صفحة 1
أخيراً
تُودِّعُ عصرَ الجليدِ الأخيرَ· نهايةَ كلِّ عصور الجليدْ
ويكتملُ البرقُ نوراً وناراً· وتُقبلُ في آيةِ اللهِ
مُفلتةً من قيودِ البريدْ
سنونوَّةٌ ريشُها ذكرياتي· ومنقارها شهوتي
للمناخ الجديدْ
مفاجأةٌ لفضاءِ انتظارٍ طويلٍ· وتهليلةٌ
من مكانٍ بعيدٍ بعيدْ
تؤولُ سنونوَّةً من رمادٍ ووردٍ· تدفُّ
على موجةِ الحلمِ جيلاً فجيلاً· وتدنو رويداً رويداً
مبشِّرةً بالربيع الوليدْ
سنونوَّةٌ وتُسمّى الحفيدْ
ونحنُ على موسمٍ جيّدٍ للحصادِ اتكلنا
وما بين وعدٍ ووعدٍ خُذِلنا
وعُدنا أَمِلنا
غرسْنا كثيراً
صفحة 2
رجوناهُ خيراً وفيراً
سعيْنا اشتغلنا
حلمنا·· عَمِلنا
وما بينَ نورٍ ونارٍ ضَلَلنا
ضَللنا السبيلَ إلى حكمةِ السنبلَهْ
ولم يجتهدْ حاصدٌ عاقلٌ في الجنونِ
ليمنحَ حكمتَهُ منجلَهْ
ولا بدَّ من موسمٍ جيّدٍ للحصادْ
ولا بدَّ من محنةِ الأسئلَةْ
وعَوْداً على البدءِ·· لا بدَّ من دورة الدمِّ بين العبادْ
وبين البلادْ
لتكشفَ أسرارَها المعضلَهْ
وتفتحَ بابَ الحياةِ بكفِّ الجهادْ
ويجتازَ آخِرُها أوَّلَهْ··
صفحة 3
إذاً· هكذا·
إذاً هكذا· نُطفةٌ من ترابٍ قديمٍ· وشيءٌ
من الدمع والوردِ يمنحُ كأسَ الدماءِ مذاقاً مثيراً
بزغرودةٍ للشهيدْ
وزغرودةٍ للوليدْ
ويلتمُّ أحفادُنا حولنا كلَّ عيدْ
وهُم يصخبون كثيراً· وبنتٌ تمشّطُ شعر أخيها الصغيرِ ليصبح أجملَ طفلٍ على الأرضِ· تبتسمُ الأُمُّ راضيةً· ويغنّي غلامٌ بدونِ نشازٍ تواشيحَ أندلسٍ غائمَهْ
نخبِّىءُ دمعتنا بالأصابع· نمسحُ سِفَر التجاعيدِ عن وجهنا المتكدّر في فرحةٍ واهمَهْ
وفي غبطةٍ لا تُلامُ· بكلِّ وقارٍ نوزّعُ بعضَ الهدايا لأحفادنا· يفتحون الهدايا على عَجَلٍ· يرقصونَ ابتهاجاً· وهذا يطيرُ سعيداً· وذاكَ يُتمتمُ سخطاً· لماذا؟ لأن الهديّةَ ما أعجبتهُ· ووالدهُ يتميّزُ غيظاً ويضحكُ بالوعدِ· لا بأسَ يا ابني· وسوف تحبُّ هديتكَ القادمهْ
وأحفادُنا في الخلاصةِ أجدادُنا· كفُّ أُمٍّ تهزُّ السريرَ· ويكبرُ جيلٌ· ويعبُرُ جيلٌ· ويولدُ جيلٌ جديدٌ لنفسِ السريرِ· وأُمٌّ على الطَّشتِ تمخُرُ في رغوةِ العمرِ من شطِّ صابونةِ الزيت حتى خليج التراشق بالماءِ في البانيو الفوضويّ· وشامبو الطفولةِ يعبُرُ شيخاً عجوزاً من الماءِ للماءِ· قلتُ· وأحفادُنا في الخلاصةِ،
صفحة 4
أجدادُنا دونَ شكِّ
ويضحكُ طفلٌ ويبكي
ويضحكُ شيخٌ ويبكي
ومن دونِ شكِّ
سيولدُ أحفادُنا طاهرين من الحربِ والسلمِ والذكرياتِ· تشدُّ الغريزةُ لثّاتِهم للحليبِ المعقَّم بالحبِّ والشهوةِ الأزليةِ· أعناقُهم لا تخافُ النصالَ ولا تتحاشى ظلالَ المشانقِ·
