صفحة 1
اللغة
اللغة: عشيقة الشاعر، صديقة المخيلة، سرير الجمال·
اللغة·· كلمات، إشارات، رموز، مجازات، علاقات··
تصبح مضللة ومحايدة وفاترة وبليدة إذا استخدمت كأداة توصيل فقط، أو كأداة إعلام وتعليم·
لكن عندما يتم التعامل معها شعرياً، فإنها تصبح عنصراً جمالياً مدهشاً، وعنصراً خلاقاً أيضاً· نحن لا نبدع باللغة فحسب، إنها أحياناً تبدع من خلالنا؛ إذ نستحضر المفردات التي سوف تسعفنا في التعبير، تفرض اللغة نفسها عبر تراكيب وتشبيهات وتجاورات لا تخطر على بال·
وقتذاك، علينا أن نحسن التقاط اللحظة·
الشاعر وحده القادر على النظر إلى العلاقات الحسية بين الكلمات، وما تشعّ به من سحر وغموض· قادر أن يسبر أكثر المكامن شفافية وجمالاً·
اللغة كائن مروّض وجامح في آن· يمكن أن تمتثل للعادي والمبتذل، يمكن أن تكون هائجة ومتسلطة، ويمكن أن تكون طيّعة ومرنة لكن دون أن تفقد سحرها·
اللغة أنثى·
علاقتي باللغة مشوبة بالحب والحذر، الثقة والارتياب، المرح والقلق، الاطمئنان والخوف·
عندما تحتاج اللغة كي تنقل معلومة، أي تخضعها لرغبتك المستبدة، فإنها تأتيك صاغرة، مكبّلة، عارية من الجمال والبهاء·
وعندما تستسلم لها، وتصبح مأخوذاً بالغواية، فإنها تجرّك إلى نعيم المتاهة حيث تخنقك ببطء·
لذا يتعيّن عليك أن تكبح جماحها قليلاً· أن تعانق الموجة لا الزبَد·
اللغة أيضاً خائنة·
إنها تخون رفيقها باستمرار·· لكنها الخيانة المبجلة·
يحدث كثيراً أن يبتكر الكاتب صورة ما، وعندما تُقرأ في ما بعد، تحلّ محلها صورة أخرى·· ربما مختلفة تماماً عن الأصل· ذلك لأن اللغة هنا قد استطاعت بذاتها أن تخلق ـ في ذهن القارئ ـ صورتها الخاصة، أن تخلق معاني وإيحاءات متعددة· يكفي تركيب لغوي ما، مجاورة مفردة بأخرى لا تتصل بها منطقياً، لكي ترى حشداً من الإيحاءات والدلالات تخرج تباعاً، ولتكتشف حالة شعرية فريدة·
اللغة ليست سيدة ولا جارية·
ثمة خيارات أخرى: أن تكون رفيقة مثلاً·
هي قابلة للتوالد· حبلى دائماً·
عندما تكون العلاقة حسية، تخرج المفردة من معجمها وتكتسب قيمة جمالية خاصة·
بالغة الثراء، دائمة التحول·
أن نفهمها، أن نحسن التعامل معها·· ذلك هو كل ما تحتاجه·
صفحة 2
الجسد
حضور الجسد في النص مادي وميتافيزيقي معاً·
المرأة والرجل والوطن·· تمثيل للجسد في حركته الإنسانية بشتى أبعادها وعلاقاتها·
لكنه أيضاً يجد تعبيره في عملية الكتابة ذاتها·
الكتابة في جوهر طبيعتها، فعل جسدي/ جنسي·
إنها ولوج شبق، شهواني، عنيف، داخل كينونة البشر والأشياء والأمكنة·· داخل اللغة أيضاً· التحام حميمي، حتى آخر عضلة وعصب، بالمرئي واللامرئي، بالمحسوس والخفي، بالظاهر والكامن· وكلما كان الجوهر أكثر عمقاً ومجهولية وغموضاً، كان الإيلاج أكثر انغماراً وحدّة وإشراقاً·
النص ثمرة هذا الاتصال اللاهب، الهبوب الذي لا يمكن معرفة مصدره والتكهن بخاصيته أو مدى فعاليته وتأثيره· إنه ثمرة التوتر والاستثارة والهيجان والذروات المتلاحقة دون انقطاع·
الأفكار تكون عادة مسبقة أو في المتناول، العلاقات يمكن خلقها بإشارة أو إلهام ما، التناقضات مكتشفة بالخبرة والممارسة والمعرفة·· لكن الكتابة ـ التي تحتوي كل هذا وأكثر ـ هي في حد ذاتها عملية تقتضي التوحّد والعزلة والتخيّل: أن تكون مع ذات أخرى بلا وجود مادي، قد تأخذ شكل امرأة أو حجر أو شيطان أو قصيدة·
إنها فعل سرّي، حميمي، شهواني، افتضاضي·
الكتابة اغتصاب للذاكرة، اختراق للحلم، افتضاض للواقع، إشباع لرغبة ما· إذن الكتابة ليست فعلاً ثقافياً وسياسياً فقط· إنها أيضاً فعل جنسي·
