جرى في ألمانيا في عهد هتلر وما سبقه من اضطهاد لليهود في معظم الدول الأوربية في العصور المتأخرة، وان أحداث (الهولوكوست) أو المحرفة اليهودية كما تسميها الدعاية الصهيونية لاستدرار عطف الرأي العام العالمي ولتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، هي في الحقيقة أحداث إجرامية وعنصرية قام بها هتلر أبان الحرب العالمية الثانية للتخلص من خصومه وأعدائه، وقد تم تنفيذها بطريقة بشعة لإخافة المعارضين والمناوئين لسياسة الحرب العدوانية التي شنها على قوات الحلفاء في حينها، وقد أدت هذه الأحداث القاسية إلى مقتل بضعة آلاف من اليهود في ألمانيا النازية، ولكن الصهاينة قاموا بتضخيم هذه الحوادث التي تحدث عادة في أجواء الحروب وفي أعقاب فرض الأحكام العرفية وفي ظل الاستبداد والطغيان في التاريخ البشري، ورفعوا أعداد القتلى إلى أكثر من مائة ألف يهودي من خلال سياسة الكذب والتزييف الإعلامي المعهودة عند اليهود الصهاينة والمتشدّدين والمتطرّفين، كما قاموا أيضا بدفع هتلر في الخفاء إلى اضطهاد بني جنسهم اليهود الألمان، من خلال استفزازه ومحاربة سياسته، بغية تحفيزه للقيام بمثل تلك الأعمال الإجرامية بحق اليهود، وذلك لأهداف سياسية استراتيجية، ولكسب الرأي العام العالمي لصالح قضيتهم وإنشاء دولتهم الوشيكة في فلسطين.
 
إنه من المؤسف حقاً أن نسمع عن قانون محاسبة المتهمين بمعادة للسامية الأمريكي الذي صدر أبان انتخاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مؤخراً،كدليل عن حسن نية الإدارة الأمريكية لليهود وإسرائيل بقيادة الحزب الجمهوري اليميني المتطرّف ورئيسه بوش خلال فترة حكمه الثانية. إن من الحقائق البديهية -عقلاً وقانونا-ً إن ما بني على باطل فهو باطل، فكيف يمكن أن تتمتع مثل هذه القرارات والقوانين المتحيّزة ذات الطابع العنصري، التي بنيت وقامت على أساس لاعلمي ومضمون خرافي واسطوري، وهي قرارات نابعة من سياسة الكيل بمكيالين الأمريكية، أن تتمتع بالقبول والاعتراف أمريكياً وعالمياً، وإذا كانت السامية بمفهومها العنصري واقتصارها على الشعب اليهودي دون باقي الشعوب التي تشترك معها في التاريخ واللغة والجنس، هي من خرافات ثقافة التوراة الكثيرة، فكيف ينطلي هذا الأمر على الإدارة الأمريكية، لكي تخدع شعبها والعالم بأسره بأن هناك شعب مختار ومقدّس ينتسب إلى السامية، وإن من يعاديه –لأي مبرر كان وتحت أي سبب أو دافع من دوافع الصراع والاختلاف الإنساني- وفي أي مشكلة أو أزمة سياسية أو فكرية أو أخلاقية أو عسكرية، فهو معادٍ للسامية ويستحق العقاب المناسب الذي يضمنه ويقره القانون الأمريكي الجديد، وستقف أمريكا ضده دفاعاً عن خرافة السامية هذه وتداعياتها العنصرية. إن الإدارة التي تسمح لنفسها أن تتصرف بتلك الطريقة اللاعلمية واللاشرعية فضلاً عن افتقارها للعدالة والتوازن والعقلانية، فإنها تضع على نفسها أكثر من علامة استفهام في أهليتها للقيادة والتحضّر والرقي الإنساني.. وفي ذلك عبرة لمن يعتبر وفرصة حقيقية لأصحاب القرار الحضاريين والعلميين للتراجع من دائرة الخرافة والتطرّف والعقل الأسطوري والعمى الأخلاقي إلى دائرة العلم والحضارة والإيمان بالمبادئ الخيرة ، في ميدان الرقي البشري الذي يعتمد أساساً على الحق والعلم والعدل، ويزدان بالتعددية الحضارية والسياسية والدينية. قال تعالى:يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير(15).
 
10/11/2004
صفحة 8
هل ورثنا مثلبة عثمان دون فضائله؟!..
 
كلنا يعلم سبق عثمان وتقواه وكرمه وحياءه وقربه من النبي بزواجه من ابنتيه حتى سمي ذا النورين بفضل تلك الخصلة التي أمتاز بها بين الصحابة الكرام..
 
