eKtab
EN ع
حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية
اقرأ عينة مجانية

حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية

بقلم د. صلاح عبد الفتاح الخالدي

صفحة 1

مقدمة

أرض الصراع بيننا وبين اليهود في هذا العصر هي الأرض المقدسة المباركة، الواقعة بين النهرين الإسلاميين: الفرات والنيل.
اليهود الكاذبون يقولون: ما بين الفرات والنيل أرض إسرائيلية، أعطاها الرب لإبراهيم عليه السلام قبل آلاف السنين، وجعلها لذريته الإسرائيليين حتى قيام الساعة، فهي «أرض الميعاد» بالنسبة لهم، وإذا كانوا قد تمكنوا من احتلال فلسطين كلها، وإقامة كيانهم عليها، فإنهم يخططون لاحتلال الأرض الواقعة بين الفرات والنيل كلها، في أية صورة من صور الاحتلال والسيطرة!
ونحن المسلمون نوقن أن النيل والفرات نهران إسلاميان، وأن الأرض الواقعة بينهما أرض إسلامية مباركة مقدسة، وهي أرض الحشد والرباط، والمواجهة والجهاد، والحسم والفصل، وأن «الطائفة المجاهدة» موجودة عليها، وستتمكن من هزيمة اليهود وإعادة الأرض للإسلام والمسلمين، إن شاء الله.
وهذا الكتاب يقدم حقائق قرآنية هادية صادقة، بالنسبة للقضية الفلسطينية والمسألة اليهودية، في بعدها التاريخي، ينظر في آيات القرآن التي تحدثت عنها، ويسجل دلالاتها وحقائقها، ويقدمها للباحثين والمثقفين.
وهو في أصله مقالات نشرتها في مجلة «فلسطين المسلمة»، ثم أصدرته أسرة تحرير المجلة في أحد منشوراتها، ونفدت نسخه من الأسواق، وازداد الطلب عليه، فرأيت أن أُعيد نشره، سائلاً من الله التوفيق والسداد.
جعلت الكتاب في اثني عشر فصلاً، يسبقها تمهيد، جعلت التمهيد أساساً للدخول إلى الحقائق القرآنية، المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
الفصل الأول: خصصته للحديث عن الأرض المباركة في القرآن، ووجدت أن «الأرض المباركة» في القرآن أطلقت على هذه الأرض الحية، وذكرت بعض مظاهر البركة التي جعلها الله في هذه الأرض.
الفصل الثاني: الأرض المقدسة في القرآن. تابعت فيه حديث القرآن عن الأرض المقدسة والوادي المقدس، وأنها محصورة في الأرض الإسلامية الواقعة بين الفرات والنيل، وسجلت بعض دلالات قداسة هذه الأرض.
الفصل الثالث: فلسطين إسلامية منذ إبراهيم (عليه السلام): ذكرت فيه هجرة إبراهيم (عليه السلام) بأمر من الله من العراق إلى فلسطين، وأنه وجد فيها أهلها الكنعانيين، وأنه كان فيها نبياً رسولاً مسلماً، ولم يكن يهودياً ولا نصرانياً.
الفصل الرابع: إبراهيم (عليه السلام) هو باني الكعبة والأقصى: وهذا دليل على أن فلسطين أرض إسلامية منذ إبراهيم (عليه السلام)، فهو باني الكعبة المشرفة بنص القرآن، والمسجد الأقصى بني بعد الكعبة بأربعين سنة، فالأقصى بني في بيت المقدس قبل أن يوجد أول إسرائيلي أو يهودي.
الفصل الخامس: داود وسليمان عليهما السلام يقيمان حكماً إسلامياً لا يهودياً. بينت فيه معنى «الإسلام» كما ورد في القرآن، وأنه دين الأنبياء جميعاً، وأن كل نبي دعا قومه إلى الإسلام، وأن أتباعه مسلمون. وبما أن الملكين الإسرائيليين داود وسليمان كانا رسولين عليهما الصلاة والسلام، فقد جاءا بالإسلام، ومن ثم أقاما حكماً إسلامياً هادياً، وأتباعهما مسلمون ديناً، رغم أنهم إسرائيليون نسباً.
الفصل السادس: موقفنا من تاريخ بني إسرائيل: قسمت فيه بني إسرائيل إلى صنفين: بنو إسرائيل المؤمنون، وهم قلائل بين اليهود، وهؤلاء نحبهم ونشيد بهم، وفي مقدمة هؤلاء أنبياء بني إسرائيل، الذين هم أنبياؤنا، ونؤمن بهم كما نؤمن بباقي الأنبياء .. والصنف الثاني: بنو إسرائيل الكافرون، وتاريخهم أسود كله جرائم ومخالفات، وهؤلاء نكرههم ونذم تاريخهم.
الفصل السابع: لا نقول: «دولة إسرائيل»: دعوت فيه إلى التفريق بين اسم «إسرائيل» واسم «اليهود». فإسرائيل اسم مبارك لنبي الله يعقوب (عليه السلام)، واليهود كاذبون في ادعائهم الانتساب لنبي الله إسرائيل، فهم يهود كافرون مجرمون، وليسوا إسرائيليين مؤمنين!
الفصل الثامن: الرسول يتسلم مفاتيح الأرض المقدسة: وذلك عندما أم بالأنبياء في المسجد الأقصى ليلة الإسراء، والدلالات التي تؤخذ من هذه الإمامة العظمى.
الفصل التاسع: الفرات والنيل نهران إسلاميان وما بينهما أرض إسلامية: انطلقت فيه من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الذي أخبر فيه عن بعض ما رآه في السماء ليلة المعراج، حيث أخبر أنه رأى النيل والفرات ينبعان من الجنة، وقد بينت الدلالة الإسلامية الجهادية لهذا الحديث.
الفصل العاشر: مستقبل اليهود كما تقرره سورة آل عمران: وقفت فيه مع آيات من سورة آل عمران تقرر أن الله ضرب على اليهود الذلة والمسكنة، وأوقع بهم اللعنة والغضب، ومن ثم عمر كيانهم قصير، ووجوده موقوت، وسوف يعودون إلى الذلة والمسكنة.
الفصل الحادي عشر: مستقبل اليهود كما تحدده سورة الأعراف: وقفت فيه مع آيات من سورة الأعراف، تخبر عن سنة الله في اليهود، في أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وما كيانهم على أرض فلسطين إلا فترة استراحة قصيرة، يعودون بعدها إلى ذل الأبد.
الفصل الثاني عشر: مستقبل اليهود كما تحدده سورة الإسراء: أطلت فيه الوقوف مع آيات سورة الإسراء التي تتحدث عن إفسادين لليهود، مقترنين بالعلو الكبير، ورجحت أن إفسادهم الأول كان في المدينة وما حولها، وأن الرسول(صلى الله عليه وسلم)وأصحابه الكرام هم الذين أزالوه .. ورجحت أننا نعيش الآن إفساد اليهود الثاني، وذكرت الأدلة على ذلك من خلال النظر في آيات سورة الإسراء، وأن هذا الإفساد اليهودي العالمي سوف يزال عن قريب بإذن الله!
وخرجت من آيات القرآن التي تحدثت عن مستقبل اليهود بنتيجة قاطعة: إن عمر كيانهم على أرض فلسطين قصير، وإنه ينتظر اليهود مستقبل مظلم حالك السواد، وإن الأمة المسلمة سوف تصحو بإذن الله، وتعود إلى إسلامها، وتقاتل أعداءها، وتحرر البلاد المقدسة منهم، وتحقق النصر بإذن الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو القوي العزيز.
أرجو الله أن يتقبل هذه الدراسة بقبول حسن، وأن يضاعف لي
عليها الأجر والثواب، وأن ينفع بها الناس، وأن تكون خطوة على طريق الجهاد المبارك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
د. صلاح عبدالفتاح الخالدي
الخميس 19/7/1423ه‍
26/9/2002م
صفحة 2