أحفادُنا يولدون كما نتمنّى· على صورةِ اللهِ في حُلمنا البشريِّ المعبَّأ بالرعبِ· وفقَ الصلاةِ سيولدُ أحفادُنا· نتمنّى ذكوراً· وسرّاً وفي خجلٍ لا يبوحُ نمارسُ وأدَ البناتِ· فقد أدَّبتْنا الحضارةُ جيلاً على حزنِ جيلٍ· ونكبُرُ عاماً على حزنِ عامٍ· نشيخُ ونمرضُ· أبناؤنا يُعرضون بدعوى المشاغِلِ والوقتِ· زوجاتُهم واقفاتٌ لهم بالنظامِ الجديدِ· نوبِّخُ أبناءَنا ونكيلُ المديحَ للُطف البناتِ وحرصِ البناتِ على الوالدينِ· ونحرنُ معتذرين عن الجهلِ والضعفِ في ما اقترفنا من الإثمِ
يومَ وأدنا البناتْ
وما كانَ فاتْ
ومن عاشَ ماتْ··
لأحفادنا بهجةُ الأهلِ في حفلِ تخريجهم· ولهم شَيبُ أجدادهم قدوةً· عبرةً· ودليلاً رشيداً
إلى الغد والأمسِ· مثل جميع البشرْ
وتذكرةً لطريقِ القَدَرْ
صفحة 5
وبعضَ دعاءِ السَّفَرْ·
وأحفادُنا يسمعونَ النصيحةَ منّا لكي يعملوا عكسَها··
كيفَ ننصحُ نحنُ سوانا بإنشائنا العبثيِّ
وسقطِ الكلامِ الطويل العريضْ
ونغدقُ نُصحَ السلامةِ فيهم·· وفينا جراحٌ تفيضْ
وننصحهم باحترافِ السموِّ·· وشاهقُنا في الحضيضْ
إذاً· يسمعون النصيحةَ منّا ليبتكروا ضدَّها··
يطلبونَ الحياةَ الصحيحةَ· لا يعبأون بفنِّ الكلامِ الصحيحْ
ويجتنبونَ خطايا البيانِ وسحرَ اللسانِ الفصيحْ
وقد أبصروا كلَّ شيءٍ جميلٍ صنعناهُ نحنُ·· وقد أبصروا كلَّ شيءٍ قبيحْ··
وأحفادُنا يلعبونَ بنا· يصعدون على ظهرنا الكهلِ
مُنحنياً في الفضاء الضئيل· مكبّاً على بعضِ نار الشتاءْ
ونحنُ ندغدغُ أقدامَهم ونقشِّر عاطفةَ الكستناءْ
لنطعم أحفادنا الأشقياءْ
وهم يعبثون بوجهِ القناع الضنينْ
وشَعرٍ بلونِ الرمادِ وطعمِ الرمادِ
صفحة 6
نسمّيه نحنُ رمادَ السنينْ
وترحلُ أفكارنا عبر أكتافهم للبعيدْ
ونقلقُ· كيفَ ستوغلُ أيامُهم في احتباسِ الحرارةِ
يوماً فيوماً· وسوف يذوب - كما يزعمون - الجليدْ
فكيف سيعرفُ أحفادُنا كيف كان الجليدْ
وطعمُ الفواكه والخضروات يغادرُ طعمَ الفواكه والخضروات
وفي عهد أحفادنا هل يكون
للونِ الفواكه لونُ الفواكه؟ كيف يكون
على عهدِ أحفادنا الفلُّ والوردُ والياسمين
وكيف يكون البنفسجُ والميرميّةُ والزيزفون
وكيف نكون
على عهد أحفادنا·· هل نكون؟
وهل تشرقُ الشمسُ في الفجرِ في عهد أحفادنا
أم يعمُّ الظلامُ ويغشى السكون؟
تضايقُنا وطأةُ الحرِّ تحت الترابِ الثقيلِ فنخرجُ ذات مساءٍ من القبر· ننشُرُ أكفاننا في النسيم المواتي ونختارُ سحرَ جذوع الشجرْ
صفحة 7
ونجلسُ مستبشرين بضوءِ القمرْ
ونبحثُ عن صوتنا في ترابِ الحناجرِ· كيفَ ننادي بأسماءِ أحفادنا؟ سننادي بحنجرةٍ من ترابٍ· وقد يسمعون بقايا الرنينِ القديمِ وقد يفرحون قليلاً· بدفِ رمادِ الوترْ
وقد يسمعون ولا يسمعونَ· فنرجع من حيثُ جئنا ونُرجعُ أكفاننا للحُفَرْ
ونحزنُ· متنا أجل نحن متنا· ولكن ألسنا بشرْ؟
وأين ترى الآن أحفادُنا؟ أين ما ظلَّ منّا على الأرضِ بين القضاءِ وبين القدرْ!
