صفحة 1
لوثة الهوى
علا صوت الأب غليظا خشنا:
- تبكي من أجل فتاة..؟؟ أنت عار على الرجال.. كفكف دمعك لا تفضحني بين الرجال.
قال الابن ملتاعا:
- أحبّها يا أبي.. رفع الله عنك شرّ الهوى.. كم قامت من أجله حروب.. وكم أطاح بممالك.. وأهان رجالا!!
قال الأب وقد زاده قول ولده غضبا:
- والله من فعل به الحبّ هكذا.. ما شرب من ثدي حرّة.. ولا كان له شأن بين الرجال
غدا نذهب الى سوق النخاسة..
وأبتاع لك جارية أكثر منها فتنة وجمالا..
قال الإبن والصوت فيه تذلّل واسترضاء:
- يا أبي القلب هو الذي اختار.
سأل الأب لا يقيم لقول ولده وزنا ولا اعتباراً:
- متى كان للقلب حضور في مثل هذا المجال..؟!!
لا تتفوه بمثل هذه المهازل.. حتى لا تصغر في عين الرجال.
قال الولد يسأل باستغراب:
- ألم يداعب الحبّ قلبك في يوم من الأيام..؟؟
قال الأب بثقة الرجال أصحاب المال:
- الذي أحبّه أشتريه بالمال.. أشطب نداء القلب.. وتبقى لي مكانتي بين الرجال.
صفحة 2
قال الولد مقهورا يقدّم البرهان:
- أبي ألم يكن قيس "مجنون ليلى" رجلا.. وكذلك قيس لبنى..
وكثير ممّن هم على شاكلتهم من الرجال..؟!
قال الأب متشائما:
- الموت يطولك خير من عار الجنون يشوّه شجرة العائلة.. ويلحق عارا بالأنساب.
ذهب الولد الى أمّه يسأل.. والدمع في عينيه:
- حيران أمّي.. ألم يكن لكلمة الحبّ بينك أنت وأبي ذات يوم مكانة أو اعتبار..؟؟
قالت الأمّ يحيّرها السؤال:
- والله يا ولدي لا أعرف عن ماذا تتكلم.. كان يحضر كل ما يحتاجه البيت..
كان رجلا وما قصّر بالتزام.. والشهادة لله ما رأيت منه ما يعكّر صفوي.. كان خير الرجال.
زاد وجع الابن مع مرور الأيام.. لام الأب ضعف ولده.. وزاده ذلاً واحتقاراً.
الى أن ضاق صدر الأب بولده.. فذهب الى صديق اشتهر بالخبرة والتجربة والحكمة..
فنصحه أن يزوج ابنه من الفتاة التي يحبّها..
إلا أن الأب أبى واستكبر.. فالفارق في النسب بين العائلتين كبير..
الى أن ازداد تعلّق الإبن بالفتاة.. فأصابته لوثة الهوى.. فهرول الوالد فزعا الى صديقه المجرّب الحكيم ، يشكو إليه حال ولده.
صعب على الرجل الحكيم حال صديقه.. فتنهّد ينشد:
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى.. وأذللت دمعا من خلائقه الكبر.
يا أخي إذا كان الهوى قد أدمع عين فارس العرب.. أبا فراس الحمداني.. أتستكثر على ولدك البكاء يا رجل؟!
صفحة 3
حواء والحوت
حكاية قديمة قدم التاريخ.. لا أعرف نسبة الحقيقة فيها.. وما أنا سوى راوِ.. ليس لي في العير ولا في النفير.. وإذا كان لحواء اعتراض.. فلتبحث في بطون التاريخ.
هما حبيبان.. يتحصّن كل منهما بحجاب.. خوفا من عين حسود.. أو غيور.. أو حاقد.
ما رأتهما عين إلا اشتهت وتمنّت.. إن كان شابا يشتهي أن يكون له مثل هذه الحبيبة..
