صفحة 1
توطئة
عندما أقدمت على اختيار موضوع حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين كنت متهيباً من هذا الاختيار، وهذا التهيب ليس ناجماً من قضايا الحوار المطروحة في هذه الدراسة، بقدر ما كان اعتقادي أن بعض المحاور لم تكن مطروقة، أو سبق وان تم تناولها بشكل مستفيض من خلال دراسات وأبحاث متعمقة، لكنني بحكم اهتمامنا بقضايا الحوار وأهميته القصوى في ظرفنا الراهن أقدمت على اختيار هذا الموضوع وخاصة ما قاله صموئيل هنتنغتون في اطروحته : صراع الحضارات وانعكاس هذه الأطروحة على الأوضاع السياسية والاستراتيجية بعد أحداث 11 سبتمبر 1 0 0 2، حيث أن بعض المؤسسات الفاعلة في الغرب أعادت إلى الأضواء من جديد هذه الأطروحة، وربطت بينها وبين ما حصل من هجمات على نيويورك وواشنطن، واعتبرت أن نبؤءة صموئيل هنتنغتون قد تحققت بالفعل من خلال هذه الأحداث، وبدأت التحرك لتأجيج مقولات الصدام والصراع مع العرب والمسلمين، وتراجعت عن الكثير من الآراء والمفاهيم المطروحة المتعلقة بالحوار ودوره في السلام والوئام، وحل القضايا العالقة بين الحضارات والثقافات·
والحقيقة أن الحضارات تقابلت وتعايشت وتصارعت لكنها ظلت أقرب للتعايش والتسامح وبقي الصراع والتنافس محدوداً بظروف معينة، فالأهم هو الاستعداد للتعايش والندية في التعامل، ومن هنا وجب على الإنسانية أن تفهم بشكل أفضل لغة الحوار مع الأمم الأخرى·
والحق أن لا الإسلام ولا المسيحية في تاريخهما الطويل يأخذان الصدام أيديولوجية·· مضادة للآخر، إنما الذي أجج الصدام هي عوامل أخرى يجب أن توضّح في إطارها التاريخي، وهذه قضية لها تقييمها من أهل الاختصاص، لكن اللافتة الجديدة للصدام ليس لها مبرر على الإطلاق، لكنها تقدم الهيكل النظري لتأجيج الخلافات والصراعات بين الحضارات والثقافات الإنسانية لأسباب سياسية وأيديولوجية·
فأطروحة هنتنغتون تسهم في تأجيج الصراع المفترض وإعادة طرح العداوات القديمة المدفونة بمفاهيم ونظريات جديدة وافتراضات قد لا تكون صحيحة في الواقع، لكنها ربما تجد من يصغي لها في ظل التوتر والتنافس في وقت تحتاج الإنسانية إلى التعاون والتعايش والتماسك والوئام·
والقضية التي نطرحها في هذه الدراسة أن الحوار مبدأ أصيل في الإسلام وفي الديانات السماوية، إنما الأهم أن يكون الحوار مجدياً وصادقا، ولا أعتقد أن أحداً سيرفض مبدأ الحوار·· لكن من الواضح أنه الحوار الذي يحقق أهدافه في تعايش الأمم والحضارات·
ولذلك نعتقد أن قضية الحوار أصبحت من القضايا والموضوعات الهامة لكل المشكلات العالقة أو الخافتة في عصرنا الراهن، سواءً على المستوى الداخلي في المجتمع الواحد، أو على المستوى الخارجي مع الحضارات والثقافات الأخرى· فالحوار يظل مطلباً لا غنى عنه للإنسانية جمعاء، إذا ما أرادت أن تعيش بمنأى عن الخلافات والتوجسات والصراعات، كما أن الحوار هو المنهج الصحيح للتفاهم والتعايش والتواصل بين الأمم والشعوب·
في هذا البحث تتبعنا كتابة ومناقشة المحاور المطروحة، وفق المنهج العلمي والموضوعي وغيرها من المعايير المطلوبة·
عبد الله علي العليان
صلاله سلطنة عمان
مارس 2003
صفحة 2
في تعريف الحوار والجدل
في الحديث عن الحوار والجدل هناك العديد من نقاط الالتقاء بينهما وبعض الافتراق، الحوار من حيث الدلالة اللغوية يأتي من جذر كلمة (حـ، و، ر) والتي تؤكد على مفاهيم أصيلة في التراث الثقافي العربي الإسلامي، ففي لسان العرب، الحِوار هو الرجوع، وهم يتحاوَرون، أي يتراجعون الكلام، والتّحاور هو التجاوب والمجاوبة، والحور هو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة· بل إنه ليدهشنا حقاً أن يكون من أسماء العقل في اللغة العربية، الأحور·(1)
