eKtab
EN ع
حقوق الانسان والحريات الاكاديمية في التعليم العالي
اقرأ عينة مجانية

حقوق الانسان والحريات الاكاديمية في التعليم العالي

بقلم د. علاء الدين كاظم عبد الله

صفحة 1

مقدمـــــة

يحتل موضوع حقوق الإنسان أهمية بالغة في الجهود الدولية لبناء عالم يوفر لجميع الأفراد والأسر والجماعات والدول بما يحافظ على إنسانية الإنسان وتحقق العيش والعمل بحرية وكرامة وتستطيع تطوير قدرتها على النمو الإنساني المتميز، مع ضمان حق الآخرين في انجاز هذه الأهداف بعيداً عن التهديد والحرمان والتحيز والتسلط.

وفي هذا المجال فان الأديان والقوانين والمواثيق والدساتير الدولية قد كفلت حق الأفراد كافة في الحصول على فرص التعلم بصورة متساوية بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ودياناتهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية وان تعليم ونشر الوعي وتثقيف أفراد المجتمع يزيد من احتمالية ترسيخ هذا الحق الطبيعي عبر وسائل المجتمع المختلفة ومنها المؤسسات التعليمية المختلفة.

وتشكل مؤسسات التعليم العالي قمة الهرم التعليمي في تقديم أعلى مستويات التعليم والبحث والنمو والاستباق المعرفي ضمن مؤسسات المجتمع في دول العالم كافة، مما يستدعي الاهتمام بنشر ثقافة حقوق الإنسان والمسؤوليات الأكاديمية في المرحلة الجامعية ليس على مستوى الطلبة فحسب، بل بين أعضاء المجتمع الأكاديمي كذلك.

وفي هذا الكتاب سيتم إعطاء فكرة عن رؤية التعليم العالي لحقوق الإنسان بهدف تعريف وبلورة صورة واضحة لدى منتسبي مؤسسات التعليم العالي بشكل خاص وأعضاء المجتمع بصورة عامة عن كيفية النظر لهذه المؤسسة من وجهة نظر ثقافة حقوق الإنسان التي تتمحور في اتجاهين رئيسين هما(الحريات الأكاديمية، واستقلالية التعليم العالي)، والعمل على نشر الوعي وثقافة التعامل مع التنوع الفكري وتجسيد وترجمة هذه الثقافة بشكل تدريجي ومتنامي في أنشطة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي المختلفة بشكل عملي فيما يتصل بالجوانب القيمية والعلمية والإدارية لتطبيق ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع الأكاديمي، لتصبح هذه المؤسسات أنموذجا ومركزاً لنشر ثقافة التسامح والحقوق المدنية والحريات الأكاديمية والتي تلتقي بهذا الشكل أو ذاك مع جهود مؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي تعنى بحقوق الإنسان والحريات المدنية في مجتمعاتنا التي تصبو إلى المزيد من انجاز العمل الديمقراطي على مستوى شعوبها ولابد أن تكون مؤسسات التعليم العالي دورا استباقيا في هذا النهوض كمحرك أساسي لاستثمار إمكانات الأفراد بغض النظر عن انتمائهم الفكري والديني واللغوي والطائفي والسياسي، فجزء من قوة الشعوب تكمن في قدرتها المتنامية في الازدهار العلمي الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي في إطار تنوع خصائصها البشرية.

المؤلف

صفحة 2

نبذة تاريخية عن الاهتمام العالمي

لحقوق الإنسان في التعليم العالي

جاء في تعريف حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لمنظمة الأمم المتحدة عام (1948) بأنها (مجموعة من الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان واللصيقة بطبيعته والتي تظل موجودة وان لم يتم الاعتراف بها، بل وأكثر من ذلك حتى لو انتهكت من السلطة). ومن ضمن هذه الحقوق المعلنة حق الإنسان في التعليم والحصول على هذه الفرص بشكل متساو من قبل الجميع والتي تتضمن أيضا حقهم في ممارسة التعبير عن أرائهم وأفكارهم بشكل يتسق مع جوهر هذا الإعلان، حيث تضمنت المادة (26) حق كل شخص في التعليم وتيسير القبول بشكل متكافئ للجميع بالالتحاق بالتعليم العالي على أساس الكفاية (لكل شخص الحق في التعليم، ويجب أن يكون في المراحل الأولى والأساسية بالمجان، وان يكون التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة، وان تهدف التربية إلى... تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية)، وتضمنت (المادة:27) على حق كل فرد في أن يشترك اشتراكا حرا في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه. (مختارات من أدوات حقوق الإنسان الدولية، ديفيد ويسبر ودت وآخرون 2007،).

وقد أعقب هذا الإعلان موافقة المجلس الأوروبي في (4نوفمبر عام 1950 بمدينة روما) على إصدار الاتفاقية الإقليمية الأوروبية في شأن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية ذات الصلة بحرية التعليم والتعبير، حيث تضمنت المادة العاشرة على(إن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت، وذلك دون تدخل من السلطات العامة ودون تقيد بالحدود الجغرافية وأضيفت على البروتوكول الأول عام(1952) بعدم جواز حرمان أي إنسان من حقه في التعليم وتحترم الدولة إذ تباشر وظائفها في ميدان التربية والتعليم حق الآباء في ضمان تربية أبنائهم وتعليمهم وفقا لعقائدهم الدينية والفلسفية. (سرحان عبد العزيز، 1966).

وفي ضوء هذه الجهود الدولية دعت الحاجة إلى ضرورة أن يتم التركيز على نشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في إطار التعليم، فقد طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من الدول استخدام كافة الوسائل المتاحة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصة في المدارس والمؤسسات التعليمية حيث تضمنت الديباجة تأكيد دور كافة الشعوب والأمم للسعي كأفراد وهيئات في توطيد واحترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية لضمان الاعتراف بها ومراعاتها وبصورة فعالة بين الدول الأعضاء.