ولما كان عثمان شأنه شأن باقي الصحابة العظام والمؤمنين من الناس ليس معصوماً من الخطأ، فلا بد إذن أن تكون له زلة أو أكثر كان قد اقترفها في سيرته الحافلة بالجهاد والتقوى والدعوة إلى الله سبحانه، وقد تكون بحسن نية ودون علم بآثارها، كما فعل في خلافته من تقريب ذوي رحمه وأقاربه وإسناد المناصب والأدوار المهمة لهم في دولة الخلافة الراشدة، مما فتح باب الجدل والنقد والتذمّر في عهده، ومهّد –دون قصد منه- للفتنة التي انتهت بمقتله واستشهاده..
 
ولعل هذه الخصلة هي المثلبة الوحيدة البارزة في حياته السياسية بعد خلافته، والتي يمكن أن نشير إليها في حياة هذا الصحابي الجليل، والتي أدت تداعياتها بعد مقتله إلى الشقاق والصراع والتصدّع والتفرّق بين المسلمين، وإلى تبني مبدأ الحكم الوراثي وإقصاء الشورى، والذي سار عليه المسلمون منذ الحكم الأموي حتى نهاية حكم العثمانيين، ولم يزل هذا المبدأ هو الأساس- إلى اليوم -في حكم الملوك والسلاطين عبر التاريخ العربي والإسلامي.
 
ولعلنا اليوم وبعد أن سقط النظام في بغداد ودخل العراق في ظلمات الاحتلال وتداعياته، نجد تلك الخصلة منتشرة، وبصورة مضخّمة ومقنّنة عرفاً وتشريعاً، وبارزة في سلوك الكثير من الأشخاص والأحزاب والوزارات والهيئات والمديريات، ولاسيما بعد تشكيل الحكومة المؤقتة بأمر من المحتل وبإشرافه، وبعد إقرار وتنفيذ مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية السيئ الصيت الذي جاءت به قوات الاحتلال، والذي يراد منه تهشيم الضمير العراقي وتمزيقه إلى ضمير عنصري وعرقي متخلّف رغم أنفه، وتدمير الهوية الوطنية والدينية في بلادنا. وهكذا يجد المراقب في عالم الأحزاب اليوم، أنالطائفية والفئوية والعشائرية أصبحت تعشعش في سلوك أفرادها بشكل محزن وملفت للنظر في الوقت نفسه، وكذا في عالم الوزارات الجديدة التي خلفت وزارات النظام السابق، فإننا نجدها قد تجاوزت في سلبياتها وانحيازها وعشائريتها الوزارات التقليدية في عهد صدام نفسه. ومن وجهة نظر النقد الذاتي للكتلة السنّية ولفسح المجال للنقّاد والمفكّرين من باقي أخوتنا لكي يحذو حذونا في النقد الذاتي، نقول أن وزارة مثل وزارة الصناعة والمعادن -على سبيل المثال لا الحصر- قد تم اقتسامها بين فئات من الانتماء الحزبي والعشائري والجغرافي، والأمر نفسه يتكرر في الوقف السني وباقي المؤسسات بشكل أو آخر، وأصبح كل مسئول في معظم الوزارات والدوائر الحكومية -للأسف- يأتي أول ما يأتي في دائرته بابنه وأخيه وابن عمه وقريبه متأسياً في ذلك النهج بفعلة عثمان واجتهاده الذي تبين لنا تاريخياً خطأه، ومتذرّعين بالقول المأثور في الآية الكريمة الأقربون أولى بالمعروف.. فهل من المعروف -حقاً- أن يأخذ القريب حق المواطنين الآخرين الأكفأ منه والأقدر على القيام بدور معين لخدمة البلد الجريح؟!.. أم إنها نوع من الآصرة الغريزية المتخلّفة، وليست-بأي حال من الأحوال- بالآصرة الإنسانية والربانية التي يدعو لها الله سبحانه في قرآنه وبقيّة كتبه المقدسة، والتي تفوح منها رائحة العنصرية والعشائرية التي حذّر منها الإسلام ومن عواقبها وآثارها الاجتماعية المدمّرة؟!.. وهي في الوقت ذاته نوع من التجاوز والاعتداء والسرقة لحقوق الآخرين، والتي قال عن أشباهها ومثيلاتها النبي : (أتشفع في حدٍ من حدود الله يا أسامة، والله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطع محمدٌ يدها).. ترى لو لم يكن فلان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً هل سيقوم من يدّعي الكرم والوفاء بتعيين ابن فلان أو أخيه أو قريبه في المكان الفلاني أو إيفاده أو إرساله للزيارة خارج البلد أو داخله لسواد عينيه؟!.. وقد كان عمر يقول لمن يفعل ذلك من الولاة ويقبل الهدية: هلاّ قعد في بيت أبيه وانتظر الهدية..ويقول لهم أيضاً: ترى لو كنتم في بيت أبيكم هل سيأتيكم أحد بهدية.
 