وفي القاموس المحيط وردت ··· واستحاره : استنطقه·· وما أحار جواباً : ما رد جواباً وحَوَّرَه تحويراً : رجعه· التحاور : التجاوب·· وتحيّر الماء : دار واجتمع·(2)
فالحوار والتحاور والمحاورة، مصدر حاور يحاور، ومعناه لغة الجواب والمجادلة· قال ابن منظور وهم يتحاورون أي يتراجعون الكلام، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، والمحورة من المحاورة مصدر كالمشورة من المشاورة·
والحوار (أيضاً) كلمة تستوعب كل أنواع وأساليب التخاطب سواءً كانت منبعثة من خلاف بين المتحاورين أو عن غير خلاف، لأنها إنما تعني المجاوبة والمراجعة في المسألة موضوع التخاطب، وهو وليد تفاهم وتعاطف وتجارب كالصداقة، وبعبارة أخرى، فإن الحوار لا يمكن أن يكون إلا بين أطراف متكافئة تجمعها رغبة مشتركة في التفاهم، ولا يكون نتيجة ضغط أو ترغيب، لذلك كان الحوار أعم من الاختلاف ومن الجدل، وصار له معنى حضاري بعيد عن الصراع، إذ الحوار كلمة تتسع لكل معاني التخاطب والسؤال والجواب·
وقد ورد لفظ الحوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، اثنان منها في صيغة الفعل وهما قوله تعالى في سورة الكهف : {فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَناْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وأَعَزُّ نَفَراً} الآية : 43، وقوله تعالى في نفس السورة {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ من نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} الآية : 73(3)
والحوار : يعني الرجوع عن الشيء، وإلى الشيء، يقال : حار إلى الشيء وعنه حور ومحاراً ومحاورة : رجع عنه وإليه، وفي الحديث : من دعا رجلاً بالكفر، وليس كذلك حار عليه أي رجع إليه ما نسب إليه· والمحاورة، مراجعة المنطق، والكلام في المخاطبة·(4)
صفحة 3
والتحاور من هذا المنطلق أيضاً يقتضي المجاوبة بين طرفين يتبادلان الكلام : مخاطِب ومخاطَب أو متحدث ومتلق، بغرض الوصول إلى رأي أو إلى استنتاج واحد من هذا الكلام، يعتمد فيه على مقدمات ومبادئ مشتركة مسلم بها عند هذين الطرفين· ولا إمكان لمتابعة التحاور، إلا إذا كان أحدهما موافقاً الآخر، وتابعاً له في الاستنتاج نفسه، ومتدرجاً معه فيه· وحين يتحول الموقف بينهما إلى ما فيه تقابل أو تناقض، فإن التحاور ينقلب إلى جدل·(5)
والتحاور عند الطبري كذلك يقترب من المفهوم نفسه، إذ يعني المراجعة في الكلام وهو المعنى الفصيح الصحيح الذي نجد له أصلاً في كتب اللغة· وإن كان ابن كثير يذهب في تفسيره لسورة الكهف إلى أن معنى (يحاوره) يجادله ويخاصمه ويفتخر عليه· ولا يوجد لهذا المعنى في اللسان أصل·فالأصل في الحوار في الثقافة العربية الإسلامية، هو المراجعة في الكلام، وهو التجاوب، ورجاحة العقل، وبما يتطلبه من ثقة ويقين وثبات، وبما يرمز إليه من القدرة على التكيّف، والتجاوب، والتفاعل، والتعامل المتحضّر الراقي مع الأفكار والآراء جميعاً·وبهذا المعنى يتأكد لدينا، بما لا يرقى إليه الشك، أن الحوار أصل من الأصول الثابتة للحضارة العربية الإسلامية، ينبع من رسالة الإسلام وهديه، ومن طبيعة ثقافته وجوهر حضارته·(6)
