صفحة 1
(1)
تقلّبتُ في فراشي· سرت رعشة برد في أوصالي· نظرتُ إلى ساعة يدي الملقاة على الكوميدينو بجواري· كانت تُشير إلى العاشرة والنصف صباحا· في العادة طقس القاهرة بشهر يناير شديد البرودة· طردتُ كسلي· استجمعتُ نشاطي· نفضتُ اللحاف الصوفي عن جسدي· نهضتُ صوب الحمّام· اغتسلت بماء دافئ· شعور بالكآبة يتملكني منذ أن فتحتُ عينيَّ هذا الصباح· تاريخ اليوم يُوافق الذكرى السنوية الخامسة لوفاة أمّي· حمدتُ الله أنها لم تذق مرارة طلاقي· ظللتُ أنا وأختي تهاني محور حياتها إلى أن ذهبت لبارئها· كانت تدعو ربّها على الدوام أن لا يُريها مكروهاً فينا· أن يجعل يومها قبل يومنا· تعوّدتُ الحضور إلى القاهرة في مثل هذا التوقيت من كل عام لإحياء ذكراها· أحرص على الذهاب إلى مدفن عائلتها· أقوم بتوزيع الصدقات على الفقراء من ساكني المقابر، والشحاذين الذين يحرصون على التواجد لأخذ ما يجود به الزوّار· أعتدتُ كذلك إحضار مقرئ يقرأ آيات من الذكر الحكيم منذ الصباح حتّى سويعات الأصيل· اتفقتُ مع صافيناز ابنة خالتي أو صافي كما كنتُ أناديها أن تمرَّ عليَّ بسيارتها الفيات البيضاء الصغيرة· اعتدتُ عند قدومي للقاهرة الإقامة في الشقة التي ورثتها عن أمّي· كانت تقع بحي المنيل· عمارة قديمة· بُنيت أواخر عهد الملك فاروق· مكوّنة من أربع طوابق· الشقة بالطابق الثالث· تحتوي على أربع غرف واسعة المساحة· مفروشة جميعها على الطراز الفرنسي· غرفتا نوم مرفقتان بحمامين منفصلين· غرفة طعام واسعة تتوسطها طاولة يُحيط بها ثمانية مقاعد مع دولاب من الخشب الزان، زُيّنتْ واجهته الزجاجيّة بأوانِ فضيّة رُصّت بعناية على رفوفه الداخليّة· مدخل الشقة ضيق المساحة، علّقت أمّي في صدارته مرايا متوسطة الحجم، يحيط بها برواز ذهبي، ووضعت تحتها على الجانبين كرسيين مبطنين بقماش الجوبلان الأصلي· تتوسط المدخل سجادة إيرانية منسوجة من الحرير الطبيعي· غرفة المعيشة متصلة بشرفة معقولة الأمتار، تطلُّ واجهتها مباشرة على نهر النيل· قامت أمّي بإحاطة زواياها الأربع بأجاصِ من النباتات الطبيعيّة· تجد متعة في سقيها كل صباح بنفسها، وقصِّ أطرافها الميتة· اشترى أبي الشقة لأمّي قبل وفاته بأعوام قليلة· فرحت بهديته· كانت متعتها تناول الإفطار في الشرفة· عند الغروب تحرص على ارتشاف كوب من الشاي المنعنع مع عدد من جاراتها بالعمارة· ينخرطنَّ خلالها في التحدّث عن أخبار المجتمع· يزفرنَّ الآهات عن تغيّر أخلاق الناس اليوم مقارنة بزمنهنَّ الذي ولدن فيه· يتذكّرنَّ مُتحسّرات أناقة سيدات مصر في عصرهنَّ· كيف كانت المحلات الكبرى التي تملكها أسر يهوديّة مثل عمر أفندي وشملا وشكوريل تُنافس مدينتي لندن وباريس في خطوط الموضة الحديثة· بعد رحيل أمّي، لمحت أختي تهاني نظرات اللهفة تنبثق من عينيَّ· حلّت بذكائها شفرتها· تنازلت لي بطيب خاطر عن نصيبها فيها· قالت لي:
أنتِ تعلمين أن زياراتي للقاهرة قليلة، وأنني لم أكن أطأها إلا من أجل أمّي· لا أعتقد بأنني سأزورها في المستقبل القريب· أعلم مدى عشقك للقاهرة· حلال عليك الشقة يا فائزة
أبقيتُ أثاث الشقة كما تركته أمّي· اضطررتُ إلى التخلّص من أجاصِ الزرع بعد رحيلها· لم أكن أفقه شيئاً عن رعاية النباتات· بعد فترة وجيزة، تجاسرتُ وغيّرتُ غرفة نومي· اشتريتها على الطراز المودرن الذي أميل إليه· اعتدتُ إلقاء تحية الصباح على صورة أمّي الموضوعة بجانبي على الكوميدينو كنتُ قد حشرتُ صورتها داخل برواز جميل متداخل الألوان، اشتريته من مدينة فلورنسا الإيطالية· تبدو من ملامحها الفتية أنها التقطتها في عزّ شبابها عند أعوامها الثلاثين· بعد مضي سنوات على رحيلها، تلاشت هيئتها الهرمة التي خلّفتها في ذاكرتي، ولم تعد راسخة في ذهني سوى خطوط وجهها النضرة، وعينيها المضيئتين وابتسامتها المشعة التي تُنير صفحة وجهها·
