eKtab
EN ع
حوافر مهشمة في هايدراهوداهوس
اقرأ عينة مجانية

حوافر مهشمة في هايدراهوداهوس

بقلم سليم بركات

صفحة 1
مخلوقات الحقبة الراهنة
 
من تاريخ هايدراهوداهوس
 
آزينون الشاعر المنتحل شخصَ الأمير المفقود ثيوني
 
ثيوني أمير هايدراهوداهوس المفقود
 
أنستوميس حاكمة كهف فيفلافيذي ـ المكتبةِ النحْتِ في هايدراهوداهوس
 
أنيكساميدا الأميرة زوجة الأمير ثيوني المفقود
 
تُوكسا، تَاروس، لُوْلا، كارْتادو، لُوكْس، بيْدورا بنات أنيكساميدا
 
دِيْديس قاتلة الأمير المفقود ثيوني
 
بِيْنو عميد الحرس في الكهف الأعظم
 
كِينوس ذراعُ العُصبة الصفيَّة المحارب
 
جُوْنامو كاهن هايدراهوداهوس الراهن
 
كيدرومي الكاهن السابق، القتيل
 
رِيْسمو مرافق فهود كهف الطواحين التسعة
 
ديكرو صاحبُ حانةٍ
 
لِيُوسيد تابع توكسا، الأعور
 
نِيْن طبيب الكهف الأعظم
 
ميكلون صائد الفهود
 
لُوْس زوجة ميكلون
 
رُوْدْ، كاتاستا إبنتا ميكلون
 
شُونْلا أم آزينون
صفحة 2
دْرَاغِيْس أبو آزينون
 
تورانو رسام الكهف الأعظم
 
أنْكيرا فلكيُّ هايدراهوداهوس
 
مِيْدْرَاس فلكي هايدراهوداهوس السابق
 
رُوْمَاكو مشرِّع القوانين في هايدراهوداهوس
 
سَافِينوس، رُوْسِينا مزيِّنتا نساء الكهف الأعظم، الأُختان
 
كُوْراهْ، رِيْكيوس، دِيْلاك أبناء سيمياس العمالقة
 
سَايْلو أحدب، من بطانة آزينون
 
دُوْرُومو موسيقيُّ الكهف الأعظم
 
دَنْدرَوسا عميد المنفيين
 
لُولانو آمر الرعاة
 
كُوْلْ، نُوْديْر حفيدا آمر الرعاة
 
رِيْدْمينو أبو ليوسيد؛ تابع الأختين المزيِّنتين
 
دَامِيْس عميد كهف المؤن
 
رُوْميلو زوجة الرسام تورانو
 
تُوْكا ابن الرسام تورانو
 
سِينو تابع أنستوميس حامل مفاتيح خزائن كهف فيفلافيذي
 
كُوْلِيهو عميد الجزارين في مسالخ هايدراهوداهوس
 
سِيْديْك معلِّم براعات المنازلة بالخناجر
 
كانِيْسَا، لوكْمو مغنِّيتان في جوق ساحرات سايْدين
صفحة 3
سولين غطريف حاميات بوابات الأنهار
 
كُوْلِينا، لُوْما، ماكُوْسْتا خادمات كهف الولائم
 
دَارُوْنِيس غطريف الحدَّادين
 
مَاغِنْ غطريف المراعي حول بحيرة سايدين
 
مَايْسُو الصائغ القدير في سَبْك الرقائق من الزُّخرف، والمزوِّقات
 
رُوْماس النجار الأحدب
 
لاوون أبو النجار روماس
 
سُوْرْكا أم روماس؛ قاتلة الأب لاوون
 
لُوْسْدِي زوجة الغطريف داميس، القائمة على تدبير الحمَّامات للأميرة أنيكساميدا وبناتها
 
لُوْسيا أم عميد الجزارين كوليهو
 
سِيْتَالي، تِيْرَاك المبشِّران بِدِيْنِ المخلوق أولوغو ـ الجواد
 
تَايِيْر، سِيْسَانا ابنتا سيتالي، الخيَّاطتان
 
دُوْرِيْند غطريف حقول الدُّخن الجنوبية
 
لِيكي زوجة دوريند
 
رُوْبِيْلو غطريف حقول الذرة الشرقية
 
نِسْتْرَا زوجة روبيلو
صفحة 4
لِيْكي غطريف مناجم الجَمَشْت
 
مِيْدِيكا زوجة الغطريف ليكي القائمة بنظام الملاعبِ ـ حلباتِ سباق الشعراء، ومدرج غناء ساحرات سايدين، وكهف الرواة
 