وإذا كانت صبيّة.. تشتهي أن يكون لها مثل هذا الحبيب.. كان لهما دوما صخرة لقاء تجمعهما عند شاطئ البحر.. والموعد بعد أن تتوارى الشمس في عمق البحر.. ويسود الدنيا غروب.. ويشتعل الأفق بلهب الشفق.. يعطي لون ماء البحر لون خدّ وردة حمراء.. الى حلول الظلام..حيث يكون القمر والنجمات في الإنتظار.
كل يرمي بخيوط نوره تصطاد البسمة والضحكة والكلمة الحلوة ثم الغوص داخل العمق..
قلبان لهما صفاء ونقاء لؤلؤة بحرية جميلة بالغة الثراء.. دخل الحبيبان البحر.. والحب قد شغلهما عن الحذر والإحتياط.. كان الفرح بادياً.. والضحكة تعلو على صوت الموج.. لها رنين وطول بقاء.
قالت الحبيبة تمازح الحبيب.. والقصد امتحان واختبار:
- حبيبي لو أنه صادفنا حوت الآن.. ماذا ستقول له؟
أقول له ابتلعنا نحن الاثنين.. دونك ليس للدنيا طعم.. والحياة تكون شقاء.
غضبت الحبيبة.. قالت والصوت فيه عتاب:
لو أنك تحبني.. ما تمنيت لي الموت في بطن حوت.
راجع الحبيب نفسه:
- إذن أقول له ابتلعني أنا.. ما أسعدني أن أكون لك فداءًا!
غضبت الحبيبة.. تتركني في هذه الدنيا وحدي.. وأنت تعلم أنني من غيرك لا تطيب لي حياة؟
يالك من شقيّ يتمنى لي العذاب والشقاء.
فجأة صخب البحر وعلا موجه.. ودخل بهما الأعماق.. والعودة باتت من سابع المستحيلات.. وبات الموت أقرب إليهما من أي أمل في الحياة. حضن الحبيبان بعضهما.. يأملان في ربوع الجنة لقاءً.
وإذا بقارب يقترب منهما.. وصوت الربّان يعلو.. هو شخص واحد فقط مكتوب له النجاة.. ولكما الإختيار.
أخذ الشاب يفكّر والحب صراع في قلبه.. بين روحه وروحها يختار. إذا بالفتاة تمسك بطوق النجاة تلفه حول نفسها.. والبحارة تشدها الى المركب.. تردّد:
- يا روح ما بعدك روح.. إذا سبقتني الى الجنة حبيبي.. لا تختر حورية غيري أرجوك انتظرني.
صفحة 4
النساء أولا
عزيزي القارئ صباح عطر البراءة التي ترفع عني الملامة من الأخوات اللواتي اعترضن ولمنني على قصة المرأة والحوت.
وما كنت سوى راوٍ ليس لي في العير ولا في النفير.. وقد فوجئت بصوت إحدى الأخوات -على الهاتف- مليء بالملامة.. تتهمني بالعنصرية والقسوة والتجنّي على المرأة.
وكانت قد نبشت الماضي تدعم قولها بقصّة كنت قد نشرتها على صفحة الفيس بوك قبل أربعة أيام.. أنها كانت أكثر شرا وأذى وافتراء على المرأة.. التي أنا عدوها من قصة المرأة والحوت
ladies first.. النساء أولا.
هما حبيبان كان قد وصل العشق بينهما منتهاه..أشرقت الدنيا.. واكتست بالربيع الأخضر.. وتفتّحت براعم بساتينها..وأطلقت شذى عبيرها.. تعطّرالدنيا.. تحيّة وإكراما لهذا الحبّ..الذي استمر يعكس الأمل.. والوجه الضاحك للدنيا مدى سنين..الى أن جاء يوم لعب فيه القدر لعبته.. أخذ المال.. وساء الحال.. واستبد الظلام يعكّر صفو حياتهما.. صعب عليهما أن يعيش هذا الحبّ والعشق عيشة الحرمان والإذلال.. فقررا أن ينتحرا.. اعتليا صخرة الإنتحار..قالت الحبيبة وأسى المرارة يبحّ صوتها:
- حبيبي الق بنفسك أولا تشجعني.
