صفحة 1
(1)
تلف جسدها بعباءة سوداء، تجلس على مقعد في طرف بهو مطار الملكة علياء البناء الجديد، أمام البوابة المؤدية للطائرة، وبيدها جهاز هاتف تعبث أناملها الدقيقة بأزراره، فلا تلتفت لشيء آخر، يبدو عليها التركيز بالجهاز لدرجة أنها تكاد لا تشعر بما حولها، المكان بطبيعته هادئ، لا يكسر صمته سوى نقرات أحذية نساء عصريات، أحذيتهن عالية جدا بحيث تبدو الواحدة منهن كأنها محلقة في الهواء، كما تعطي جسد المرأة شكلا متناسقا، وفي مشيتها إثارة تلهب خيالات الرجال، كل الرجال.
ما زالت صاحبتنا تجلس في ركنها القصي، هي وجهازها النقال وعباءتها الخليجية السوداء، وأناملها التي تتحرك على سطح الجهاز بطريقة تبدو عبثية، ويظهر من تحت العباءة ساقان فتيان ملتفان كالعاج الإفريقي، وكلما انحسر غطاء رأسها يظهر شعرها حريري كستنائي، رشيقة في جلستها، تضع ساقها اليمنى فوق اليسرى، تتغير ملامح وجهها بحسب حركات أناملها فوق أزرار الجهاز النقال، البهو واسع والمقاعد الشاغرة تُشغل بالمسافرين شيئا فشيئا، تركت المكان محاولا اشغال نفسي بالتجول بين الأمكنة التجارية المغلقة لم يحن موعد افتتاحها، والوقت ما زال مبكرا على موعد الإقلاع، تناولت فنجان قهوة(اسبريسو) مضاعفا، لكن شيئا في داخلي دفعني لعدم المكوث كثيرا في المقهى، على عكس عادتي، فأنا أحب الجلوس في المقهى وأجد راحتي فيه، وهذه المرة رضخت لذلك الشيء الذي دفعني للذهاب إلى بوابة المسافرين إلى دبي، تفقدت الركن الذي تجلس فيه الحسناء، ما زالت تجلس في المكان وما زال جهازها النقال يتلوى بين أناملها العشر دون ملل، تظهر على وجوه المسافرين علامات الإرهاق والتعب، موعد الإقلاع في تمام الساعة الثامنة صباحا أي بعد ساعة من الآن، أخذت أراقب حركات جسدها ويداها وتعابير وجهها الرائعة، فقسماتها الطفولية تُظهرها أصغر من عمرها، أعارتني التفاتة كاملة للحظة واحدة فرأيت وجها متناسق القسمات أدهشني بجماله، ابتسمتُ لها فبادلتني الابتسامة بأحسن منها، عاد كل منا للعبث بأشيائه؛ هي بجهازها النقال، وأنا بشرب قهوتي السادة، والكراسي كادت تمتلئ بالمسافرين...
فُتحت البوابة، فاصطف المسافرون يحمل كل منهم جوازه وتذكرته، أما هي فقد جلست مكانها لم تأبه بالوقوف كالآخرين، انتظرت حتى نهاية الصف الطويل ثم قامت متوجهة إلى البوابة فمشيت بموازاتها، اقتربت منها بحيث صرت على بعد همسة من عنقها الشفاف، قلت لها صباح الخير سيدتي، فالتفتت نحوي فإذا أنا أمام عينين فاقتا بحسنهما السحر، ووجهٍ أبيض كالبدر في ليل التمام، وشفتين طريتين تنطقان بلغة غابت عن الدنيا منذ أفول الشمس عن حضارة ماجان، فجمالها يوازي أساطير الجمال الإغريقي عند الآلهة أفروديت، خرجت حروف صباح الخير من ثغرها بانسجام إيقاعي أطرب قلبي؛ فرقصت حواسي الخمس رقصة الحنين إلى عناقها، ثم أضافت قائلة:"هل تعرفني"؟
صفحة 2
قلت: لا، ولكنك أول وجه جميل أقابله، وخير ما استفتح به نهاري، ابتسمت حياءً وأطرقت برأسها، لم نتبادل غير تلك الكلمات، وأرقام مجردة لهاتفها النقال، وافترقنا كل في طريق؛ هي في مقعد خلفي وأنا في مقعد رجال الأعمال الأمامية، لم أرها بعد هذه اللحظة افترقنا، وكأنني في حلم جميل انتهى لحظة دخولنا الطائرة...