لقد سبق هذا الإعلانات العالمية حول حق التعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان في جميع المراحل الدراسية جهود عديدة لغرض حصول المجتمع الأكاديمي على حقوقه بما يتناسب مع دوره العلمي والتكنولوجي في تقدم المجتمعات وريادة المعرفة البشرية نحو الأمام بحيث يمكن اعتبار هذين المجالين يصبان باتجاه واحد في الإطار العام للحقوق والحرية الأكاديمية التي تنشدها أفراد المجتمع البشري. ففي أعقاب سلسلة من المؤتمرات المشتركة التي بدأت في عام(1934) لرابطة الكليات ورابطة أساتذة الجامعات ألأميركية (AAUP) بشأن الحصول على حقوقهم بشكل قانوني والاعتراف بها، اتفق ممثلو الجامعات والكليات على تأكيد المبادئ المنصوص عليها في مؤتمر عام (1925) بشأن الحرية الأكاديمية، أعقبه إعلان مبادئ الحريات الأكاديمية في بيان عام (1940) من قبل ممثلي كلا الرابطتين، والذي سيرد فقراته فيما بعد وكان الغرض من ذلك البيان تعزيز فهم الجمهور للحرية الأكاديمية والاتفاق على إجراءات معينة في الكليات والجامعات لضمان تطبيق تلك الحريات في مؤسسات العليم العالي ولمزيد من الاهتمام للدول بشكل منفرد أو بشكل مشترك لصالح المعلم أو المؤسسة ككل، وقد خضعت هذه المبادئ بعد هذه الفترة إلى العديد من التعديلات والتحسينات وتطورت من خلال التفاهمات المتبادلة بين المؤسسات وممثلي أساتذة الجامعات حول موضوعات مختلفة تتعلق بالمجتمع الأكاديمي، كما جرت في أعوام (1958، 1964، 1966، 1967). ولكن البيان الأصلي لعام (1940) رغم جميع التغيرات التي طرأت عليه بقي رمزا كوثيقة أساسية هدفت إلى وضع إطار من القواعد الموجهة القبلة للتكييف مع تغير الأزمنة والظروف.

وقد دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعات والروابط العالمية عام(1963) بنشر حقوق الإنسان من خلال التعليم والبحث والنقاش، وشهد هذا العقد كذلك مولد العهدين الأساسيين لحقوق الإنسان وهما:

صفحة 3

أ. العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية. عام (1966)

ب. العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صدر في (16 كانون الأول /ديسمبر 1966).

حيث جاءت من ضمن (المادة:13) على جعل التعليم العالي متاحا للجميع على قدم المساواة، تبعا للكفاءة بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجيا بمجانية التعليم.

في عام (1968) دعا المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان (قرار رقم 30) منظمة اليونسكو إلى تطوير برنامجها العالمي في كافة المستويات التعليمية وخاصة المستوى الجامعي، وكذلك أجرت المنظمة مسحا للوسائل والأدوات والبرامج التعليمية في مجال تدريس حقوق الإنسان وعقدت أول ورشة عمل دولية في (هولندا) لتدريس حقوق الإنسان تلاها إصدار مطبوعة حول حقوق الإنسان(كتيب المدرسين)، ثم تصاعد الاهتمام حول نشر ثقافة حقوق الإنسان على المستوى الجامعي، وعملت منظمة اليونسكو عام( 1973) على تشجيع تدريس حقوق الإنسان في الجامعات وفي مختلف التخصصات القانونية والعلمية والتقنية. ومن جهة أخرى فقد عززت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي اعتمدتها الجمعية العامة في كانون الأول /ديسمبر، عام1979:المادة:14) حقوق المرأة للحصول على جميع أنواع التدريب والتعليم الرسمي وغير الرسمي وتوفير شروط متساوية لها في التوجيه الو ضيفي والمهني والالتحاق بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية على اختلاف أنواعها، في المناطق الريفية والحضرية على السواء،. وتكون هذه المساواة مكفولة في مرحلة الحضانة وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم التقني العالي، والتساوي في فرص الحصول على المنح والإعانات الدراسية الأخرى(المادة: 10) (ديفيد ويسبر ودت وآخرون، 2007).

أما فترة الثمانينات من القرن الماضي فقد تم تنظيم لقاءا دوليا حول حقوق الإنسان، هو اجتماع مالطا عام (1987)، وشهد عام (1988) صدور إعلان عن الجمعية العامة للخدمات الجامعية (إعلان ليما)في دورتها (68) المنعقدة في بيرو، حيث حدد الإعلان بان التعليم وأساسه الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم هو الطريق لعالم أكثر عدالة من خلال توفير حرية الفكر والعقيدة والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات وحرية الحركة والأمان الشخصي للمجتمع الأكاديمي، وكذلك اعتماد اتفاقية حول حقوق الطفل في 20 تشرين الثاني /نوفمبر عام (1989) التي تضمنت في (المادة:28، البند:ج) جعل التعليم العالي، بشتى الوسائل المناسبة متاحا للجميع على أساس القدرات، وصدر عام (1990) إعلانان أفريقيان مكرسان للحريات الأكاديمية:

الأول إعلان (دار السلام) والثاني إعلان (كمبالا).

أما في مؤتمر حقوق الإنسان والديمقراطية في مدينة (مونتريال /كندا) عام (1993) فقد أقرت خطة عمل تؤكد على أهمية العمل على حقوق الإنسان والديمقراطية، وان تعليم حقوق الإنسان والديمقراطية هو في حد ذاته حق من حقوق الإنسان.