هَادوكا الغطريف المعتمد رقيباً على براعات المرمِّمين، ومصمِّمي الأعمدة، والنقَّاشين في مجمع كهوف الأعيان
 
كُوْسْترانو آمر حامية كهف المؤن
 
كُوْتا ابن الغطريف هادوكا عشيق الأميرة أنيكساميدا
 
تَارين الجندي الرابع من المولجين ببوَّابة مقصورة الحدوات في الكهف الأعظم
 
والاك زوج المزيِّنة روسينا، المُعْتَمَد في تبديل حدوات الأمير، والأميرة
 
هَاد زوج المزيِّنة سافينوس؛ رقيب الأفران في الكهف الأعظم
 
(*) أوْلُوغو المخلوق الحصان
 
(*) أورْسين صورةٌ نحْتٌ للآدميِّ على لوح مكسور
صفحة 5
1
 
 ماذا تحمل إليَّ
 
أيها الهوداهوس الشَّاحب؟
 
حمحم دَنْدَروسا حمحمةً خافتةً وهو ينظر إلى الفهود التسعة على باب الكهف الأصغر ـ كهف الكاهن جُوْنامو ارتعش شارباه الأبيضان، المفرطان في طولهما نزولاً حتى يكادان يبلغان كتفيه شدَّ رِيْسمُو، الطويل الذراعين، أزِمَّة الفهود الملفوفة على معصم ذراعه اليسرى:
 
ماحَمَلك على المجيء إلينا، أيها الهوداهوس الخصيُّ دندروسا؟ أمعك إذنٌ بلقاء الكاهن جونامو؟
 
لاتنسَ القواعد، أيها الهوداهوس ريسمو أنا عميد المنفيين، وحقوقي تخوِّلني لقاء من أريد، قال دندروسا الشاحب، الشيخ، مذكراً تابعَ الكاهن الجديد في مهنته بحقوقه كعميد للمخصيِّين ـ نزلاءِ التلال الجنوبية، خلف تخوم الحقول الأخيرة للذُّرة الحاميات لاتوقفني إذا اتجهت إلى هايدراهوداهوس
 
أصغى ريسمو أصغت الفهودُ إلى الصوت ذي الرمل في حناجر المنفيين من إقليم المخلوقات الهوداهوس نقر بحوافره الحجرَ الممهَّد أدراجاً مسطَّحةً من مدخل الكهف إلى المسالك الواسعة صوب ساحات الكهوف الأخرى خرج كِيْنوس من الكهف على سماع المحاورة بين دندروسا، وقائد الفهود ريسمو الفتي، ذي الجلد البني الملتمع عافيةً تلمَّس خنجريه المتدليين تحت إبطيه في استعراضٍ خفيف لنوازع المهارة فيه ـ هو المباهي، أبداً، باقتداره أن يشق حناجر صفٍّ من الخصوم في وثبة واحدة، ويعيد خنجريه، من ثم، إلى غمديهما، قبل أن يتنبَّهوا أنهم لن يتنفَّسوا من تلك الحناجر ثانيةً
 
أنا أعرفك، قال كينوس، ملقياً بصره الخشن إلى حافرَيْ دندروسا الأماميين صعوداً إلى وجهه، بثقلٍ متعمَّد
 