إنها الرشوة الخفيّة التي بات البعض يستمرئونها ويقبلونها تحت دوافع الوهن والضعف والحب الغريزي لذوي القربى وتحت تأثير مقولة الراشين (النبي قبل الهدية)، ونقولها بمرارة –مع الأسى والأسف-إن هذا النوع من الرشوة المبطّنة هو الذي مهّد للرشوة العلنية التي حذّر منها الشرع الحنيف والقانون الوضعي سواء بسواء، والتي استشرت في دوائر الدولة وفي أروقة الأحزاب والهيئات والمديريات.. حتى بات من يريد أن يعبر شارعاً أو يأخذ وقوداً أو يدخل دائرةً، لابد له من رشوة صغيرة أو واسطة معلومة، مما جعل (المحسوبية والمنسوبيه والفساد الإداري) من أبرز ما نعانيه اليوم، فضلاً عن حالة فقدان الأمن والفوضى التي يعيشها البلد منذ أن أطلّ الاحتلال علينا بظلاله الكئيبة في بلدنا المنكوب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،قال تعالى: إن خير من استأجرت القوي الأمين.
 
فهل سنعود إلى ديننا وأخلاقنا وتقاليدنا الأصيلة التي أعزنا الله بها فيما مضى، ونتأسى بأخلاق النبي وجيل النبوة الطاهر، وننبذ تلك الخصال المذمومة والعصبيّة المقيتة؟.. وقد وُصف خلق النبي في الحديث المشهور بأنه: كان خلقه القرآن. فلا محاصصة ولا عنصرية ولا فئوية ولا طائفية ولا حزبية.. باسم صلة الرحم واستغلال الدين ولافتاته المنيرة، ومحاولات خلط الأوراق وخلط الحق بالباطل لتحقيق مآرب ذاتية دون أن يكون للدين والوطن والخير فيها نصيب .
 