وبعد هذه الفترة بدأت بعض الجامعات بتوفير فرص أمام الطلبة للحصول على درجات جامعية عليا في مجال حقوق الإنسان، وكذلك في العام نفسه (1993) قد قدم إلي الندوة الدولية للتربية على حقوق الإنسان المنعقدة في مونتريال بكندا ورقة عمل أعده مركز حقوق الإنسان في بولندا تمخض عنها إعلان (بوزنان)، وفي العام نفسه أيضا صدر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المعقود في فينا خلال الفترة من(14- 25 حزيران/يونيه) إعلان وبرنامج عمل فيينا حيث تضمن (البند:33) من هذا الإعلان على (أن يكون التعليم مستهدفا تقوية احترام حقوق الإنسان والحريات الأكاديمية. وإدراج موضوع حقوق الإنسان في برامج التعليم ويطلب إلى الدول القيام بذلك. وينبغي للتعليم أن يعزز التفاهم والتسامح والسلام والعلاقات الودية بين الأمم وكافة المجموعات العرقية والدينية وأن يشجع على تنمية أنشطة الأمم المتحدة لتحقيق هذه الأهداف، ولذلك يؤدي التعليم في مجال حقوق الإنسان ونشر المعلومات المناسبة النظرية منها والعملية على السواء، دورا هاما في تعزيز واحترام حقوق الإنسان فيما يتعلق بجميع الأفراد، بلا تمييز من أي نوع كالتمييز على أساس العرق، أو الجنس، أو اللغة أو الدين، وينبغي إدراج ذلك في السياسات التعليمية على كلا المستويين الوطني والدولي.

ومن الجهود المبذولة في إطار الجامعات العربية قيام منتدى الفكر العربي في الأردن وبالتعاون مع مؤسسة (فريد ريش ايبرت) الألمانية بتنظيم مؤتمر الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية.

وفي عام ( 1997) عقد المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في باريس دورتها الخمسين حيث أكد المؤتمر في ديباجته مسؤولية الدول في توفير التعليم العالي تنفيذا للمادة (13:فقرة ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1996)، وأعرب المشاركين في المؤتمر عن قلقهم إزاء ضعف المجتمع الأكاديمي أمام الضغوط السياسية غير المناسبة التي تفرض على الحرية الأكاديمية، ووضعت مجموعة المبادئ التوجيهية والأهداف والسياسات التعليمية والحقوق والواجبات واستقلالية مؤسسات التعليم العالي وحريات أعضاء الهيئة التدريسية فيها.

صفحة 4

وفي عام (1998) أكدت وثيقة عمل التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين الصادرة عن المؤتمر العالمي للحرية الأكاديمية (على إن الطابع العالمي للتعليم العالي يوجب استحداث أسلوب إداري يستند على مراعاة المبدأ المزدوج والمتضمن:

1- الاستقلالية المسؤولة.

2- الخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية.

وقد أكد الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع المدني في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر عام (1998) المادة:15:إن على عاتق الدولة مسؤولية تعزيز وتيسير تدريس حقوق الإنسان والحريات الأساسية في جميع المراحل التعليمية، وضمان أن يعمل جميع المسؤولين عن تدريب المحامين والموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وأفراد القوات المسلحة والموظفين العموميين على إدراج عناصر ملائمة لتدريس حقوق الإنسان في برامجهم التدريبية.

وفي العام نفسه صدر تقريرا عن التجمع الدولي للجامعات وهو مؤسسة عالمية تعمل ضمن منظمة اليونسكو تهدف إلى متابعة الاهتمامات المشتركة للتعليم العالي ودعم الجامعات، حيث أقرت ميثاقا للدفاع عن الحرية الأكاديمية واستقلال الجامعات والمسؤولية الاجتماعية من خلال:

1- الحق في السعي للمعرفة لذاتها.

2- القبول بتعدد الرأي والتحرر من أي تدخل سياسي.

وكذلك عقد في الفترة نفسها مؤتمر الجامعات الأوروبية حضرها رؤساء الجامعات، أسفر عن المؤتمر تبني (الميثاق الأعظم للجامعات الأوروبية).

ومن الجهود الإقليمية التي ترتبط بالموضوع صدور إعلان عمان عام (2004، كانون الثاني) بدعوة من مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان في المملكة الأردنية الهاشمية بمشاركة نخبة من المفكرين ورؤساء وأساتذة الجامعات وباحثين من مختلف الجامعات العربية، تضمن الإعلان مجموعة مبادئ حول الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي والبحث العالي.

وتضمن البيان الختامي لاجتماعات القمة (15) لدول حركة عدم الانحياز الخاصة بحقوق الإنسان عام (2009) التأكيد على حرية الرأي والتعبير (المادة:أولا:فقرة:5)، والتثقيف والتعليم في مجال حقوق الإنسان(المادة:ثانيا:فقرة:1)، ودعم مجلس حقوق الإنسان المادة:ثانيا:فقرة 9)، وإنكار حالات التعصب الديني والثقافي وعدم التسامح والتمييز على أساس الدين أو المعتقدات أو اختلاف النظر وتعزيز التسامح فيما بين الأقليات(المادة:ثالثا:فقرة:4) (البيان الختامي لاجتماعات القمة (15) لدول حركة عدم الانحياز).

صفحة 5

الحرية الأكاديمية في التعليم العالي، (المضامين والتصورات)

يشكل مفهوم الحرية الأكاديمية التعبير الدقيق عن جوهر ومضمون حقوق الإنسان في جميع مؤسسات المجتمع الأكاديمي في جميع المراحل الدراسية وهي لا تشكل هدفا بذاتها بل طريقا لتحقيق رسالة جميع تلك المؤسسات ومنها مؤسسات التعليم العالي.

