صفحة 1
الفصـل الأول
في ذلك اليوم من أيام حزيران من عام 2010م، وبعد شجار شديد مع والدتي، خرجتُ من البيت الكائن في أمبابة. خرجتُ ليس بذلك الغضب الذي يولّده شجار عنيف، بل بذلك الملل المغلّف بالاستياء من ما أنا فيه، وما أعتقد أنه يجب أن يكون. الليل يُظَلّلني بسواده في تلك الشوارع والأزقّة الشعبية القريبة من منزلنا. تدور الأفكار في رأسي كخطوط دوائر متداخلة في بعضها البعض. أمّي يزعجها ويضايقها عدم حصولي على عمل بعد أن أنهيت الخدمة العسكرية، ويثير جنونها أيضاً علاقاتي المتعددة مع الفتيات، وعدم موافقتي على الزواج من فتاة اختارتها هي لي.
أحاول دائماً أن أتجنّب الشجار مع والدتي، فالشجار معها مستنقع من المشاعر المؤلمة، ورغبة قوية في الإصرار... الإصرار على رأيي... وعلى ما أريد. أتألّم لأنني لا أحتمل إثارة غضبها مني في الوقت الذي لا أستطيع أن أستجيب لمطالبها. فأرى في الابتعاد المؤقت طريقة لإنقاذها من الغضب، وإنقاذ ذاتي من ألم المواجهة ... مواجهة أمّي. في الابتعاد، ولو كان لساعات، لن أسمع مطالبها، وهي لن تسمع ردودي الرافضة. خير أن يسود الصمت أحياناً، وربما معظم الأحيان.
عادة ما ألتقي بأصدقائي في القاهرة ... على النيل، وفي المراكب. بذلك المبلغ البسيط الذي كان في جيبي، قرّرتُ أن أدفعه لسيارة أجرة كي أذهب إلى كوبري قصر النيل، حيث ألتقي أصدقائي هناك.
صعدتُ في إحدى سيارات الأجرة، متوجهاً إلى "جاردن سيتي"، قاصداً شيئاً ما أو لا شيء على الإطلاق. أردتُ الابتعاد ولو لساعات، لعل أمّي تسير في اتجاه آخر في تعاملها معي. أو لعلي أجد سبباً للاقتناع. ماذا يفعل الآخرون عندما لا يملكون القدرة على مواجهة شديدة؟ ينسحبون عادة، وربّما دائماً. والآن فأنا أنسحب لأنني لا أملك القدرة على مواجهة أمّي بما يغضبها وليس لأنني لن أستجيب. أنسحب الآن لأنني ضعيف أمامها.
مرّت الدقائق سريعة على الرغم من الازدحام المعهود في شوارع القاهرة. قادتني قدماي نحو كوبري قصر النيل. تستنشق رئتاي هواء ممزوجًا بعبق النيل وسحر المدينة. الكوبري، كما هو في معظم الأحيان، مزدحم بالسيارات والناس ما يجعلك تدرك أنك في هذه المدينة العريقة. وفي نهاية الكوبري، يطلُّ عليكَ برج القاهرة الشامخ بأضوائه المتلألئة الراقصة، وبألوان قوس قزح. شامخ مرتفع بكبريائه، وروعة تصميمه، كأنه يعانق السماء. ويحجب القسمَ الأسفل منه فندقُ نوفوتيل بنوافذه وشرفاته المطلّة على صفحات النيل ونسائمه الأسطورية.
صفحة 2
أمشي وحيداً، وفي أعماقي رغبة في التأمّل، كأنّني أذهب إلى هذا المكان أوّل مرة. في التأمّل نوع من الراحة. وهذا ما كنت أصبو إليه في تلك اللحظة. أستريح من نفسي لأجل نفسي، أستريح من مطالب أمّي التي أعجز عن تلبيتها، على الأقلّ في هذه الأثناء، أستريح من التفكير في الحصول على عمل. أستريح... كأنني أستريح من الحياة.
الآن تخلّصت من كل هذا. أمشي متأمّلاً النيل... الكوبري... المراكب بألوان أضوائها المختلفة... الناس... برج القاهرة الذي يطلّ عليك من بعيد وأنت تسير في بداية الجسر الذي يربط جانبيّ النيل. أتأمل جمال المكان... استنشق اللامبالاة الآن، فلم أعد أفكّر في شجاري مع أمّي، ذلك الشجار الذي قادني إلى هذا المكان في هذه اللحظة.