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بدلت ملابسي ببطء ممل من شدة تعب يوم طويل، أخرجت كل ما في جيوبي، فالتقت يدي بقصاصة ورق كدت ارمي بها في سلة المهملات القابعة في زاوية الغرفة لولا أني تذكرت مصدرها، فتّحتها فإذا برقم هاتفها مستسلما في حضن الورقة الصفراء، مررت على الرقم متفحصا، انتابتني رعشة وإحساس غريبين، ثمة ألفة بيني وبين الأرقام العشرة، تناولت هاتفي وطبعت أرقامها بحركة كأنها لا إرادية، سكتت الدنيا مرة واحدة وأنا انتظر صوتها في الطرف الآخر، لم اسمع إلا خفقات قلبي التي ثارت على صمت المكان، وفقدت الأمل عندما طال انتظاري، مرت دقائق خمس قبل أن يرن هاتفي، مرتْ كأنها دهر من الزمن، حسبت قلبي يقفز من بين ضلوعي وأنا أقرأ أًرقامها على شاشة هاتفي النقال، تلبكتُ كطفل تُرك وحده أمام متجر للألعاب، فضغطت بالخطأ على الزر الأحمر، كرهت نفسي لذلك.
لم يكن أمامي سوى إعادة الاتصال على أمل الوصول إليها قبل أن تصلها الخيبة، وبالفعل أعدت الاتصال، فأجابت بأسرع مما توقعت:"مرحباً"
- مرحباً، كيف حالك؟
- لطفا من المتكلم؟
- أنا أحمد.
- من أحمد؟
- ألا تذكرين؟ فقد تقابلنا في المطار هذا الصباح، وكنت تجلسين في طرف القاعة؟ تضعين عباءة سوداء، وتحدثنا قليلا وتبادلنا الأرقام؟
- نعم، نعم، تذكرتك تماما، ولكن ألا تعتقد بأن الوقت متأخر؟
- أجل، ولكن، لي عذري، فقد ترددت قبل أن أتصل بك، بل إنني ترددت كثيرا، لدرجة أنني لم أفكر بشيء غيرك، حتى شعرت أن حياتي ستتوقف عند حافة لقائنا الصباحي الجميل.
صفحة 3
- ولكنك بالكاد تعرفني أو حتى تعرف شكل وجهي، فما الذي حملك على التفكير بي لهذه الدرجة؟
- الواقع انك أسرتني بعينيك وتناسق حركاتك ورائحة العبير المتطاير من أنفاسك الطاغية، وإذا نسيت فلن أنسى جمال صباحك الفتّان.
- أين تقيم؟
- في دبي
- وأنت؟
- أنا في "أبو ظبي".
- أرجو أن تسنح الفرصة للقاء...
- ربما.
تمنت لي ليلة سعيدة وأغلقت السماعة بأدب جم...
نمت ليلتي أحلم بهذا الصوت الرخيم، كانت تنطق فتطرب ملائكة القدر، وتقترب النوارس من وجه القمر، فينسكب الظل على أبراج المدينة ليعلن عن اخضرار كوكب الزهرة، وتتفتح أبواب السماء كوردة جورية تعانقت مع نسمات نيسان.
أول ما فتَّحتُ عينيَّ عليه في صباح اليوم التالي؛ طيفها الذي سكن كل ركن من أركان حياتي، جدار الغرفة المقابل لسريري البارد، خلف زجاج نافذتي الشرقية وقد التف بشعاع الشروق الدافئ، وعلى كرسي خشبي قديم ورثته عن جدي زمن رحيل السنونو قبل نحو من خمس عشرة سنة عشتها وحيدا إلا من الذكريات التي أورثنيها جدي أيضا، وبعض بطاقات صفراء كتبت عليها بقلم أخضر قريب من خضرة الأرض الطيبة التي نسجت جدتي عنها كل الحكايات، لا أتذكر تفاصيل تلك الحكايات؛ لأنني كنت أنام على حجرها كلما بدأت تحكي لي حكاية من حكاياتها، لا أدري كيف كان سلطان النوم يسلبني من بين كلمات جدتي قبل أن تكمل حكاياتها، كان صوتها دافئا ونبراتها كالمخدر الذي يدب في الأوصال فيسكرني لدرجة الثمالة، لم يأتني هذا الشعور منذ رحيل جدتي، حتى أن خضرة الأرض قد تبدلت، أخذت تميل إلى الاصفرار.