أزحتُ غرّتي عن جبهتي بطوق بلاستيكي أسود اللون· وضعتُ طبقة من كريم الأساس أسفل جفنيَّ· حاولتُ جاهدة أن أخفي به هالة السواد التي ظهرت فيهما مؤخراً· وضعتُ قرطي اللؤلؤي الأبيض الذي ورثته عن أمّي· ارتديتُ بنطالي البني السميك وكنزتي البيج الصوفيّة· حشرت قدميَّ في حذائي البوت الطويل الجملي اللون· ناديتُ على لواحظ لتُحضّر لي قهوتي الصباحيّة، لم ترد علي· تأففت· نسيتُ أنها أخبرتني البارحة عند مغادرتها عدم استطاعتها الحضور اليوم، لسفرها إلى قريتها لحضور حفل زفاف فتاة من قريباتها· لواحظ لم أنظر يوما لها كخادمة· اعتبرتُها واحدة من الأسرة· أدين لها بفضل كبير· أقدّر لها في أعماقي، سهرها على رعاية والدتي بسنتها الأخيرة· تركتُ لها نسخة من مفتاح الشقة لتأتي مع ابنتيها بين حين وآخر لتنظيفها· قبل نزولي إلى القاهرة أهاتفها كي تشتري بعض الأطعمة التي أحبها· تقوم برصّها في الثلاجة، كالبيض البلدي، والطيور التي تُحضرها طازجة بعد ذبحها وتنظيفها· تُوصي على ما أريده من جارتها التي تسكن بالقرب منها في منطقة أبو أتاته الشعبيّة المتفرعة من شارع فيصل، حيث اعتادت على تربية الطيور بأنواعها على سطح بيتها· بعض أقارب أمّي أبدوا دهشتهم من تصرّفي· اعتبروه استهتارا منّي وثقة متناهية في غير محلها، كون الشيطان شاطر كما يعتقدون!! يُحذرونني أنَّ بإمكان لواحظ تغيير قفل الشقة والاستيلاء عليها في غمضة عين أثناء فترة غيابي· أنني سأضطّر ساعتها إلى أن أتردد على أروقة المحاكم· أردُّ باسمة أن لواحظ أوفى بكثير من أناس أعرفهم يتظاهرون أمامي بالصدق والنزاهة·
صفحة 2
نظرتُ في ساعة يدي· لم يتبقَّ سوى ربع ساعة على وصول صافي· أعرف مدى دقّة مواعيدها· جهّزتُ على عجل كوب نسكافيه باللبن الساخن· قضمتُ معه قرصاً من علبة بسكويت كنتُ قد أحضرتها معي من جدَّة لسعراتها الحرارية المنخفضة· نبّشتُ في محتويات حقيبة يدي، بحثاً عن علبة سجائري المارلبورو· قبضتُ عليها· أشعلتُ بسرعة واحدة· أخذتُ أسحب نفس السيجارة بتلذذ· آه كم حاولتُ الإقلاع عن التدخين· لم أفلح· إرادتي في كل مرة تضعف بعد هجرها بأيام قلائل· أصبح خلالها عصبية، سريعة الانفعال· كنتُ في العادة أدخّن علبتين في اليوم· بعد طلاقي زاد العدد لثلاث· رنَّ جرس هاتفي النقال مرّات عدّة· ظهر رقم صافي على الشاشة· لم أرد· ارتشفتُ بقيّة قهوتي على عجل· سحقتُ بإبهامي عقب سيجارتي وضعتُ الجاكت الشمواه الشتوي فوق ملابسي· خرجتُ مهرولة صوب المصعد· زفرتُ متأففة· يظهر بأن أحدهم قد قام بسحبه للطابق العلوي، دون أن يُكلّف خاطره بإغلاق الباب· هاتفي لم يكف عن الرنين· اضطررتُ إلى النزول مهرولة عبر السلالم الرخاميّة·
انطلقت صافي بسيارتها صوب طريق عين الصيرة الذي يمر عبر حي مصر القديمة· أظهرت صافي تأففها من مشهد الزحام الخانق· أيّدتها في قولها· تبادلنا أحاديث روتينيّة· لفّنا الصمت· حاولتُ تبديد ملل الطريق· انشغلتُ بملاحقة مناظره· كانت حديقة الفسطاط على يميني، وأمامي على البعد تطلُّ قلعة صلاح الدين(1) الواقفة شامخة فوق تلال المقطّم، متحدية عوامل تعرية الزمن· مرّت في خاطري لقطات من أيام طفولتي· كنتُ قد زرتها مرارا وأنا صغيرة مع أبي· يرى أبي أن مصر في عهد أسرة محمد علي، كانت أفضل حالاً من اليوم· أن الملك فاروق ظلمه التاريخ، وأنه كان رجلاً وطنيّا· يَدحض ما روّجت له ثورة 1952م· ظلَّ متمسكاً برأيه حتّى وفاته·
مدافن أسرة أمّي تعود إلى أكثر من مئة عام· تقع في مقابر العالم الشهير جلال الدين السيوطي بحي الخليفة· مبنية من الطوب القديم، وقد نُقشت على المدفن منحوتات شرقية قديمة تتكلّف اليوم آلاف الجنيهات مقارنة بالعصر الذي شُيّدت فيه· كُتب في أعلى المدخل (كل نفس ذائقة الموت) وتحتها نُقشت عبارة (مدافن أسرة الجابري)·
لم أزر قط قبراً في جدَّة· في بلدنا زيارة النساء للمقابر محرّمة كما يعتقد أغلبية مشايخنا· اعتدتُ سماع أبي يقول لأمّي إنه ذاهب لحضور مراسم دفن فلان من الناس· يقولها أحياناً بنغمة مهمومة إذا كان الميت من أقرباءنا أو أحد أصدقائه· كنتُ صغيرة حين توفيت جدَّتي لأبي· لا أذكر ملامحها إلاّ من خلال صورتها الموضوعة في برواز قديم، والمعلقة على الجدار بصدر غرفة المعيشة· ترتدي فيها جدَّتي الزي الحجازي القديم، المكوّن من صديريّة مصنوعة من قماش الكتان الأبيض، والمقفولة من الأمام بمجموعة من الأزارير المذهبة، مع وشاح أبيض شفاف على رأسها يُسمّى المحرمة، مُثبّت بمشابك جميلة رؤوسها من حبّات اللؤلؤ الأبيض· كانت المرّة الأولى التي أشاهد فيها نعشاً· تمَّ غسل وتكفين جدَّتي في بيتنا· وضع أبي جثمانها في سيارة جيمس كبيرة وانطلق بها نحو المسجد للصلاة عليها· سألتُ أبي بعد رحيلها بأيام:
هل أستطيع زيارة قبر جدَّتي؟!