يحضر الجسد في أبهى صوره، وأكثرها نقاءً وشفافية، حين يكون الاتصال الإنساني في مستوى الحلم·· أي عندما يتخلص أو يتطهّر من شوائب الغريزة والعنف والامتلاك·
هذا الفعل تتم ممارسته كشكل من أشكال التطهّر (حتى في ذروة الأزمة، حتى لو كان مؤقتاً وموجعاً) وليس كشكل هروبي، أو باعتباره ضرورة بشرية يمكن تحقيقها بطرق آلية· إن العلاقة بين الرجل والمرأة، بين الفرد والوطن، تكون أكثر صدقاً حين تتشكل عبر الجسد، لا العاطفة وحدها ولا الفكر وحده· الجسد هنا مزيج من العاطفة والفكر والسائل الحي والشعاع الأزرق·
صفحة 3
الوجه
الوجه يتحرك، يتشكل، يتحوّل·
على الوجه نقرأ حركة الزمن الذي يترك آثاره وعلاماته على الجلد، حيث كل تجعيدة تشير إلى تاريخ خاص·
على الوجه نقرأ الحالات المتغيرة، سواء أكانت عفوية أم مصطنعة أم فجائية·
نقرأ الانفعالات الخارجية: كالفرح والحزن والغضب والألم·
نقرأ ما تمليه القسمات والتضاريس من انطباعات ذاتية·
لكن من هذه القراءة لا نحرز سوى المعرفة الظاهرية، السطحية، التي لا تخلو من الالتباس وسوء الفهم· ذلك لأن معرفتنا بحالة الآخر، النفسية، محدّدة ومرهونة بما يعكسه الوجه، بما يظهره ويعبّر عنه، وليس بما يكمن في الداخل، وما يبطنه· نحن لا نعرف ألم الآخر إلا إذا أظهره، أما إذا كبحه، فقد نظن العكس، أو ربما لن يهمنا أن نعرف·
الوجه قد يعبّر عما يشعره صاحبه، لكنه لا يعكس التفكير والتجربة والنوايا· في حالة الشرود والتأمل ـ مثلاً ـ لن نجد تعبيراً صريحاً ومحدداً وواضحاً· وسؤالنا الدائم عما يفكر فيه الآخر فيما نحدّق في وجهه، يعكس قلقنا وعجزنا عن المعرفة من خلال النظر فقط· ومحاولتنا اختراق المظهر، للوصول إلى الحقيقة المفترضة، محكومة غالباً بالفشل·
الوجه إذن سطح لا يمكن اختراقه والنفاذ إلى عمقه· عالم مستغلق يتعذر سبره وفهمه، وهو يتحدى التأويل·
في مقابل الوجه كسطح عاكس، هناك مفهوم الوجه كقناع· إنه الذي يخفي، يموّه، يضلل·· حتى على المستوى الخارجي أو الظاهري· ومثلما يقدر الوجه أن يفشي ويبوح، كذلك يقدر أن يحجب ويقنّع· وأحياناً يصبح كوجه المهرج المطلي بالأصباغ، المصطنع، الجامد والذي لا يعبّر عن حقيقته بل يعكس مظهراً واحداً أزلياً، حيث التلميحات والإشارات مطموسة كلياً·
ثمة وجوه قديمة تحفظها الذاكرة ولا يمكن نسيانها، وأخرى تضيع وتتلاشى· تلك التي تركت أثراً عميقاً في تجربتنا معها، والتي عايشناها مديداً وسحرتنا، أو ارتبطت في الذهن بشيء مهم واستثنائي، تسكن الذاكرة فترة أطول من تلك التي عبَرت حياتنا في لمحةٍ من الزمن دون أن تؤثر فينا، أو من تلك التي احتواها الزمن وامتزجت بهواء الماضي فصارت شيئاً نحنّ إليه لكننا لا نستطيع أن نميّز ملامحه·
كذلك الأمر مع الصورة الفوتوغرافية، مع فارق أنها تحفظ الوجه في دقّته ووضوحه: قد تستحضر ـ الصورة ـ التاريخ الشخصي لصاحب الصورة وعلاقته بنا، وقد تخفق في تذكيرنا بحقيقة أو هوية هذا الوجه الذي يرفض مغادرة موقعه في الماضي، والإفشاء لنا بما كان يعنيه لنا وبمدى اتصاله بتجربتنا·
الاقتراب من الوجه هنا لا يعني بالضرورة الاقتراب من حقيقته ومن واقعه الذي ينتسب إليه· وكلما خذلتنا الذاكرة، ازداد الوجه غموضاً·
الوجه مادة للنظر· النظرة تستبيح، تمتحن، تسبر، تتحرّى·
باستقبال الوجه للنظرة، فإنه يستقبل رأي الآخر، تقييمه، حكمه، شعوره· بالتالي، هذا يؤثر على نظرة المرء لنفسه·
النظرات المتبادلة هي، في آن واحد، ذاتية وموضوعية، مرسلة ومستقبلة، رائية ومرئية، منتهكة ومستباحة·
صفحة 4
أن ترى، أن تكون مرئياً
النظرات كلمات غير منطوقة، اتصال خاص وحميم، بوح معلن أو خفي، خطاب متبادل بلغة الصمت أوان تعطل لغة الكلام·