نعم، أيها الهوداهوس كينوس لم تكن ذا حظوة عند الكاهن كيدرومي أكثر مني، لذا تعرفني، ردَّ دندروسا
صفحة 6
أُخصي دندروسا، الذي أشرف على إدارة كهف الطواحين طويلاً، في ظل الكاهن كيدرومي، قبل أن يظهر كيدرومي، بعد إختفاءٍ، منتصِباً جافَّ الجثة في أخدود تاييس ـ أخدود موتى المخلوقات الهوداهوس المخصيِّون، المقطوعو الأذيال إمعاناً في إهانتهم، آثروا نفي أنفسهم إلى الأقاليم، التي تلي حقول الذُّرة، في نهايات تخوم هايدراهوداهوس مخصيون لأسباب شتى: لصوص، وقاطعو طرق، ومغتصبو نساء، وخونة: مخصيون من خلصاء الأمير القتيل ثيوني، الملقى جثة في كهفٍ أوصده ستة وثلاثون عاملاً، تحت رقابة أنستوميس، مروِّضةِ الرسوم في كهف فيفلافيذي ـ مكتبة هايدراهوداهوس ذُبح ثيوني المتنكر بخنجر السوداء دِيْدِيْس، فاستعيض عنه، بحكمة الحيلة، ببديل شبيه هو الشاعر آزينون، الذي قدَّمه ميدراس، للخروج من مأزق اختفاء الأمير، إلى الكاهن السابق كيدرومي أحكمت الحيلةُ جسارةَ التبديل، فلم يعرف بأمر الأمير البديل غير الكاهن كيدرومي، المنتصب جثةً بلا شاربين في أخدود تاييس، وإكسيانوس ـ أخي ثيوني، الذي حزَّ عنقه المحاربُ الكهل نِيسْيانو، والأميرة أنيكساميدا، والفلكيِّ الشاعر مِيْدراس، مدبِّرِ الحيلة برمَّتها مُذْ تعرف إلى آزينون الشاعر في حانة من حانات كهوف الرمال 
 
أُقصيَ ميدراس تدبَّرت الأميرة أنيكساميدا له، بلطف ، مهمة في إمارة بحر لالِيْن ـ بحرِ النجوم المرصوفة أربعة سطور على لوح المياه، كي يدوِّن الأفلاكَ الجامحةَ والمروَّضةَ، من المراصدَ العالية فوق جبال الجزائر هناك الفيلسوف الأصفر الحدقتين أنْكِيرا تولى علومَ الفلك في هايدراهوداهوس،  أرضِ الصُّناع السحرة للخناجر والحدوات
 
مخصيِّون بلا اتفاق في طبقاتهم، وطباعهم، ومنطق خيالهم، اجتمعوا في التخوم الأبعد، خلف نهايات حقول الذُّرة أقاموا مخيَّماتهم هناك متناثرةً تحت ثقل العار الواضح في أجسادهم، وعادوا، كعهد أهل هايدراهوداهوس، إلى عُرْف الحلم الواحد يتقاسمه اثنان لايصارحان به أحداً، بعدما هتك الأميرُ القتيل ثيوني العُرفَ، وأقسَر المتشاركين في الحلم الواحد على البوح به بين جلساء الكهف الأعظم حتى أقفرت أرضُ الهوداهوس من أي ِّ حلم: مُذ أُقسروا على البوح بأحلامهم لم يعودوا يحلمون وإذ أمعن الأمير في استنطاقهم لفَّقوا أحلاماً سردوها عليه إرضاءً، إلا التوأمان كاتِسياس، وسِنْكو، ذوا الشعرين الأحمرين، صارحاه بما أذهله: لم نعد نحلم، أيها الهوداهوس الأمير مايجيئك به الآخرون أحلامٌ تلفيقٌ اضطروا إليه
 
صُعقَ ثيوني رأى في الأمر أن أهل هايدراهوداهوس يستحضرون الإلهَ اللونَ حين يشاءون: ليسوا في حاجة، الآن، إلى اللون ليشرف على منامهم مبتكراً لهم أحلاماً من سديم اللاصور لقد فتحوا ثغرةً في البوابة، التي هناك هكذا أشار إلى سقف الكهف الأعظم
 