أجابني بنبرة مغمومة ادعي لجدَّتكِ بالرحمة والغفران في صلاتك، وستزورك في أحلامك· جميعنا سنلتقي بأحبتنا عندما يحين أجلنا يا بنتي
أصابت أبي وعكة خفيفة، لم يُعرها حينها أي اهتمام· كان قد اشتهى قبلها بأيام قليلة طبقاً من الفلافل الحجازيّة التي تختلف في كيفيّة صنعها وطعمها عن الفلافل الشامية والمصرية الرائجة، وإن كانت خلطتها أيضاً من البقول· اعتاد أبي بين حين وآخر الذهاب إلى وسط البلد في شارع قابل لشراء ساندوتشات الكبدة البلدي التي تُصنع على الصاج، أو لجلب كيس من الفلافل المقلية· أكل يومها بنهم قطع الفلافل المغموسة في سلطة التمر هندي الحارة، قائلاً لأمّي بنبرة يُغلّفها التلذذ: هذه الفلافل تُذكّرني بطفولتي، متحسّراً على هذه الأكلة الشعبيّة التي لم يعد يُجيد صنعها إلاّ قلة من العاملين بدكاكين الأطعمة الشعبيّة· أحسَّ أبي في اليوم التالي بمغص مفاجئ· ضحك مازحا كعادته، قائلاً لأمي: يظهر أنّ معدتي شاخت، ولم تعد تتحمّل هذا النوعيّة من الأكلات
صفحة 3
تُوفيَ بعد مرضته بأربعة أيام· تفاجأ الجميع برحيله· لم يمهله القدر حتّى يودّع أصحابه· كان ذا شخصية مرحة· كيّس· حلو المعاشرة· دائم الابتسامة، محب للحياة· يتباهى دوما بعافيته قائلا: لن أموت قبل أن أتجاوز المئة خذلته توقعاته· دُفن منذ ثمان سنوات في مقبرة أُمَّنا حوا(2)· ما زلتُ أجهل موقع قبره!! كلَّ ما أعرفه أن عمّي جاء وقتها بصحبة عدد من أقاربنا وحملوا نعش أبي عند الفجر إلى مثواه الأخير، بعد أن تمَّ غسله وتكفينه· إذا صادف ومرَّ السائق بالسيارة عبر طريق مدافن أُمَّنا حوا، أقرأُ السلام على الأموات كافة بمن فيهم أبي وجدَّتي· بكت أمّي بحرقة على أبي· كانت تجمعهما قصة عشق قوية، نشأت على فطريّة المشاعر· حكاية حب لم يُخططا بدايتها ولم يضعا نهايتها· أصرّت أمّي على ترك جدَّة· قررت العيش في القاهرة· ترجيناها طويلا أنا وتهاني أن تبقى· قالت لنا:
لم أعد أطيق البقاء هنا بعد رحيل أبيكما· ظلّه يُلاحقني· أريد أن أموت وسط من تبقّى من أهلي· مصر قريبة وبإمكانكما زيارتي في أي وقت
لم تصمد أمّي بعد أبي طويلا· فاضت روحها في شقتها· كنّا أنا وتهاني بعيدتين عنها آلاف الهكتارات، منغمستين في شؤوننا الحياتيّة· سلّمنا أمرنا وتركناها في عهدة لواحظ· ظلّت معها حتّى لحظاتها الأخيرة· قالت لها قبل وفاتها بيومين، أنَّ خالي إبراهيم قد جاءها في الحلم وسلّم عليها· وفي الليلة التالية، أتاها أبي· كان يجلس في روضة غنّاء والزهور تُحيط به، وينظر إليها باسماً· كانت على سجادة الصلاة حين أحسّت بدبيب الموت يسري في ساقيها· ختمت صلاتها· ألقت الشهادة· طلبت من لواحظ كأس ماء· اتّكأت على كتفها· طلبت منها أن تأخذها إلى الشرفة· ألقت نظرة أخيرة على نهر النيل· أخرجت زفرة طويلة· قالت للواحظ باسمة:
هذا النهر بيني وبينه قصة حب عظيمة
أوصت أمّي أن تُدفن في مقابر أسرتها بالقاهرة· ماتت بعد أن عانت طويلا من مرض السكري، الذي أصابها مبكرا منذ طفولتها البعيدة· حكى لي أبي أنَّ جدَّتي ترددت كثيرا في خطبة أمّي· قالت لولدها: كيف تتزوج فتاة معلولة!! أريدكَ أن تنجب أبناء أصحاء
أصرّ أبي على الاقتران بأمّي· كان قد التقى بها في القاهرة· همزة الوصل خالي إبراهيم· قابله أبي صدفة بمدرجات كلية التجارة في جامعة فؤاد الأول(3)· توطّدت مع الوقت صداقتهما· اعتاد أن يرى أمّي كلما تردد على بيت جدّي· أسرت قلبه من الوهلة الأولى· جذبته ورديّة بشرتها· طفوليّة تقاسيمها· طيبتها المفرطة· النقاوة التي تطلُّ من شعاع عينيها· دوام ابتسامتها التي تُطلُّ منها أسنان مرصوصة، وتغطيها شفتان مذمومتان مكتنزتان في حلاوة· قال لجدَّتي: إذا لم تكن هي فلن تكون هناك أخرى
غضّت جدتي الطرف بكل أريحيّة· كسرت قالب عنادها· رضخت لرغبة ابنها· قبلت بطيب خاطر دخول غريمتها الجديدة حياة ولدها· فتحت لها نوافذ قلبها عن آخرها· ظلَّ حبل الود قائما بينهما حتّى النهاية· حملت أمّي في جعبتها صفحات جميلة لجدَّتي· تترحّم عليها كلما عرج الحديث إليها· إنها تُدينُ لها بفضل كبير في تهوين مرارة الغربة عليها· إنها كانت بحق أمّاً بديلة· ضعف بصر أمّي كثيرا مع دخولها عقدها الرابع· اضطرَّ الأطباء إلى بتر اثنين من أصابع يدها اليمنى· ظلّت تذرف الدمع بحرقة كلما تحسست موضعيهما بأصابعها السليمة· كان أبي يُسري الغمَّ عنها· يقول لها مداعبا:
صفحة 4
مهما حصل، ستظلين في نظري تلك الصبيّة الجميلة التي سرقت قلبي منذ الوهلة الأولى
كنـتُ كلمـا نظـرتُ لأمّي في سنواتها الأخيرة، أتحسّر على شبابها قبل أن تُداهمه جحافل الشيخوخة· أتأمّلُ بحزن جلدها الذي ترهّل مع تعاقب السنين· يعتصرني الخوف· جميعنا نشعر بالأسى على وداع أحبائنا· يقرص الوجع قلوبنا ونحن نختلسُ النظر إليهم، وهم ينحدرون نحو هوّة الهرم، فنُدرك أن موعد فراقهم قد أزف· شعرتُ بتأنيب ضمير شديد حيال أمّي· أنني لم أكن معها عندما لفظت أنفاسها الأخيرة· تمنيتُ لو ماتت على صدري· أحسستُ بالغيرة من لواحظ· عاتبتُ القدر في سرّي· لماذا فضّلَ لواحظ عليَّ، عندما حضر ملك الموت ليأخذ روح أمّي؟! لماذا كانت صورة لواحظ آخر صورة تُطبق جفونها عليها؟! يوم دفنتها كانت المرة الأولى التي أدلفُ فيها إلى مقبرة· رائحة الموت ملأت أرجاء المكان· وقف شعر رأسي من أطيافه المتناثرة حولي· انتفضتُ لحظتها رعباً· مع زيارتي المتكررة للمدافن تبدد فزعي· صار يُصاحبني إحساس بالراحة، ممزوجاً بطمأنينة تلف روحي· اعتدتُ أن أقف أمام قبرها، أحكي لها ما فعلته الأيام بي· ليلتها تأتيني في نومي وهي ترفل في ثياب بيضاء فضفاضة· تجلس إلى جانبي· تأخذني في أحضانها· تُربّتُ بحنو على ظهري· تمسح بكفها دمعي·
سألتُ صافي عند وصولنا المدفن هل تشعرين بالطمأنينة مثلي حين تدلفين إلى هذا المكان؟!