إن الحرية الأكاديمية على وفق التوصيف الذي حددتها الجمعية العالمية للخدمات الجامعية تعني (حرية أعضاء المجتمع الأكاديمي فرديا أو جماعيا في متابعة المعرفة وتطويرها ونقلها من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج والابتكار والتدريس وإلقاء المحاضرات والكتابة).

بمعنى أن هناك صنفين مترابطين من الحرية الأكاديمية هما:

1- الحرية الأكاديمية الفردية التي تحمي الأستاذ من التعسف السلطوي داخل الجامعة وخارجها حيث تصبح هذه الحرية سلاح عضو المجتمع الأكاديمي للدفاع عن حقوقه في وجه تجاوزات السلطة بكافة أشكالها.

2- الحرية الأكاديمية المؤسسية التي تحمي الجامعة كنظام من التعسف السلطوي الذي تمارسه المؤسسات الرسمية أو المتنفذين بقوة المال أو السلاح أو الطائفة والعشيرة أو المواقع السياسية.

بينما تم تعريفها من خلال الندوة العالمية لرؤساء الجامعات على أنها( الحرية لأجراء البحث والتعليم والرأي والنشر وتخضع لقواعد ومعايير المتطلبات العلمية دون تدخل أو عقاب، حيثما يقود ذلك للبحث عن الحقيقة والفهم.

(global Colloquium,2005).

ويرى (ستيفن، كيرتز) على إن الحرية الأكاديمية تتضمن حرية الجامعة في اختيار أساتذتها وطلبتها، وفي وضع المستويات والمحتويات الخاصة بمناهجها وبحوثها وبتوفير المناخ المناسب، حيث يكون فيه الأساتذة والطلبة أحرار في قيامهم بالعمليات الخلاقة التي تؤدي إلى كشف حقائق جديدة أو التي تدعم حقائق قديمة.

كما يجب أن تتوفر الإجراءات التي تكفل للجامعة الحصول على التمويل اللازم لتحقيق مهامها.

صفحة 6

وفي هذا الصدد فان مفهوم الحرية الأكاديمية لا تشمل أعضاء الهيئة التدريسية فحسب، بل وكذلك الطلبة والإداريين والفنيين والعاملين في مراكز البحث العلمي والتدريبي وغيرهم ضمن مؤسسات التعليم العالي.

ويشير (علي محافظة، 1994) إلى إن المكونات والعناصر والإجراءات التي تتضمنها هذا المفهوم هي:

1- استقلال الجامعة الإداري والمالي وعدم تدخل أية سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية في تعيين أعضاء الهيئة التدريسية والعاملين في الجامعة وفي الترقيات والإجازات والعزل من الجامعة وحق الجامعة في إدارة أموالها وإنفاقها على وفق قوانينها وأنظمتها وتعليماتها.

2- حق الجامعة في إنشاء الكليات والمعاهد والمراكز العلمية وفتح التخصصات الأكاديمية والدورات التدريسية، ووضع برامج الأبحاث والمناهج الدراسية وتعديلها وتطويرها وإلغائها ومنح الدرجات العلمية وإجراء الامتحانات ووضع الدرجات العلمية والفخرية ووضع أسس قبول الطلبة.

3- حق أعضاء هيئة التدريس في وصف المواد الدراسية وتعيين الكتب المقررة وعرض أفكارهم واستنتاجاتهم وحق نشر أبحاثهم.

4- حق الطلبة في اختيار التخصصات التي تسمح بها قدراتهم ومؤهلاتهم العلمية.

5- يتم ممارسة هذه الحريات في نطاق القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة المفعول في الجامعة والتي تصدر عن الهيئات الإدارية والأكاديمية.

وأحدث تعريف للحرية الأكاديمية يشير إلى أنها: تحقيق الحرية للطلبة وأعضاء هيئة التدريس أمر أساسي للعمل الأكاديمي، وان العلماء يجب أن يكون لهم حرية التعليم وإيصال الأفكار أو الحقائق (بما في ذلك غير الملائمة للجماعات الخارجية، السياسية أو السلطات) دون أن يكونوا تبعا لذلك هدفا للقمع والإجراءات التأديبية وفقدان فرص العمل والوظيفة أو السجن أو تشويه سمعتهم العلمية أو القتل.

ومن الناحية التاريخية ربما يعد زعيم حركة الإصلاح الديني في ألمانيا (مارتن لوثر:1483-1546) أول من أثار ضرورة توفير حرية التعبير ضمن أروقة الجامعة بسبب ما نجم من أحداث وصراعات مع الكنيسة الكاثوليكية وطرده من الجامعة لدعوته إلي حرية التعبير حينما كان أستاذا لمادة اللاهوت فيها.

لذا فان هذه الأحداث الفكرية والاجتماعية في ألمانيا قد يكون السبب في كون الجامعات الألمانية من أولى الجامعات العالمية في تطبيق أسس الحريات الأكاديمية، إذ منحت جامعة برلين عام(1601) حرية البحث العلمي والتدريس الجامعي دون قيود خارجية تبعتها جامعة هال عام (1694) ثم جامعة (روتنجن) عام (1737).