1/12/2004م
صفحة 9
البطلفي السينما المصرية
 
لعله من الطريف والمستهجن في آن واحد، أن يتربى أطفالنا -كما تربينا نحن ومعظم الجيل العربي خلال العقود الخمسة المنصرمة- على إنتاج السينما المصرية من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وعلى شخصية البطل فيها منذ أيام أنور وجدي وأحمد رمزي وفريد شوقي في منتصف القرن الماضي إلى محمود ياسين وعادل إمام ونور الشريف فيما تلا تلك الحقبة، وغير هؤلاء ممن جسدوا شخصية البطل في العقل السينمائي المصري، وهو يصول ويجول والكاميرا تدون حوله أينما دار وسار وتلتقط حركاته وسكناته وكأنه مركز الوجود ومدار الإثارة والاهتمام، سواء في البيت أو السوق أو المعمل والمستشفى، فلا شيء في الوجود ذو قيمة سوى عالمه الشخصي وما يحب ويكره، وما يفكر فيه ويطمح إليه أو يعاني منه، فهو مركز هذا العالم، وكل شيء لا قيمة له إلا إذا ارتبط بالبطل الأسطوري والساحر بطريقة أو أخرى، وهكذا وجدت طريقة التفكير في العالم العربي ولقنت إلى الأجيال الناشئة لتقتدي به سواء أكان هذا البطل رجلاً أم امرأة، وسواء أكان في عالم السياسة أم التجارة أم الاجتماع، وسواء أكان في عالم الطفولة أم الشباب أم الكهولة، لا شيء في الوجود-إذن- له قيمة أو اعتبار إلا إذا ارتبط بشكل أو آخر بالذات ومصالحها وآلامها وآمالها، ليس هناك قيم حقيقية تخص الأمة والمجتمع أو الوطن وما يرتبط به من واجبات والتزامات، لقد أصبحنا نعيش في عالم يقدّس المصالح الشخصية ويعطيها الاعتبار الأول والأخير في الحياة، واصطبغت حياتنا وسلوكنا الاجتماعي والأخلاقي بشيء من الذاتية والأنانية المفرطة -إلا من عصم ربي ورحم فنجّاه من تلك اللوثة والسلوك المنحرف- بحيث أصبح كل فرد في المجتمع يتمنى لو أن كاميرة الحياة تدور حوله، وتتبعه دون غيره من الناس، وأصبح التكالب على الدنيا وحب المال والجاه هو الغالب في سلوك السواد الأعظم من الناس رغم الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة والتحديات القاسية التي تواجهها اليوم، حتى أصبحنا نعيش في دوّامة البحث عن الألقاب والكنى والثراء الفاحش بغض النظر عن مصدره وشرعيته، والذي أصبحنا نطمح أن يتحوّل مع الزمن الذي صيرناه رهاناً للمنافسة الشريفة وغير الشريفة، إلى ترف ليس له مثيل في حياتنا الفانية حتى لكأنه لا يدانيه ثراء قارون نفسه،وأصبح هم التكاثر ولهوه ولغوه هو ما يفكر فيه معظم أفراد الجيل الصاعد ويعيش من أجله في كل ما يتصل بذاته، متناسين السبب الحقيقي والجوهري لوجودنا في الحياة، وهو خلافة الأرض وإعمارها وعبادة الخالق -سبحانه- بالعمل الصالح والدؤوب لتغيير المجتمع نحو العلى والفضيلة واصلاح عيوبه ومداواة آفاته، والالتزام بما كلّفنا الله به من واجبات والتزامات تعطينا الحق والشرعيةبأن نكون جزءاً مهماً من المجتمع ومكوناته الأساسية، إن هذا المنهج المعوج، منهج الأنا والذاتية واتباع الهوى والشهوات، هو بعينه منهج تكريس الذات ونكران مصلحة الأمة وحقوقها والتي كانت الأجيال السابقة تقدسها وتفني حياتها في خدمتها ناكرة ذاتها ومصلحتها الشخصية والآنية طالبة الأجر والثواب من بارئها، لا تريد من أحدٍ جزاءاً ولا شكورا، فسادت العالم بذلك الخلق القويم، وهو في الوقت نفسه منهج التفرّق والتشرذم والشقاق والنفاق والعصبية المقيتة، وهو الحال الذي نعيشه اليوم والذي أوصلنا إلى حالة من الوهن والضعف حتى جعل الأعداء من أقصى الأرض يطمعون فينا وفي استعمارنا وادارة شؤوننا وتشكيل حياتنا كما يشاءون مستعينين علينا بضعفنا وتفرقننا وأنانيتنا وحبنا لذاتنا، فجاءوا عبر البحار والمحيطات وهم على بعد آلاف الكيلومترات كما جاءوا أول مرة قبل قرن من الزمان. قرروا المجيء إلى بلادنا واستلاب حريتنا وسيادتنا باسم الحرية نفسها التي وعدوا بأن يمنحونها لنا، وتقصدوا إذلالنا واستعبادنا حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة الغاشمة بالغزو والاحتلال، وفي هذا المعنى وذلك المكان السحيق الذي حذرنا منه معلمنا وقائدنا يقول المصطفى :
 
يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تدعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟.. قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم لكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟.. قال: حب الدنيا وكراهية الموت.
 
22/11/2004م
صفحة 10
الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك
 
يتبجح البعض من السذج من الأحزاب والجماعات التي أتت مع المحتل بعد سقوط بغداد أو تأسست بعد الاحتلال، وقد يقودها بعض المستغربين والموتورين والمتعطشين للسلطة والقيادة مع قاعدة محدودة من الأتباع يكون قاسمها المشترك في الغالب الشعور بالنقص والهزيمة الداخلية وعقدة الاضطهاد والتهميش الذي ذاقوه في العهد السابق، بما يشبه عقدة بني إسرائيل الذين عاشوا في ظل الاضطهاد الفرعوني، فكان أول عمل قاموا به بعد الخروج نكوصهم وهزيمتهم النفسية والعقدية بعبادتهم العجل وانقلابهم عن عقيدة التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد مالك الملك العزيز الجبار.. فكانت عقوبتهم عقوبة الإقصاء والاستبدال والتيه في الصحراء، كي ما يظهر الجيل الجديد بعد أربعين سنة ويستحق خلافة الأرض والنصر والتمكين بعد تخلصه من عقد العبودية والمداهنة والهزيمة النفسية والاستسلام لغير الله.
 