بين يدي هذه الحقائق القرآنية

يقر كل مسلم واعٍ بصير، أن الأمة تواجه في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخها معركة شديدة طويلة مع أعدائها، ومع ألد هؤلاء الأعداء، وهم اليهود، وأن الأمة اليوم تتلقى هجمة يهودية عنيفة، وغزواً يهودياً مركزاً شاملاً، وأن قادة الأمة من الحاكمين والسياسيين لم يعملوا على تعبئة قوى الأمة وحشد طاقاتها، لمواجهة هذا التحدي اليهودي الكبير، بل كانوا عوناً لليهود في تنفيذ مخططاتهم، وتحقيق هجومهم، وعملوا على إذلال وإخضاع الأمة لليهود. وصدق في هؤلاء القادة قول الشاعر «عمر أبو ريشة»:
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يك الراعي عدو الغنم

مدركون للمعركة وغافلون عنها

ويدرك كل مسلم واعٍ بصير، أن اليهود في هذه المرحلة من حربهم للأمة، قد قطعوا شوطاً كبيراً في تنفيذ مخططاتهم، وأنهم قد حققوا كثيراً مما رسموه وأرادوه، وأنهم ماضون قدماً في إكمال تحقيق مشاريعهم وبرامجهم ومخططاتهم، للتمكن من المنطقة والسيطرة عليها، وإخضاع العالم معها، وإيجاد العصر اليهودي، والهيمنة اليهودية.
هذه أمور يقر بها ويدركها المسلمون الواعون البصيرون في هذه الأمة، ويتفقون في الإجماع عليها والاعتراف بها.
بينما نرى قطاعات كبيرة من الأمة لا تعي هذه الأمور، ولا تعيش حقيقة المعركة مع اليهود، ولا تقف على الخطر اليهودي، وهذه القطاعات الكبيرة التي تضم ملايين عديدة يتعاملون مع المسألة بسذاجة وبلاهة و «عبط»، ويستسلمون للمكائد والأساليب اليهودية، و «ينشغلون» بشهواتهم ومنافعهم ومصالحهم الذاتية الفردية، ويقبلون أن يكونوا «أممين» عبيداً خاضعين لليهود، وأن يتحولوا إلى «حقل تجارب» للنتاج اليهودي الكريه، والإنتاج اليهودي المدمر.

طابور ينفذ مخططات اليهود

أما «الطابور الكبير» الذي ينخر في الملايين الساذجة، والذي يروج فيها الغزو اليهودي، و «يسوق» فيها هذا النتاج اليهودي، فهذا الطابور هو الأداة اليهودية في التمكن من الأمة، وهذا الطابور مكون من المزورين: من الإعلاميين والمطبلين، ومن السياسيين والدبلوماسيين، ومن الحاكمين والمتنفذين، ومن المخططين والمنظرين والمحللين، ومن الكاتبين والمتحدثين، كل هؤلاء المروجين للبضاعة اليهودية، أعداء للأمة، وأعوان لليهود.
وإذا كان هذا الطابور يملك أدوات القيادة والإدارة والسيطرة في الأمة فتكون المصيبة أكبر، والمؤامرة أعتى، والمعركة أعنف، والمسؤولية أعظم!!
صفحة 3

قلة بصيرة تثبت الأمة

والذين يعملون على تثبيت الأمة أمام الخطر اليهودي، وعلى «تحصينها» أمام الفساد اليهودي، وعلى تهيئة وتربية وإعداد الأمة لتقف أمام الهجمة اليهودية، هؤلاء قلة قليلة في عددها، لكنها كثيرة في أثرها، عظيمة في نفعها، وهذه طبيعة جند الحق دائماً، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13].
هذه القلة الواعية البصيرة هي التي تحمل «همّ» المسلمين، وتقوم «بالمسؤولية» المنوطة بها، وهذه القلة تعمل جاهدة على إيقاظ الأمة المسلمة، وعلى فتح عيونها على الخطر، وعلى إعدادها وتربيتها وتهيئتها للقيام بواجبها الجهادي في المستقبل.