وقد وردت مفردة الحوار في القرآن ثلاث مرات فقط بصيغة (يحاوره) كما جاء في سورة الكهف (الآيتين : 43، 73) قال تعالى : {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} وكذلك قوله تعالى : {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}، أما بصيغة (تحاوركما) فجاء في سورة (المجادلة : 1) {قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللّهِ، وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}·
والحوار في بعض الأحيان ليس قاصراً على الكلمات اللسانية المسموعة التي ينطقها البشر، وإنما أيضاً قد يتجاوز إلى الإشارة الموضحة، والبسمة المشرقة، والحس الخافق، والدورة المقبلة، والعمل الصالح، والموقف الصالح، حتى الصمت، لا يبعد أحياناً أن يتأتى حواراً·· وأن الإنسان كائن عقل واجتماع، كائن علاقة وحاجة ؛ ومن البداهة القول : إن هذه الأحوال من أحوج حاجاتها اللقاءات المتحاورة ليكون المجتمع على بينة من أمر علاقاته، وعلى تناسق مؤتلف، وتفاهم واع، وترابط معقود· كما الكون بقوانينه وأنظمته التي تجعله يحفظ بعضه بعضاً، ويستمر بعضه ببعض، وهذا هو أصل الحوار(7)
صفحة 4
الجدل
أما الجدل في اشتقاقه اللغوي فهو يعني :المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة مأخوذ من جدلت الحبل إذا فتلته، وأحكمت فتله، فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه(8)
و الجدل يعني أيضاً الجديل، وجدلت البناء أحكمته، ودرع مجدولة، والأجدل الصقر المحكم البنية، والأجدل القصر المحكم البناء· وقيل الأصل في الجدال هو الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة·(9)
كما أن الجدل يعني المناقشة، والجدل والجدال والمجادلة تستند إلى القدرة على الاستدلال، وتقصد إلى الإقناع بالدليل لإفهام القاصر عن مواجهة الشيء مع مواجهة الحجة بالحجة للإفحام والتصحيح·(10)
أما علم الجدل كما يراه بعض العلماء فهو علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح الأقوال الفقهية، وعرّفه بعض العلماء بأنه علم يقوم على حفظ أي وضع يراد ولو باطلاً وهدم أي وضع يراد ولو حقاً ويظهر في (التعريف السابق) أثر المعنى اللغوي للجدل، لأنه·· علم لا يتعلق بأدلة معينة، بل هو قدرة أو ملكة يؤتاها الشخص ولو لم يُحِطْ بشيء من الكتاب أو السنة أو نحوهما·(11)
والجدل عند الفلاسفة والمنطقيين هو فن الحوار والمناقشة قال أفلاطون: الجدلي هو الذي يحسن السؤال والجواب، وغايته ارتقاء من تصور إلى تصور، ومن قول إلى قول، للوصول إلى أعم التصورات، وأعلى المبادئ·واقتبس المحدثون عن أفلاطون· فأطلقوا الجدل على : الارتقاء من المدركات الحسية إلى المعاني العقلية، ومن المعاني المشخصة إلى الحقائق المجردة، ومن الأمور الجزئية إلى الأمور الكلية·(12)
وقد يرتبط الجدل بالخصومة والمخاصمة لما فيه من إلزام الخصم· وأصل الجدل في عمومه حوار، إذ الجدلي عند بعض الفلاسفة كما أشرنا آنفاً هو الذي يحسن السؤال والجواب·(13)
أما في القرآن الكريم فإن كلمة الجدل، والجدال، والمجادلة وردت 72 مرة وفي أكثر من آية· وقد ورد الجدل بمعنى المخالفة والمنازعة في الرأي بما قد يصل إلى شدة الخصومة، وجاء هذا في آيتين كريمتين: الأول قوله تعالى : {وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً} الكهف: 54، والثانية قوله سبحانه وتعالى : {وَقَالُوا آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاٌ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} الزخرف : 85·أما الجدال والمجادلة فجاءا بنفس المعنى الذي قد يكون دفاعاً عن الحق أو محاولة لفرض الباطل· وحين يكون الجدال هادفاً إلى الباطل فإنه يصبح سلبياً، إذ لا ينتج عنه غير الخصام، على نحو ما كان يفعل الكفار، وهم يسعون إلى مغالبة الحق بطلب الخوارق واستعجال العذاب استهزاء وسخرية، مما يظهر في قوله تعالى : {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُواْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً} الكهف : 65(14)