صفحة 7

وتعد موسوعة (أكسفورد) الإنكليزية أول من استخدمت الحرية الأكاديمية في عام (1901)في انكلترا، بينما يشير( مايكل باك)في مجلة الحرية الأكاديمية ضمن بحثه عام (2007)بأن مفهوم الحرية الأكاديمية استخدم قبل هذه الفترة في الولايات المتحدة عام (1885) في مقال (الشمال الأمريكي)بقلم للكاتب(أندرو وست)، وان المفهوم قد استعير بالأصل من الفكرة الألمانية المكونين من شقين هما:حرية التعلم وحرية البحث العلمي التي وجدت جذورها في الدستور البروسي لعام (1850) وهي فكرة مبتكرة لاقت رواجا وشعبية في الوسط الأكاديمي الأمريكي في نهاية القرن التاسع عشر حول جعل البحث العلمي المحور الأساسي للعمل الجامعي، حيث تزامنت مع الشروع بالتنظيمات النقابية والمهنية للدفاع عن حقوق المدرسين.

وقد شهدت تلك الفترة كذلك توسيع مهام ومسؤوليات جمعية المعلمين الأمريكية وتحويلها إلى منظمة التعليم الوطني الأميركية عام(1915)وكنتيجة للنهوض بحقوق الأكاديميين تميزت تلك الفترة بإطلاق حرية البحوث والاستكشافات العلمية وتوسيع نطاقها وتزايد استقلال المدرسين فيما يتعلق بوضع المناهج وصياغة فلسفة التعليم وتخطيط اتجاهاته، حيث ساهمت طبيعة الوسط الأكاديمي الأمريكي في تنمية وشيوع أفكار الحرية الأكاديمية في بقية أنحاء العالم أيضا.

وخلافا لتأسيس الجامعات الأوروبية في مراكز المدن خلال القرون الوسطى بوحي من إرادة المتعلمين والمثقفين واستجابة لنشاط الأوساط الفكرية والثقافية السائدة آنذاك خاصة في أوروبا الغربية ,نشأت أغلب الجامعات الأميركية الأولى تحت وصاية وتمويل جهات بعيدة عن الوسط الثقافي وتلبية لحاجات نمو رأس المال وتطور المؤسسة الصناعية وشيوع الذهنية التجارية، وهي عوامل رسخت فكرة أن الأساتذة الجامعيون مجرد عمال مأجورين لدى إدارات الجامعات شأنهم شأن بقية المهنيين والمحترفين الذين تستخدمهم الشركات الكبرى.

لقد واجه الأكاديميون الأميركيون عقبات كبيرة وخاضوا كفاحا طويلا للتخلص من هيمنة رأس المال الاحتكاري وانتزاع استقلالهم المهني. وكان للتجمعات المهنية والنقابية الدور الكبير في إسناد الأكاديميين ودعم قضيتهم بشكل قانوني من خلال الأسلوب السلمي والدبلوماسي مما ساعد على كسب ثقة الرأي العام وتعاطف مؤسسات الصحافة والأعلام واللذان كان لهما الأثر الكبير في حماية مصالح منتسبيها وتأمين مستقبلهم

وتشير التجربة الأميركية إلى أنه بين عامي (1920- 1940) قامت لجان مشتركة من جمعية أساتذة الجامعات الأميركية والمنظمات الإدارية للكليات الأميركية بعقد عدة مؤتمرات للاتفاق على دليل العمل الجامعي وصياغة المبادئ الجوهرية التي تحكم العمل في هذا الحقل الإبداعي. تمخضت عنها إصدار ما سمي ببيان المبادئ الأكاديمية الأولية لعام (1940) والذي تبنته الغالبية العظمى من الجامعات الأميركية والتي تلتزم به كدليل عمل معروف لحد الآن حيث تضمن الآتي:

1- يتمتع أساتذة الجامعات بالحرية الكاملة فيما يبحثون وما ينشرون وما يعلمون طلابهم في قاعات الدرس ضمن الأطر العامة لمناهج وفلسفة التعليم الحر المستقل التي يصممها ويقرها زملاؤهم في أقسامهم وكلياتهم المعنية.

2- من المستحسن أن يعمل الأستاذ الملتزم إلى تجنب الخوض في مناقشة أو فسح المجال للسجال العقيم في الأمور المثيرة للجدل والتي تقع خارج نطاق اختصاصهم الأكاديمي أو التي ليس لها علاقة بالمادة التي يدرسونها

3- من واجب إدارات الجامعات التي أنشأت على أسس دينية وسياسية إعلام من يتم تعيينه بالشروط والمحددات التي تطلبها تلك الجامعة.

4- يتمتع الأساتذة بحرية الكلام الكاملة كمواطنين عندما يتحدثون خارج نطاق المؤسسة الجامعية، شريطة أن يؤكدوا أن وجهات نظرهم الشخصية لا تمثل سياسة وفلسفة مؤسساتهم، مراعين في ذلك صيانة السمعة العلمية والاجتماعية للمؤسسة التعليمية التي ينتمون إليها.

لقد اعترفت مؤسسات المجتمع الدولي المختلفة بالدور القيادي والمهم للجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في تطور المجتمعات وقيادة المعرفة البشرية منذ عام (1948)حيث أكد مؤتمر اليونسكو المنعقد في ( نيس / فرنسا) عام 1950 على ((حق الجامعات في تتبع المعرفة لذاتها للبحث عن الحقيقة أينما كانت)) استناداً على مبدأ حق تقديم الرأي والرأي المعارض وأداء واجباتها كمؤسسات اجتماعية لنشر مبادئ الحرية والعدالة من خلال التعليم والبحث وتطوير أساليب الألفة والأخوة والمنفعة العامة بما يخدم مصلحة الدول والتقدم الاجتماعي والتكنولوجي من جهة، وكمركز لدمج وتلا قح العقول والمعارف البشرية بغض النظر عن الانتماءات الدينية والعرقية والمذهبية والسياسية والجنسية للأشخاص الذين يمتلكون تلك القدرات والمعارف، حيث تتضمن الحرية الأكاديمية الحفاظ على نواتج المعرفة العلمية وتطبيقاتها ومنع تخريبها أو تشويهها لأسباب أيديولوجية وتوفر أسس استمرار قبول الرأي المعارض والسماح له بالظهور ضمن أروقة الجامعة ومركزاً للنقاش وتبادل الآراء لبناء ثقافة الحوار ومعالجة الأمور الخلافية بطرائق حضارية لدى المواطنين في إطار مخرجات التعليم العالي.