صفحة 4
ما زال طيفها أمامي، يعبث بمخيلتي. تُرى أهو الحب؟ أم هي نزوة من نزوات النفس؟
لم أجد إجابة واضحة على تساؤلي! ولم أترك لنفسي الخوض في تفاصيل مشاعري، فمنذ انفصالي عن زوجتي قبل عشر سنوات لم أجرؤ على الخوض بأي مغامرة من شأنها أن تطيح بحريتي المقدسة، عشر سنوات وأنا حرّ بعيداً عن أي ارتباط وجداني من أي نوع، عشر سنوات ملكت بها نفسي، وترفعت عن كل العذابات، أتحرك كيفما أشاء ومتى أشاء وأين أشاء، عشت حرا طليقا بعيدا عن كل القيود والمنغصات، تخلصت من بوادر المرض، ومن شوائب الماضي الأليم، ومن تسلطهن، وقهرهن، وقسوتهن، عشر سنوات من النقاهة حتى صارت نفسي صافية كالبلور، فما الذي حدث لي هذه المرة؟ أأترك الأمور تسير في مسارها، أأتخلى عن حريتي مرة واحدة وأتبع قلبي؟
لم يكن بالأمر الهين على نفسي أن تحزم أمرها، فعقلي الذي تفادى مخاطر الولوج في علاقة رغم كل المؤثرات الجمالية الأنثوية عبر سنين طويلة، أجده اليوم وقد تراخى، يكاد يتخلى عن إرادته أمام صوتها العذب.
والغريب في الأمر، أن نفسي هي التي تحاول استنهاض عقلي لحثه على التروي والتفكير بروح المقاومة، وتفادي الانشقاق، فلطالما كانت النفس ضحية لقرار العقل في السنوات العشر الماضية، لدرجة أنها عافت العقل في وقت من الأوقات، وتمنت أن يتجمد، أو يتحجر لمدة خمس دقائق كي تستطيع فيها العبث بمقدرات الحياة، فلم يتحقق لها ذلك، أما اليوم فثمة أمر مختلف؛ فما الذي حدث؟ فهل كان سحرها أقوى من إرادة العقل؟ وهل للكيمياء دور في هذا الأمر؟ وهل للمكان تأثير؟ وهل لألوانها الأسود والأبيض والأزرق والكستنائي والأحمر دخل؟ وهل للطبيعة ولكل ما هو مدور حكم؟ فما الذي حدث؟
تساؤلات كثيرة ولا إجابات سوى أنني أرغب برؤية هذه المرأة بشدة، وأتوق لسماع صوتها بقوة، لقد أصبحت منجذبا إليها تجذبني قوة خفية آسرة، أحنّ لذكراها دونما تردد وبتلقائية، أخذت أتصل بها دون تخطيط لما سأقول، سأترك الأمر على عواهنه، وليحدث ما يحدث، فطالما القلب والعقل رضخا للفكرة، فلا شأن للنفس بالأمر.