هي قلة مجاهدة

هذه القلة العاملة المجاهدة تقوم بأكبر واجب، وتؤدي أعظم رسالة، وهي الكواكب النيرة المضيئة في ليل الأمة المظلم، وهي الأمل المرتجى لهذه الأمة، هي التي تبذر الآن بذور الأمل، لتنبت وتنمو في ما بعد، وتغرس غراس التغيير، لتثمر التغيير المرجو القادم في المستقبل.
هذه القلة البصيرة المجاهدة، تنفق في هذه المهمة العظيمة كل ما وهبها الله، من مال ووقت، وسعي وجهد، وفكر ووعي، وقلوب وعقول وأعصاب، وأيام وشهور وسنوات، وآمال وبرامج وأمنيات.
ينطبق على هذه القلة المجاهدة العاملة قول الشاعر:
ذو العقل يشقى في الوجود بعقله
وأخو الجهالة في الجهالة ينعم
وتخاطب هذه القلة المجاهدة المملوءة همة وعملاً وسعياً وجهاداً الأمة السادرة اللاهية العابثة، بقول الشاعر:
تعجبين من سقمي
تضحكين لاهية
صحتي هي العجب
والمحب ينتحب
صفحة 4

هي تعي خطورة الموقف

وتواجه هذه القلة المجاهدة بكل الكيد والمكر والحقد والكره، حيث يدرك الأعداء اليهود، وأعوانهم وعملاؤهم، خطورة هذه القلة المجاهدة على مشاريع وبرامج ومخططات اليهود للسيطرة على المنطقة، ويعلم هؤلاء الأعداء أنه لا يقف أمام اليهود إلا هؤلاء المجاهدون، ولا يحصن الأمة إلا المجاهدون، ولا يكشف «زيوف» اليهود إلا المجاهدون، ولا يثبت في المواجهة إلا المجاهدون، ولا يبقى ويستمر إلا أثر هؤلاء المجاهدين، ولا ينفع الأمة إلا جهود هؤلاء المجاهدين.
ويريد الأعداء اليهود وأعوانهم سحق هؤلاء المجاهدين والقضاء عليهم، لتخلو الساحة لليهود، ويتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم.
لكن القلة المؤمنة الواعية المجاهدة تعي هذه الحقيقة، وتدرك خطورة المعركة، وتعرف ما هي مقدمة عليه، وتقف على درجة الخطر، إنها تتصور كل هذا، لكنها لا تهولها التضحيات الجسام، ولا تخيفها الضريبة الباهظة، والثمن المرتفع الذي تدفعه.
إن هذه القلة المؤمنة الواعية البصيرة تعرف طريقها، وقسوة ومشقة ووعورة هذا الطريق، وما يتطلبه من بذل وجهد وتضحية، وما ينتج عنه من آلام ومآس، وتعرف نهاية هذا الطريق المضمونة الأكيدة، التي تحقق لها الفوز والنجاح والكسب، والتي تجعلها تتحمل كل ما دفعته من ثمن باهظ لتنال تلك النتيجة المرجوة، والسعادة المرغوبة.

قلة قبلت التحدي والمواجهة

هذه القلة المؤمنة المجاهدة تقبل على هذه المواجهة مع اليهود، وتدخل ميدان المعركة معهم، وترضى بالتحدي، وهي معتصمة بحبل الله، متوكلة على الله، موقنة بنصر الله، راضية بقدر الله الذي اختارها لهذه المهمة العظيمة، مؤمنة بتحقيق وعد الله، راغبة في نيل مرضاة الله، مزودة بسلاح الإيمان واليقين، والوعي والبصيرة، والصبر والثبات، والجهاد والمواجهة والتحدي.
هذه القلة المجاهدة ثابتة وسط المبدلين، صابرة وسط المرعوبين، شجاعة وسط الجبناء، مستيقظة وسط النائمين، واعية وسط السذج، بصيرة وسط المخدوعين، مهتدية وسط الحائرين، مطمئنة وسط المحبطين، موقنة وسط الشاكين، مجاهدة وسط القاعدين.
تدخل المعركة بهذه النية، وهذه الهمة، هذه العزيمة، وهذه البصيرة، وهذه الثقة، ينطبق عليها في هذا كله قول الشاعر:
وقفت وما في الموت شك لواقف
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
ووجهك وضاح وثغرك باسم
وتتمثل في تحديها ومواجهتها وجهادها بقول الشاعر:
سأحمل روحي على راحتي
فإما حياة تسر الصديق
وما العيش لا عشت إن لم أكن
لعمرك إني أرى مصرعي
أرى مقتلي دون حقي السليب
لعمرك هذا ممات الرجال
وألقي بها في مهاوي الردى
وإما ممات يغيظ العدى
مهوب الجناب حرام الحمى
ولكن أغذ إليه الخطى
ودون بلادي هو المبتغى
فمن رام موتاً شريفاً فذا
صفحة 5