والآن يتبجحبعض هؤلاء المهزومين من الإسلاميين وغيرهم بضرورة الالتزام برأي الجماعة، وهم في الواقع -بقراراتهم الانهزامية كالاستئثار بالسلطة والقيادة وإقصاء الشورى والاصطفاف مع المحتل والتحالف معه- إنما قتلوا الجماعة والعمل الجماعي، ولعلهم يتصورون -كما تخيل البعض- أنهم يمثلون أهل السنة والجماعة في العراق أو على الأقل جماعة تيار الأخوان المسلمين الذين أسسوا الحزب الإسلامي العراقي منذ أكثر من أربعين عاماً، ولم يفطن هؤلاء أن الجماعة والشورى صنوان، فلا جماعة بدون شورى ولا شورى بدون جماعة، ورغم أن القولالمأثور الذي روي على لسان العديد من الأئمة الأعلام في عصر الصحابة والتابعين –كعبد الله بن مسعودوسعيد بن المسيب وغيرهما- ينير لنا الطريق، وهو إن الجماعة ما وافق الحق ولو كنـت وحدك. ومع ذلك فلا يصح مطلقاً أن يكون موقف هذا الحزب أو ذاك، الذي قد يقوده نفرٌ بعضهم من تيار التغريب والتطبيع الذي جاء من خـارج العـراق بعـد الحرب، هو الذي يمثل موقف الجماعة في العراق، سواء أكانت هذه الجماعة هي جماعة أهل العراق بكل أطيافهم وفصائلهم، أم جماعة أهل السنة في العراق، أو إخوان العراق بل حتى جماعة الحزب الإسلامي العراقـي الأصيـل نفسـه الذيـن تقصّـد هذا الحزب وقيادته الجديدة استبعاد وإقصاء القادة المؤسسين له، وتهميش دورهم لعدم موافقتهم على التوجه الجديد للحزب والمساومة على مبادئ الإسلام وثوابته، لاسيما رفض الاحتلال ومقاومته بكل السبل، وعلى رأس هؤلاء القادة المؤسسين للحزب والذين تم تهميشهم او تحجيمهم من قبل القادة الجدد، الشاعر الإسلامـي والكاتب المعروف الاستاذ وليد الأعظمي والشيخ الجليل كاظم أحمـد المشايخــي رئيس جمعية التربية الإسلامية، اللذان توفيا قبل أشهر بعد أن عاشا أشهراً طويلة من الإقصاء والتهميش المتعمّد من قبل الحزب وأركانه بعد سقوط بغداد، وكذلك الشيخ الداعية إبراهيم منير المدرس، بل لقـد وصـل التهميش والمحاصرة إلى الشيخ الداعية محمد أحمد الراشد والشيـخ الأستاذ نعمان السامرائي رئيس الحزب الإسلامي عام 1960م والشيخ الفاضل المرشد عبد الكريم زيدان، ويعد هؤلاء من أبرز وأكبر الشخصيات التي عملت -منذ عقد الخمسينات- في صفوف قيادة الأخوان المسلميــن في العراق مع المرشد الأول الشيخ محمد محمود الصواف رحمه الله، ثم توّجت عملها الريادي في العراق بتأسيس الحزب الإسلامي العراقي في عام 1960م كما هو معروف لدى المتتبعين لتاريخ الحزب. فهم لا يمثلون في حقيقة الأمر إلا جماعة منشقّة من الحزب الإسلامي العراقي الأول، أقصت قياداته واستحوذت على قاعدته وقاعدة الأخوان في العراق، سواء بالإقناع أو التعسف والمحاربة وإقصاء المعارضين وتهميش دورهم.
 
لــذا وللأمانـة العلميـة والتاريخية لابد من الوقوف على حقيقة الأمر ولكي لا تلتبس الأمور وتختلط الأوراق، فالإخوان كان موقفهم وما يزال منذ الإمام الشهيد حسن البنا وحتى اليوم ضد الاحتلال والتبعية، ومع المشروع الوطني المقاوم للاستعمار بشتى صوره، ولكن الحزب الحالي في قيادته الجديدة، اختار طريقاً آخر مختلفاً تماماً مع ما كان معروفاً عنه من مناهضة للاستعمار ورفض للاحتلال مهما كانت مبرراته ومسوغاته، وقد اصطف في هذا الموقف الغريب عن منهجه وتاريخه وثوابته مع المعارضة العراقية للنظام السابق، فصيّرهم المحتل -من حيث يعلمون أو لا يعلمون- بما يشبه حصان الطروادة وجعلهم أدوات بيده لتحقيق ما يريد بعد احتلال البلد، مقابل مكاسب ووعود سياسية معينة، لتبرير احتلاله واجتياحه للعراق، في حين وقفـت أوربا والعالم الحر ضد هذا الاحتلال والغزو اللاشرعي واللاقانوني، ولم تستطع أمريكا رغم نفوذها الكبير في مجلس الأمن أن تستصدر قراراً واحداً يضفي الشرعية والقانونية على عدوانها واحتلالها.