النظرات، بما تحمله من دلالات وإشارات ومعان، تكون قابلة للترجمة أو التأويل وفق علاقة الرائي بالمنظور، أو وفق طبيعة اللحظة بما توحي (أو تصرّح) به من انفعالات ومشاعر·
إن قراءة عمق النظرة أو سطحها، غموضها أو وضوحها، تفرضها وتحدّدها الاستجابة الفورية لتحديقة الآخر فينا، وهذه القراءة لا تخلو من التباس وارتباك وسوء فهم عندما تكون العلاقة حديثة العهد، أو غير مستقرة، أو مشوبة بالحذر والارتياب، أو رهينة توترات·
العلاقة بين الرائي والمرئي تجد تعبيرها في حالات مختلفة ومتعددة: فحص، سبر، بحث، استجواب، تيقّن، تحكّم· وفي أغلب الأحوال تكون الرؤية مقترنة بعاطفة ما، شعور ما·· فأن ترى يعني أن تشعر· وبذلك فإن الرؤية مرتبطة بالاتصال، بالاعتناق العاطفي، بالتفاعل·
أحياناً يكون بصرك مركّزاً ظاهرياً على مجال بصري معين لكن انتباهك وتفكيرك موجهان نحو مكان آخر أو زمان آخر، نحو صورة أو حدث يدور في ذهنك فقط، عندئذ لا تشعر بصلة أو ارتباط بالمنظور·· لأنك في الواقع لا تراه· وهنا يبرز الفارق الجوهري بين النظر والرؤية، والذي يتحدّد بدرجة الشعور·
النظرات ذات صياغات متعددة فهي: ودودة، مُحبّة، عدوانية، شهوانية، مغوية، حيادية، منحازة، متحدية، مرتبكة، مستعطفة، وقحة، مجفلة، مرعبة، مختلسة، خائفة، مباشرة·· الخ·
من يحدّق يمارس سلطة وهيمنة على المرئي·
عندما تكون في بؤرة التحديق، تشعر بالقلق والارتباك، وبأنك بلا حصانة أو دفاع، وعرضة للانتهاك والاستباحة·· ذلك لأنك تتحوّل ـ بفعل التحديق ـ من كائن خفي ومقنّع ومستتر إلى مشهد عام مكشوف ومباح·· تصبح في محور الفضول والفحص والاستجواب·
لكن ثمة من يقبل هذا الدور ويتوق إليه·· أي أن يتحوّل إلى مشهد، منظر، شيء مباح للامتلاك بالنظر: المرأة الجميلة، نجوم السينما والمسرح، الرياضيون، المشاهير في مجالات مختلفة·· وآخرون·
هؤلاء يجدون متعتهم في إحراز الإعجاب والثناء، في الكشف عن مظاهر التفوّق والسموّ، في إشباع حاجات ورغبات داخلية·· مع ذلك، يشعرون بارتياح أكبر عندما يكون التحديق عاماً ومجهولاً وغير مباشر، لأنهم ـ وقتذاك ـ يصبحون خارج التحكم والسيطرة والانتهاك التي تفرضها التحديقة المباشرة والخاصة·
التحديق المضاد تعبير عن التحدي· منازلة خرساء، الغلبة فيها لمن لا تطرف عينه، لمن لا يشيح بوجهه· هو أيضاً وسيلة دفاعية· عندما يخرج الرجل مع زوجته في مكان عام فإنه يوجّه، بدافع الغيرة، نظرات عدوانية وعنيفة إلى كل من يحدّق في زوجته· وهو لا يحاول أن يصد نظرات الآخرين، المنتهكة، فحسب، بل يريد أيضاً فرض سيطرته على الآخرين وجعلهم يمتثلون لرغبته في إبعادهم· إنه يجابه التحديق بتحديق أشد·· بهذه الطريقة وحدها يظن أنه سوف يصون ما يملك·
عندما تبيح نفسك للنظر فإنك تمارس في الوقت ذاته مراقبة نفسك، وتخضعها طوعاً للتقييم المزدوج· إنك تبحث عن انعكاس ذاتك في عين الآخر· تريد أن تعرف كيف تبدو، أن تطمئن على شكلك ومظهرك· في غياب الآخر، يمكن الاستعاضة عنه بالمرآة حيث النظرة الذاتية ترتد من السطح العاكس لتخترق ذاتك، وعندها تمارس فعل التقييم وحدك·· أي تصبح رائياً ومرئياً في آن· النظر، إذن، طريقة بها تؤسس علاقتك بالآخر وبالذات·
صفحة 5
الامتلاك بالنظر
التلصصية هي اختلاس النظر إلى شيء لا تملكه، وليس من حقك النظر إليه·· أي إنه انتهاك لخصوصية الآخر أو غزو للآخر، بواسطة النظر· إنه إذن فعل يثير الاستنكار والاستهجان·