دعوة للانحياز إليها

إننا ندعو كل راغب في التغيير، جاد في الإصلاح، يتمتع بإيمان ووعي، وهمة وعزيمة، وبصيرة وثقة، إلى أن ينحاز إلى هذه القلة المؤمنة الواعية البصيرة المجاهدة، وأن يلتحق بهذا الموكب الإيماني الجهادي التربوي، ندعو إلى ترك السعي وراء السراب، والتخلي عن الأوهام، وعدم الانخداع بالبضائع اليهودية المسوقة في سوق الأمة، وعدم الاغترار بالزيوف اليهودية الرائجة. ندعو إلى إزالة الشك والتردد والحيرة، والسير الجاد الصادق في الطريق الوحيد المضمون، طريق التربية والإعداد، والتهيئة والجهاد، طريق المواجهة والتحدي، والمقاومة والتصدي، والاستعلاء على كل المعوقات والمثبطات، والمغريات والمضللات.
هي العنقاء تأبى أن تصادا
فعاند من تطيق له عنادا
ونقول للمترددين الحائرين، والمشفقين الخائفين: اختاروا مواقعكم الآن وسط هذه القافلة المجاهدة، ولا تحجموا بسبب ضخامة التبعة، وارتفاع الثمن، فهذا هو الطريق الوحيد، الذي يليق بإيمان المؤمن، ورجولة الرجل، وعزيمة المجاهد.
تهون علينا في المعالي نفوسنا
ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر
وإذا بقيتم على ترددكم وإحجامكم، وخوفكم وإشفاقكم، فإن القافلة تسير بدونكم، وإن المهمة تؤدى بغيركم، ولا نريد أن تستيقظوا متأخرين، فقد يفوتكم القطار، وقد لا تجدون فيه موطئ قدم، لأن الآخرين يكونون قد سبقوكم إليه، وحجزوا أماكنهم فيه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:38].

لنكن أسباباً للنصر

إن دين الله منصور، بنا أو بغيرنا، فلماذا لا نكون نحن سبباً بشرياً في نصره؟ وإن الحق سيعلو، على أيدينا أو أيدي غيرنا، فلماذا لا نعلي نحن لواءه؟ وإن الباطل سيزهق بإذن الله، بجهودنا أو بجهود غيرنا، فلماذا لا نكون البادئين بإزهاقه؟ والأجيال القادمة ستكمل ذلك.
لنحرص على أن نكون ستاراً لقدر الله، يحقق الله قدره في إيقاظ الأمة من خلالنا، وينصر الله الحق على أيدينا، ويقمع الله الباطل بجهودنا، لنحرص على أن نكون أسباباً وأدوات لكل هذا، والمقدر والمسبب والمريد هو الله سبحانه.

دخول المعركة بسلاح القرآن

إلى هؤلاء الثابتين الصابرين، المجاهدين البصيرين، نوجه دعوتنا، ليدخلوا المعركة الحتمية مع اليهود، مسلحين بسلاح القرآن، مستنيرين بأنوار القرآن، متعاملين مع حقائق القرآن بإيمان ويقين، ووعي وبصيرة.
اليهود مزورون، وقد كشف القرآن تزويرهم، اليهود أصحاب زيوف، وقد فضح القرآن زيوفهم، اليهود «مجمع» نقائص ورذائل ومفاسد، وقد وضح هذا القرآن، اليهود أعداء ماكرون، وقد عرفنا عليهم القرآن.
صفحة 6

الفصل الأول

لأرض المباركة في القرآن

فلسطين وما حولها بلاد مباركة، باركها الله سبحانه، وهي أرض مقدسة، قدسها الله، وجعلها أرض العقيدة والإيمان، وأرض الطهر والفضيلة، وأرض المواجهة والجهاد، وأرض الرباط والاستشهاد، وأرض الحسم والتقرير.
ولفلسطين وما حولها من البلاد تاريخ إسلامي إيماني عريض، هاجر إليها أنبياء كرام، وعاش فيها رسل عظام، وأقام فيها مؤمنون صالحون، وجاهد عليها مجاهدون، وقامت فيها دولة إسلامية، وهزمت عليها جيوش كافرة.
والإيمان مستقر راسخ في فلسطين منذ القدم، ضارب بجذوره فيها، وكم حاول الكفار اجتثاثه منها، وإرساء الكفر مكانه، فباءت جهودهم بالفشل الذريع.
وجعل الله فلسطين المباركة -وما حولها من الأرض المقدسة- لأمة الخلافة والشهادة على الناس، أمة محمد(صلى الله عليه وسلم)وطالبها أن تحافظ عليها، وأن تفشل مؤامرات الكافرين الطامعين فيها، وأن تجاهدهم على ثراها المبارك.
وتعيش هذه الأرض المباركة المقدسة في هذا العصر، هجمة «يهودية» شرسة، ومخططات يهودية خبيثة للسيطرة عليها، والتمكن منها، وجعلها مقر القيادة اليهودية الشيطانية، للسيطرة على العالم أجمع.
ويقف رجال مجاهدون أبرار من المسلمين، أمام هذه المخططات اليهودية، يعلنون الوجه الإسلامي البارز لهذه الأرض، والرفض الإيماني الثابت للوجود اليهودي عليها، ويقفون أمام الشياطين اليهود برباط وجهاد وثبات.

الله بارك هذه الأرض

أشارت آيات القرآن إلى حقيقة قاطعة، وهي البركة التي باركها الله لهذه الأرض المباركة، وجعلها فيها دائمة مستمرة مستقرة.
ولدى نظرتنا إلى ورود «باركنا» في القرآن، فإننا نقف على ملاحظة هامة، وهي: لقد حصرت آيات القرآن الفعل الماضي «باركنا» في الأرض المباركة فلسطين وما حولها.
ورد فعل «باركنا» ست مرات في القرآن، وهو في هذه المرات كلها، جاء إخباراً عن «الأرض المباركة»، وتقرير أن الله سبحانه هو الذي بارك فيها.