وبين فرحتي بتأمّلاتي، وفرحتي بلا مبالاتي، تصعقني فرحة أخرى فجأة. فرحة جمال طاغٍ يتقدّم نحوي، بهدوء مشاكس، يشير إلى رغبة قوية في نشوة ثورة عاطفية.
جمال أنثويّ، يسير على هذا الكوبري... يحرّض أعماقي على مغامرة الصيد، ولذّة التجربة. وما يصعّد التحريض في أعماقي على الصيد، أن هذه الفتاة تسير وحدها. ملامحها ليست مصرية، هكذا اعتقدتُ.
لم أترددّ أن أغيرّ اتجاه سَيْري كي أمشي معها في الاتجاه الذي تسير هي فيه، ولم أترددّ في التحدث إليها، كما يفعل الشباب عادة عندما يروْن فتاة لأول مرة ويرغبون بها. ينتابهم الترددّ في قول ما يريدون قوله في أوّل الأمر. لا أعرف الترددّ مع فتاة تثير رغبتي، فأنا خبير المهامّ الشاقة في الغرام.
سألتها على الرغم من أنني شبه متأكد من أنها ليست مصرية:
- هل أنت مصرية؟
ابتسمتْ. عندما تبتسم فتاة استجابة لابتسامة منك، فاعلم أنك مَدْعُوٌّ للمتابعة. هكذا شعرتُ، أو هذه إحدى قناعاتي.
أجابت دون أن تختفي ابتسامتها.
- لستُ مصرية... أنا سورية، من حلب.
تساءلتُ والابتسامة تنتشر على وجهي.
- سورية؟ أهلا بكِ في مصر.
صفحة 3
أمسكتُ بيدها كأنني أعرفها وتعرفني منذ وقت طويل. هي لم تعترض، وهذه دعوة أخرى للمتابعة. تُرى لماذا لم تعترض على أن أمسك بيدها وقد رأتْني منذ دقائق؟ تساءلتُ مندهشًا، لكنني كنت سعيدًا بعدم اعتراضها.
أردفتُ أقول فرحًا بهذا الجمال الذي أمسك ببعض منه:
- ها هي مصر قد ازدادت جمالاً...
قاطعتني ضاحكة:
- مصر رائعة الجمال بالمصريين... أروع شعب.
سألتها:
- ما اسمك؟
أجابت دون تردد:
- جمانة... وأنت ما أسمك؟
قلتُ:
- فتحي... هل هذه زيارتك الأولى لمصر؟
أجابت:
- هي الزيارة الأولى. وأنا سعيدة بزيارتي هذه. زيارة مصر كانت أمنية حياتي منذ زمن طويل... وأخيراً تحققت أمنيتي.
قلت مرحّباً بها مرة أخرى.
- أهلا بك في مصر.
راحت تحدثني عن نفسها، كأنها تريد أن أعرف المزيد عنها.
قالت:
- أنهيت دراسة الصيدلة قبل بضع سنين، والآن أعمل في إحدى الصيدليات في حلب.
أعجبني تدفّق حديثها معي، دون أن أوجّه الكثير من الأسئلة إليها، كما يفعل شاب عادة، عندما يلتقي فتاة لأول مرة. هي تزوّدني بما أريد أن أعرفه عنها، دون أسئلة منّي. وقد يكون في هذا إشارة ضمنية كي أستمرّ معها، وأن تترامى أحلامي، وتتّسع تخيّلاتي في علاقة غرامية، بدأتُ أرسم لوحتها منذ رأيتها. أنهت دراسة الصيدلة منذ بضع سنين، أما أنا فأنهيت الخدمة العسكرية منذ سنة تقريباً. معنى ذلك أنها تكبرني ببضع سنين. ومع ذلك، فإن سنين عمرها تبدو أنّها تتساوى مع سنين عمري. فيها جمال أخّاذ وأناقة تسبي العقل. عندما يقف الإنسان أمام جمال كهذا، فإن سنوات العمر تخرج بطريقة لا شعورية عن التفكير المنطقي.
أردفتُ أقول فرحًا بهذا الجمال الذي أمسك ببعض منه:
- ها هي مصر قد ازدادت جمالاً...
قاطعتني ضاحكة:
- مصر رائعة الجمال بالمصريين... أروع شعب.
سألتها:
- ما اسمك؟
أجابت دون تردد:
- جمانة... وأنت ما أسمك؟
قلتُ:
- فتحي... هل هذه زيارتك الأولى لمصر؟
أجابت:
- هي الزيارة الأولى. وأنا سعيدة بزيارتي هذه. زيارة مصر كانت أمنية حياتي منذ زمن طويل... وأخيراً تحققت أمنيتي.