علت وجهها مسحة من المرارة، قائلة: أنتِ تعرفين جيدا ماذا يعني لي الموت!! صحيح هو حق علينا والكل سيأتي دوره، لكنني أنفر من سماع سيرته· لقد سرق الموت منّي أحباء لم يمنحني الفرصة لوداعهم
أمعنتُ النظر في وجهها· أتذكّر جيدا خالتي عزّة والدة صافي· كانت امرأة تتعامل مع من حولها بسليقتها، وسلاسة طباعها· لها ضحكة رنّانة تضجُّ بالحياة· تُردد أمام أمّي أن الضحك يقوّي القلب، ويحفظ للوجه رونقه ونضارته· الغريب أن خالتي لم تصمد أمام أعاصير الشيخوخة· آثرت أن ترحل قبل أن تتورّط في أمراض العجائز، وتُصبح عالة على أبنائها· قررت أن تكسر القاعدة· ماتت في نهاية عقدها الخامس· كانت تعشق الأفلام القديمة· تُدافع باستماتة عنها· حين تسمع من حولها يُثني على الأفلام الملونة، تُعلّق قائلة (من فات قديمه تاه)· توفّيت وهي تتابع الفيلم الكوميدي إسماعيل ياسين في البحرية ظلّت ميتة في مكانها على الأريكة في غرفة الجلوس ساعتين كاملتين، وكيس اللب الصغير الذي تحبّه مبعثر على الطاولة أمامها· اكتشفت الأمر خادمتها· جاءتها تسألها في أي ساعة تريد أن تجلب لها طعام العشاء!! كان الفيلم قد انتهى عرضه، وهناك برنامج حواري يدور مع أحد الأطباء حول كيفية التعامل مع الجلطات عند بدء حدوثها·
سألتُ أمّي بنبرة حائرة كيف ماتت خالتي عزّة بالسكتة القلبية، وهي التي كان ثغرها مبتسماً على الدوام، ورنّة ضحكتها تجلجل في المكان؟!
تغرغرت عيناها بالدموع قائلة: من قال لكِ بأن الموت يعبأ بابتساماتنا· كل أنواع الضحكات يا ابنتي لا تُغري ملك الموت عن أخذ أمانته، وإتمام عمله الذي قدم من أجله إلى دنيا البشر
في طريق العودة ألحّت عليَّ صافي أن أتعشّى معها· لم أعارض· كان بيتها يقع في مدينة نصر بشارع عباس العقاد الذي لا يهدأ ضجيجه· شقة صغيرة مكونة من غرفتين وصالة· يُلاحظ زائرها فخامة أثاثها الفيكتوري وكثرة التحف القديمة فيها، ولوحات الآيات القرآنية المعلقة على حوائطها· مكثتُ عندها حتّى منتصف الليل· أخذنا نتبادل أطراف الحديث· تُسرد كلُّ منّا للأخرى ذكريات طفولتها، وفترة شبابها، وتفاصيل دقيقة عن تجاربها الزوجيّة· تطرقنا إلى قصص الحب وعن نوعيات الرجال والنساء· ضحكنا كثيرا على مواقف طريفة مرّت بنا· التهمنا كيساً كبيراً من اللب الأبيض· مضى الوقت سريعا· رغبت صافي في توصيلي· أصررتُ على أن أتصل بشركة التاكسيات· كنتُ أشعر بالإنهاك والتعب· وصلت البيت في الساعة الواحدة صباحا· خلعت ملابسي بتثاقل· دسستُ جسدي تحت فراشي الدافئ· غلبني الكرى·
صفحة 5
(2)
قطعتُ من الروزنامة تاريخ اليوم الموافق 24 يناير· تنبّهتُ أنني مكثتُ في القاهرة ما يُقارب الثلاثة أسابيع· لم أحس بمرور الأيام· مضت كوميض البرق في ليالي شتاء قارصة البرودة· كنتُ مدعوة هذا المساء على عيد ميلاد واحدة من صاحباتي في مطعم آسيا بالباخرة بلو نايل ارتديتُ فستاناً مخططاً باللونين الأسود والأبيض من القماش الساتان· ضيق القسمات، بأكمام قصيرة تُغطي أعلى الكتفين وثنية الإبطين· وضعت فوقه معطفي الفرو المينك · كان زوجي قد اشتراه لي في آخر رحلة لنا إلى باريس قبل طلاقنا· سرّحتُ شعري المتوسط الطويل، المائل إلى البني الغامق· تركتُ خصلاته السائحة الخالية من التموجات تنساب على ظهري· وضعتُ إصبع روج أحمر على شفتيَّ· مططتُهما· ارتأيتُ أنهما بحاجة إلى تعبئة جديدة· سبحان الله!! في البداية لم أستسغْ هذا الفعل! أتذكّرُ عندما شاعت موضة نفخ الشفاه، اقترح عليَّ زوجي أن يقوم بتكبير شفتيَّ بحقن الفلير رفضتُ بشدة وقتها· استجبتُ في النهاية لإلحاحه المتكرر· قال لي ضاحكا وأنا أصرخ متألمة:
الجمال يا حبيبتي له ثمن باهظ· أحبُّ الشفتين المكتنزتين· إنهما دليل دامغ على أنوثة المرأة
عندما تركني لينعم بالأخرى، أول شيء فعلته أن تجسستُ على هيئة زوجته· كان قد وضع صورتيهما معا على صفحته بالفيسبوك بعد أن أعلن طلاقنا· أول ما لفت نظري طبقتي شفتيها اللتين تشبهان شفاه الأفارقة السود، ومظهر شبابها الغض الذي لم يتجاوز الثلاثين من العمر·
انصبَّ الحديث طوال السهرة على المظاهرة التي ستتجمّع صباح الغد في ميدان التحرير· أحد الحضور قلل من أهميتها، مبديا امتعاضه قائلا: شوية عيال عايزلهم الحرق اعترض آخر على كلامه، مُكيلاً المديح للشباب والناشطين بالفيسبوك وتويتر قائلا: ولاد أبوهم بصحيح علّقت صاحبة الدعوة بنبرة قلقة المهم إيه اللي حيصل بعد كده شعرتُ بالضجر· طوال عمري لا تجذبني أخبار السياسة كانت تنبثق من المكان أغنية (Sorry seems to be the hardest word)(4)· أخذتُ أدندن معها· انتبهتُ إلى رجل يتأملني بإعجاب· تبادلنا النظرات· تفحصته بفضول· يبدو أربعيني العمر· جميل المحيا· استرعت انتباهي جلسته الارستقراطية· عيناه المشعتان بالثقة المتناهية· كان يجلس مقابل طاولتنا· يُشاركه طاولته حسب تخميني اثنان من أصدقائه· ابتسم لي· شاور لي برأسه أن أقابله خارج المطعم· توقّفتُ عن مشاغلته· أشحتُ بوجهي صوب الاتجاه الآخر· مللتُ من تكملة قانون اللعبة الأزلية المعروفة·
استيقظتُ متأخرة صباح اليوم التالي· نظرتُ إلى الساعة· كانت تُشير إلى الواحدة ظهرا· تعجّبتْ· لم أسمع صوت المكنسة الكهربائيّة!! ضجيجها كان غالبا ما يُوقظني من عز نومي· ناديتُ على لواحظ· لم أسمع ردّا· خرجتُ متثاقلة إلى غرفة الجلوس· ألفيتها تتابع باهتمام كبير ما يُبثُّ على شاشة التلفاز· كان وجهها مصفرّا· سألتها مابكِ؟!