ويرى البعض أن الكلمات الثلاثة الجدل الجدال المجادلة، مشتقة من جدل بمعنى خاصم·
ويقول الإمام حسين بن محمد الدمغاني في كتابه : قاموس القرآن الكريم : إن الجدل على ثلاثة أوجه : الخصومة المراء الصراع·
1 ـ وجه منه الجدال الخصومة : فذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم : {وهم يجادلون في الله}، يعني يخاصمون· وقال تعالى في سورة هود : {يجادلنا في قوم لوط}، يعني يخاصمنا· وقوله في سورة الحج : {ومن الناس من يجادل في الله}، يخاصم في الله·
2 ـ الجدال المراء : قوله تعالى في سورة البقرة : {ولا جدال في الحج} يعني ولا مراء في الحج، وقال تعالى في سورة هود : {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا}· يقولون ماريتنا فأكثرت مراءنا· وقال تعالى في سورة غافر : {ما يجادل في آيات الله}، يعني يماري، ونحوه كثير·
3ـ الجدال الصراع : قال تعالى في سورة النحل : {وجادلهم بالتي هي أحسن}·(15)
أما أبي الفرج قدامة البغدادي في كتابه : نقد النثر فيقول : وأما الجدل والمجادلة، فهما قول يقصد به إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات، وفي الحقوق والخصومات، والتنصل في الاعتذارات·
وهو ينقسم إلى قسمين : أحدهما محمود، والآخر مذموم·
فأما المحمود، فهو الذي يقصد به الحق، ويستعمل به الصدق· وأما المذموم، فما أريد به المماراة والغلبة، وطلب الرياء والسمعة· وقد جاء في القرآن الكريم مدح ما ذكرنا أنه محمود، وذم ما ذكرنا أنه مذموم· قال تعالى : {وَلاَ تُجَادِلُوّاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} العنكبوت : 64· وقال : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوَنّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} الأنعام :08(16)
صفحة 5
الحوار والجدل·· التقابل والتنافر
والجدال أيضاً في النهاية حوار كلامي يدور بين فريقين متحاورين، لكل منهما وجهة نظر متباينة، حيث يعرض طرف من الأطراف رأيه وأدلته التي رجحت لديه استمساكه بوجهة نظره، ثم يأخذ بتبصر الحقيقة من خلال الانتقادات التي يوجّهها الطرف الآخر على أدلته، أو من خلال الأدلة التي ينير له بها بعض النقاط التي كانت غامضة عليه· (17)
وفي المصطلح اللغوي كما يقول الشيخ محمد حسين فضل الله أن هناك فارقاً بين معنى كل من الكلمتين :
- فكلمة حوار تتسع لكل أساليب التخاطب، سواءً كانت منطلقة من وضع لا يوحي بالخلاف أو يوحي به·
- بينما كلمة الجدال تختزن في داخلها معنى الخلاف والشجار، وتحمل في عمقها أيضاً معنى التحدي والصراع، الذي يبتعد عن العداونية والسادية، لذلك كان التصنيف المتوازن : جدال بالتي هي أحسن، وبغير التي هي أحسن·
وعلى هذا الأساس، وباختصار، نقول : ربما كانت كلمة الحوار تضفي جوّاً يلطف من الخلاف، بينما الجدال يعبّر عن حركة الصراع والجدلية، جدلية الإنسان في حركة فكره وعاطفته، وفي مؤثراته التي تجعله حركة دائمة بين السلب المتنوّع والإيجاب المتنوع، بحيث يمكن لهذه الجدلية الداخلية أن تجعل الإنسان منفتحاً على كل شيء حوله، وتحوّله في الوقت ذاته إلى كائن متغيّر ومغيّر، وهذا مما يعطيه معنى الحيوية والفعالية في وجوده، بحيث لا يمكن لأحد أن يعلّبه في علبة، أو يحبسه في قمقم أو زنزانة(18)