قلت مرحّباً بها مرة أخرى.
- أهلا بك في مصر.
راحت تحدثني عن نفسها، كأنها تريد أن أعرف المزيد عنها.
قالت:
- أنهيت دراسة الصيدلة قبل بضع سنين، والآن أعمل في إحدى الصيدليات في حلب.
أعجبني تدفّق حديثها معي، دون أن أوجّه الكثير من الأسئلة إليها، كما يفعل شاب عادة، عندما يلتقي فتاة لأول مرة. هي تزوّدني بما أريد أن أعرفه عنها، دون أسئلة منّي. وقد يكون في هذا إشارة ضمنية كي أستمرّ معها، وأن تترامى أحلامي، وتتّسع تخيّلاتي في علاقة غرامية، بدأتُ أرسم لوحتها منذ رأيتها. أنهت دراسة الصيدلة منذ بضع سنين، أما أنا فأنهيت الخدمة العسكرية منذ سنة تقريباً. معنى ذلك أنها تكبرني ببضع سنين. ومع ذلك، فإن سنين عمرها تبدو أنّها تتساوى مع سنين عمري. فيها جمال أخّاذ وأناقة تسبي العقل. عندما يقف الإنسان أمام جمال كهذا، فإن سنوات العمر تخرج بطريقة لا شعورية عن التفكير المنطقي.
صفحة 4
قلت:
- أما أنا فقد أنهيت الخدمة العسكرية قبل سنة، والتحقت بالجامعة، ولم أكمل دراستي بسبب الأعباء المادية.
لا تزال يدي تمسك بيدها، دون أن أشعر أن يدها تتملص من قبضة يدي. اقتربنا من تمثال سعد زغلول، وبالقرب منه مبنى الأوبرا.
راحت تتأمل التمثال ثم سألتني:
- تمثال مَنْ هذا؟
قلت مشيراً بيدي إليه، ثم إلى مبنى الأوبرا.
- هذا تمثال سعد زغلول... وهذا مبنى الأوبرا.
قالت:
- سعد زغلول!
قلت:
- أتعرفين مَنْ هو؟
أجابت:
- زعيم مصري وقائد ثورة... أعتقد أنها ثورة 1919، قاوَمَ الانجليز، ونفي إلى جزيرة مالطة في البحر المتوسط، وعاد من المنفى في وقت لاحق...
قاطعتها:
- ما هذا؟ تعرفين عنه كأنك مصرية...
قالت:
- درسنا عنه في التاريخ. كانت مادة التاريخ هي المادة المفضلة لدي في المدرسة، مع أنني كنت أميل إلى دراسة الصيدلة منذ صغري...
لا أدري عن أي تاريخ تتحدّث؟ أهو تاريخ العرب أم تاريخ الغرب؟ لم أسألها. ولماذا أسأل؟ كلمة تاريخ ترتبط بالماضي. ماضٍ برّاق... وحاضر مُبْهم. كلنا يتحدّث عن تاريخ أمجاد العرب... وحاضر... اعتقد أنه غير مفهوم أو غير قابل للتفسير، كما لو كان حاضرنا ظاهرة غريبة.
صفحة 5
قلت مشيراً بيدي:
- وهذا مبنى الأوبرا...
قالت مبتسمة:
- الأوبرا للموسيقى... الموسيقى هي مظهر من مظاهر حضارة الشعوب وتقدّمها وتطوّرها.
نظرتْ إلى برج القاهرة، ثم أردفت تقول:
- أتخيّل نفسي أعتلي هذا البرج كي تهيم الروح في عالم المرتفعات... لا أخشى المرتفعات... بل تثير فيّ حبّ المغامرة. أتخيّل نفسي الآن، على هذا البرج كي أرى سحر مدينة القاهرة، في هذا الوقت من الليل اللامع بأضواء المدينة.
ضحكتْ. بدتْ سعيدة جداً، وأعجبني مرحها، وتمنيّتُ لو أستطيع أن أحملها بين ذراعيّ وأطير بها، إلى قمة ذلك البرج... إلى قمة المتعة. أطير بها ومعها هائماً، راغباً، مغامراً، متحايلاً على الزمن، كي تنتشر رغبتي في مساحات فسيحة من الدقائق والساعات. أرتفع. أرتفع.. كطائر، ترفعني جناحا الحُبّ، بجانب مبنى الأوبرا...