وينكفيءُ الحزنُ طفلاً يتيماً· وتخمد في اليُتمِ نارُ الضَّجَرْ
ويكبُرُ أحفادُنا دون شكٍّ ستمرضُ بنتٌ وتُشفى· ويشفى صبيٌّ ويمرضُ· أحفادُنا يذهبونَ كما نشتهي لصفوفِ المدارسِ· ثمّةَ كلّيةٌ في الطريقِ وجامعةٌ راقيَهْ
وطفلٌ خجولٌ يحدّقُ في سرِّ أعتابها الساميَهْ
ويعجزُ عن فهم أحلامها الآتيَهْ
بشيءٍ غريبٍ تُسمّيه مستقبلاً أمُّهُ· وأبوهُ يداعبُ في شغفٍ شعره الفوضويَّ الجميلَ ويُبصر في الحلم عرساً وحفلَ غناءٍ ورقصٍ· ويسمعُ زغرودةً عاليَهْ
ويكبُرُ أحفادُنا في السلامِ وفي الحربِ· لا قدَّرَ اللهُ· قد يصبحونَ جنوداً· ولا قدَّرَ اللهُ قد يَقتُلون وقد يُقتلونَ· ولا قدَّرَ اللهُ قد يُسجنونَ لرفضِ القتالِ· وقد يرجعون من الأسرِ شيباً· ولا قدَّرَ اللهُ· لا يرجعون إلى منزل الأسرةِ الباقيَهْ
وقد يصبحونَ أطبّاءَ أو شعراءَ وقد يُقبلونَ على مهنةٍ ما· وقد يرحلون إلى دولة نائيَهْ
طموحاً لعيشٍ كريمٍ· وقد يعدلون إلى فكرةٍ ثانيَهْ
صفحة 8
سيختارُ أحفادُنا· لو أتيحَ لهم· أيَّ حُلمٍ جميلٍ يجدّدُ ماءَ الحياةِ ويُنعِشُ أشجارنا الذاويَهْ
أيختارُ أحفادُنا ما نحبُّ ترى؟ أم يحبّونَ ما لا نحبُّ؟ وننسى ليذكرَ أحفادُنا· أم ترى يذكرون لننسى· وينسون ما نحنُ نذكُرُ· أم نحن ننسى وينسونَ في غمرةِ الذكريات ودوّامةِ الزمن القاسيَهْ؟
سيحلُم أحفادُنا ذات يومٍ بمصباحِ ذاك الغلامِ·
علاءِ العجائب من ألف ليلَهْ
وليلَهْ
وكلٌّ يريدُ· ولو مرةً· أن يكونَ محلَّهْ
وقد يتجوَّلُ ما بين أحفادنا ذاتَ يومٍ
غلامٌ يُسمّى أوليفر تويست
وكيف سنعلمُ إن كان فيهم محمَّد درّه؟
وإن ولدتْ بين أحفادنا الرائعينْ
شرارةُ ثوره؟
سيحلم أحفادُنا دونَ شكِّ
ونحنُ سنضحكُ· حُلماً· ونبكي
ونضحك مستبشرينْ
صفحة 9
بأحفادنا القادمينْ
سيحلمُ أحفادُنا بالمشاريعِ· طولَ البلادِ
وعرض البلادِ
ونحن نصلّي لربِّ العبادِ
لكي ينجحوا
وكي يفرحروا
بتجسيد كلِّ الأماني وإنشادِ كلِّ الأغاني وإنجاز كل المرادِ!
سألتُ - ولي أن أكون دقيقاً بقولي تساءَلتُ - ذات مساءٍ على شرفة المنزل الجبليّ الوديعِ: أيُبصر أحفادُنا القادمون من الغيبِ أفلامَ جيمس بوند؟
وأفلام كاو بوي؟
وهل يقرأون الجرائدَ كلَّ نهارٍ؟ وهل يدمنون مشاهدة التليفزيون؟ أم إن حُمّى العناكبِ في الشبكاتِ العجيبةِ آفاقِ إنترنتَّ ستمتدُّ جيلاً لجيلْ؟
وهل يستعيرُ القليلُ الكثيرُ صفاتِ الكثير القليلْ؟
وهل عند أحفادنا ينتهي المستحيلْ؟
أنا لا أريدُ جواباً خفيفاً لهذا السؤال الثقيلْ
وأرفضُ أيَّ اعتذارٍ قصيرٍ،
لتبرير رُعبي الطويلْ
لأني أخافُ وأقلقُ،
صفحة 10
من أجل أحفادنا الغامضينْ
ولا أستريحُ بغير اليقينْ
ولا شيء إلا اليقين اليقين اليقينْ!
كما تتمنّى الجهاتُ وما تحلُمُ الأغنياتُ· كثيرٌ من الحبِّ ميراثُ أحفادنا· يا مليك السماءِ انتشلهُم من الغيبِ واحرُس خُطاهُم على الطرقاتِ الغريبةِ نحو المنازل في عيد أعيادنا· يا ملاك السماءِ أَغثهم· وبدِّد ظلام الدروب إلى باب أولادنا· يا صفاءَ الرسالاتِ طهِّر قلوبَ البشرْ
جميع البشرْ
وأبعِدْ عن الوافدين الخَطَرْ
وسدِّدْ خطانا· وسدِّدْ خطاهُم· وجدِّد لنا من ضيائكَ· جدِّد لأولادنا من ضيائكَ· جدِّدْ لأحفادنا من ضيائك ضوءَ السلام وضوءَ الكلام وضوءَ النظَرْ
كثيرٌ من الحبِّ ميراثُ أحفادنا· يا إلهي فأنعم علينا بنعماك فيهم وحسنِ المسير
وطُهر المصير
لأنك كنتَ وما زلت ما أنتَ· أنتَ
الغفورُ الكريم القدير
وما زلتَ ما كنتَ· ما زلتَ ما أنتَ
معنى القضاءِ وسرَّ القَدَرْ