والحوار إذاً تجاوباً بين الأضداد كما يرى البعض كالمجرد والمشخص، والمعقول والمحسوس، سمي جدلاً·· وهو منطقياً قياس مؤلف من مقدمات مشهودة أو مسلمة، وغرضه إلزام الخصم وإفهام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان·(19)
والحقيقة أن كلمتي الحوار·· والجدل عاشتا في حياة الإنسان منذ بدء الخليقة ولازمته منذ أن بدأ يواجه الحياة الاجتماعية، تختلف فيها الآراء وتتنوع الأفكار·· تجسيداً له المعنى الذي تنطلق فيه الأفكار في مجال العرض وفي ميادين الصراع (20)
ويرى محمد حسين فضل الله في هذا السياق أن كلمة الحوار أوسع مدلولاً من كلمة الجدل·· باعتبار أن (كلمة الجدل)، تفيد معنى الصراع، بينما كلمة الحوار تتسع له ولغيره، مما يراد منه إيضاح الفكرة بطريقة السؤال والجواب·(21)
نخلص في ما سبق أن الحوار أوسع دلالة من الجدل، فكل جدل حوار، لكن ليس كل حوار جدل، وأن كثرة ترداد الجدل في القرآن أكثر من الحوار، فإن ذلك يرجع في اعتقادنا إلى الواقع الذي عاشته الأديان السماوية، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، وما واجهه الأنبياء عليهم السلام من تحديات، وهي تحديات فكرية واجتماعية وسياسية، يتحول الحوار إلى جدل في أحايين كثيرة من قبل الكفار والمشركين والمنافقين، بهدف الابتعاد عن الهدف الحقيقي الذي جاءت به الأديان السماوية إلى البشرية جمعاء في الهداية والإيمان والتوحيد·
صفحة 6
مشروعية الحوار في الكتاب والسنة
يشكل الحوار في القرآن والسنة محوراً أساسياً في أبنيته ومضامينه وممارساته نظرياً وعملياً، حيث اهتم الإسلام بالحوار اهتماماً كبيراً، باعتبار هذا الدين خاتماً للأديان واستمراراً لها، لذلك وضع للحوار أساساً راسخاً وبنياناً شامخاً، وأقام له كياناً سامغاً وشأناً رفيعاً، وهذا ما نجده في الكثير من الآيات البيّنات، والسنة النبوية القولية والفعلية، وما دأب على اتباعه من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين·
وقد انطلقت الدعوة إلى الحوار في الأساس من القرآن الكريم في توجيه إلهي إلى الرسول في آيات كثيرة، ونتلمس ذلك مما تضمنه القرآن الكريم من حوارات عملية بمختلف المستويات، وفي شتى المجالات، حوارات الخالق مع خلقه، ومع أنبيائه، وحوارات الأنبياء مع أقوامهم، وحوارات الأفراد فيما بينهم·
والقرآن الكريم من يقرأ آياته يجده كتاب حوار عملي في الدرجة الأولى مع البشرية جمعاء في كل زمان ومكان، يخاطب الناس جميعاً ليذكرهم بخالقهم ومربيهم، ورازقهم وحافظهم، والذي هو مصدر كل الملكات والطاقات التي يتمتعون بها في أنفسهم، مصدر كل الخيرات والنعم التي يحصدونها من الطبيعة التي تحيط بهم· ويذكرهم بربهم ويدعوهم بأسلوب فريد إلى الإيمان به وتوحيده، والتوجه إليه بالشكر والطاعة والعبادة، دون قهر أو إكراه، بل بمطلق الحرية الشخصية والقناعة العقلية واليقين القلبي، والإرادة الخاصة التي لا سيطرة لأحد عليها، ولا حق لأحد بالتسلط عليها·(22)