مجيء إبراهيم ولوط إلى فلسطين

قال تعالى عن إبراهيم (عليه السلام) ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:71].
لقد كان إبراهيم (عليه السلام) في العراق، وقام هناك بواجبه في الدعوة إلى الله تعالى، ومواجهة قومه الكافرين، وتفنيد كفرهم وباطلهم، فقد دعا أباه إلى الله، كما تخبر آيات سورة مريم، ودعا قومه إلى الله، وفنّد عبادة غير الله، كما تخبر آيات سورة الأنعام، ودعا الملك الظالم إلى الله، ولما رفض الإيمان تحداه بتغيير حركة الشمس، كما تخبر آيات سورة البقرة.
ولما رفض قومه الإيمان، أراد إزالة الحاجز الذي يحول بينهم وبين الإيمان، وهي الأصنام والأوثان، التي يعتبرونها آلهة، ويعبدونها من دون الله، فلما ذهبوا إلى عيدهم خارج المدينة، ذهب إلى أصنامهم فحطمها، ولما عرفوا أنه حطمها، حاكموه، وحكموا عليه بالحرق بالنار، ولما أشعلوا النار الكبيرة، وألقوه فيها، أنقذه الله منها، وجعلها برداً وسلاماً عليه، وخرج منها سليماً منصوراً ظافراً كما تخبر آيات سورتي الأنبياء والصافات.
وبهذا وصلت الأمور بينهم وبينه إلى نقطة اللاعودة، فكان لابد أن يفارقهم ويخرج من بينهم، ويبحث عن بلاد جديدة، يقوم فيها بواجبه في الدعوة إلى الله.
فأعلن هجرته من بلده إلى ربه، وخرج بأهله المؤمنين، وكان لوط (عليه السلام)، ممن هاجر معه، قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:26].
ولما هاجر -هو ولوط ^- من العراق، وجههما الله إلى «فلسطين»، ليستقرا عليها، ويقيما فيها، ويقوما بواجبهما في الدعوة إلى الله تعالى.
واستقر إبراهيم (عليه السلام) في منطقة بيت المقدس من الأرض المباركة، بينما وجه الله نبيه لوطاً (عليه السلام) إلى الشرق من بيت المقدس، ليكون نبياً عند القوم القاطنين شرق فلسطين، والذين عُرفوا فيما بعد بقوم لوط.
هذه الأرض التي أقام فيها النبيان الكريمان -إبراهيم ولوط عليهما السلام- هي المقصودة بقوله تعالى في آية سورة الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:71].
صفحة 7

ذرية إبراهيم في فلسطين

قال الله تعالى عن إبراهيم وإسحاق عليهما السلام: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:112-113].
أقام إبراهيم (عليه السلام)، في بقعة من هذه الأرض المباركة، التي بارك الله فيها، وذهب مرة في زيارة إلى مصر، وجرت له مشكلة مع ملك مصر الظالم الفاجر، حيث أراد الاعتداء على زوجه سارة ، ولكن الله حفظها وصانها وهي عند الملك، بمعجزة ربانية باهرة، جعلت ذلك الملك يكرم إبراهيم (عليه السلام)، ويعطيه «هاجر» رضي الله عنها -كما روى ذلك البخاري في صحيحه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)- وعاد إبراهيم (عليه السلام) إلى فلسطين، وهناك ولدت «هاجر» ابنه «إسماعيل» النبي (عليه السلام)، وتوجه بهاجر وابنها إسماعيل إلى بلاد الحجاز، كما أمره الله عز وجل.
وعاد إلى مقر إقامته في الأرض المباركة، وهناك حملت زوجه سارة رضي الله عنها، وولدت له ابنه الآخر «إسحاق» (عليه السلام).
وبارك الله على إبراهيم (عليه السلام)، المقيم في الأرض المباركة، كما بارك الله على ابنه إسحاق (عليه السلام)، المقيم أيضاً في الأرض المباركة: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾.
وأقام إسحاق (عليه السلام) في الأرض المباركة، بعد وفاة والده إبراهيم (عليه السلام)، وأقام بعده ابنه النبي «يعقوب» (عليه السلام)، في الأرض المباركة «فلسطين».
ولما هاجر يعقوب إلى ابنه يوسف (عليه السلام) -حاكم مصر وقتها-، أخذ معه أولاده، وأقاموا هناك في مصر.
وتوفي يعقوب وابنه يوسف، عليهما الصلاة والسلام، ومر قومهما
بنو إسرائيل بعد ذلك بمرحلة الاضطهاد والتعذيب، على أيدي الفراعنة
في مصر.
وطالت فترة اضطهاد بني إسرائيل في مصر، على أيدي الفراعنة، إلى أن حقق الله مشيئته وإرادته بإنهاء اضطهادهم، فبعث موسى عليه الصلاة والسلام نبياً، وأرسله إلى فرعون، وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل، وأن يسمح لهم بالخروج معه من مصر.