ويسود الآن مفهومين للحرية الأكاديمية فهي تعني في بريطانيا على إنها:حرية المؤسسات الجامعية ككل وحمايتها من التأثيرات الخارجية (سياسية أو غير سياسية)، بينما تشير في المفهوم الأخر إلى حرية الأساتذة في الجامعات وان كل جامعة مسؤولة عن حرية منتسبيها.

وفي هذا الإطار فقد ظهر الاهتمام بموضوع الحرية الأكاديمية في بعض الدول العربية ومنها العراق، فقد أوصى المؤتمر السابع للتعليم العالي في العراق عام (2004، أيلول 22-23) باحترام استقلال الجامعات وحرياتها، وأكد المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي انعقد في(أربيل- العراق) عام (2007) على إن المرحلة التي يمر بها العراق تتطلب أقصى الحذر في إقامة التوازن بين الجامعات التي تهفو إلى الاستقلالية في إدارة شؤونها وبين الحكومة المتمثلة بوزارة التعليم العالي التي تسعى إلى المركزية فيما يتعلق بسياساتها مع الجامعات. وكذلك المؤتمر الذي عقد في عمان/الأردن عام (2004) الذي صدر عنه (إعلان عمان) للحريات الأكاديمية في الوطن العربي والذي أشار إلى وجود انتهاكات متعددة الأوجه تتعرض لها مؤسسات التعليم العالي في عموم الدول العربية وحددت بعض المبادئ لتوفير البيئة المحققة للحرية الأكاديمية واستقلال الجامعات كما سيرد تفاصيله في الفصل الثالث.

لقد أوصت المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) عام (2005) فيما يتعلق بوضع القائمين بالتدريس في التعليم العالي على تأكيد الدعم اللازم لشروط العمل الأكاديمي الجيد والحرية الأكاديمية والحوكمة الجماعية من قبل جميع المؤسسات ومقدمي الخدمات التعليمية. وقد أكدت دراسة (Joseph Ben &Collins) على الحاجة إلى التقييم العالمي لمدى تحقق الحرية الأكاديمية في دول العالم، والذي فتح الباب على ضرورة الاهتمام بتوفير الضمانات الكافية لغرض تطبيق الحرية الأكاديمية سواء في المجتمع الأكاديمي أو خارجه.

وفي إطار الأهمية التي ينبغي ايلاءها للحرية الأكاديمية فقد اعتبرها (Chachaqe Seitty,2008) واحدة من العديد من مواقع النضال من أجل الديمقراطية في العالم.

صفحة 8

غير أن ممارسة الحرية الأكاديمية لا ينبغي أن يفهم بأنها ممارسة مطلقة لا تحتاج إلى ضوابط لمنع سوء تفسيرها وإساءة استخدامها في المجتمعات الأكاديمية، فاعلان ليما عام(1988) قد أشار في (الفقرة:3، ص3)على أن ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الإعلان يجب أن تقترن بواجبات ومسؤوليات خاصة، ويجوز أن تكون خاضعة لقيود معينة ضرورية لحماية حقوق الآخرين، وان تجري ممارسة التدريس والبحوث في توافق تام كامل مع المعايير المهنية وتستجيب للمشكلات التي تواجه المجتمع.

كما أكد ذلك المؤتمر العالمي لليونسكو المنعقد في باريس عام(1998) وكذلك إعلان عمان للحريات الأكاديمية في عام (2004)في (الفقرة: 8) حيث أشير إلى أن المجتمع الأكاديمي يترتب عليه التزامات أساسية علمية وأخلاقية فيما يخص بالقيم العلمية والإنسانية واحترام الطلبة ومعاملتهم حسب معايير الكفاية العلمية والمهنية ووضع التعليم العالي في خدمة مجتمعاتها وعدم استغلال الحريات الأكاديمية ونتائج الأبحاث العلمية لأغراض تتعارض مع الغايات التعليمية والعلمية، أو تخل بمبادئ حقوق الإنسان أو تسيء إلى تحقيق الأهداف والقيم الإنسانية.

وفي ضوء ما ذكر سابقا فإن الحريات الأكاديمية حق أساسي لأعضاء هيئة التدريس والطلبة ضمن بيئة مبنية على التسامح وتقبل الآراء المتعارضة وعدم حجبها أو رفضها بشكل تعسفي وتجنب الرقابة والعقاب بسبب تلك الآراء أو وجهات النظر.

وكذلك فأن الحرية الأكاديمية تتضمن أيضا منع التأثير الخارجي السلبي على طرائق وأساليب ومناهج الدراسة والموضوعات والبحوث التي تجري من قبل الطلبة والتدريسيين، وتجنب أية محاولة من شأنها تثبيط عزم منتسبي الجامعة في التعبير عن آرائهم، وكذلك فأن الحرية الأكاديمية تشمل قيادة الجامعات في إدارة الجامعات بصورة مستقلة تتضمن تطوير العملية التعليمية دون تدخل خارجي.