أطاع الرجل الحبيب المسكين ولبّى طلبها. إلا أنها وفي لحظة مراجعة حساب مع نفسها تراجعت.. ونزلت عن الصخرة فرحة بنجاتها.. وعاشت العمر الطويل سعيدة بحياتها..
إلا أن الرجال بعد ذلك فطنوا لغدر حواء ومكرها.. "فلم يجدوا سوى مقولة "النساء أولا" ladies first يأمنون بها شرهنّ.
صفحة 5
عجيبة..
قالوا .. وأنا راوٍ لم أر بعيني.. ولا أشهد بحقيقة ما سمعت.. إنما هي كلمات مبعثرة لملمتها
عن ألسنة أهل ذلك العصر.
قالوا أن أفعى ضخمة كبيرة في العمر.. نبت لها قرنان.. أي أن عمرها تعدّى مئة عام.. عاشت في خرابة بعيدة عن مركز القرية.. تسكن في بيت تعبت وشاخت حجارته.. كل حجر يحمل الآخر فوق ظهره على ما يزيد عن مئة عام.. فبدأت حجارته تتهاوى وتنهار.. كانت الأفعى شريكا تسكن مع أهل هذا البيت.. دون خوف أو ريبة.. لا يتوقعون منها أذى أو شرّا.. فهى الجارة للجدّ قبل الإبن والأب والحفيد.. كانوا يرونها .. ولم يحاولوا ولو مرة أن يستفزّوها أو يؤذوها.. يؤمنون بالمثل الذي كان شائعا في تلك الأيام: ( عند العقرب لا تقرب .. عند الحيّة افرش ونام).. وكانوا يسمونها "المبروكة".. مرّات ومرّات رأوا أحد أطفالهم رأىَ العين يداعب الأفعى ويعضّها بأسنانه الثلاثة.. اثنان في الفك العلوي والثالث في الفك السّفلي.. وما كانت لتنفر منه أو تؤذيه.. عاشت تلك الأفعى مع أقدم سكّان البيت.. والأطول عمرا ممّن ما زالوا أحياء فيه بمحبة ووئام.. وملتزمين بمعاهدة صلح ومحبة وعدم اعتداء.. إلاّ أنه حدث أمر غريب بعد طول هذه السّنين..حيّر العلماء والخبراء.. والحواة الذي عاشوا مع الأفاعى العمر الطويل. جميع أهل القرية تحدّثوا حتى تعبت ألسنتهم وأجهدت عقولهم .. وما اهتدوا الى تفسير....هذا الطفل الصغير صاحب الأسنان الثلاثة.. طالت يده فأوقعت إناء زجاجيا فكسره.. أمسك الأب بالطفل وضربه على ظهر يده.. تألم الطفل صاح وبكى.. وإذا بالأفعى تهيج وتهجم على الأب تلدغه ..وتفرز من غدتها سما اختزنته منذ سكنت هذا البيت.. مات الأب وهربت الأفعى..بحثوا عنها في الخرابة والبيت فلم يجدوها.. وما وقعت عليها عين بعد ذلك أبدا.. هجرت الدار والخرابة.
قالوا أنها كانت تحب الطفل.. حين استفز بكاؤه عاطفتها.. فانتقمت ممن تسبب له بالأذى.
ضحك رجل يستهزئ بهذا الكلام.. وعلّق ينتقد صاحبه:
تتحدّث وكأن للأفعى عقلا يفكّر.. أو عاطفة أمومة ذات حساسية عالية.. تصل حدّ القتل.