ولأن الفعل شكل من أشكال الإشباع الحسي بواسطة النظر، فإن أحداً لا يستطيع أن يتجنب ارتكابه، أو يتعهد بعدم ممارسته ثانيةً، ذلك لأنه يتصل بطبيعة الكائن البشري الذي يحرّكه دافع الفضول (أن يرى كل شيء) والرغبة في الاكتشاف والامتلاك معاً، ويتصل من جهة أخرى بقوة الإغواء·
الشيء المثير، الجميل، الفاتن، هو الذي يجذبك ـ على نحو غير مباشر ـ ويرغمك على التحديق فيه والاستمتاع به بصرياً· إنه يغويك حتى دون أن يقصد ذلك· والرغبة تزداد كلما كان الشيء (لنقل الآخر) غافلاً عن كونه موضوع متعة بصرية· غياب المعرفة بوجود النظرة المحدّقة، المتفحصة، الشهوانية، تجعل الآخر مباحاً ومكشوفاً ومغوياً·· إنه يسهّل مهمة المتلصص الذي يرغب في الغوص عميقاً داخل عالم الآخر، كما لو أن ثمة سراً ينبغي كشفه·
في المتلصص تكمن النزعة السادية ـ المازوشية· إنه يمارس ساديته حين يجرّد المرئي من خصوصيته واستقلاليته، حين يحتلّه بالنظر· إنها سادية سلبية، أو بالأحرى، مجازية· لكن المازوشية ليست كذلك، لأنه يمارسها ضد نفسه، أي يختبرها جسدياً ونفسياً· إنه يدرك بأن المتعة زائلة ومعذّبة، وأن الإشباع ليس كافياً· لنتذكر عذابات بطل هنري باربوس في روايته (الجحيم)، هذا القاطن في عزلته والذي لا يستطيع أن يتصل بالآخرين إلا عبر فتحة صغيرة في الجدار تطل على الغرفة المجاورة· إنه يتصل بواسطة النظر فقط، ولأنه يعجز عن المشاركة والتفاعل وامتلاك من يشتهي فإنه يغرز أظافره في الجدار، في إيماءة موجعة، محاولاً اختراق الحاجز·
التلصصية تشتمل على انفعالات متناقضة: إثارة، خوف، توتر، لذّة، ترقّب، ارتباك· أحياناً تستحوذ على المتلصص مشاعر مختلطة من الانجذاب والنفور فيما يراقب بلهفة وقلق في آن· إنه يشعر بالخوف من فكرة أن يكشفه الآخر أثناء ممارسته الفعل وفي الوقت ذاته، يشعر بالرغبة في أن يُضبط متلبساً بارتكاب الفعل· الخوف ينبع من يقينه بأنه يرتكب فعلاً خاطئاً، والرغبة تنبع من إحساسه بالذنب وضرورة معاقبته· لكن هذه الرغبة تشي أيضاً عن إحساس بالهيمنة، أن يعلن للآخر بأنه وقع تحت سيطرته لفترةٍ، ولو محدودة، من الزمن· أما في أغلب الأحيان، فإن المتلصص يفضّل أن يكون خفياً لا مرئياً، آمناً في موقعه، يمارس سطوته ويحقق متعته دون أن يعي أحد حضوره·
التحديد الأدق للمتلصص هو أن يرى دون أن يكون مرئياً·
التلصصية تقتضي وجود الآخر، والآخر دائماً استعراضي· إنه يستعرض نفسه على نحو مغو دون أن يشعر (وأحياناً يشعر) بحضور راصد· المتلصص يحتاج إلى الاستعراضي، بدونه لا يمكن أن يوجد· والعنصران يتوفران في السينما· مشاهدة الفيلم (وكل أشكال العرض تقريباً) هي نوع من التلصصية، حيث ما يحدث على الشاشة يمثل العنصر الاستعراضي، والمتفرج القابع في غرفته المظلمة (الصالة) يمثل المتلصص الذي يحدّق أمامه محاولاً امتلاك ما يراه بالنظر· عملية المشاهدة السينمائية تكشف حقيقة أن داخل كل فرد يكمن المتلصص·
صفحة 6
فخاخ العتمة
من يفقد حاسة البصر يحاول استخدام الحواس الأخرى ـ السمع، الشم، اللمس ـ في معرفة ما يحيط به من أشياء وكائنات وحركات وأفعال، وفي فهم ـ ومن ثم التوافق مع ـ الواقع الذي لا يعود مألوفاً وأليفاً·
في غياب الضوء، الذي يحدد شكل وطبيعتها وملامحها الأشياء، تتجرّد هذه الأشياء من أشكالها الثابتة وتصير متحوّلة ومتعددة· إنها تطفو في هاوية الظلمة دون أن تستقر· العتمة تنتصر وتحكم، وكل شيء ينسحب إلى الداخل حيث انحسار الضوء واختلاط ما هو كائن بما هو محسوس· الأبواب تنفتح إلى الداخل، فالخارج الآن محض انعكاس داكن، صورة لما هو موجود في الداخل أو هو مجرد ظل· والاستعاضة بالحواس الأخرى ما هي إلا محاولة موجعة لاستعادة الضوء الفاني أو للإمساك بآثار رؤية تجمدت في لحظة من الزمن· وما إن يتحرك الشيء، أو يُنقل من مكانه (الطاولة مثلاً) حتى يفنى ولا يعود موجوداً· وفي المساحة الخالية التي كان يحتلها، يفتح الفراغ هاويته وسديمه وهيوليته، وفيه يضيع الذي لا يرى·