أبدا ياستي فايزه· تعالي شوفي· الدنيا مقلوبة في ميدان التحرير
طلبتُ منها أن تُجهّز لي قهوتي· أخذتُ أقلّب أزرار الريموت كونترول كانت القنوات الإخباريّة تصوّر مشاهد مظاهرة (يوم الغضب) كما أطلق عليها المتظاهرون· المراسلون ينقلون تفاصيل ما يجري بدقة· تُظهر تدافع المتظاهرين، شباباً ونساء وأطفالاً، متجاوزين الحواجز الأمنية القائمة أمام دار القضاء العالي، رافعين علم مصر باتجاه ميدان التحرير وقد تعالت هتافاتهم، منددين بالحكومة ومطالبين بحريّة وعيش كريم وعدالة اجتماعيّة· حدوث اشتباك بينهم وبين قوات الأمن المركزي· حركة السير توقفت فوق جسـر قصر النيل· لم تُصدّق عيناي ما يجري· أنَّ هؤلاء الشباب استطاعوا كسر حاجز الخوف· طلبتُ من لواحظ أن تعود إلى بيتها· رفضت بإصرار· قالت: مش حسيبك لوحدك ياستي فايزه قامت من مكانها· أقفلت النوافذ· أحكمت إغلاق الشرفة·
صفحة 6
لم أفكّر في الخروج من منزلي طوال اليومين التاليين· كان بوّاب العمارة يقوم بشراء ما يلزمني من البقالة القريبة من مبنانا· هاتفني ولداي أحمد ومحمد من مدينة مونتريال· ترجياني أن أعود لجدَّة· أظهرا قلقهما من أن يزداد الوضع سوءاً· طمأنتهما على أحوالي· أنَّ المظاهرات بعيدة عن حيّنا· اتصلت بي صافي، ترجتني أن أحضر لبيتها· اعتذرتُ لها· عرضتُ عليها أن تأتي هي للمبيت عندي· لم يُلقِ عرضي استحسانا لديها· آثرت كلُّ منّا متابعة مجرى الأمور من تلفازها· كانت لواحظ تُعاود الاتصال بابنتيها كل ساعة تقريبا· رفضت طلبي المتكرر لها العودة لمنزلها· تردُّ بحنان مفرط إنتي بنت الغاليه· أنا مش قليلة أصل يا ستي فايزه· الحاجّه والدتك الله يرحمها أفضالها كتيره عليّا· دي هيه اللي جهّزت بناتي وجوزتهم
لم يكن يوم الجمعة الموافق 28 يناير عاديّا كسابقيه· استيقظتُ مبكرا على طنين في أذنيَّ· حاولتُ هشّه بتحريك رأسي· كان عنيدا· استمرَّ في إزعاجي· تقلّبتُ في سريري· لماذا لا يسكت هذا الشيء؟! يكاد يخرجني عن صوابي· أشعر كأنني أصبتُ بداء الصمم· أزحتُ اللحاف عن جسدي بعصبية· أف·· من أين تسلل هذا الدويُ الخفي المزعج؟! قمتُ صوب غرفة الجلوس· ألقت عليَّ لواحظ تحية الصباح ثم هرولت لعملها الاعتيادي· كان يوم الجمعة بالنسبة لي روحانيّا· أبدأ نهاري بقهوتي التركية الممزوجة بسكر قليل مع وجبة إفطار خفيفة من التوست المحمّص وجبنة قليلة الدسم· آخذ حمّام دافئ· أنغمسُ بعدها في قراءة سور الملك والواقعة والكهف· أجلس قرب النافذة للاستماع إلى خطبة الجمعة التي تأتي واضحة من المسجد القريب من عمارتنا· أقومُ لأداء صلاة الظهر وأتضرّعُ في الدعاء لوالديَّ ولنفسي ولأبنائي· طقوس أؤديها أسبوعيّا كأنني روبوت آلي برمجه صاحبه على القيام بمهام محددة· هذا النهار تمرّدتُ لا إراديّا على المألوف· أمسكتُ هاتفي النقّال· كانت إشارة التواصل مختفية عن الشاشة· رفعتُ سمّاعة هاتف البيت· تذكّرتُ أنه مُعطّل منذ أيام عدة بسبب الحفريات القائمة في شارعنا· ناديتُ على لواحظ· طلبتُ منها أن تستعلم من الجيران إن كانت هواتفهم النقّالة تعمل أم خرست هي الأخرى مثل هاتفي!! جاءت الإجابة مُخيّبة· كل ما حولي أُصيب فجأة بالسكتة الكلاميّة· شعرتُ بأنَّ صلتي بالعالم مقطوعة· أنني تائهة وسط صحراء مترامية الأطراف، تحجب عنّي كثبانها الرملية ما يدور من حولي· انتابتني لأول مرّة مشاعر متباينة ممزوجة بالخوف والتوجّس من مجهول لا أعرف تضاريس ملامحه!! تناقلت القنوات الإخباريّة العالمية في نشراتها، أن القيادة العليا أمرت بقطع خطوط الهواتف النقّالة كافة بما فيها الرسائل النصيّة وشبكة الإنترنت· ترددت أقوال على ألسنة بعض المحللين أن هدفها غير المعلن، منع الشباب من التواصل عبر خدمتي الفيسبوك وتويتر· كنتُ مثل بحار تائه، قذف الموج العاتي بقاربهِ نحو جزيرة نائيّة ليس لها اسم على خريطة العالم·
لم يكن يوم 29 يناير أفضل من سابقيه· كانت عجيزتي قد اعتادت الالتصاق بالأريكة طوال الأيام الأربعة الماضية، وبحلقة عينيَّ في شاشة التلفاز· كانت قناة السي إن إن الأمريكيّة أول من نقلت عبر الأقمار الصناعيّة، ما تعرّضت له بعض المحلات وعدد من المراكز التجاريّة للنهب والسرقة على يد مجموعة من البلطجيّة وأصحاب السوابق· كتمتُ أنفاسي· أحسستُ بدمائي تجفُّ في عروقي· قرب انتهاء النهار، شعرتُ فجأة باختناق في تنفّسي· هرعتُ صوب النافذة· كان الهواء معبّئاً بالغازات المسيلة للدموع· لمحتُ عدداً من الشباب لا تتجاوز أعمارهم العشرين، فتيات وصبية يهرولون صوب الكورنيش بعضهم ارتكز على سوره، والبعض الآخر على حوائط البنايات· يُساعدون بعضهم في وضع خرق قماش مبللة بالماء البارد على عيونهم الملتهبة بسبب الغازات· لمحتُ عددا من ساكني العمارات المجاورة يُقدمون للشباب قناني من الماء البارد· بعض النسوة من الشرفات أخذنَّ يهتفنَّ لهم بفرحة ربنا ينصركم على الظلمه والمفتريين