ويتطلب تطبيق الحرية الأكاديمية منع أية جهة مراقبة لتقييم أداء الأستاذ الجامعي عدا الجهات الأكاديمية المتخصصة، فهو مطلب أساسي يوفر لجميع منتسبي التعليم العالي والمؤسسات التربوية الأخرى قيماً ايجابية تعزز انتمائهم إلى المجتمع ألأكاديمي، وبيئة آمنة في عالم متغير من خلال رفع الثقة بالنفس، والثقة بتجارب وخبرات الآخرين الشخصية والاهتمامات لديهم بما يسمح للتعامل بصورة مقبولة مع الحقوق المختلفة للناس وفي الأوقات المتفاوتة، وكذلك فان تطبيقها بصورة موضوعية وناجعة يتطلب الدقة والالتزام بما أقرته الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجميع المؤتمرات واللوائح والتشريعات الدولية للتعامل معها بما يتناسب مع الشرعة الدولية والمحلية لتحقيق أفضل التوازنات بين مصالح منتسبي المجتمع الأكاديمي ومطالب المجتمع المحلي والعالمي.

إن تحقيق الحرية الأكاديمية في أية دولة له تأثير ايجابي باتجاهين:

1- توفير بيئة محفزة للنمو المعرفي والتطبيقي لمخرجات المجتمع الأكاديمي بما يطور ويحقق المنافع التنموية للمجتمع المحلي والعالمي.

2- يضمن ويبرر وجود النظام السياسي الذي يقود هذه الدولة أو تلك، وفي هذا السياق إذا أخذنا بنظر الاعتبار إن الحرية ألأكاديمية تشتمل على حرية التعبير عن الأفكار والآراء فان وجودها وممارستها تقود إلى المسؤولين عن المجتمع الأكاديمي من جهة ومصلحة الدولة نفسها من الجهة الأخرى، فقد كتب الفيلسوف الهولندي( باروخ سبينوزا1632-1677) في كتابه "أطروحة في سياسة اللاهوت"إن النقد العلني للدولة هو لصالح الدولة نفسها لأنها ستضمن انسجام قوانين الدولة مع المصلحة العامة.

صفحة 9

وفي هذا الصدد يشير محمد الربيعي (2010) إلى أن تحقيق مبدأ استقلالية الجامعة وضمان الحرية الأكاديمية والانفتاح يعد من الدعامات الأساسية للإصلاح، فتطبيق مفهوم استقلالية الجامعة يعتبر الضمانة الرئيسة لأداء الأستاذ لمهماته الأكاديمية وكذلك للتخلص من قبضة الثقافة البيروقراطية والقناعات الجاهزة، إضافة إلى ذلك فان الاستقلالية تشجع التنوع في المناهج الدراسية بين الجامعات المختلفة وبما يتناسب مع قدرات كل جامعة وإمكانياتها البشرية وحاجة مجتمعها، وبهذا الوصف يكون لقيادات الجامعات حقوقا كاملة في إدارة الجامعات وهذا لايعني فقط رئاسة الجامعة وإنما تشمل الأقسام والكليات. وتضمن ذلك المرونة التنظيمية والهيكلية لمختلف مؤسساتها التي تعد جوهر إدارتها، لذلك يتطلب تحقيق الاستقلالية تحول جذري في مفهوم القيادة والإدارة والتخطيط والعمل بمستوياتها المختلفة. ويمكن عندها مثلا تحقيق الاستقلالية إن تتحرر من بعض القيود التي تمنعها من دخول السوق الوطني والعالمي في البحث على سبيل المثال عن أفضل الأساتذة وجذبهم وذلك بتقديم عروض تتناسب مع خبرتهم ورواتبهم في الدول المتطورة، وبحيث تتمكن أيضا من زيادة راتب الأستاذ الكفء والمنتج والتنافس مع الجامعات الأخرى من اجل تطوير كادرها التدريسي.

غير إن هذه الاستقلالية من الناحية العملية تتعرض إلى الكثير من المخاطر فقد أكدت منظمة (هيومان ووتش:Human Watch) في تقريرها السنوي(2005) حول الحرية الأكاديمية في بعض الجامعات العربية) وجود قمع في جميع جوانب الحياة الجامعية الرئيسة بما فيها حرية التدريس، والبحث الحر والأنشطة الطلابية(، وهي من العوامل التي أدت ولا تزال في هجرة الكفاية والعقول الأكاديمية من الوطن العربي والعديد من الدول الأخرى، حيث يشير(قنوع وآخرون، 2006) إلى الإحصاءات التي أجرتها جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربي ومنظمة اليونسكو، بأن 50% من الأطباء و23%من المهندسين و15% من العلماء يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا بشكل خاص ويشكل الأطباء العرب في بريطانيا 34%من مجموع الأطباء العملين فيها وبلغت خسائر الدول العربية المترتبة على هجرة العقول حوالي (200)مليار دولار، حيث تعني ذلك توفير مليارات الدولارات لهذه الدول نتيجة حصولها على خبرات جاهزة لم تنفق عليها أية مبالغ لغرض إعدادهم. فعلى سبيل المثال هاجر ما بين عامي (1991 -1998) ما يقارب (7350) عالما عراقيا في مختلف الاختصاصات نتيجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي عايشتها العراق آنذاك.

وفي هذا الصدد يشير (سالم محمد عبود، 2008) إلى أن من بين الأسباب التي أدت إلى هجرة العقول العراقية إلى دول العالم تأثر المنافسة العلمية داخل المجتمع الأكاديمي بأمور بعيدة عن العلم، وعدم احترام التخصصات، وتأثير الصراعات السياسية وانعكاسها على العملية التعليمية في الجامعات، كتسنم المناصب من قبل أشخاص لا علاقة لهم بمجالات مسؤولياتهم واختصاصاتهم، وتعرض هيئات التدريس الجامعي للاغتيالات على الهوية من قبل أحزاب وميليشيات مسلحة وعلى نطاق واسع، حيث تم اغتيال ما يزيد عن (200) أستاذ جامعي في العراق للفترة من عام (2003) ولغاية (2006/4) على سبيل المثال، ويسري هذا المثال على العديد من الدول العربية، فمن المعروف احتواء معظم دول العالم على المفكرين والعلماء العرب في مختلف المجالات العلمية ومنها الاختصاصات النادرة أيضا.