العالم الذي كان يعرفه، ويتجوّل فيه بحرية وثقة وأمان، يصبح مظلماً، غامضاً، وربما عدائياً· العالم لا ينفي هذا الذي لا يرى، ولا ينفصل عنه نهائياً، بل يحبسه، يحدّد إقامته، يراقبه بازدراء أو بشفقة وهو يتخبّط في شباك الالتباس، ويخوض في اللايقين ناقلاً قدمه الحائرة من ورطة إلى أخرى· ويجعله ـ هذا العالم ـ رهين الارتياب، فكل صوت وكل حركة تستنفر موجات من الريبة والالتباس، ومعها يشعر بأن كل شيء متواطئ ضده·
العالم يريد أن يثبّته في النقطة الفاصلة بين هنا وهناك، الداخل والخارج، النوم واليقظة، الوجود والعدم·
إحساسه الحاد بالعجز والإبعاد، الذي تفرضه حالة العزل القسري أو الاختياري، وفقدان المشاركة، يجعله أسير قناعة، تترسخ شيئاً فشيئاً، بكونه ضحية استبدادية الأشياء واستبدادية الواقع·· هذا الواقع الذي ينصب له الشراك أمام كل خطوة· شراك طبيعية وشراك وهمية عليه أن يتفاداها برشاقة ودهاء وخبث طريدة علّمها القنص الأزلي كيف تستشعر الخطر وتتجنب المكامن·· غير أنه غالباً ما يقع أسير الفخ·
الأعمى يستخدم الأصابع كما لو أنها أعين· لا يريد أن يلمس ويتحسس فحسب، بل يريد أن يرى· يريد للأصابع أن تضيء المسالك، أن تتقرّى الملامح، أن تحدّد الأشكال· الأعمى يرسم على طرف كل إصبع عيناً· وهو يستخدم العصا أو العكاز كبديل آخر: به يطرق الفراغ معلناً عن حضوره، به يذكّر الآخرين بوجوده ليفسحوا له، به يدرك إلى حدٍ ما طبيعة العوائق ومصادر الأذى، وبه أيضاً يقرأ التخوم· لكن العكاز عين خشبية·
حاجته إلى دليل بشري هي حاجته إلى عين أخرى بديلة، ليست ناقصة وليست رمزية· إنها العين البشرية التي لا تخطئ· والتي تحميه وتجنّبه الوقوع في الشرك· مع هذه العين، عين الدليل، يشعر بالثقة والأمان، ولا يجد نفسه مرغماً على أن يكون قائد نفسه· إنه يستسلم كلياً، بإذعان وبلا إرادة، لليد التي تقود الخطى وترسم الجهات·· ويصير ظل الدليل·
بالذاكرة يستعين الأعمى حين يكون رفيق الوحدة، وحين يمشي بلا هداية أو دراية، معانقاً الظلمة الدائمة·
الذاكرة اختزنت الأماكن التي تجمّدت نهائياً بكل محتوياتها· ولأنه لا يرى تحولات الأماكن بفعل الزمن، فإنه يبقي الصورة القديمة حيةً· إنه يعبر الطرق التي سلكها مرات كثيرة من قبل، يخترق الأماكن التي حفظها، يتجه مباشرة إلى الأشياء التي ثبتت في موضعها·· وأي تغيّر أو تحوّل أو استبدال يفضي إلى إرباكه وتوريطه في مآزق لا تُحصى·
صفحة 7
بمعنى آخر، هو لا ينتمي إلى واقعه الذي ينكره ويحرمه من كل شيء، قدر انتمائه إلى ذاكرته التي تغذّيه بالصور والإشارات والمعلومات· إنه يتحرك في الفضاء الخاص، والزمن الخاص بالذاكرة·
الأعمى لا ينسجم مع محيطه، ولا يتصالح مع أشياء محيطه، فهو دائم الارتطام بها، كما لو يحاول اختراقها، كما لو ينفي وجودها· مع ذلك، هي تعترض طريقه، تعوقه، تجبره على الرضوخ لكينونتها وتغيير مساره لتحاشي الاحتكاك بها، أو التوقف في حيرة وارتباك أمام حضورها المطلق والمستبد·
إنه في خصام دائم مع العالم، رغم إدراكه بأنه سوف يخرج من الحلبة مهزوماً في كل مرة·
نزال غير متكافئ، جائر وغير منصف، ذلك الذي يخوضه الأعمى بلا رغبة ولا هدف· إنه أمر مفروض عليه، ولا خيار له· جسده لا يستقر ولا يتآلف مع حالته (العمى) بل يضطرب ويتعثّر ويرتطم ويصطدم·· وباستمرار ينهزم·
