صفحة 1
ما من حمامٍ طار ···
ما من حمامٍ طارَ إلا طرتُ ··
أحدوهُ وأسبقهُ
وأمدّ أجنحتي، كمن يحنو على طيفٍ ليكملَهُ
ما من حمامٍ عاد إلا عدتُ أسألهُ
عمّن هناك وليتني ····
يا ليتني معهُ
أغفو قليلا مثل طفلٍ غارقٍ في الدفءِ
والأحلامُ تحرسهُ
ما من حمامٍ غابَ إلا رحتُ أرقبهُ
لم يأتِ منذ الأمسِ، هل ضاعَ المدى
أم خانني ؟
هذا الفضاءُ مسيجٌ بالليلِ
لا أحدٌ يراني أو أراهُ
كأنني أعمى ووسعُ الكونِ محبسُهُ
ما من حمامٍ مرّ إلا متُّ شوقا
كيف تتركني وحيدا يا حمامُ
صفحة 2
خذني إلى صوتٍ بعيدٍ لست أعرفهُ
لكنه للآن يسمعني
وأراه في غبش المدى يلتمّ، هل للصوتِ رسمٌ واضحٌ ؟
ويمدّ لي يدهُ الحبيبة َ حين يعتركُ الظلامُ
هذا اغترابي منذ حربٍ ثم حربٍ ثم حربٍ
صار لا عطرا ولا حجرا ولا إنساً ولا جنّاً ولا ···
لا وصفَ لي يدنو فأعرفهُ
فأنا انتظارٌ علّقتْهُ الريحُ في سقفِ المدى
لا الريحُ تسقطهُ ولا الأيامُ ترفعهُ
ما من حمامٍ حطّ إلا رحتُ أبحثُ في صغائر ريشهِ
عن لمسةٍ تركتْ هواءً من هناكَ
ألمّهُ وأشمهُ
وأطيلُ صمتي خوفَ يسرقهُ الكلامُ
ما من حمامٍ طاردتْهُ الريحُ إلا حطّ في روحي
ونامَ بمأمنٍ، فأنا السلامُ
قلبي على كفي وأغنيتي صلاةٌ
يا حمامُ
صفحة 3
فلاحون على مائدة سنحاريب
فلاحونَ فرنسيونَ شتاءً ··
وقطارٌ يتوقفُ عند محطات ٍ باردةٍ
أولئك ألمحُهم حولَ النار ِ، المطرُ الناعمُ لا يطفؤها
أمعنُ في الوهجِ الأزرقِ بين أصابعهم
أتوسلُ في النظرة ِ دفءً يخترقُ النافذة َ الباردة َ
الفلاحونَ يغنونَ، ويحتفلون بطعمِ نبيذ منازلهم
هل أترجلُ من قاطرتي ؟
وأشقّ ُ العشبَ سريعاً
أعبر ساقيةً
وأهشّ ُ خرافاً، وخيولا سارحةً
وأحيّي امرأة ً تملأ جرّتَها من شفةِ النهر ِ
وحين تراني تتعثرُ راكضة ً نحوي
وأنادي
وينادونَ
أنا الغائرُ في اللهفةِ
صفحة 4
جئت أخيراً ·· كي أدخلَ مملكةَ الطين
وأرخي راحلتي
وأغنّي مزدهيا بنبيذي
يسألني الفلاحونَ ترى كيف تعتقهُ ؟
فأقول لهم من فاكهة الحزنِ ··
المطرُ الناعمُ لا يوقفهم
وقطارُ الغرباء ِ يمّرُ
وموكبُ سنحاريبَ يمرّ، الدمُ يتبعهُ مثل دبيب النمل ِ
وفلاحون عراقيون َ يدسون أغانيهم في القصب المحمول ِ
على أكتاف ِ عراة ٍ أسرى ··
تعبَ الليلُ وصوت المطرب ِ و ( البوذيات ُ )
ولم يبقَ سوى النجمة ِ
كم أنت ِ هنالك أيتها النجمة ُ ؟
ألمحها تنزلُ مثل حنوِّ الغائبِ
هل أتبعها ؟
صفحة 5
أين ستأخذني ؟ وإلى أي بلاد ٍ ؟
فلاحون عراقيون على جبل ٍ من موت ٍ
قال لهم سنحاريبُ كلوا هذا الجبلَ الشاهقَ
حتى تصلوا الأرضَ
وحتى تشبعَ كلّ سلالات بلاد النهرين ِ
ليبقى الأحفادُ على قيد الموت ِ
يجزون رؤوسَ النخل وقامات البرديِّ
لكي لا يعترضُ الموكبَ شيءٌ فوق الأرض ِ وفوق الماء ِ
فسوف أعودُ لأبحثَ ثانية ً عن ملك ٍ من بابلَ
خبأهُ الأهواريونَ هنا ··
فلاحون فرنسيون يغنون على مقربةٍ من قوسِ النصر
وفلاحون عراقيون بلا قوس ٍ
بسطاءُ جميلون وليس لديهم غير الريح ِ
تهبُّ فتكشفهم
صفحة 6
كي يضحكَ سنحاريب ُ
الفلاحون يغنون بملء هنا
وعراقيون هناك بلا أي هناك،
يسيرون وراء النهرين من المنبع حتى البحر
وينتظرون ····
قالت صاحبة ُ الحانة ِ إني راحلةٌ
وسأتركُ كلّ الأشياء ِعلى حالتها
حين تكفّون عن النوح ِ أهيلوا التربَ على موتاكم
وأعيدوا الأشياءَ ···
وسدّوا الأبوابْ !