مجيء بني إسرائيل إلى فلسطين

قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:137].
تخبرنا هذه الآية عن نهاية المواجهة بين موسى (عليه السلام) وقومه المؤمنين من بني إسرائيل من جهة وبين فرعون وقومه من جهة أخرى، حيث أنجى الله موسى (عليه السلام) وأتباعه المؤمنين، من فرعون وقومه، وجعلهم يعبرون البحر إلى الأرض المقدسة، ولما لحق بهم فرعون وملؤه، أطبق عليهم البحر، وأغرقهم فيه.
وبذلك أورث الله موسى وقومه المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في مصر، عند فرعون وملئه، الأرض التي باركها وبارك فيها سبحانه، وصاروا يتجولون بين مشارق هذه الأرض ومغاربها.
وجعل الله لأولئك القوم المؤمنين هذه الأرض المباركة، جائزة لهم على إيمانهم، وثمرة مباركة لجهادهم وصبرهم، وثباتهم على الحق، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا﴾.
وقد كان خط سير بني إسرائيل المؤمنين مع نبيهم موسى (عليه السلام)، بعد تيه جيلهم الخائف الجبان أربعين سنة في سيناء، كما تخبر آيات سورة المائدة، حيث سار موسى (عليه السلام) بقومه المؤمنين إلى جهة المشرق، لدخول فلسطين من جهة الشرق، شرق نهر الأردن.
ولكن جاء ملك الموت لموسى (عليه السلام)، قبل دخول القوم المؤمنين فلسطين المباركة، فتوفاه الله وقومه شرق نهر الأردن، وقبل أن يموت موسى (عليه السلام) طلب من ربه أن يدنيه من الأرض المباركة فلسطين، ويقربه منها بضربة حجر، كما روى ذلك البخاري عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
روى البخاري، عن أبي هريرة (رضي الله عنه)، عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)من حديث طويل أنه قال: «.. فسأل موسى الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فلو كنتُ ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر».
وقاد بني إسرائيل بعد وفاة موسى (عليه السلام) «فتاه» يوشع بن نون ودخل بهم الأرض المباركة، من جهة المشرق، وحملوا معهم جثمان موسى (عليه السلام)، ودفنوه في الأرض المباركة، إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ولعلّ هذه المنطقة هي الواقعة بين «أريحا» و «القدس» والمعروفة باسم الخان الأحمر.
صفحة 8

مظاهر حكم سليمان في فلسطين

قال تعالى عن سليمان (عليه السلام): ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:81].
استقر بنو إسرائيل المؤمنون في الأرض المباركة «فلسطين» وأقاموا فيها حكماً إسلامياً، على يدي «يوشع بن نون» وخلفائه المؤمنين الصالحين.
وجدّت لهم فيها أمور بعد ذلك، وحدثت منهم مخالفات، فعاقبهم الله، وسلط عليهم أعداءهم الكافرين، فهزموهم في الأرض المباركة، ثم عادوا إلى الله تعالى، ورغبوا في الجهاد، فاختار لهم من بينهم «طالوت» ملكاً، وقادهم طالوت في حرب زعيم الكفار «جالوت»، وانتهت الحرب بانتصار طالوت وجيشه المؤمن، على جالوت وجيشه الكافر، وجاءهم نصر الله في تلك المعركة.
وبرز من بين جيش طالوت شاب مؤمن مجاهد، هو «داود» (عليه السلام)، الذي هجم على الكافر «جالوت» وقتله، كما تخبرنا آيات سورة البقرة، في قصة طالوت وجالوت وداود.
وحكم داود بني إسرائيل بعد ملكهم طالوت، وأقام فيهم حكماً إسلامياً ربانياً عادلاً، وبعد وفاته ورثه ابنه سليمان -عليهما السلام- وأقام فيهم حكماً إسلامياً إيمانياً مباركاً.
ومكن الله للنبي الملك الداعية العادل سليمان (عليه السلام) في الأرض، وتوسع ملكه وسلطانه، وامتدت دولته خارج «الأرض المباركة» ووصلت إلى اليمن، حيث مملكة سبأ هناك، واتصل سليمان (عليه السلام) بملكة سبأ، ودعاها إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام، وجرت له معها وقائع وتفصيلات، ذكرتها آيات سورة النمل، وانتهت بمجيء ملكة سبأ إليه، وإسلامها بين يديه، حيث قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل:44].
وسخر الله لسليمان (عليه السلام) ما لم يسخر لغيره، حيث ذلل له الجن، وحكمه في الشياطين، وجعل الريح تحت أمره، تتحرك بمشيئته: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴾ [ص:36-38].
هذه الريح كانت تغدو بأمر سليمان (عليه السلام) في مدة شهر، وتروح وتعود في مدة شهر، وتتحرك في مختلف بقاع وأطراف مملكته الإسلامية، من فلسطين إلى اليمن: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:12].
وقد أخبر الله في سورة الأنبياء، أن هذه الريح كانت تجري بأمر سليمان (عليه السلام) إلى الأرض المباركة فلسطين، التي بارك الله فيها، وتحمل لها الرخاء والغيث والخصب والخير: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:81].

الصلة بين اليمن وفلسطين زمن سليمان

قال تعالى عن الصلة بين سبأ وفلسطين: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:18-19].
لقد نشأت صلة وثيقة بين مملكة سبأ في اليمن، وبين فلسطين الأرض المباركة، بعد ما أسلمت ملكة سبأ، واتبعت سليمان(عليه السلام)، وأتته إلى مقره
في فلسطين.
ويبدو أن مُلك سليمان وصل إلى سبأ في اليمن، وأنها كانت
ضمن مملكته.
وقد أدى حكم سليمان لليمن، إلى ازدهار الحياة بين فلسطين واليمن، وانتشار الخير والرخاء بينهما، وإنشاء القرى والتجمعات السكنية على الطريق، وبالذات شمال اليمن، في منطقة عسير والحجاز.
ومعنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾.
جعل الله قرى ظاهرة بارزة عامرة، آهلة بالسكان بين قوم سبأ في اليمن، وبين القرى التي بارك الله فيها، والقرى التي بارك الله فيها هي قرى ومدن فلسطين المباركة، التي كانت عامرة آهلة بالسكان، أثناء حكم سليمان (عليه السلام).
وتسجل الآية آثار حكم سليمان لفلسطين واليمن، زمن ملكة سبأ، وتبين مظاهر الخير والبركة، التي شملت المنطقة كلها نتيجة لحكمه، حيث حكم البلاد بشرع الله، ومعلوم أن النماء والرخاء والبركة ملازمة للحكم بما أنزل الله، إلا إذا أراد الله الابتلاء بالضراء.
ولكن أهل سبأ في اليمن ظلموا أنفسهم، بعد حكم سليمان (عليه السلام)، وعادوا إلى الكفر، وكفروا بتلك النعمة والرخاء، فأوقع الله بهم عذابه، وحرمهم ذلك الرخاء ودمر جناتهم وبساتينهم، وخرب قراهم وتجمعاتهم، ومزقهم شر ممزق، وجعلهم أحاديث. وزالت تلك القرى الظاهرة بين اليمن وبين الأرض المباركة في فلسطين، بسبب كفر أهلها، وهذه نتيجة لازمة لكل إقصاء لحكم الله، وحكم بغير ما أنزل الله.
صفحة 9