لم يكن بالأمر الهين أن اطلبها على الهاتف، فقررت إرسال رسالة جس نبض، فكتبت لها كلمة واحدة: (مرحباً)، وانتظرت، لكنني لم أنتظر طويلاً هذه المرة، إذ جاءت الإجابة بكلمة واحدة لا أكثر؛ ( مرحبا)، فهل هي أيضا تستخدم نفس أسلوب جس النبض؟ أيقنت بأنني أمام امرأة ليست عادية، بل حادة الذكاء، مما زاد عندي الشعور بضرورة توخي الحذر، فأنا حريص بأن ابني معها علاقة طويلة الأمد، إذ من الصعب، بل النادر العثور في حياتك على امرأة بهذا القدر من الذكاء والجمال معا، لربما تقابل امرأة آية في الجمال، ولكنك عندما تبدأ معها بحديث فإن جمالها يسقط في بؤس جهلها، فتحاول الهرب من أمامها بأية ذريعة، ولكن هذه المرأة هي كنز يسير على قدمين صغيرتين تحملان جسداً من المرمر، ليست كأي واحدة منهن، فلن أسمح بفقدها، فهي فتاة أحلامي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
صفحة 5
جمعت كل حواسي وخبراتي في التعامل مع النساء من مختلف الأطياف، لرسم خوارزمية توصلني إلى نيل ثقتها ومحبتها وتقديرها، فلن اترك الأمر إلى الصدف أبدا.
كتبت لها رسالة نصية أخرى، قلت: كيف حالك؟ أجابت: عفوا من أنت؟ ابتسمت في قرارة نفسي من تجاهلها الواضح، قلت: أنا أحمد الذي قابلتك في المؤتمر وتحدثنا عبر الهاتف.
- آه، تذكرتك.
- صوتك دافئ على الهاتف، يبعث في النفس الطمأنينة، فهل أستطيع سماعك يا سيدتي؟
- سكتت، فلم تجب.
فطلبتها في الهاتف، رفعت السماعة، لكنها لم تنبس ببنت شفة.
- أنا مرة ثانية.
- يسعدني ذلك.
- صوتك ملائكي.
- قلت لك... لا تبالغ.
- بصراحة، أنا عاجز عن وصف جمالية النغم المنبعث مع ترددات صوتك الذي يبهج حواسي دفعة واحدة.
- رغم المبالغة ... إلا أن الإطراء يسعدني.
- هو ليس بالإطراء، إنما هي الحقيقة، فأنت لوحة متكاملة صنعتها الآلهة لحظة تجلي.
- كلماتك تطرب حواسي.
- كلماتي تنثال من بين أصابعي كنهر يتدفق من أعالي السماء، من ذلك المكان الذي يتربع فيه طيفك ملكا لكل الأحاسيس الإنسانية يا سيدتي.
- أحمد.
- نعم.
- لا أستطيع مجاراتك في هذا الحديث.
- يخيل إلي بأنني ما عدت أميز بين الأصوات الثلاثة الطاغية على هذا الكون في هذه اللحظة؛ صوتك الرقيق، وصوت نبضي، وهدير أنفاسك.
- رفقا بحالك أحمد.
- رفقا بي سلمى.
- إلى اللقاء.
- هل قلت إلى اللقاء؟ فهل لي بطلب اللقاء؟
لم تجب، وأغلقت سماعة الهاتف دون أن تضيف كلمة واحدة، فأيقنت أنها تتعزز، فأحببت تعززها هذا، لأنه يليق بأمثالها التعزز والشموخ.
صفحة 6
(2)
بعد قيلولة ذلك اليوم، حملت حاسوبي النقال وذهبت إلى مقهى "لاغوفريت" في "سيتي سنتر ديرة"، اعتدت الجلوس في هذا المقهى لمراقبة الناس ولأخذ جرعة نفسية من الراحة، كان المقهى ممتلئا عن بكرة أبيه، فانتظرت قرابة الربع ساعة قبل أن تتوفر لي طاولة وكرسي للجلوس، طلبت كوبا من "كابوتشينو" فقدمته لي نادلة آسيوية مع ابتسامة عريضة، أخذت أرقب المارة بجانب حافة المقهى، وأتفحص الوجوه والأجساد الرشيقة، ثم أشرب مشروبي الساخن الذي أحبه دون سكر، وأتناول قطعة البسكويت التي تقدم مع المشروب الساخن، وبينما أنا كذلك، إذ بصديقتي القديمة تأتي باتجاهي مسرعة وتطبع على وجنتي قبلتين، جلستْ كعادتي بها، فطلبت لها مشروبها المفضل " ليمون بالنعناع" ...