ردّ عليه رجل آخر معترضا:
- لماذا تستهزئ بكلام الرجل.. ألم تسمع بالغزالة التي أرضعت طفلا..؟
أو بالذئبة التي درّ الحليب من ثديها.. حين سمعت بكاء طفل جائع يتحسّس بشفتيه ثديّ أمّ ميّته..؟؟
علا صوت رجل رابع:
- خرافات.. والله لا يصدق هذا سوى مجنون.. الحقيقة أنني رأيت المرحوم والد الطفل
يكسّر بيض الأفعى في خمّ الدجاج تحت كومة القش.. فانتقمت منه.
انقسم الجماعة بين مؤيد ومعارض.. وعلا الصوت.. وازدادت قسوة الكلمات والتّهم.. للدرجة التي ما عادت الكلمة تشفي غلّ المتجادلين.. وهمّ الطرفان بالإستعاضةعن الكلمة باستعمال اليد
الى أن علا صوت المختار:
يا إخوان إن فصل القول عند شيخ القرية.. وأشار إليه يجلس في صدر الديوان:
- ما رأيك يا شيخنا فيما قالوا.
قال يتحسّس بكف يده لحية بيضاء طويلة.. تصل حتى أسفل صدره.. وحّدوا الله يا إخوان..
ما أكثر الأشياء التي لا نفهمها في هذا الكون.. سرّها عند العالم العلاّم العظيم..
وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا.. صدق الله العظيم.
صفحة 6
عودة الكابوس
تعدى الليل منتصفه.. الدنيا ظلام.. هاجر القمر من سماء المدينة.. تمسكت بأذياله النجمات
أطبق الغيم الكثيف على عنق الفتاة.. فضاق الصدر وعزّ الهواء.. علا صوتها صراخا
أفزع الرعد.. وتوارى خلف الغيم القمر شاحبا.. والنّجمات غمسن رموشهن في كحل الليل..
فعمّ الدنيا رهبة وساد سكون. كابوس.. كابوس يطبق على عنقي.. لولا أنني أمسكت بذيل الروح. كانت الملائكة تزفّني الآن في أعالي السماء.. ضاقت الدنيا في وجه الفتاة.. ذهبت الى الكنيسة.. جلست على كرسيّ الإعتراف:
الذنب كبير.. كيف الخلاص يا أبي..؟؟
قال الراهب:
- طهّري نفسك بالتّوبة يا بنيتي.
عادت الفتاة عازمة على التوبة والخلاص. نامت.. وإذا بالكابوس جهنم.. والنار انفجار بركان. .تسبح فيه.. والنار تحيط بها من كل مكان.. استعاذت بالله من الشيطان..
لكن اللسان كان يابسا والحلق جافا.. أمسكت بكوز الماء تحاول أن تشرب بعض قطرات.. وإذا
دويّ الرعد انفجار.. أرعب الفتاة.. وأسقط من يدها كوز الماء.. ودقات القلب صراخ آهات
كان صوت المطر يهطل من الغيمات زخّات زخّات.. الدنيا ظلام والقمر والنجمات في الطرف الآخر من السماء. تعرّت من ملابسها وخرجت تقف تحت ماء المطر الطهور وأطالت الدعاء
غسلت الذنوب.. ولبست ثوب الطهر.. كأنها الوليد من رحم أمّه نزل ومعه البراءة والنقاء
عادت.. ودخل معها السلام والأمان .. نامت نوما هادئا.. ما عرفته عيناها منذ سنوات
لكنه الشيطان..عاد وزيّن لها الذنوب.. فنامت في حضن الخطيئة.. وعاد لها الكابوس أشرس ممّا كان.. فعاد يأكلها القلق.. والخوف سيطر..فذهبت تجلس على كرسي الإعتراف.
قال الراهب يشفق عليها:
- أعلنت التوبة غفر الله لك.. عدت الى الخطيئة.. عاد الشيطان ومعه الكابوس يؤرقك.. ويقضّ مضجعك..شرط التوبة أن تكون توبة نصوحا.. لا رجعة فيها يا بنيتي..