هي والقاهرة وأنا...
ثالوث اوركسترا الحُبّ والغرام.
أتخيّل كلّ هذه السّعادة والمتعة معها. لكنّني على الأرض... لستُ على البرج... لست على رؤوس الأحلام. يلزمني بعض الوقت كي أعتلي برج أحلامي وتخيّلاتي الشرسة عشقاً معها. لا أزال لا أستطيع أن أحدّد قدرتي على السّير في مساحات ما تسمح به. ينتابكَ شعور عندما تمسك بيد فتاة لأوّل مرة وبهذا المرح المنطلق منها بأنّكَ تستطيع أن تحصل منها على ثلث الشيء... ثم تزداد شراسة أحلامكَ كي تتخيلّ أنكَ يمكن أن تحصل على نصف الشيء... وفي لحظة من اللحظات، يقفز إليك شعور بأطماع غرامية مذهلة كي تتخيلّ بأنك يمكن أن تحصل على كل شيء... وكلّ شيء. هذه مرحلة لم أصل إليها بَعْدْ... فالوقت يحسم أمرها.
سألتها مبتسماً:
- أيعجبكِ برج القاهرة؟
أجابت بسرعة، وضحكة جذّابة تراوغ وجهها الجميل:
- جداً. كم يبدو رائعاً.
في وقت لاحق، وبعد تأمّلات المكان، عدنا إلى حيث كنا. شعرتُ أنها ترغب في المتابعة... متابعة السير كأنها باحثة تريد أن تدرس تفاصيل القاهرة، وشوارعها وأسواقها.
صفحة 6
ابتعدنا الآن عن كوبري قصر النيل، واتّجهنا نحو الشارع المؤدي إلى ميدان التحرير. اقتربنا من فندق "سميرا ميس" الذي تقيم فيه، ثم باتجاه الشارع المؤدي إلى ميدان التحرير.
في ميدان التحرير ترى المارّة، والمتنزّهين، والعشّاق، والعائلات. تحيط به مبان مرتفعة، وتدور حوله، بصورة شبه مستمرة، أرتال من السيارات.
قلت كأنني مرشد سياحي:
- هذا ميدان التحرير.
قالت وهي تتأمله:
- واسع وكبير...
استدارت، ثم أردفتْ تقول وهي تشير بيدها باتجاه شارع طلعت حرب.
- أرى هناك بعض المحلات التجارية... يبدو أن بعضها لبيع الملابس.
ماذا تفعل أمام اهتمامات أنثى؟ هل ينتقل تأثير اهتماماتها إليكَ بحيث تصبح جزءًا منك ومن اهتماماتكَ أنت أيضاً؟
هكذا شعرتُ. أصبحتِ الملابس المعروضة تستقطب اهتمامي فجأة ولم تكن كذلك يوماً ما. فأمّي تشتري كلّ ما يلزمني من ملابس، ويعجبني ذوقها... ذوق أمّي.
قلت بعد صمت:
- أجل لبيع الملابس...
قالت:
- أحبّ أن أتفرّج على الملابس النسائية المعروضة. أحبّ الإغراء في طريقة عرضها... الإغراء في شرائها.
لاذت بالصمت دقائق، ثم أردفت تقول:
- دعنا نراها.
هي تتحدّث عن الإغراء في طريقة عرض الملابس في المحلاّت التجارية، بينما عقلي شارد بنوع آخر من الإغراء. إغراء جسدها الذي يقودني إلى شعور بأني على شفا حفرة من المتعة واللذّة. أنا أهوى الآن الحُفَر... حفَر الغرام... وهاوية الحبّ. أهوى الحُفَر والأهوِية الآن، وقد كنت قبلها مولعًا بالارتفاعات الشاهقة.
صفحة 7
قلتُ مبتسماً:
- هيا بنا...
ذهبنا. في شارع طلعت حرب، تَكْثُر المحلات التجارية لبيع الملابس النسائية والرجالية... ومحلات بيع الأحذية.
راحت تتأمل فستانًا جميلاً في أحد المحلات،.. تتأمله باهتمام بالغ كأنها تنوي شراءه. يدي تلتف حول يدها الناعمة.
أشارت بيدها إلى الفستان قائلة.