الأعمى، في أحوال كثيرة، يرفض أن يكون عالة، يأبى أن يكون عبداً أو تابعاً· حساسيته البالغة، الناجمة من وضعه الخاص، تجعله ينظر إلى فعل المساعدة كخدش لمشاعره وتجريح لكرامته وانتهاك لاستقلاليته· لذا فإنه يسعى إلى إقناع الآخرين بأنه يرى فعلاً، ولكي يبرهن على ذلك فإنه يتصرف كالمبصر، ويسخر من نظرة الآخرين إلى عاهته·
لكنه أحياناً يستخدم حالته أو عاهته كسلاح، كوسيلة لاستدرار الشفقة والعطف والإحسان·· ولكي يخدمه الآخرون·
إنه يحصّن ذاته، ضد القنوط والهزيمة، بالتلاعب والتحايل والمكر· فإذا لم يستطع أن يمنع القدر من إنجاز مهمته بالإجهاز على مصدر ضوئه، فإنه على الأقل يستطيع استغلال هذا الانطفاء في تجنيد من يقوم على خدمته أو تلبية حاجياته الضرورية·
إنه يطالب بقدر من ضوء الآخر كحق أو كواجب· وهو لا يكف عن تذكير الآخر بأنه مثله: غير محصّن، قابل للعطب، ويمكن أن يصير أعمى لأي سبب، وفي أية لحظة·
المكفوف منذ الولادة يخترع لنفسه عالماً خاصاً به، يشيّده من عناصر المخيلة، وما تمليه الحواس الأخرى من إشارات وعلامات ورموز· وفي هذا العالم يستقر وينمو، ومنه يستمد نظرته إلى العالم الواقعي الذي انفصل عنه بصرياً لكن اتصل به غريزياً· إنه يعيش في عالمين في وقت واحد: أحدهما يراه عبر مخيلته، والآخر يدركه عبر الحواس·
لكن هناك العمى المجازي·· ذلك الذي يبصر لكنه يرفض أن يرى، ذلك الذي يغمض عينيه حين يستدعي الأمر أن يفتحهما على سعتيهما، ذلك المخطئ الذي لا يرى خطاياه، ذلك العبد الذي لا يرى شرور سيده، ذلك المخدوع الذي لا يرى أفعال من يخدعه، ذلك الذي يرى الشيء في وضوحه وسطوعه لكنه ينكر ولا يعترف·
(عيناك مفتوحتان على الضوء، لكنك لا ترى)··
هكذا قال العرّاف الأعمى تريزياس لأوديب·· وأوديب هذا فقأ عينيه لأنه لم يكن يرى بهما·· لم ير آثامه·
صفحة 8
لا إثم في الحلم
ما إن تغمض عينيك حتى تدخل عالماً من صنعك، اختراعك، وينتسب إليك وحدك· هذا العالم يسمى الحلم· عالم مأهول بالصور المتوافدة بلا انتظام، مليء بالرموز والإشارات·· فيه تتجسد المخاوف والرغبات والرؤى·
كل شخص، كل شيء، هو انعكاس لذاتك بعدٌ آخر لذاتك، حتى وإن انتحل أشكالاً غريبة وغامضة، تستعصي على الفهم· (كل الأشكال في الحلم هي مظاهر مجسّدة من ذات الحلم·· يقول يونج)· إنه الجانب الآخر المخفي والمحجوب، وبهذا المعنى هو أكثر حقيقية وواقعية مما نظن·
الحلم لا يخضع لقانون أو منطق، لا تحكمه قيود أخلاقية· إنه يقفز فوق الزمان والمكان، ويتخطى قوانين الطبيعة والعقل·· مع ذلك فليس ثمة شعور بالإثم· ليست هناك تعارضات بين الحياة والموت، الحقيقي والمتخيل، الماضي والمستقبل، الواضح والغامض· ثنائيات لا يُنظر إليها كنقائض بل كحالات متناغمة، منزوعة عنها التخوم والفواصل·
صور الحلم لا تتّسم بالتنظيم والتوحيد والتكثيف· لا شيء متماسكاً وجامداً· كل شيء يطفو ويتحول باستمرار· في مقدمته لمسرحيته (لعبة الحلم) يقول سترندبرغ: في الحلم أي شيء يمكن أن يحدث· كل شيء ممكن ومقبول ظاهرياً· الزمان والمكان لا يوجدان· وعلى خلفية لا تحمل مغزى أو دلالة، ينسج الخيال تصاميم وتخطيطات جديدة
الحلم، في التفسير الفرويدي، هو تجسيد للرغبات المكبوحة، التوترات، المخاوف الكامنة في اللاشعور والتي يرفضها العقل الواعي، وهي لا تبزغ إلا حينما يسترخي في النوم ذلك (الرقيب) الذي يحرس نطاق ما تحت الوعي· ولأن الاسترخاء ليس كاملاً فإن الرغبات والمخاوف تلجأ إلى التمويه والتنكر في شكل تخيلات تبدو بريئة وخالية من المعنى ظاهرياً· ويتحول الحلم إلى كابوس عندما تصبح الرغبة المكبوحة، من جهة نظر الوعي، مخيفة جداً ولا بد من إنكارها، وعندما تصبح قوية وفعالة جداً بحيث تشكّل تهديداً جاداً وخطيراً·