تقربي من الله فيها.. وستنعمين بالراحة مدى الحياة .
صفحة 7
النصيحة بجمل
نصيحة لا تفاصل .. ولا تسأل عن ثمن سلعة.. وإلا سيصيبك ما أصاب الأستاذ حسن
الرجل سريع الغضب.. العصبيّ المزاج..الذي سرعان ما سبقت يده تفكيره..
وصاحبه الندم مدى عمره.
وقف الأستاذ حسن أمام بسطة خضار.. أتعسه لسانه حين سأل عن ثمن كيلو البندورة وشعر بإرتفاع الثمن.. حاول أن يخفّض من السعر قليلا.. وبين أخذ وردّ.. طال لسان صاحب البسطة عليه.. ورماه ببعض كلام جارح.. لم تتحمله كرامة الأستاذ حسن.. فرفع يده ولطمه على وجهه.. لم يثر صاحب البسطة..لم يحتدّ..لم يشتم أويلعن.. هما كلمتان فقط وجّههما بلسان واثق قادر.. غضبت عليك أمّك.
تدخّل بعض الحضور.. وكان من بينهم صديق للأستاذ حسن.. فأوعز له أن يذعن ويبادر بالصلح.. فالرجل باعه طويل بالشرّ.. سمع الأستاذ حسن النصيحة.. وتقدّم من صاحب
البسطة معتذرا.. أخطأت ومنك السماح.. الله يلعن الشيطان..وقدّم وجهه من الرجل .. هيا خذ بثأرك واضرب بدلا من اللطمة اثنتين.. إلا أن صاحب البسطة أبى واستكبر وعاد يهدّد.. جاءك غضب الوالدين.. وأبى الرجل أن يصفح أو يسامح.. فارتدّت يد الأستاذ حسن خائبة تحمل وزر فعلتها.
بعد صلاة العصر بقليل.. وإذا برجل من أهل الخير صديق للأستاذ حسن..يطرق الباب يفاجئه
ماذا تفعل أستاذ حسن.. يجب أن تذهب ومعك جاهه من أجل أن تأخذ "عطوة".. وإلا الأخذ بالثأر سيكون من حقّهم.. وسيكون الرد وخيماً.. فهم أشداء أقوياء قادرون.. وعددهم من الرجال كثير...ثم علا صوت الرجل يستحث الأستاذ حسن:-
هيا يا رجل لقد شارفت الشمس على المغيب.
أخذ الأستاذ حسن يدور حول نفسه.. لا يدري ماذا يفعل.. فهو رجل مسكين .. لا ظهر ولا أهل ولا سند.. يقف ندا للخصم....ارتدى ملابسه بسرعة وذهب مع الصديق.. يجمعون جاهة من أهل الإصلاح.. وذهبوا الى بيت المعتدى عليه.. فوجدوا الرجال بالإنتظار.
بعد جدل طويل بين أهل المعتدى عليه.. ورجال الإصلاح .. وأخذ وردّ.. اتفق الطرفان
على صلح غداء.. يتكلّف به الجاني الأستاذ حسن...ركض الأستاذ المسكين بين الأهل والأصدقاء.. يستدين ثمن الذبائح صلح غداء تنتهي بعده المشكلة.
اجتمع الرجال على مائدة الصلح.. وساد الجلسة لسان الأخوة والصلح والمحبة...مضى الشهر يتلوه الشهر.. ثم السنة تتبعها السنة والأستاذ حسن يقتطع من راتبه نقودا.. وعن فم عياله غذاءا.. من أجل أن يسدّد دينا كان في غنى عن ذلّه.. لو أنه استعاذ بالله من الشيطان.. وعدّ للعشرة.