الإسراء إلى فلسطين

قال تعالى عن الإسراء إلى الأرض المباركة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:1].
هذه المرة الأخيرة -حسب التسلسل التاريخي- التي أخبر الله فيها عن فلسطين أرض الإسراء بأنها أرض مباركة.
لقد شاء الله الحكيم أن يعيش آخر المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام في بلاد الحجاز، عند بيته المحرم في مكة، وأن يكون إسراؤه به من المسجد الحرام في مكة المكرمة، إلى المسجد الأقصى في الأرض المباركة، تمهيداً لعروجه به إلى السماوات العلى.
فكان الإسراء إلى الأرض المباركة ربطاً آخر بين البقعتين المباركتين في الحجاز وفلسطين، مكة والقدس، المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
لقد تم الارتباط بين البقعتين مرتين:
المرة الأولى: زمن سليمان (عليه السلام)، عندما جمع بين ملك فلسطين وملك اليمن، والحجاز وعسير، وكان هذا الربط ثمرة من ثمار الحكم الإسلامي الرباني، الذي أقامه سليمان (عليه السلام)، في كل من فلسطين واليمن. ولما تخلى اليهود، بعد موت سليمان (عليه السلام) بفترة عن هدى الله، وكفروا وطغوا وبغوا، هم وكفار سبأ في اليمن، قطع الله بين البقعتين، ودمر القرى الظاهرة بينهما، ومزق قوم سبأ شر ممزق، وشرد اليهود من فلسطين، وشتتهم في الأرض.
المرة الثانية: لما أسرى الله برسوله(صلى الله عليه وسلم)إلى الأرض المباركة، لأنه خاتم المرسلين، ورسالته خاتمة الرسالات، وأمته خاتمة الأمم، أمة الشهادة والخلافة على العالمين، حتى قيام الساعة، والأمة الوارثة للبركة والقداسة، وهي الأمة الـوارثة للأرض المباركة فلسطين، ورثتها من الأنبياء الكـرام، إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وداود وسليمان، عليهم
لصلاة والسلام.
وبوصول «إرث» الأرض المباركة، عمت البركة الربانية هذه الأرض وما حولها: ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ وشملت كل البقعة المباركة، الممتدة ما بين النهرين: الفرات والنيل.
ولهذا رأى رسول الله(صلى الله عليه وسلم)هذين النهرين -الفرات والنيل- ينبعان
من الجنة، لما صعد إلى السماء السابعة في ليلة المعراج، أثناء رحلةالإسراء والمعراج.

ستة مظاهر تاريخية للبركة في فلسطين

بعد هذه الجولة السريعة مع العرض القرآني للأرض المباركة، نرى أن الله سبحانه قد بارك المسجد الأقصى، وما حول المسجد الأقصى، وامتدت هذه البركة الربانية لتشمل البقعة الإسلامية الواقعة بين النهرين: الفرات والنيل.
لقد مرت «البركة» الربانية للأرض المباركة بعدة مراحل، أشارت آيات القرآن إلى ست مراحل تاريخية منها، حاولنا ترتيبها تاريخياً، أثناء وقفتنا مع الآيات الست التي تحدثت عنها:
هجرة إبراهيم ولوط عليهما السلام إلى الأرض المباركة، قادمين من العراق، كما أشارت آية سورة الأنبياء.
البركة التي جعلها على إبراهيم وابنه إسحاق عليهما وذريتهما الصالحة، عندما أقاما في الأرض المباركة، كما أشارت آية سورة الصافات.
توريث الله لبني إسرائيل المؤمنين هذه الأرض المباركة: زمن موسى (عليه السلام)، كما أشارت آية سورة الأعراف.
حكم سليمان (عليه السلام) لهذه الأرض المباركة، وانتشار الخير والنماء فيها، كما أشارت آية سورة الأنبياء.
انتشار القرى الظاهرة العامرة بين هذه الأرض المباركة وبين اليمن، أثناء حكم سليمان (عليه السلام)، مظهر من مظاهر الحكم بشرع الله، كما أشارت آية سورة سبأ.
انتهاء هذه الأرض المباركة للأمة المسلمة، واستقرارها لها، ووراثة الأمة لحكمها، بعد هذه الجولة التاريخية الطويلة، وبقاؤها فيها حتى قيام الساعة -باستثناء فترات تاريخية قصيرة- كما أشارت آية سورة الإسراء.
صفحة 10