صفحة 7
الممثلُ وحيدا
يهدأ المسرحُ الآنَ،
والحاضرون الذين نسوا أن يجيئوا ····
نسوا أن يجيئوا
المقاعدُ غامضةٌ ··
والستائرُ سوداءُ مثل الفراغ ِ السحيق
الممثلُ يفتتحُ العرضَ، لا أحدٌ
غير هذا السؤال ِ الثقيل ِ على مقعد ِ الصمت ِ يرمقهُ
متعبٌ فرط يقظته
إنه الآن ينهضُ مهترئا مثل عمرٍ مضى
وينام ···
الممثلُ يسأله : هل ستتركني في مهب التلفتّ
من دون متكىءٍ
ما الذي سوف أفعله وأنا ··· والمقاعدُ فارغةٌ
لو تمهلتَ بعضَ الدقائق ِ ربتما نلتقي في الحوار ِ
صفحة 8
وربتما في الممرات حين نغادر أصباغَنا ـ مثلا ـ
وتحدثني عن همومِكَ ··
لا بأسَ لا بأسَ خذ ما تشاءُ من الوقتِ
أقترحُ الآن كأسين في النّصّ كي نتواصلَ حتى الغياب ِ
الممثلُ يفتتح العرضَ
يمتدّ ُ، يلتمّ ُ، يرقصُ، يصعدُ فوق الأريكة ِ في الركن ِ
يبتكر النصّ َمن أول العرض ِ
يُدخلُ فيه ِ بكاءً جديدا
ويهوي إلى الأرض، ينهضُ، يبكي، يصفق
يحنو على روحه ِ، يخفضُ الصوتَ، يهذي
ويفتحُ نافذة ً ثم يغلقها، يترددُ، يستبدلُ الدوْرَ، يدنو
يغني ويصمتُ ثم يغني، يكلمُ ضوءا من الكوةِ المستديرةِ
يجمدُ في لحظةِ الخوف ِ، يصرخُ، يسأل أشباحَهُ من أنا ؟
ثَمّ صوتٌ غريبٌ يحدثه باسمهِ
الصوتُ يعلو، الممثلُ ملتصقٌ بالجدارِ
الحوارُ انتهى غير أن الممثلَ يبتكر النصّ ثانية ً
صفحة 9
ويعود إلى المقعدِ المتحركِ يلصقهُ بالجدارِ
ويلتقط الوقتَ من وسط المسرحِ، الآن يبحثُ عن جملة ٍ للنهاية ِ ····
كان السؤالُ وحيدا على المقعد المتحركِ
يلتفّ، يرمي على جهة الصمتِ عكازهُ
ويقوم طليقا ومزدهيا بانهيار الممثل ِ
يدفعه راجعا للجدار وملتصقاً حدّ أضلاعه ِ
حدّ لم يبقَ في وجههِ رمقٌ
حدّ صمت ٍ يذيبُ المكانَ ويطلعُ منه أنينٌ
يقول الممثلُ إني مللتُ الإقامة َ في النصّ ِ
ينهضُ، ينفضُ عنه غبار الكلام ِ
ويبحث عن مقعدٍ كان قبل قليل هنا
صفحة 10
غير أن الستارة َ أسدلها ومضى ··
الممثلُ يبقى وحيداً كقطعة ثلجٍ
وأنفاسهُ تتلاحقُ في قفص الليل ِ مثلَ سجين ٍ
يرى يدهُ في مكان ٍ بعيد ٍ وعينيه ِ راكضتين بلا نظر ٍ
ويرى رأسهُ بين أقدامه ِ
ويرى جسداً نائما،
يهدأ المسرحُ ····
غيرَ رجع بعيدٍ
و··· يبتعدُ ···