صفحة 8
لماذا؟؟؟
هما صديقان.. ضاق بهما الحال.. فقررا أن يبحثا عن الرّزق في بلاد غير هذه البلاد بعد جدل طويل.. وأخذ وعطاء.. استقرّ الرّأي على الرّحيل الى أمريكا.. بلد الدولار والثراء.. كان لكل منهما طباع وصفات.
الأول: كان كشرا..عبوسا.. ينطق وجهه باللؤم والقسوة.. بخيل بالضحكة.. شحيح العطاء..
استوطن نفسه وعقله مبدأ..(معك قرش تسوى قرش).. ومن منطق هذا المثل أخذ يتعامل مع الدّنيا.. ومن خلاله أيضا كان يضبط خط سير خطواته.
أمّا الثاني: فكان سمحاً بشوشاً مرحاً.. لا تسقط الضحكة عن فمه.. كريما معطاءا..
مفتوح الجيب.. والمبدأ..(اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب).. واطعمني اليوم واشنقني بكره)...احتارت الدنيا معهما.. فما أمكنها أن تجمع بين الإثنين في بيت واحد.. الطّباع مختلفة.. والنفوس أكثر اختلافا.. فهما كريم وبخيل.. متسامح ولئيم.. افترقا وذهب كل منهما يبحث عن رزقه في طريق.
مضت الأيام تتبعها السّنون.. مرض الصّديق الطيّب الكريم.. فذهب الصّديق البخيل لزيارته.. فاستغرب حين وجد المرح والفرح والسعادة مرسومة على الوجه.. وكذلك الضّحكة لا تسقط عن الفم.. والكلام المتفائل الجميل يتسابق على اللسان، فقال واللهجة ملؤها العجب والإستغراب:
- لعل المال الكثير يسعدك وينسيك المرض.
قهقه الصديق وقال:
- والله يا صديقي أنني لم أدّخر من المال ما يقيني شرّ جوع غدي...اتسعت عينا الصديق وازداد دهشة واستغرابا.. يكاد لا يصدّق:
- جوع ومرض وفقر..وتضحك وتقهقه..؟
قال وما زالت بقايا ضحكة تلمع على شفتيه:
- لا تستغرب يا صديقي.. أنا اضحك على الدّنيا.
قال الصّديق والدهشة والإستغراب في ازدياد:
- كيف ولماذا.. ؟؟
هربت الذّاكرة بالصّديق الطيّب لحظة.. ثم أخذ يواصل الحديث :
- كانت الدّنيا تنتظر موتي على أحرّ من الجمر.. كانت قد اعطتني الكثير وصبرت مدى سنوات عمري.. تنتظر أن تكسب صفقة إرثي.. وإذا بها تدور حول نفسها تائهة مندهشة.. حين علمت أنني لا أملك شيئا تأخذه مني...ضحكت على الدنيا يا صديق.. سعدت وانفقت كل ما أعطتني.. صعب عليّ ان أترك متع الحياة وبحر إغراءاتها ومباهجها ومسرّاتها.. وأحرم نفسي لأجل أن ترثني .. وتنعم بتعبي وعرقي، ثم واصل الحديث وقد هرب من الدنيا.. وهربت عيناه عن أعيننا ينظر الى البعيد:
- أنظر.. أنظر هناك بعيد.. بعيد في زاوية الكون إني أراها تبكي... ثم أغمض عينيه وأسلم الرّوح.
ذهب الصّديق حزينا.. يفكّر في حكمة استقاها من حياة صديق عمره الطويلة، فتح جيبه وأجزل العطاء.. يواجه الدنيا.. ويخوض غمارها إنسانا جديد لم تعرفه الدّنيا من قبل.. نهل من ملذاتها.. وسبح في بحر إغراءاتها حتى الثّمالة.. إلى أن أنفق آخر قرش في جيبه.