- يعجبني هذا الفستان. ألا ترى أنه رائع؟
هززت رأسي دلالة الموافقة، ثم رحتُ أتخيّلها ترتديه. فستان قصير، فوق الركبة، ضيّق، يُظهر تفاصيل الجسد بطريقة تدعو إلى منازلة الحبّ. أتخيّل الفستان يتعامل مع تفاصيل جسدها برقّة... يتعامل مع القسم الأعلى من ذراعيها... كتفيْها الصغيرتيْن... ممتدّاً إلى نهدْيها الحائرْين حبّاً، كي يزيدهما حيرة، ثم يهبط هبوط مَنْ اقتحمتْه سَكْرةُ الحُبّ كي يقبّل مساحتيْ بطنها وظهرها بجرأة... يمتدّ... ويمتدّ إلى أن ينعم بنشوة القسم الأعلى من ساقيْها... وما فوق ساقيْها... نقطة الالتقاء... ونقطة الوصول.
كانت تنظر إليّ. يبدو أنها تتساءل عن سبب صمتي. أشارت مرة أخرى إلى الفستان بيدها ثم أردفت تقول:
- سألتك عن رأيك في هذا الفستان. لم تجْبني. ما رأيك؟
"أجاب خيالي"، قلت في نفسي.
ضحكتُ، ثم قلت:
- جميل جداً... أترغبين في شرائه؟
يبدو الفستان غالياً. تمنيْتُ لو كان معي ثمنه كي أشتريه، وأراه عليها... في منازلة جمالها، كأنّه جمال فوق جمال. آه... من هذا الفستان. مقدّمة اجتياح لا إراديّ لجسدها. قد تشتريه هي كي أحظى بما أتمنّى.
أجابت بعد دقائق من التأمّل:
- لا أعتقد ذلك. ثمنه ليس معي الآن. كل شيء في الفندق. وعندما غادرت الفندق لم تكن لديّ نيّة في التسوّق. ولكن قد أشتريه في وقت آخر.
صفحة 8
تنهّدتُ تنهيدة إحباط. الإحباط من أن لا أراه على جسمها. لا أنا ولا هي. ثمنه ليس معنا الآن. يبدو أن هذا الفستان من نصيب جسد آخر... جسد آخر قد لا يحظى بكل مظاهر الجمال هذه. تغزو الّلوعة كليْنا. لوعتي في أن أرى هذا الفستان على جسدها، ولوعتها هي في أن ترتديه. لا معنى للانتظار أمام المحل إذا لم تكن هناك نيّة في الشراء، فكّرتُ في داخلي.
قلتُ:
- لا أعتقد أننا يجب أن نبقى هنا.
ضحكتْ هي. يبدو أنها ضحكت على فكرة أنّنا نقف أمام محل لبيع الملابس، نتأمل معاً فستاناً كما لو كنا سنشتريه دون أن يكون معنا ثمنه.
قالت وهي تنظر إلى ساعة يدها:
- وأنا لا أستطيع أن أبقى أكثر من ذلك. يجب أن أعود إلى الفندق.
على الرغم من أنني كنت مستمتعاً بكل لحظة معها، إلاّ أنني لم أرغب في أن أجبرها على البقاء، آملاً أن يكون لنا لقاء آخر في وقت قريب. لكنني، بالرغم من أنني كنت متفهّماً لسبب رغبتها في العودة إلى الفندق، إلاّ أنني شعرت برغبة في استبقائها ولو لبضع دقائق.
قلت آملاً أن يكون في كلامي شيء من الإقناع، وبإصرار موارب:
- لن تتأخري... ليل القاهرة جميل، ولا يمكن مقاومته.
قالت كأنّ كلامي أصاب هدف إقناعها:
- يمكننا أن نبقى معاً بعض الوقت.
"بعض الوقت". معنى ذلك ساعة أو ساعتان. هي لم تحدّد. لكن هاتين الكلمتين أسعدَتاني.
استمتع بوجودها معي بعض الوقت. أرى نظرات الناس تتقافز إليها إعجابًا، وتتقافز إليّ حسداً. الحسد في أن أرافق كل هذا الجمال وحدي.
اشتريت قطعتين من الشوكولاتة. هناك علاقة بين الشوكولاتة والحبّ. كلاهما يترك في الجسد لذّة تقود إلى الانتعاش والرغبة في المزيد. لا أدري مدى الصحة العلمية والبيولوجية في اعتقادي هذا.
نمشي... نأكل الشوكولاتة... والقاهرة جميلة برّاً وجوّاً.
نتجه الآن نحو ميدان التحرير.
صفحة 9
قالت:
- الجو حار، لكنه جميل...
قاطعتها ضاحكاً:
- جوّ القاهرة جميل لأنكِ فيها.