صديقتي "كارين" من أصل ألماني تعمل سكرتيرة قانونية في مبنى التجارة العالمية، ولكنها لا تشبه الألمان بمظهرها، إلا أن لهجتها الألمانية سمة من سماتها، هي تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها، ليست طويلة كالألمان؛ طولها بين بين، بيضاء، شعرها خروبي طويل، ووجهها مستدير، مكتنزة الصدر، نحيفة الخصر، خضراء العينين، لطيفة المعشر، مثيرة لدرجة البهجة.
قضيت أنا وكارين طيلة المساء، ذهبنا إلى شقتها خلف المستشفى الأمريكي في بر دبي، جهزتْ بعض المعكرونة مع صلصة اللحمة المفرومة والبنادورة، ثم تناولنا بعض النبيذ ومارسنا الحب كعادتنا، ليس ثمة التزامات من أي نوع بيني وبين كارين، نحن أصدقاء مقربون، ولكننا لسنا عشاقاً كالعاشقين، كنت أحب قضاء الأوقات معها، وأستمتع كثيراً بمضاجعتها بين الفينة والأخرى، لكنني في هذا المساء لم أجد أي شكل من أشكال المتعة برغم إثارتها، فقد كان جسدي هنا فقط، أما عقلي وتركيزي فكانا هناك، مع سلمى المرأة التي ملكت كل ركن من أركاني، وسَبَتْ عقلي ووجداني، ولم تترك أي حيز لسواها، فاستغربت كارين شرود ذهني، لكنها لم تعلق، ولم تقحم نفسها بالسؤال.
استاذنتُ كارين بالمغادرة، فطلبتْ مني المكوث حتى الصباح، اعتذرت عن البقاء بلطف شديد، ولما وجدتني مصمما على الرحيل تمنت لي ليلة سعيدة، وابتسمت ابتسامة من يدرك أمرا ما، فلم اشك بأنها أيقنت بما يجول في فكري وقلبي، فقد كانت من الذكاء بمكان لتدرك بإحساسها حالة العشق التي تعتريني.
سرت على قدمي من شقة كارين إلى بيتي خلف برجمان، عصفت بذهني الأفكار، سرت كالهائم، لم أتنبه إلى نفسي إلا وأنا أمام البيت، كانت المسافة غير كافية لاستكمال تلك الأفكار التي انصبت على علاقتي بسلمى، تلك المرأة التي سلبتني تركيزي في عملي وفي سرير كارين، المرأة التي ملكت كل حواسي بضربة واحدة من عينيها فكانت على ما يبدو هي القاضية.
صفحة 7
لم يكن ضمن مخططاتي أو أحلامي عندما جئت إلى دبي أول مرة أن تكون لي أي علاقة من أي نوع مع امرأة غريبة، أو حتى تناول المنكرات، فقد نشأت في عائلة محافظة في مدينة القدس، كنت لا أقطع فرضا من فروضي الدينية، أصلي معظم الأوقات في المسجد الأقصى، وأزور أخواتي في جميع المناسبات؛ في العيدين وفي ذكرى الاسراء والمعراج والمولد النبوي الشريف، لكنني اليوم بعد انتقالي للعمل والسكن في دبي، تعرفت على زملاء العمل شاركتهم بعض مناسباتهم، فجاملتهم باشياء لم يكن لي أن أقوم بها في غير هذه المدينة العصرية، واليوم أشعر بارتياح عظيم، بعد أن أنهيت علاقتي الحميمية بكارين، لتبقى علاقة صداقة جميلة، نقية...
مرت أيام ثلاثة، ولم أسمع من سلمى كلمة واحدة، ظننت بأنها ستبادر بالاتصال، لكن ظني خاب عندما لم تتصل، فكان علي البحث عن أكثر من مبرر للمرأة التي أحب؛ ربما ليس لديها الوقت، أو ربما أضاعت رقم هاتفي وهذا احتمال كبير أيضا، ربما رغبت بالاحتفاظ ببربستيجها كامرأة سيدة بكل معنى الكلمة، ولذلك علي أنا المبادرة بالاتصال...
هكذا أخذت أبحث في دهاليز عقلي عن مبرر لعدم اتصالها، وفي نهاية الأمر قررت أن أتصل بها في صباح اليوم التالي...