لغة الحلم محجبة ومبطنة، لا يمكن تأويلها إلا عن طريق البحث عما هو مستتر في المحتوى الظاهر· بنية الحلم تقوم على عمليات لا واعية، مستقلة عن التفكير العقلاني· والمادة المستقاة من الذاكرة الراهنة تعبّر عن صراعات أو رغبات ربما تعود إلى الطفولة المبكرة·
إن الأشكال المتخيلة التي يهرب إليها الحالم من توترات الحياة اليومية هي حافلة بالمعاني وقابلة للعديد من التأويلات·
الحلم، كما الواقع والمخيلة، من المصادر الأساسية التي يستمد منها الفنان مادته· إنه لا يرسم أو يكتب حلمه إنما ينتزع منه إشارات، إضاءات، إيحاءات·· منها ينطلق ويقدّم رؤيته·
صفحة 9
الذاكرة·· مستودع الذات
التذكّـر هـو فعـل تحرّر مـن المكـان (هنـا) ومـن الزمـان (الآن)·
عودة فورية وسريعة إلى ماض بعيد أو قريب· هذه العودة تكون إرادية أحياناً، بدافع الاستحضار المقصود لشيء يلبّي حاجة معينة، وأحياناً تكون مباغتة، اعتباطية، ولا تتصل بفعل الإرادة·· وفي كل الأحوال لا بد من وجود محفّز ومحرّض: صورة، صوت، رائحة، حدث·· وأشياء أخرى لا تقل أهمية في عملية الاستدعاء·
الذاكرة ليست كرونولوجية·· أي متسلسلة زمنياً· إنها لا تقدّم تاريخاً متواصلاً، بل شظايا مبعثرة من هذا التاريخ· فالتذكر هو اقتطاع، انتقاء لحدثٍ ما أو صورةٍ ما أو وجهٍ ما، ثم انتزاعه من سياقه الزمني والمكاني، أي عزله عن محيطه، بتركيز البؤرة عليه وحصره في مجال الرؤية، وبذلك يكتسب خاصية جديدة لم تكن متوفرة له وقت وقوعه أو اختباره للمرة الأولى· من جهة أخرى، لا يمكن التحكم دائماً بالذاكرة وتوجيهها· حتى عندما يكون الفعل انتقائياً فإن الصورة، كذلك الوجوه والأحداث، المراد استحضارها، تجر وراءها سلسلة من الصور والوجوه والأحداث التي تتداعى دونما ضبط أو تخطيط·
الذاكرة، إذن، لا يمكن التنبؤ بها، بما سوف تقدمه·
الكائن الحي ذاكرة تعمل·· كما يقول العالم البيولوجي هنري لابوريه· والذاكرة مستودع الذات، فيه يختزن المرء كل ما شكّل حياته منذ طفولته، كل تجاربه وتحولاته· لكنه لا يستطيع أن يستخرج من هذا المستودع الوقائع ـ مثلاً ـ بحرفيتها وتفاصيلها الدقيقة، ليس فقط بسبب طبيعة التشظي واستحالة التحكم، وتركيز البؤرة على أجزاء صغيرة من حدث ما، إنما أيضاً لأن الذاكرة، عندما تستعيد أو تستحضر الأشخاص والأمكنة، فإنها تخلقهم من جديد عبر نظرة جديدة وطرية·
الذاكرة، من هذا المنطلق، إعادة خلق ـ عاطفياً ونفسياً وبصرياً ـ لعالم ينتسب إلى الماضي· وعبر هذه العملية، نقوم بامتصاص ذلك العالم داخل ذاتٍ ترى ما تريد أن تراه، أو تتلقى بسلبية ما يُعرض عليها· بالتالي فإن الذاكرة غير واقعية وغير صادقة على نحو مطلق·
أيضاً لا يمكن الوثوق بها، والاعتماد عليها كلياً، في التزوّد بما هو مخزون في أية لحظة نشاء· إنها تصبح مستعصية ومراوغة، لهذا يدوّن المرء ملاحظاته وأفكاره ويومياته والمعلومات التي سوف يحتاجها يوماً، ويحتفظ بالصور للتحايل على النسيان، والتذكير بما كان وما حدث·
أن تفقد الذاكرة يعني أن تفقد السيطرة على كل شيء وتخضع لانتصار النسيان· وكما قال يوجين ديلاكروا: الإنسان بلا ذاكرة لا يعرف على ماذا يستطيع أن يعّول·· كل شيء يخونه·
صفحة 10
نوستالجيا
الماضي لا يمضي· لا يغيب كلياً· إنه يعيش معك، في داخلك· ويتعايش مع حاضرك مشكّلاً رؤاك وأحلامك· الماضي هو جذرك· أول كل شيء· مجموعة تجارب متراكمة تشكّل حقيقتك وواقعك· أحياناً يكون مهيمناً ومسيطراً، أحياناً يأتي على هيئة شذرات، شظايا، وبصورة استحواذية أقل·