قالت مبتسمة:
- كلامك ذات نكهة مصرية رائعة وممّيزة.
أجبتُ:
- أقول ما أشعر به...
ابتسمتْ مرّة أخرى. يبدو أنها تستطيب أن تكون قد تركت في داخلي شعورًا بالإعجاب بها.
قلت ونحن نقترب من ميدان التحرير الذي ينتشر فيه عدد من الناس:
- لنجلس هنا. أترغبين في ذلك؟
أجابت:
- هنا؟! بين كل هؤلاء الناس؟! أريد مكانًا أكثر هدوءًا.
جملتها الأخيرة أثارت في داخلي رغبة جسدية قوية، فالهدوء يثير الرغبة عندما يتعلّق الأمر بأنثى مشتهاة. لم أدرِ ماذا كانت تقصد بالتحديد عندما قالت تلك الجملة، لكنّ كلامها استقطبتْه رغبةُ جسدي. مكان هادئ تدثّره الخلوة بها، قد يمكّنني من الفوز بِقُبْلَة أو بعناق طويل. بدتْ لي أنثى مشتهاة. لا أستطيع أن أفوّت متعة الوصول إليها، على طريقتي.
ولكن... كيف لي أن أجد مكانًا هادئاً في القاهرة التي لا تنام؟
مدينة مفعمة بالنشاط والحيوية ليل نهار. كيف أجد في القاهرة هدوءًا يفجّر رغبتي الجسدية؟ رحت أتساءل وقد وجدتُ نفسي فجأة في أوج الرغبة وعلى قمّة المغامرة. أَأَصطحبها إلى شّقة مفروشة بسيطة، مستبعدًا الفنادق بسبب ارتفاع تكاليفها؟
ولكن ماذا ستكون ردّة فعلها هي إذا عرضتُ عليها الذهاب معي إلى شقة مفروشة؟ ولماذا أعتقد أنها بهذا الاستسلام لمجرّد أنها وافقت على مرافقتي والمشي معي في شوارع القاهرة؟ لن أجبرها على شيء، رحتُ أردّد في داخلي بين الحين والآخر. لن أجبرها لسببين. أولهما، لا أريد الدخول في أيّة مساءلة قانونية بتهمة الاعتداء على سائحة. وأما السبب الأهم من هذا، هو قناعتي بأنه لا متعة نهائياً في علاقة جسدية يكون الإكراه قاعدتها. سأحترم رغبتها مهما تأجّجت رغبتي في داخلي.
صفحة 10
فكّرتُ أن انتظر، وأن لا أعرض عليها أمر الشقة المفروشة. فهذه الأمور تحتاج إلى الوقت. لا أدري لماذا اجتاحتني فكرة أنه لا يمكن أن أعرض عليها أمر الشقة المفروشة بهذه السرعة؟ فالوقت ضروري لأيّة علاقة غرامية كي تنضج، هكذا شعرتُ لحظتها.
أمشي... يدي بيدها، ولذّة الشوكولاتة الممزوجة بلذّة الحبّ تسري في جسدي. للشوكولاتة طعم آخر إذا امتزجت بالحبّ، تماماً كالمطر الذي يسقط بعد غياب طويل، على أرض شقّقّها الجفاف. مطر له جمال آخر، وضرورة قصوى، وحاجة مُلِحّة.
قلت بعد صمت طويل، بطريقة مواربة إلى ما يجول في أعماقي من رغبة.
- وأنا أحبّ الهدوء كثيراً. الهدوء يقود الروح والجسد إلى الراحة.
قالت بسرعة:
- أتعتقد هذا؟ أرى أننا نسير في اتجاه واحد فيما يتعلّق بهذا الأمر.
يبدو أنها أدركت المعنى الظاهر لكلامي. ولو لم يكن الأمر كذلك لقالت: "اخترْ مكانًا هادئًا نكون فيه معًا." انتهينا من أكل الشوكولاتة لكنّ لذّتها لا تزال تسري في الجسد كأنها لذّة الحب... فَلذّة الحُبّ العميق لا تزول.
سألتها:
- كم من الوقت ستقيمين في مصر؟
أجابت:
- موعد مغادرتي بعد يومين...
تساءلت متعجّباً:
- يومان؟! بعد يومين؟! ولكن...
قاطعتني:
- ولكن ماذا؟
أجبتُ:
- لماذا كل هذه السرعة؟
قالت:
- الرحلة مُخطّط لها مُسْبقاً، وأنا مُلْزمة بموعد الطائرة.