هي أيضاً كانت تنتظر مبادرته في الاتصال، لكنها لم تبحث له عن مبررات، بنفس الوقت انشغلت بابنتها مريم، التي لا تريد استكمال تعليمها، بل تريد الاعتماد على نفسها في الحياة، مريم فتاة آية بالجمال، طويلة القوام ممتلئة، لها وجه كالبدر، تبلغ من العمر العشرين، فقد ولدتها أمها وكان قد مضى على عمرها خمسة عشر ربيعا، ولذلك فإنه من الصعب القول بان مريم هي ابنة تلك الزهرة النضرة سلمى، سلمى تسكن في "أبو ظبي"، ولكنها تقضي معظم أيام الأسبوع في دبي عند مريم التي تسكن مع أخريات يعملن في "باريس جالري" في مركز تسويق ديرة سيتي سنتر، لم تكن مريم بالفتاة المستقرة، كانت دائمة البحث عن عمل جديد، وهذا سبب قلق والدتها، إنها تبحث عن عمل في شركات كبيرة وفي فنادق الخمسة نجوم، ظنا منها بأن جمالها وحده ممكن أن يكون ورقتها الرابحة في اكتساب وظيفة مهمة.
مريم مفتونة بنفسها، لا تدري والدتها من أدخل في رأسها هذه الأفكار، هي قلقة جدا على ابنتها الوحيدة، والتي خرجت بها من زواج فاشل دام لأكثر من سبعة عشر عاما، حتى أصبحت أثقل حملاً تحمله على كاهلها، مما سبب لها القلق والتعب وعدم الاستقرار النفسي، إنها أمام تحد كبير في تربية وحماية هذه الفتاة المراهقة، فقد أوقعت نفسها في العديد من المشاكل ومنها تلك التي حدثت في مكتب للترجمة والذي وظفها صاحب العمل رغم أنها غير مؤهلة، فوعد بتدريبها على العمل كمساعدة مكتب، قبل بها لجمالها فقط، مستغلا حاجتها للعمل وتحمسها لقبوله، لكنه لم يدربها ولم يعمل على تأهيلها فبقيت على ضعفها، طلب منها نقل إقامتها إلى كفالته، ليزيد من سيطرته عليها، فبدأ يراودها عن نفسها، ويتحرش بها، ويحضر لها الهدايا ويقدم لها المال ويدعوها لأفخم المطاعم حتى استمرأت الحياة، ولما اكتشفت الأم ما آلت إليه ابنتها، وقفت بوجه ابنتها، ومنعتها من هذا العمل، فكرهت البنت أمها واعتبرتها عقبة في طريق سعادتها.
صفحة 8
عادت بها إلى "أبو ظبي" فلم يعجبها ذلك، فبقيت تبتدع المشاكل مع والدتها إلى أن رضخت، فوافقت لها بالعودة إلى دبي بشرط أن تعمل في مكان تجيد العمل به، فعملت كبائعة مستحضرات تجميل في "باريس جاليري"...