قرب الساعة الثامنة مساء، دقَّ جرس الباب· كان بوّاب العمارة، جاء يُحذرني من عدم فتح الباب لأي مخلوق· أن أوصد باب الشقة من الداخل بالمزلاج الحديدي· كانت قد وقعت حالات من السطو المسلح على عدد من المنازل في حيّنا، وفي أحياء متفرقة بمحافظات القاهرة· سيطر الرعب على أفئدة الناس· سرت شائعة أن مسئولين كبار في وزارة الداخلية، أصدروا أوامرهم بفتح أبواب السجون أمام المساجين، لترويع الناس داخل بيوتهم·
صفحة 7
حرّكني الفضول· مددتُ رأسي من النافذة· كان ساكنو العمارة من رجال وشباب، متجمعين عند مدخلها· يحمل أفراد منهم عصيّاً غليظة في أيديهم· منهم من كان يُمسك بأسياخ حديديّة· حذت البنايات الأخرى الحذو نفسه· لم أعش في حياتي كلها تجربة كهذه· نسيتُ وسط الأحداث الملتهبة ما تعرّضتُ له من آلام نفسيّة مبرحة طوال الأشهر الماضية· كان الملك عبد الله قد أمر بتسيير جسر جوّي بين السعوديّة ومصر لترحيل المواطنين والطلبة المبتعثين· صبيحة الثلاثاء 1 فبراير قررتُ مغادرة القاهرة· حزمتُ حقيبتي· ودّعتُ لواحظ· أوصيتها أن تُحكم إغلاق النوافذ وباب الشقة الخارجي جيداً قبل أن تُغادرها· طلبتُ من السائق الذي استأجرته، أن يأتيني بسيارته على الفور· كان يسكن في حي إمبابة الشعبي· خفتُ أن لا يسعفني الوقت· أصبح حظر التجوال ساري المفعول· يبدأ من الرابعة مساءً إلى الثامنة صباحاً· السفارة السعودية في القاهرة أرسلت إلى السعوديين كافة رسائل نصيّة بالتجمّع في فندق جي دبليو ماريوت القريب من مطار القاهرة· وصلتُ الفندق بعد ساعة ونصف الساعة من خروجي· جزعتُ وأنا أرى جموع الناس المتكدسين في قاعة الفندق· كانوا بالآلاف· نساء وأطفالاً وعجائز· كان بحق مولد وصاحبه غايب القاعة المخصصة للأفراح في الفندق، غصّت هي الأخرى بالأسر الراغبة في السفر· أمام مدخل القاعة وضعت السفارة السعودية مكتباً مؤقتاً لها لتدوين قوائم الأسر بأسماء أفرادها· صف الانتظار كان طويلا· الكل يتحدّث في وقت واحد مع مندوبي السفارة· سحبتُ حقيبة سفري· حاولتُ اختراق الصفوف فلم أفلح· فكّرتُ في حجز غرفة في الفندق للمبيت فيها حتّى الصباح· اعتذرَ لي موظف الاستقبال· ترجيّته· أكّد لي أنه لا تُوجد في المبنى كله غرف شاغرة· حاولتُ الاتصال بأرقام الهواتف التي أعلنت عنها السفارة السعودية· جميعها لا تجيب!! كأنها وُضعت للاستهلاك الإعلامي!! تملّكني الهلع أن أظلَّ عالقة في مكاني· اتصلتُ بالسائق· حمدتُ الله أنني لم أصرفه· كان ينتظرني في موقف السيارات· طلبتُ منه أن يُعيد حقيبتي إلى السيارة، ويتجه بي صوب المطار· كانت دبابات الجيش طوال الطريق تقف على الجانبين· لم يكن الوضع في المطار أفضل حالا من الفندق· أعداد كبيرة من الأسر السعودية افترشت أرضية صالة المطار وقاعات الانتظار، بعد أن تعذّر خروجها نتيجة حظر التجوال· الزحام كان على أشدّه أمام كونتر الخطوط السعودية· لجأتُ إلى الحيلة المعتادة· دسستُ في يد أحد منظمي الرحلات ورقتين من فئة المئتي جنيه· أبديتُ رغبتي في صعود الطائرة التالية المتجهة إلى جدَّة· عند الساعة السابعة مساء كنتُ قد صرتُ على متنها في درجة رجال الأعمال· طلبتُ صافي على عجل· أخبرتها أنني مسافرة· شهقت· قالت بنبرة وجلة: متى ستعودين؟ صدقيني يا صافي لا أعلم سرى صمت بيننا· شعرتُ بدموعها المرتاعة تُلامس صدغيَّ· هدّأتُ من روعها· عادت حرارة الطمأنينة لصوتها· أغلقتُ هاتفي النقال· رميته في جعبة حقيبتي· تأملتُ الوجوه من حولي· كانت كالحة، مقطبة الجبين، كأنها خارجة من ساحة معركة حامية الوطيس، لم يُعلن بعد الجانب المنتصر فيها· أعلن المضيف عن إقلاع الطائرة متمنيا لنا رحلة آمنة· ربطتُ حزام المقعد· ألصقتُ جبهتي بالنافذة· ظلّت أنظاري عالقة بأضواء القاهرة حتّى اختفت عن ناظري· أغمضتُ عينيَّ مرددة·· حماك الله يامصر رحتُ في سبات عميق· تنبهتُ على صوت المضيف قائلا: مرحبا بكم في مطار الملك عبد العزيز الدولي تنفّستُ الصعداء·
صفحة 8
(3)
يُقال بأن المرأة متى ما هجرت سماءها أسراب الحب، وحلّقت بأجنحتها بعيدا عن أرضها، جفّت تربتها وأصبحت عرضة لنظرات الشفقة الملقاة عليها من الذاهب والراجع· كلما نظرتُ إلى صافي، تُخالجني الشكوك أنها صافي تلك التي انبهرتُ بها في صغري· اختفى ذلك الجسد الجميل وتحوّل مع السنين إلى كتلة من اللحم تحملها ساقان سمينتان · غابت تضاريس وجهها الجميلة مع انتفاخ الوجنتين، وغارت العينان إلى الداخل، وتهدّل عنقها العاجي الجميل، وخفّ شعرها الكثيف وبهت لونه مع الشعيرات البيضاء التي أخذت تمرح بحريّة بين خصلاته، دون أن تفكّر صاحبته في ردعها وإيقافها عند حدّها· أتذكّرُ وأنا صغيرة عندما كانت تنحني لتقبّلني، تستهويني