صفحة 10

ولا يقتصر هذا الأمر على الدول العربية بل على دول عديدة من دول العالم، بل وفي الدول التي لها تاريخ عريق في النضال من أجل الحرية الأكاديمية، حيث تشير (Kristen,2008) على انه في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001) حدثت انتهاكات متعددة في الجامعات الأميركية، حيث فرضت قيود غير مسبوقة على الحريات الأكاديمية كفرض المراقبة على النشاط الأكاديمي لدى أعضاء هيئة التدريس وطرد البعض منهم من وظائفهم كما دعت إليها مؤسسة (Campus watch) آنذاك، حيث تعرض أقسام دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في الجامعات الأميركية إلى ضغوط مختلفة للحد من نشاطاتها، وتم تمرير قوانين محددة تحد من الحرية الأكاديمية. وأصبحت مؤسسات التعليم العالي ساحة للمعارك الأيديولوجية عملت من خلالها سياسات المحافظين وضع لوائح لتحديد ما يمكن تدريسها في الجامعات، وكيف يجب أن تكون المادة الدراسية والطريقة التي يجب أن تقدم الحقائق من خلالها، حيث أوضحت الدراسات التي أجريت ونشرت في بعض الكتب عن ظهور نمط مقلق من التدخل في المناهج الدراسية وفي شؤون أعضاء هيئة التدريس وطرائق التدريس والعمل مع المنظمات الطلابية والتعامل مع وسائل الأعلام إضافة إلى الحملات التي نظمت من قبل جماعات لا علاقة لها بالجامعة وكذلك من قبل الساسة المحليين, حيث تشير (Kristen,2008)إلى إن الجامعات أصبحت تواجه معركة شرسة تستهدف الفكر المستقل في التعليم العالي وتحد من نمو المعرفة المتقدمة والحقيقة في العديد من الجامعات الأميركية آنذاك. وعلى اثر ذلك عقدت عدة مؤتمرات في عدد من الجامعات للتصدي لتلك الانتهاكات منها في جامعة شيكاغو عام (2007) وجامعة ديبول ونيويورك عام(2008) تحت شعار (حريات التدريس في أمريكا في خطر).

وهناك الكثير من الشواهد التي تظهر العديد من الانتهاكات التي تطال أعضاء الهيئة التدريسية في مختلف جامعات دول العالم ومن أمثلة ذلك تعرض أستاذ الجامعة في تايلاند في جامعة ((Mid night إلى هجمة إعلامية وتلقي المكالمات الهاتفية التهديدية للتراجع عن التعبير عن آراءه في وسائل الأعلام بسبب كشفه حقائق حول عمليات التلاعب في نتائج اليانصيب الوطني في (تايلاند) حيث وجد عضو التدريس الأكاديمي في اختصاص الرياضيات بان تلك النتائج لا تتماشى مع نظرية الاحتمالات، وفور ذلك قام مدير الوكالة الوطنية باتهام هذا الأكاديمي بالجنون وكذلك طالبت الجهات التي كانت تهدده بالتراجع عن آرائه. وفي بانكوك رفعت شركة للمنتجات الصيدلانية دعوى ضد عضو في كلية العلوم الصيدلانية في (بانكوك) تطالبه بالتعويض بمبالغ طائلة عن الأضرار التي تعرض لها الشركة بسبب مقاله ينصح الناس فيها بعدم شراء الأدوية من هذه الشركة لعدم توفر المواصفات القياسية للمنتج الدوائي لتلك الشركة على شبكة تلفزيون حكومي، وتم فرض (80) مليون من (البهتات –عملة تايلندية) على التدريسي الجامعي (Asia Net Work,2005). كما تم قتل اثنين من عمداء الكليات في إقليم (أتشيه) في (أندنوسيا)من قبل مجهولين بسبب مقالاتهما لإدانة العنف الذي تمارسه الحركات الانفصالية في البلاد.

ومن الأمثلة الأخرى على الانتهاكات التي تطال الأكاديميين في جامعات العالم اتهام التدريسي (وليم روبنسون) في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام (2009) بمعاداة السامية بسبب نشره صورا تم تعميمه عن طريق البريد الإلكتروني لأكثر من (20) صورة من الضحايا اليهود بيد النازيين، بما في ذلك الأطفال القتلى، جنبا إلى جنب مع صور متطابقة تقريبا من قطاع غزة، مع مقال يصف غزة بأنها وارسو إسرائيل وكتب (نحن شهود على عملية إبادة جماعية)Could ,2009) (Dana L. ومن ثم تم إسقاط هذه التهمة بعد حملة عالمية واسعة ضد إدارة الجامعة.

(Board of. (Director,2009

بل أن هناك أشكال أخرى من الانتهاكات التي تمارسها السلطات في دول أخرى من خلال انتحال المؤهلات الأكاديمية واستعمالها لأغراض الاحتفاظ بالمناصب التي تفترض أن تكون ممارسة تلك المهن هي بحد ذاتها مصدرا لمحاربة الانتهاكات التي قد تقع في يلدانهم، فقد نشر ت جريدة التايمز للتعليم العالي بتاريخ17( يونيو، 2010، ص:38-39) بأنه تم الإبلاغ عن وجود (200) درجة علمية وهمية تم تقديمها من قبل أعضاء إلى البرلمان الباكستاني، حيث أن لائحة البرلمان تفرض توفر المؤهل التعليمي للانضمام إلى عضوية البرلمان. (فيليب ألتباك، مقالة في مجلة الأيكونومست، في 17 يونيو، ص:43).