دلالات ولطائف من الآيات

وعندما ننظر في الآيات السابقة، فإننا نستخلص منها بعض الدلالات والإشارات، واللطائف والإيحاءات، منها:
1- أن فعل «باركنا» في الآيات الست كلها، مسند إلى الله سبحانه، أي أن الذي بارك هذه الأرض المباركة هو الله.
2- أن فعل «باركنا» في الآيات الست مطلق، غير مقيد، ولا محدد بزمن أو نوع، وهذا يدل على أن البركة الربانية لهذه الأرض المباركة مطلقةٌ غير محددة ولا مقيدة، وهي شاملة لكل أنواع البركة.
ومن مظاهر هذه البركة الربانية: البركة الإيمانية، والبركة الأخلاقية، والبركة التاريخية، والبركة السياسية، والبركة الاقتصادية، والبركة الاجتماعية، والبركة الجهادية، والبركة الحضارية، والبركة المستقبلية … وغير ذلك.
3- التعبير عن البركة الربانية بالفعل الماضي «باركنا» يدل على ثبوت واستقرار البركة الربانية لهذه الأرض، لأن الفعل الماضي يفيد الثبات والاستقرار، فالله سبحانه قد شاء استقرار البركة في هذه الأرض، وجعلها ثابتة فيها.
ولهذا ستبقى هذه البركة الشاملة مستقرة فيها، على اختلاف فترات التاريخ، ولن ينجح الأعداء في انتزاعها وتفريغها منها، مهما بذلوا من جهود في ذلك، وستبقى لها هذه البركة حتى قيام الساعة.
لن يزيل بركة الأرض المباركة فترات خاصة قصيرة من التاريخ، يأذن الله فيها بسيطرة كفار على هذه الأرض وحكمهم لها، ثم يأذن بدحرهم عنها، كما حصل للصليبيين في الماضي، وكما يحصل لليهود الآن، فإن بركة الأرض في هذه المرحلة، تكون في إحياء الإيمان في قلوب المسلمين، وإيقاظ روح الجهاد والتحدي فيهم، وتجميعهم على الجهاد، لدحر الكفار وطردهم، وهذه بركة جهادية ملحوظة.

بركة مكان وزمان وإنسان

4- البركة المذكورة في الآيات الست، أحياناً تكون للأرض المباركة فلسطين، حيث ذكرت «باركنا فيها» أربع مرات، وأحياناً تكون لمن يسكن هذه الأرض المباركة من الأنبياء والصالحين، وعندها تكون البركة على ذلك الساكن، كما قال الله عن إبراهيم وابنه عليهما السلام: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾.
و«باركنا حوله» يفيد أن البركة تتوسع وتشع في دوائر حول المسجد الأقصى، وتتعدد هذه الدوائر وتكبر، فنواة البركة ومحورها هو المسجد الأقصى وبيت المقدس، ودوائر هذه البركة متلاحقة لتشمل كل الأرض المباركة، الواقعة ما بين الفرات والنيل.
وهذا معناه أن البركة الربانية للأرض أولاً «باركنا»، ثم لساكن هذه الأرض ثانياً «باركنا عليه»، ثم للأماكن حول هذه الأرض «باركنا حوله»، أي: هي بركة مكان، وبركة زمان، وبركة إنسان.

بركة الإنسان مقيدة بالإيمان

5- إذا كانت بركة الزمان والمكان مطلقة من خلال الآيات، فإن بركة الإنسان -المقيم في هذه الأرض- ليست مطلقة، بل تبين الآيات أن «بركة» الإنسان مقيدة بقيود، ومشروطة بشروط: فبركة الله على إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، الساكنين في هذه الأرض، لأنهما نبيان كريمان،عليهما الصلاة والسلام، ولما تكلمت الآيات عن ذريتهما، قسمتهم إلى قسمين: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
فنسلهما المؤمن المحسن مبارك، وهم المؤمنون الصالحون من بني إسرائيل، في التاريخ القديم، وهم أنبياؤهم كموسى وهارون وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام، وأتباعهم من المؤمنين الصالحين. ونسلهما الظالم لنفسه المبين، غير مبارك، وهم الأجيال السيئة من اليهود والأحفاد الكافرون. الذين طغوا وبغوا وظلموا، فنزع الله عنهم بركته، وأوقع بهم لعنته. ولما كانوا مقيمين في الأرض المباركة أخرجهم منها، وشتتهم في بقاع الدنيا.

هي بركة للعالمين

6- تخبرنا الآيات أن البركة الربانية في الأرض المباركة، ليست إقليمية ولا عنصرية ولا طائفية، فليست لقوم، أو مجموعة أو أمة، وإنما جعلها الله عامة للعالمين: ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
والعالمون هم الناس جميعاً، على اختلاف الزمان والمكان، في أي بقعة من بقاع الأرض، وكون البركة في الأرض المباركة للعالمين، رد قرآني واضح على دعاوى اليهود العنصرية، في أن الله جعل هذه الأرض المباركة لهم وحدهم، منذ إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وحتى قيام الساعة، كما تذكر نصوص التوراة المحرفة، أن الله قال لإبراهيم (عليه السلام): هذه الأرض لك، ولبنيك، حتى قيام الساعة.
كما أن هذا البيان القرآني: «باركنا فيها للعالمين» رد على دعاوى أصحاب النظرة الضيقة المتعصبة من الفلسطينيين، الذين ينظرون إلى الأرض المباركة نظرة إقليمية، فيجعلونها قضية فلسطينية محضة، لا شأن للآخرين بها، ومن يوسع منهم أفقه يجعلها قضية قومية عربية ضيقة أيضاً، تهم العرب وحدهم.
إن فلسطين قضية إسلامية عالمية، تهم كل مسلم أينما كان، ويعتبرها قضيته الأولى، وشغله الشاغل، لأنها مرتبطة بالعقيدة الإسلامية، التي هي واحدة عند كل مسلم أينما كان..
هذه ست دلالات ولطائف من الآيات الست، التي تحدثت عن البركة الربانية في هذه الأرض المباركة، وهناك دلالات ولطائف وإيحاءات أخرى تشملها هذه الآيات، نترك للقراء المتدبرين الكرام تدبرها وملاحظتها، ليتدبروا معنا آيات كتاب الله الكريم.