التفتت إليه الدّنيا شرسة عنيدة.. وكانت شديدة الحساب.. قاسية العذاب، تشرد ومرض وجاع.. ومدّ يد ذلّ السؤال.. حتى اشتد عليه المرض أكثر، فأصابه يأس .. وأخذ يزحف الى الموت باشتياق.
إلا أنّه قبل أن يفارق الحياة.. سمع الدّنيا تضحك.. فاغتاظ يهمس.. والحسرة في القلب نارٍ:
رحم الله صديقي.. علّمني الكلام.. ونسي الأفعال. أعطاني السيف.. ولم يعلّمني النّزال.
ضحك على الدّنيا.. ولم يعلّمني كيف أتّقي شرها.. وأحمي نفسي من سخريّتها وأذى ضحكتها.
صفحة 9
الأرملة اللعوب
هو شاب.. كان حظّه في الإرث عظيما.. في المال والعلم.. فوالده كان شيخ العطارين..
توفي وترك له مالا كثيرا.. وعلما في العطارة عظيما...يعيش في الدار وحيدا.. توفيت أمّه قبل أبيه بعدة سنين.. كان شابا دمثا خلوقا كريما، له السمعة الطيبة عند أهل حيّه.. والمحبة والثقة عند التجار في سوق العطارين..فهو التاجر الصادق الأمين....كان له جارة أرملة ..شبقة لعوبا..لها مع عالم الرجال حكايات ومواويل.. معجونة بماء الشياطين، تقرّبت إليه بالعطف والحنان.. والحجّة أنه يتيم، طرقت الباب وقدّمت له الطعام شهيا لذيذا.. تلبس العباءة محتشمة.. والمنديل محكم على الرأس .. يحضن شلال حرير، أخذ الطعام من يد الطهر.. فالكلام فيه تقوى وصدى صوت المؤمنين، تناول الطعام حامدا شاكرا.. وغسل الصحون.. وذهب يطرق بابها، تناولت منه الصحون عاتبة.. ما كان عليه أن يتعب ويكلف نفسه بغسيل الصحون..وحذّرته بدلال الأنثى اللعوب.. أنها ستغضب منه إذا عاد وكرّر مثل هذه الفعلة.. التيهي من اختصاص ربّات البيوت.
جاء الصباح.. طرقت الباب وقدّمت له طعام الإفطار وإبريق الشاي...أخذ طعام الإفطار حامدا شاكرا.. وطرق بابها يردّ لها الصحون مغسولة نظيفة، وكم كانت ثورة غضب الدّلال شديدة.. عندما رأت الصحون مغسولة نظيفة، كان العتاب شديدا.. ولم تتركه إلا حين أخذت منه قسما.. أن لا يكرر مثل هذه الفعلة التي تغضبها.. وقبل أن يلقي عليها التحيّة.. ذاهبا الى عمله.. استوقفته تسأل:-
الى أين..؟؟
- قاصدا باب الكريم.. الى عملي.
قالت والإصرار في لهجتها:-
ليس قبل أن تحضر كل ما اتسخ من ملابسك ويحتاج الى غسيل.
حاول أن يتمنّع.. ولكنها أصرّت تارة بالدلال.. وتارة بحجة حق الجار على الجار، ممّا اضطره أن يحضر لها بعض ما اتسخ من ملابسه.
مرت الأيام وهي تتعامل معه بنفس الأسلوب.. حتى ألفها.. واستأنس بها.. وشعر أنه تخلص من فراغ الوحدة.
شعرت الجارة بميل وإرتياح الشاب لها.. فغيّرت سلوكها..وانتهجت أسلوبا آخر...أخذت تطرق بابه تقدم له طعام العشاء دون عباءة.. وشلال الحرير مفرودا على الصدر والكتفين.