"باريس جاليري" متجر شهير في مدينة دبي، له فروع في معظم مراكز التسوق في المدينة، مريم تعمل في فرعه بمركز ديرة للتسوق، في وسط مدينة دبي، يأتي إلى هذا المركز مختلف فئات الناس، الغني والمتوسط الحال، ورجال الأعمال والعمال، نساء ورجال، عائلات بكاملها تأتي للتسوق في هذا المركز، والمتسكعون ورواد المقاهي يأتون إليه، الناس تأتي إليه بأعداد كبيرة طيلة ساعات اليوم، وكان يفد على باريس جاليري نساء ورجال منهم من يأتي للشراء وكثير منهم يأتي للتسكع ومغازلة العاملات الجميلات في هذا المتجر الذي يختص ببيع العطور ومنتجات الجمال العالمية... تتعرض مريم لعروض كثيرة أثناء عملها، منها ما هو سخي ومبالغ فيه، ومنها ما هو بضع كلمات غزل من الرجال وأحيانا من النساء، آخرها عندما حضر أحد رجال الأعمال الذي جلس على كرسي فخم، وطلب من مريم بالذات أن تخدمه، فوضعت أمامه طاولة صغيرة ثم قامت بإحضار عينات من العطور النسائية وأخذت ترش منها على قطع من الورق فيستنشق العطر عن الورقة ثم يطلب منها زجاجة عطر وزجاجة تواليت وعلبة كريم للجسم من نفس الماركة، وكرر هذا الأمر مرات عديدة إلى أن امتلأت الطاولة بمختلف أصناف العطور العالمية، سلم مريم بطاقة الفيزا خاصته لتدفع ثمن العطور ... وضعت مريم زجاجات العطور المختلفة في كيس من الكرتون المقوى وقدمته للرجل، فقال لها: هذه العطور اشتريتها لك (يا حلوة) وابتسم لها وهو يقدم كرته... بادلته الابتسامة وشكرته، ووضعت الكرت في جيب قميصها الأحمر وتناولت الكيس بيدها تحت وابل من نظرات زميلاتها، ثم أخرجت الكرت من جيب قميصها، تفحصته باهتمام، ابتسمت وهي تقرأ ما فيه، أودعته في حقيبتها وعادت تمارس عملها.
صفحة 9
(3)
وفي صبيحة اليوم التالي كان الجو مشرقا لطيفا، فقررت الاتصال بسلمى، تمنيت أن يكون حديثي معها بجمال هذا اليوم البديع، طلبتها غير متردد، انتظرت على نار أحر من الجمر حتى أجابت على هاتفي بصوتها الناعم الرقيق والذي يضفي عليه كل هذا الدفء هدؤها الرائع...
قلت لها بأنني قادم إلى " أبو ظبي" فربما تسنح لنا الفرصة لشرب فنجان قهوة معا!
ضحكت ضحكة أسكرتني بدلالها، وهي تقول بأنها غير متواجدة في "أبو ظبي" وأنها متواجدة في دبي منذ الأمس!
دونما تردد قلت لها في الواقع أنا بمنتصف الطريق إلى أبو ظبي ولا شأن لي بالمكان؛ غير أنني قادم لرؤيتك، ولا بأس من اللقاء في دبي، فوافقت من فورها على اللقاء وهي ما زالت تضحك بلطف شديد...
اتفقنا على اللقاء الفعلي الأول، غيرت مسار سيارتي عند أول منعطف صادفني، وعدت أدراجي مستنفذا السرعة القصوى المسموحة لي على طريق أبو ظبي دبي السريع، أشجار النخيل على امتداد الطريق، تضفي عليه سمة من سمات الجمال الطبيعي، تسير السيارات بكافة ألوانها وأنواعها وسرعاتها موزعة على المسارب الأربعة للطريق السريع، كدت أجزم بأن سيارتي وأفكاري أسرع شيء على هذا الطريق، لولا سيارة فراري حمراء كانت تسير كالسهم قاطعة المسافات بلمح البصر، لكنني تذكرت ما قاله أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي لسائقه عندما أسرع قليلا عن المعتاد ظنا منه بأن سيده تأخر عن اجتماعه في البرلمان، حين قال له: " تمهل يا بني، فنحن في عجلة من أمرنا"...