لمسة يديها الناعمتين· أنفاسها العذبة· بتُّ كلما اقتربت منها، تنبعثُ من جلدها رائحة عتيقة حرتُ في معرفة سبيها!! ظلَّ سؤال مُحيّر يربض في ذهني سنوات·· لماذا رغم هذا الكم من الأنوثة الذي وهبه إياها الخالق، عجز عن توفير السعادة لها؟! لماذا لم تنجح فتنتها في سلب عقل رجل ناصع المروءة؟! هل كان فرط جمالها مدعاة إلى تخوّف الكثيرين من الاقتراب منها؟! في السنوات الأخيرة، أخذت كلُّ منّا تُنبّش في جعبة الأخرى عن خيط متين يربطها بأهلها· كان ملك الموت قد فرط سبحة عائلتينا تباعاً· قررنا أن لا ندعه يكمل خطته في هدم آخر قلاعنا· حرصنا على أن نُرمم أساسيات علاقتنا بالحب الأخوي· اعترفت لي بنبرة شجيّة، وبنظرات تنزُّ منها قطرات الحسرة، وعمر ناهز على الخمسين، أنها نادمة أشد الندم على عمرها الذي أهدرته في التعبّد داخل محراب أوجاعها· أنها لم تسعَ جادة لإنقاذ روحها من براثن الغم· تثور بعض الأحيان على نفسها· تصبُّ نقمتها على شخصيتها الأبيّة التي ورثتها عن أبيها· تلومها كونها لم تُفكّر في لبس ثوب الجرأة· تُقرّع ذاتها لأنها لم تُشجّعها على تذوّق ما يحلو لها من ملذات الحياة، ثم تُعلن توبتها كما تفعل الكثيرات من النساء بعد أن يُوشك عمرهنَّ على الانقضاء· تعود فتستغفر ربّها طالبة منه برجاء صادق أن يغفر لها زلاّت بنات أفكارها·
لم أكن أعرف ما وقع لصافي في فترة صباها· سمعتُ أمّي أيامها تقول لأبي بنبرة ينضح منها الألم، إن صافي تطلّقت وعادت إلى بيت ذويها· ضرب أبي كفيّه قائلا:
لا حول ولا قوة إلاّ بالله· البنت لم تزل صغيرة· الله يعوضها ويسعد بناتنا
في يوم ربيعيٍّ جميل، اقترحتُ على صافي تناول طعام الغداء بمطعم الكبابجي، المطل على نهر النيل بجوار فندق سوفتيل الجزيرة· كانت المراكب الشراعية تتراقص في النهر، عاكسة أنوارها المتلألئة على سطحه الهادئ، وقد ازدحم جوفها بأناس من الطبقة المستورة الحال، يقف سقف طموحها عند حدود نزهة جميلة في النيل· أخذ راكبوها يصفقون ويتمايلون بأجسادهم مع إيقاع الأغاني الشعبيّة التي كانت تنبثق من أجهزة التسجيل· بدأ الهواء يُلامس برفق وجهينا· يُشجّع الأفئدة المعلولة على تشريع نوافذها دون أن تلتفت لحسابات مدروسة· هيّج المشهد ذكرياتي الخاملة· طلبتُ منها حلّ لغز عاش في فكري سنوات طويلة· سألتها ببساطة شديدة
صافي، أين ذهب حبّكِ لهشام؟! كيف تبخّر بين يوم وليلة؟! كيف استغنيتِ عن رجل عرفت أحاسيس الحب الأولى على يديه بهذه السهولة؟! هل خيّب أملك، أم كان هناك رجل آخر سبقه إلى قلبك؟!
لمحتُ لحظتها دمعة في مآقيها، تحاول الانفلات من محبسها· حزمتْ حقيبة الماضي· سافرتْ بفكرها نحو البعيد· أخذتْ رشفة من قهوتها· ألقتْ نظرها في صفحة النهر· سردتْ لي ما جرى في تلك الليالي الطويلة العامرة بالمفاجآت المفجعة·
صفحة 9
(4)
تزوجت صافي في سن السابعة عشرة· بدأ العرسان مبكرا يتهافتون على بابها· رفضهم والدها واحدا تلو الآخر· كان قد قطع عهدا لأخيه أن لا يزوجها إلا لابنه· كلاهما لم يرغبا أن يُشاركهما غرباء في إرث الأسرة· منذ نعومة أظافرها وهي تسمع أنها لهشام وهشام لها· كان يكبرها بسنوات قليلة· تفتّحت براعم قلبها على صورته· صبّت كل رغباتها الفتيّة في جعبته· جمعت فورة شهوتها في صرّة مخيلتها، تقوم بفرط عقدتها على سريرها كل ليلة، وهي تتأمل صورته الموضوعة بجانب سريرها· لم تُحاول أن تصهر أنوثتها مع غيره· حفظت طهارة جسدها له· لم تلتفت يوما لملاحقة شاب موله بها· لم تُصغِ لكلمات الإعجاب التي كان يُلقيها المعجبون في طريقها· كانت قد حزمت أمرها أن تكون له وحده· تخرج بصحبته في العطل الأسبوعيّة، يرافقهما أخوها فريد لمشاهدة أحد الأفلام الجديدة، التي كانت تُعرض في دور السينما القائمة بوسط البلد· يكون الزحام شديدا إذا كان الفيلم المعروض لعبد الحليم حافظ أو سعاد حسني أو شادية· يحوطها هشام بذراعيه من تدافع الشباب· يحميها من نظراتهم الناريّة المصوّبة على جمالها الصارخ· تشعر بالنشوة· تحسُّ أنها قد ملكت الدنيا بأسرها· كان أخوها يتعمّد دوما الجلوس وسطهما· يتملّكها الغيظ· تتحرّق شوقا لملامسة يد هشام في الظلمة· تتمنى لو تستطيع وضع رأسها على كتفه كما يفعل الأولاد والبنات في قاعات السينما بعد أن تُطفأ الأنوار· لا تتذكّر أنه اختلى بها يوماً· صباح كل يوم تنظر إلى ورقة التقويم· تتمنّى من صميم قلبها أن تستيقظ لتلفي نفسها في عش الزوجيّة· بعد حصولها على شهادة الثانوية العامة، وتخرّج هشام من الجامعة، قررت الأسرة أن يتم عقد قرانهما· كادت أن تُحلّق بجناحيها من الفرحة· أخيرا ستعيش مع هشام تحت سقف واحد· في حفلة عرسهما لاحظت وجومه، سرحانه، أرجعت ذلك إلى طبيعة هشام المنطوية· فُضَّ الحفل عند الرابعة صباحا· ودّعا الجميع· حال وصولهما البيت، هرولت