تنكَّر ثيوني، بعد ذلك الاعتراف الصاعق من التوأمين، في هيئة من هيئة العوام، ليجول في أنحاء كهوف هايدراهوداهوس وساحاتها: إنني أشم رائحة تمرُّد، قال للأميرة أنيكساميدا لكنه لم يعد من تجواله ذبحتْه ديديدس:  أميرٌ متنكِّرٌ اميرٌ ميت، قالت
صفحة 7
سِمةُ العار، التي وصمت المخصيِّين، المقطوعي الأذيال، المنفيين طوعاً، لمْ تُعْف قضاة هايدراهوداهوس من التماسِ سِلْكِ للرحمة في شبكة الشرائعِ ـ الرسومِ، التي ابتدعها رُوْماكو على ألواح الجدار الشرقي من سرداب كهف فيفلافيذي السفليِّ: المُهانون خصاءً، وقطْعَ أذيالٍ، يقفون على قوائمهم الخلفية، مرتفعي الصدور، ممدودي الأذرع بخناجرهم على راحات مفتوحةٍ اعتذاراً إلى البلورة السوداء، بلورةِ الأمير إذْ يتأمل الحقائقَ الفوضى ـ معْقِل الأصل لقد أرسى المشرِّع روماكو، سليلُ السبعة المشرِّعين الآباء، مرتبةً ملتبسة لحدود العقاب: الألمُ نهايةٌ لم يفصِّل روماكو قانونه في الحُكْم مامقدار الألم، الذي يكون بحدوثه موازياً للمقدار الموجَب من العقاب؟ الإعدام مؤلمٌ قطع الأذيال مؤلم الإخصاء مؤلم الإهانة مؤلمةٌ في مستطاع المحكوم بذنب أن يصرخ، في برهةٍ مَّا من الجزاء، أن ماتعرَّض له من قصاصٍ إهانةً، أو اقتطاعاً لجارحة منه، يعدِل ذنْبَه، ويفوقه، إلاَّ الذين يُعدمون ذبحاً لايجدون متَّسعاً لعرض الموازنات لقد أُعفي المخصيون، مقطوعو الأذيال، وفق قانون روماكو الألم نهاية، من تحميلهم وزرَ العقاب بلا حد أُعيد الاعتبار إليهم، مُذ أكَّد منطقُ العار الواضح أنهم سيحملون معهم ألماً بلا نهاية غير أن هؤلاء اختاروا النَّفي طوعاً إلى نهايات التخوم خلف حقول الذرة، بشرعٍ توافقوا فيه أن يكون أكبر المُهانين سنًّا هو وسيطهم إلى أمير هايدراهوداهوس، في المطالب وماحمله دندروسا الشيخ، الشاحب، في يومه ذاك، إلى كهف الكاهن جونامو، لم يكن توسُّطاً للعبور إلى الأمير بمطلب، بل بأمرٍ هو الحيرةُ ذاتها: معي للأمير مالم يرَه أميرٌ، أيها الهوداهوس كينوس، قال دندروسا اعتصر ببصر عينيه الحمراوين بصَر عينَيْ كينوس الحمراوين 
 
حمحم كينوس متلمساً خنجريه تحت عباءته القصيرة، الزرقاء حدَّق مليًّا إلى دندروسا تلمَّس أثر المُلغز ظاهراً في بؤبؤيه سآتيك بالهوداهوس الكاهن جونامو، قال متراجعاً إلى أعماق الكهف
 
لم ينظر جونامو إلى وجه دندروسا في عبورهما الساحاتِ الرملَ، والحدائق الحجر، صوب الكهف الأعظم كان يحمحم بين برهة وأخرى إذ يسمع الزمجرة الخشنة للفهود يسوقها ريسمو، الطويل الذراعين، ممسكاً بأزمَّتها كنتَ حظيًّا عند الكاهن كيدرومي، أيها الهوداهوس دندروسا، قال جونامو
 
نعم، ردَّ الشيخ، الشاحب، الذي تدلى تحت إبطيه غمدان خاليان من خنجريهما
 
كنتَ من خُلصائه، قال جونامو بنبرة التعيير، فرد دندروسا:
 
كنتُ إخلاصَ الطواحين للذُرة
صفحة 8
حمحم جونامو متلقفاً تورية دندروسا مجابهةً خافتةً من مجابهات اللسان تمايل عُرْفه الطويل في رأسه الحليق إلاَّ من ذلك العُرف منتصباً اهتز شارباه الطويلان، الممسَّدان بشمع العسل الجبلي: الطواحينُ منطقٌ، ايها الهوداهوس دندروسا، قال، فردَّ الشيخ الشاحب:
 
الذُّرةُ منطقٌ، أيضاً
 
توقف ريسمو جثمتِ الفهودُ إذ توقَّف في دائرة نوافير الحدائق الحجر، حيث الأنصاب متناظرةٌ أنصافاً من خلائق الطير، وخلائق البحر تقدَّم جونامو، ودندروسا، إلى أعماق الكهف الأعظم، عبر صفوف الحرس ذوي الخوذات الحديد وقفا في البهو الكبير
 