صفحة 10
أما في الصباح.. وكانت قد طلبت منه أن يحضر المتسخ من الملابس ، فأحضر لها شيئا بسيطا.. فتصنّعت الغضب بدلال الأنثى .. واندفعت داخل بيته وصوت العتاب مرتفع :-
أنا لا أثق بك سأدخل وأتحقق بنفسي.. فلا بد أن هناك الكثير .. ولكنك تخجل مني...دارت داخل البيت.. أخذت البشاكير والمناشف.. وغطاء الفراش والوسائد.. ورمته..بنظرة عتاب.. كان ظنّي في محلّه.. لن أسمح لك أن تخجل مني مرة أخرى...جاء المساء .. طرقت عليه الباب.. ولكن في هذه المرة لم تكن تحمل صينية الطعام، فقالت وفي عينيها توسل ورجاء:-
أدعوك لتتناول طعام العشاء الليلة معي، حاول أن يعترض ولكنها الأنثى.. وفن استعمال السلاح.. الكلمات تقطر شهوة.. وفي العيون غزل إباحي.. والدلال غنج.. فاستسلم الشاب وألقى السلاح.. الحصن هدم، والمقاومة انتهت.. وذاب العيب والحياء والخجل في رذيلة الشيطان.، وباتت الحياة سهرا في الليل.. والنهار نوم وساعات شوق وانتظار..حتى يخيّم الليل.. ويسرعان الى أماكن اللهو والفجور.. حيث الخمر وطاولات القمار.
هزل جسم الشاب وأصبح خيالا.. وكذلك جيبه فرغ من المال.. باع حانوت العطارة..وأتبعه بالبيت الذي آواه وربّاه.. فما عاد عنده الصحة.. ولا المال....ردّت له الجميل أياما.. تطعمه وتسقيه..وفي بيتها تأويه.. الى أن فاض بها الكيل..وارتدت الى أصلها غادرة ابنة ليل.. ركلته خارج بيتها.. ولم تعد تتعرف عليه...تاه الشاب في الحياة مشردا ذليلا.. والحقد يملأ قلبه....ضاقت البلاد في عينيه.. حتى استطاع ان يجمع ثمن تذكرة سفر الى أمريكا..
هناك تعرف على عصابة إجرام تخصّصت في ترويج المخدرات.. وكان الشاب جريئا
اعتلى سلم هيكليّة مراكز هذه العصابة بسرعة.. وجمع من المال أرقاما تشبه الخيال..
ولكنه بالمقابل.. ارتكب من الجرائم ما جعله مطلوبا للشرطة.. والحكم قد يصل حدّ الإعدام
فعاش الخوف متخفيا .. مشردا.. بعيدا عن الأنظار .. لا يثبت في مكان.. وليس له عنوان.
وكلما مضت الأيام ونظر الى نفسه مجرما.. مشردا.. مطلوبا للعدالة.. لا بيت ولا استقرار
عزّت عليه نفسه.. وزاد حقده على الجارة.. وزاد إصرارا على الإنتقام.
الى أن قرّر ذات يوم أن يعود الى البلاد.. وينتقم من الجارة التي أوصلته الى هذه الحال.
كانت الشرطة تتابعه.. وقد قدّرت أنه سيعود لينتقم من تلك الجارة.. فنصبت له كمينا..
وقع فيه في ليلة ظلماء سوداء .. لا قمر فيها.. ولا خيط نور يشي بنواياه...أحالته الشرطة الى المحكمة.. ووقف في قفص الإتهام.. يقصّ حكايته مع الجارة...وكيف كان .. وكيف آل الى هذه الحال؟ كانت الجارة تتابع محاكمته.. التي استمرت عدة جلسات.. وانتهت بالحكم المؤبد
مع الأشغال الشاقة مدى الحياة.
بعد أن استمع الى الحكم.. علا صوته من داخل القفص محتجا.. يشير الى الجارة:-
وهذه التي كانت سبب وأداة كل الجرائم.. ما حكمها أيها القضاة..؟ التفت الحضور عيونا مليئة عليه بالشفقة.. وحقدا على الأرملة اللعوب.