صافي صوب حجرتها· وقفت وسط الغرفة تنظر إليه والسعادة تطفح من تقاسيم وجهها· تحاشى النظر إليها· خلع سترته· أكمل تبديل ملابسه· لبس بيجامته كانت لم تزل واقفة· حدّجته هذه المرة بنظرة اندهاش· اقترب منها· قبّل يديها قائلا: اعذريني حبيبتي أنا جدا مرهق· لم أتعوّد السهر لهذا الوقت كما تعلمين سحب لحاف السرير· دسَّ جسده تحته· أعطاها ظهره· أغمض جفنيه· راح في النوم· نزعت بعصبيّة طرحتها البيضاء· خلعت فستانها· رمته على الأريكة الموضوعة في ركن الغرفة· لبست منامتها الحريرية البيضاء الشفافة· حشرت جسدها الفائر بجواره· أخذت تُحدّق واجمة في سقف الغرفة· كرّت بكرة حياتها· لا تتذكّر أن هشام حاول مرّة تقبيلها أو الإمساك بيدها كما يفعل المخطوبون· لماذا تزوجني؟! هل يحبني فعلاً أم أغصبه عمّي على هذه الزيجة؟! طردت الهواجس من رأسها· طمأنت نفسها بأنها سمعت عن حالات كثيرة مماثلة لحالتها· أقربها إنجي صديقتها· اليوم هي تعيش في سعادة واستقرار مع زوجها· أرجعت تصرفه إلى تربية عمّها الصارمة· أخذت تتقلّب على فراشها في السويعات القليلة المتبقية من ليلة عرسها· تنبّهت إلى جرس الباب· خرجت مهرولة· كانت أمّها تقف بالباب والبهجة تقفز من عينيها· جاءت تحمل فضولها· أرادت أن ترى بعينيها وتُمسك بيدها صك طهارة ابنتها· أخبرتها صافي بجفون مجهدة، وبعينين مكحلتين بالسهاد، أنه لم يحدث شيء!!· لمحت صافي ومضة ذعر في عيني أمّها· سرت لحظة سكون· بلعت الأم ريقها، سألتها بنبرة مضطربة هل أغضبتهِ؟! هل تمنّعتِ عنه؟! كانت الإجابة جميعها بالنفي· أطرقت الأم برأسها· ارتسمت معالم القلق على وجهها· قامت فجأة من مكانها باتجاه غرفة النوم· لم يزل هشام يغطُّ في نومه· أيقظته برفق· انتحت به جانبا في غرفة الضيوف· أخذت تتحدّثُ معه بصوت هامس· ذلك اليوم تدفّق الدم من ثقب فرج صافي بغزارة· دلفت صفاء إلى عالم النساء بفضل إصبع هشام الأوسط· لم يسعَ إلى إثارتها· لم يحاول أخذها بين ذراعيه أو ضمّها لصدره أو تمسيد شعرها بكّفه· تصرّف معها مثل رجل أُجبر على فعل شيء، بمسدس مصوّب فوهته نحو رأسه· أنهى مهمته المطلوبة على عجل، بعد أن ألحق صدمة عارمة بنفسيّة صفاء· أزاح نفسه سريعا من فوقها· دخل دورة المياه· مكث فيها قرب ساعة· خرج منها دون أن يلتفت صوبها· كانت صفحة وجهه جامدة خالية من أي تعابير· ارتدى منامته· اتجه صوب الأريكة· كّور جسده عليها وأغمض جفنيه· لم يعطها فرصة إلقاء سؤال واحد عليه من جملة الأسئلة الحائرة الدائرة في فكرها· حضرت والدتها صباح اليوم التالي· وجدت ملاءة السرير ملقاة بزاوية الغرفة، وتفترشها دائرة كبيرة من الدم· أخذت صافي في أحضانها وأطلقت زغرودة عالية· لم تُكلّف خاطرها التنقيب عن سبب ملامح القهر والأسى المرسومة على وجه ابنتها·
صفحة 10
مضى أسبوعان على هذا الحال· يتحدثان بفتور طوال النهار، وعند قدوم الليل يأخذ وسادته ويغوص بجسده في بطن الكنبة· تلك الليلة أصابها الأرق· جافاها النوم· أخذت تتقلّب على فراشها· أضاءت نور الأباجورة بجانبها· دارت بنظرها في أرجاء الغرفة· لم يكن هشام في مكانه· تنبهت لحركة في الخارج· مشت على أطراف أصابعها· اخترقت سمعها أصوات متداخلة قادمة من حجرة الضيوف· عجزت عن فهم معانيها· أضاءت نور الحجرة· وقفت متسمّرة عند عتبتها· جحظت عيناها فزعاً· لم تقوَ قدماها على حملها· أسندت ظهرها إلى حافة الباب· كان زوجها في وضع حميمي مع صديقه المقرّب أنور· ممددين عاريين على السجادة التي تتوسّط الحجرة· قاما فزعين من مكانهما· أخذا يُلملمان ثيابهما المبعثرة على عجل· شعرت برائحة نتنة تملأ أجواء المكان· اخترقت بقوة مِنخارها· رغبت في التقيؤ· هرعت إلى دورة المياه· أفرغت في حوضه كل ما في جوفها· لم تصدّق ما رأته· أخذت تُردد بهستيريّة لماذا·· لماذا؟! أمضت الليل في جمع أغراضها· أفرغت دولاب ملابسها عن آخره· جلست متهالكة على الأريكة، تترقّب طلوع الشمس، متمنية أن تُغيّر رأيها وتأتي قبل موعدها· عند طلوع النهار والساعة تدقُّ السادسة، رأت هشام يتجه ناحيتها بسرواله الطويل وفنلته القطنية الداخلية· هيئته مروّعة بشعر رأسه المنكوش، وصفحة وجهه المصفرّة· أخذ ينظر في وجهها بعينين زائغتين جافاهما النوم· عادت إليها الرغبة في التقيؤ مرّة أخرى· أشاحت بعينيها عنه· جثا على ركبتيه أمامها· أخذ يُقبّل قدميها· أرادت أن تدفعه عنهما· تشبث بهما· استعطفها· توسّل إليها بصوت منكسر أن تغفر له· أن تنسى مشهد الأمس برمّته· مقسما لها بأغلظ الأيمان أن ما يقوم به خارج عن إرادته· أن ليس له دخل في جيناته الشاطحة· تبخّرت فجأة من أعماقها مشاعر الازدراء لهذا الرجل الراكع أمامها· حلّت مكانها شفقة عامرة· طلب منها برجاء أن تستمع له للمرة الأخيرة· حسر اللثام عن قصّته· بدأ في سرد الحكاية·