كانت الأُختان سافينوس، ورُوسينا، مزيِّنتا النساءِ، تصحبان اثنتين من بنات الأميرة أنيكساميدا فتاتان بلقاوان كأمهما: لُوْلا، ذات الستة الأعوام، المتهيئة لأن تكون زوجةً، وبِيْدورا ذات العامين شعاعٌ هبط لمحاً، من كوَّة في سقف الكهف، على قبعتيهما الريش، فانفلق نورُه عن بزرِ سِِمسمٍ، وشونيزٍ، وحَبِّ خردلٍ يتذوَّقه لسانُ اللون في ركن، قرب مصطبة دائرية على مدخل كهف الولائم، ذي الزوايا التسع، تجمَّع هيكلُ الرسام تُورانو أمام لوح منصوب على قوائم ثلاث كان متقارب الحوافر، مرفوعَ الكتفين كأنما يتفادى ريحاً باردة، ضجراً، متذمِّراً، يُعلن نفاد صبره بارتعاشات تعبر ذيله إلى وركيه فخاصرتيه
 
لم يكن الكهف الأعظم، ظهيرة ذلك اليوم من أول الصيف، مزدحماً كعادة الكهف بالغطاريف الزائرين، وبالعمال العابرين إلى أروقة كهف الأفران، والعجَّانات، وطهاة كهف الولائم، ومساعديهم الخَدَم إنه وقتٌ من السنة تنزح فيه عائلات كثيرة من الهوداهوس إلى ضفة نهر سِيتام الأصفر الرمل، أو مزارع الدُّخن قُرب بحيرة سَايدين: يستعيرون للصيف خيالَ الماء منهما، ويعيرونهما خيالَ المُمْتنِّينَ للماء كعدلٍ يذهبون إلى العراء المُحيي صباحاً، ويعودون إلى كهوفهم ـ كهوف المواعيد المرقومة مساءً، قبل أن يُعجِّل الليلُ بزحامٍ من خلصاء الأمير في الكهف الأعظم 
 
كان الكاهن جونامو على يقينٍ أنه لن يجد الأمير، لكنه سيجد متَّسعاً من الوقت يستعرض فيه مسالكَ الكهف الأعظم وأبهاءه، ومرتاديه، في وقتٍ خلْوٍ من مخاطبات الأقوياءِ مراتبَ، والأقوياء منطقاً في تدبير المساءلات، والأقوياء خططاً يعرضون الحياةَ نزاعاً أو هدنةً، وهم يمضغون زهرَ القثاء مخلَّلاً بخلِّ الدراق، مملَّحاً بملح الصخورٍ ـ عويلِ الممكنات كلِّها
صفحة 9
اقترب الكاهن جونامو من الرسام تورانو، القرمزي الداكن الجلد ألقى نظرةً متفحِّصةً على اللوح المنتصب أمام الرجل البادي المَلل: لم تلتقط، بعد، نَفَس الشكل سبعةُ أعشارِ صورة الأمير مختنقة في سَيل البياض هنا، أيها الهوداهوس تورانو، قال
 
لم ينظر تورانو إلى الكاهن جونامو عضَّ الفرشاةَ القصبَ من منتصفها فكسرها سقط نصفُها المنتهي بشعر أشقر على الأرض زمجر الحجر
 
أنت كاهنٌ، أيها الهوداهوس جونامو لاترى الصورَ، بل تلفِّقُها، قال الرسام المعقود الشَّعر جديلةً ذيلاً وراء رقبته العريضة أرسل بصَره إلى أجزاء صورة الأمير غير المكتملة على قُماشة لوحِهِ كلَّما أنجزتُ عينَ ذبابة من هذا الرسم هربَ الأمير إنه يخدع اللون يخدع صورتَههزَّ رأسَه ذا الشعر الأسود المنحسر كثيراً عن مقدِّمته استياءً: كم عليَّ أن أنتظرك، ايها الهوداهوس الأمير، لتعيرني هلعَك من اكتمال هذا الرسم؟ حَمْحَم في نزقٍ استدار بوجهه إلى دندروسا: لن يخرج الهوداهوس الأمير من هنا إنْ دخلَ، قال وهو ينقر بطرف الفرشاة المكسورة قُُماشةَ اللوح أثبتَ عينيه على وجه الشيخ الشاحب: ألستَ دندروسا؟
 
أنا الهوداهوس دندروسا، ردَّ الشيخ الشاحب بصوتٍ رملٍ فيه تذكير بلباقة المخاطبات
 
فهم تورانو التوريةََ حمحمَ وهو يقرع الأرضَ قرْعاً خفيفاً بقائمته اليسرى الخلفية: منعتَني من رسم أعماق كهف الطواحين
 
منعك الكاهن كيدرومي، أيها الهوداهوس تورانو، ردَّ دندروسا ذو الغمدين الفارغين من خنجريهما تحت إبطيه
 