في كل الأحوال، لا تستطيع أن تنفصل عنه، أن تنقطع عنه، وحتى إذا حاولت، بطريقة أو بأخرى، فإنه يرتادك من حيث لا تدري ولا تتوقع· رائحة ما، صوت ما، وجه ما·· يعود بك في لمحة إلى عالم كنت تظن أنه تلاشى منذ أن غادرته·· عالم الطفولة أو المراهقة·· مرحلة لا تعود تحتفظ بتماسكها المادي، إنما تقدم نفسها في شكل أجزاء منفصلة تبدو أحياناً ميتافيزيقية· فأنت لا تعود إلى الكل بل إلى الجزء·· الجزء الأكثر حضوراً لأنه الأكثر تأثيراً·
الحنين إلى الماضي هو حنين إلى ما هو مفقود في الحاضر· الأشياء التي كنت تعيشها وتختبرها وتراها، ولم تعد موجودة أو يصعب استعادتها· إنه، بمعنى ما، إحساس بانعدام التناغم والانسجام مع أحد مظاهر الحاضر· وكلما ازدادت الضغوطات تكاثر الحنين·
النوستالجيا ضرورية إلى حد ما، لكنها مؤلمة، لأنها تنبع ـ في أغلب الأحيان ـ من موقف أو وضع أو شعور مؤلم، ولأنها أيضاً عبور مؤقت إلى إقليم قد يجد فيه الراحل إلى هناك نوعاً من الطمأنينة والراحة·· غير أنها طمأنينة زائلة·
نقول إن الماضي أجمل· لكن لا نجاة في هذا القول، لا جدوى· الماضي دائماً يجمّل نفسه لكي يغويك·· ربما لهذا السبب تراه أجمل· ولأن الحنين إلى الماضي يتسم بنزوع رومانسي فإنه ـ الماضي ـ يبدو أجمل· إنك لا ترى الجوانب المظلمة، الكئيبة، المتوحشة، بل ترى ما تريد أن تراه: الجوانب المضيئة، المبهجة، المنعشة روحياً·
الكتابة عن الماضي هي محاولة يائسة لاستعادة مرحلة معينة، للإمساك ثانية بما كان في متناول أيدينا وأعيننا وصار الآن مفقوداً وغائباً· إنها محاولة موجعة لاستحضار البديل، الذي لا يمكن أن يكون بديلاً، لحاضر يفرض سماته وشروطه ومعطياته الجديدة والمختلفة، والذي سيصير ـ في الغد ـ ماضياً قد يمثّل البديل عند آخرين، أو حتى عند أنفسنا·
الكلام (أو الكتابة) عن الأماكن القديمة، بكائناتها وأحداثها التي غادرت مواقعها لتسكن في الذاكرة واللاوعي، غالباً ما يكون استحضاراً ضبابياً، خليطاً بين الواقع والوهم، ولا يمكن الوثوق بالنزاهة المطلقة التي يدّعيها المستحضر·
المخيلة دائماً ترافق الذاكرة· عندما نتذكر حدثاً ما فإننا في الوقت ذاته نتخيله، أي نضفي عليه ـ لا شعورياً ـ درجة من الخيال ودرجة من الوهم· هكذا يصبح الحدث مادياً وميتافيزيقيا في آن، حقيقياً وزائفاً في آن، فالحدث لا يتجسد أمامنا حرفياً بكل تفاصيله الدقيقة والواقعية، ذلك لأنه منتزع ـ بقوة الذاكرة والتخيّل ـ من محيطه، من الحدث الذي سبقه أو تلاه، أي من تاريخه· إنه يتجسد كحدث مستقل، منفصل، معزول·
الاستحضار فعل انتقائي، وهو بالتالي ليس بريئاً من التأويل أو إعادة التأويل التي نفرضها بشكل محتوم ومتعذر اجتنابه، إذ إننا ننظر إلى الحدث الماضي من وجهة نظر ذاتية بحتة، أي نشكّله وفق رؤيتنا الخاصة وتفسيرنا الخاص ومن ثم سوف يفتقر إلى النظرة الموضوعية· الحدث الذي كان عادياً في حينه وغير ملفت أو مثير للاهتمام، يكتسب خاصية استثنائية ويتحول في عينيّ المستحضر إلى شيء مهم وغير عادي·
النوستالجيا انحياز إلى الماضي، إلى قيم وعادات ومفاهيم سابقة، إلى علاقات قديمة انتهت· إنها يمكن، إذن، أن تحمل صبغة رجعية، فالاستغراق الكلي في الحنين هروب من أزمات ومشكلات راهنة، إنه اعتراف صريح بالعجز عن فهم الواقع، أو عن محاولة فهمه والانسجام معه· والبعد النوستالجي لا يكمن في كل عمل إبداعي يتناول الماضي، بل يكمن في الذهنية التي تتعامل مع الحاضر على أساس أنه عقيم، مفعم باليأس، وغير قابل للتغيير·