خففت سرعتي، وسرت على المسرب اليمين طيلة الطريق إلى دبي، وكانت أفكاري تتلاطم مع بعضها بعضاً، لماذا اخترت مقهى لاجوفريت للقائي الأول معها؟ أليس من الأجدى لو تقابلنا في ستاربكس مثلا أو في مول دبي؟ "لاجوفريت" غير هادئ، وأنا بحاجة لكل لحظة هدوء؛ كي استفرد بها وأفرد لها مشاعري على بساط حريري من موسيقى الجاز التي اعتدت سماعها في مقهى كوستا، فلماذا لم أقترح عليها مقهى كوستا؟
صفحة 10
صرت أقلب أفكاري بسرعة الفيراري، فماذا سأقول؟ وماذا تتوقع مني هي؟
يُخيّل إلي بأن سيارتي التويوتا البيضاء تستمع إلى تأولاتي بوقار كلاسيكي راقٍ، وتسير بسرعة تنسجم مع دقات قلبي، لأول مرة أشعر ببعد المسافة بين أبو ظبي ودبي، على الرغم من أني لم أجتز إلا نصف المسافة قبل أن أقفل عائدا، أهي تباريح الشوق التي تبعد المسافات إلى حدود اللانهاية؟ أم هو الحنين الذي يطيل الزمان فيبدو كأنه بلا حراك، تماما كليل امرئ القيس الذي ارتبط باستمرارية موج البحر، فأرخى سدوله بأنواع من الهموم والقلق مما هو آت؟
عكر صفوي، الازدحام المروري الخانق في شارع الشيخ زايد، إنه وقت الظهيرة، ساعة خروج الموظفين إلى استراحاتهم، وخروج طلبة المدارس من مدارسهم، الجميع مرة واحدة يتدفقون إلى الشارع بسياراتهم الفارهة، وكأن لا أحد بقي في بيته في هذه اللحظة، والغريب في الأمر أن الطقس تبدل فجأة وحلت بعض الغيوم البعيدة حاجبة لون السماء الزرقاء، فصار كل شيء رمادياً، الأبراج المصطفة على جانبي الطريق كحراس قصور بكنجهام الملكية، لا تتحرك ولا تتفاعل مع رمادية الحياة، ولا مع ازدحام السيارات الخانق، تراها مبتسمة وعابسة، شامخة وذليلة، صارخة وصامتة بدرجة غريبة غرابة الحياة المزدحمة في هذه المدينة العصرية التي تفوقت على مثيلاتها في أمريكا وأوروبا، الأرصفة الواسعة وواجهات المحلات الفارهة، والناس القلائل الذين يسيرون على أقدامهم في هذا الجو المشحون بالأفكار المتلاطمة، وأرصفة تتسع وتضيق، والجسور تتقاطع فوق الطريق، وجسر واحد يسير بمحاذاة الطريق من ابن بطوطة إلى القصيص، يسير عليه قطار مؤهل لنقل الناس في كابينات فارهة، جديدة، بل آخر ما توصلت إليه صناعات القاطرات الخفيفة في عالمنا هذا، ربما يكون السفر بالقطار أقل كلفة، يختصر المسافات والزمن، ويوفر الأمن والأمان...
ما زلت أعالج أمر الوقت والمسافات وتماهيها مع أفكاري المبعثرة في حيز واحد هو سلمى، ولقائي بها في لاجوفريت بعد ثلاثة أرباع الساعة، والوقت يجري بسرعة أوسين بولت، لكن المسافات لا تضيق أبداً هذه المرة...
سرت بمحاذاة أفكاري، وقلقي من التأخر عنها في لقائي الأول، لم أكد أنتهي من أزمة شارع الشيخ زايد حتى بدأت السماء بالسخرية مني، فقد أمطرت بطريقة لم أعهدها في دبي، ولم أتوقعها أبدا، أمطار ورمال ورعود وفيضانات كبيرة! لماذا تسخر مني السماء، لماذا تتعاكس الطبيعة مع حلمي الشفاف؟ لا أجد إجابات على أسئلتي التي ربما تكون محيرة، وربما تكون عادية في الوقت والمكان العاديين، إنما هنا في هذه الظروف فإنني عجزت عن إيجاد مبرر واحد لما يحصل، أُغلقت الشوارع وغطت مياه الفيضانات دواليب السيارات، صار السائقون يخرجون من سياراتهم، ويتركونها لقمة سائغة في جوف الفيضان، الماء يتدفق بسرعة كبيرة، كأن السماء فتحت سدودها مرة واحدة لتبتلع المياه في طريقها كل ما هو ثابت ومتحرك، كنت خائفا جدا، وخوفي ألا أصل سلمى بالوقت المحدد، بينما خوف الناس من سرعة جريان المياه العكرة، التي تحمل معها الرمال والغبار وقطعاً بلاستيكية، وتجري السيارات الخفيفة فكأن الرياح تطوحها كدمية صغيرة في يد صبي مشاكس يكره ألعابه البلاستيكية لدرجة الملل منها ومن أخيه الصغير الذي يحصل على مراده بدموع كدموع التماسيح الأسيوية...