أنت أبلغتني، أيها الهوداهوس دندروسا، قال تورانو، ملقياً ببصره الثقيل إلى ممرات تتفرَّع من البهو الكبير
 
لربما لم تكن ألوانك كافيةً، قال دندروسا
 
لم تكن كافية؟ لم تكن كافية لرسم كهف الطواحين؟ أهذا ماتعنيه؟، ساءله تورانو
 
كل شيء كان ثقيلاً، يَعتَصِر أو يُعتَصَر، في كهف الطواحين ألوانك لم تكن لتحتمل مقايضَةَ خصائصها بخصائص الظلال هناك ألوانك لم تكن كافية، ردَّ دندروسا
 
ماذا كان كافياً، إذاً؟، ساءله تورانو
 
اللون وحيرتُه لاحيرةَ في ألوانك، ردَّ دندروسا
صفحة 10
حدَّق تورانو إلى وجه الشيخ الشاحب:
 
بي فضولٌ إلى رسمك، الآن
 
لمس الكاهن جونامو كتفَ الشيخ الشاحب: فلنعدْ إلى الحديقة الحجر في انتظارنا عودةَ الأمير، أيها الهوداهوس دندروسا، قال، من غير أن يرفع عينيه عن وجه تورانو ذي الخدَّين الغائريْن
 
حمحم تورانو: لست في حاجة إلى انتظار الأمير في الحديقة الحجر ابقَ هنا تَرَهُ، قال
 
لم تدم ريبةُ الكاهن جونامو من كلمات تورانو إلاَّ برهةً: قرعت حوافرُ كثيرة بحدواتها الذهب حجرَ المسالك في الكهف الأعظم إلى البهو خرجت تُوْكسا، أبنة أنيكساميدا، ذات السنوات الثلاث، وإحدى صديقاتها، من منعطفٍ مهرولاتٍ يلحق بهما آزينون المنتحل شخصَ الأمير القتيل ثيوني كان بلا تبرُّج على وجهه، وهو مالا يفعله الأمير إذا خرج إلى مَلأً، أو جَمْعٍ، أو زائريْن توقف بعد صهيل خافت، ناطقٍ بالرغبة، إذ رأى الكاهن جونامو، كأنما فوجئ أعاد ترتيب عباءته الرَّقشاء على كتفيه منذ انزاحتْ فوضىً حول عنقه في هرولته، التي كادت تكون ركضاً خلف الفتاتين: ماذا تفعل هنا، أيها الهوداهوس الكاهن جونامو؟، قال آزينون ـ ثيوني مقترباً من الرسام تورانو:
 
هيِّيْ التقطْ منيِّ مايعبث به الشكل
 
جمَّد نفْسَه بلا حراكٍ برهةً خاطفةً لم يتسنَّ فيها للرسام أن يغمس ريشته في اللون تحرَّك مُحمحِماً وهو يضع أصابع يده اليمنى مفتوحةً كالمروحة أمام وجهه يظلِّله
 
معي عميد المنفيين، الهوداهوس دندروسا، بخبرٍ لك، أيها الهوداهوس الأمير، قال جونامو
 
وضع بديلُ الأمير القتيل ثيوني يده اليسرى مفتوحةَ الأصابع مروحةً فوق يده اليمنى المفتوحةِ مروحةً، فانحجب وجهُه، أو كادَ، إلاَّ عيناه بَدَتا من خلل الأصابع المتقاطعة:
 
خُذِ الرسام تورانو معك، أيها الهوداهوس دندروسا لديه الكثير ليرسمه في إقليم المنفيين
 
استدار باحثاً بعينيه عن الفتاتين، فألفاهما تحت طاقٍ من الممرات إلى البهو، ضاحكتين، تهشَّان بذيليهما لَعِباً غمغمَ: سأعود انتصب على قائمتيه الخلفيتين امتثالاً لنداء اللهو: ياابنتي توكسا، قال بصوتٍ مُغتلمٍ ركض نافخاً من حنجرته حروفاً متعثرةً بأذيال حروفٍ: سأعود
 
أيها الأمير، صرخ الرسام تورانو حانقاً ضرب بقبضته صحنَ الألوان الموزَّعة على أصداف من نهر تُومان الأزرق فوق منضدة القصب، فتطايرتْ أُجفلَ الثلاثةُ ـ تورانو، دندروسا، جونامو ـ من صرخة استياءٍ انفجرت كعويل: لوَّثْتَ حوافري