وهذه حكمة إلهية اقتضتها مشيئته سبحانه وتعالى أن جعل الناس تتعدد في آرائها، وأفهامها، وتنوعها المعرفي والعقيدي، وجعل الحوار وسيلة من وسائل التقارب والتعارف والتعاون بين أبناء الجنس البشري، لعمارة الكون والهداية والخلق والإيمان· من هنا فإن النظرة الثاقبة والفاحصة في الحوار القصصي في القرآن الكريم في أغلب آياته تبيّن لنا أهمية الإنسان المحاور الذي ينبغي أن يعرف كيف يصل إلى عقل الإنسان الآخر بأقصر الطرق، وأفضل أسلوب وأقوى دليل، لقد كان الحوار أسلوب الأنبياء عليهم السلام، به استطاعوا النفاذ إلى قلوب الناس بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة· وقد بيّنوا لنا سبل الحوار الهادئ والهادف الذي يلتزم العرض والإقناع مع الإيضاح والبيان بكل رفق وتلطف، فلم يكن حوارهم مع أقوامهم حوار الإكراه أو الإجبار أو حوار القسر والقهر، بل كان حواراً يحترم الفكر والشعور ويستعمل ألين العبارات في الدعوة والبحث عن قاعدة اللقاء كيفما كانت : {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءِ بَينْنَاَ وَبَيْنَكُمْ} آل عمران : 46·(23)
والمنظور الإسلامي للحوار ينطلق من هذه المبادئ السامية التي تدعو إلى الكلمة السواء القائمة على العدل والإنصاف، والقبول بالاختلاف، والتي هي في الأصل سنة كونية في القضايا المشتركة، ومجالات التعاون الإنساني والحوار على هذا النحو الراقي، ومن أجل هذا الهدف السامي، ضرورة من الضرورات التي يقتضيها انتظام سير الحياة على خطوط سوية، وتفرضها طبيعة العمران البشري(24)
صفحة 7
لذلك كان الإسلام السباق إلى الحوار مع الآخر والانفتاح عليه، ولم يكن هذا الحوار طارئاً أو اضطرارياً أو براجماتياً، بل أن هذه المشروعية ثابتة بنصوص قرآنية، وأحاديث نبوية وسلوك نهجه الصحابة والتابعون والعلماء بعد ذلك، باعتباره أمراً إلهياً، فقد مارس المسلمون الحوار فعلياً على مستويات مختلفة مع شتى الحضارات والديانات تختلف في فكرها وفلسفتها مع الرسالة السماوية، لكن المشروعية الإسلامية ضمت هذا الحوار، واعتبرته فريضة ومنهاجاً، وبالتي هي أحسن، وأسهمت هذه الحوارات والمجادلات في خلق مناخ إيجابي ملائم لاستعراض الأفكار وطرح القضايا الخلافية، ومعالجة الإشكاليات بروح الحوار والجدل، وأذاب هذا النهج الكثير من التحفظات التي ارتهنت في العقل المخالف في بداية الدعوة، وفتحت قلوبهم لهذا الدين وقيمه الجديدة، فكان الدخول فيه عظيماً من كل الديانات والطوائف والأجناس بعدما عرفوا هذا الدين وفهموا حقيقته، وأدركوا وحدانية الخالق عز وجل، وكان هذا بسبب دعوة هذا الدين وحواره مع المخالفين·
وقد حسم المسلمون هذا الحوار والمعارك الكلامية لصالحهم رغم أن هذا كان جديداً ويافعاً، وواجهه الكثير من العقبات والحصار والقمع، ولكن الحوار بالدعوة لم يتوقف، وكانت الحجة في الحوار مع المخالفين والأعداء قوية وقاصمة فلم تستطع حججهم الصمود أمام الحق الإلهي وبراهينه الساطعة· ومن هذا المنطلق العظيم فتحوا أمام إشعاعات هذه الدعوة الجديدة آفاقاً رحبة وواسعة امتدت لتطال أقاليم الشرق والغرب، متحدية بنموذجها كل الحضارات البشرية القائمة على الجهل واللادين· وهو أيضاً نموذج فرض نفسه - عبر معطيات منجزه التشريعي والفكري والحضاري - على كل أوجه الحياة الإنسانية· ولم يواجه الحوار الحضاري الإسلامي في مراحله الأولى تحدياً إلا من قبل شعوب كانت تحتفظ بأنساق فلسفية وسياقات فكرية متوارثة وانغلاق ثقافي لا يتيح للرأي الآخر أن يعبر عن أفكاره وآرائه بحرية، حيث تتحكم بأداء العقل وتمنع أية مراجعة عقلانية للبنى الفكرية له·(25)
وهذه الأنساق والأفكار المنغلقة التي ترفض الحوار مع الآخر المختلف، وتتقوقع على آرائها، ولا تتيح الفرصة للحوار والنقاش حول مجالات التواصل الحضاري وقضايا الدين وغيرها من القضايا، ربما تخاف على نفسها وعلى فكرتها الضيقة من أن تسقط عند الحوار والجدل، وهذا ما نبذه الإسلام ذلك أن الحوار هدفه البحث عن الحقيقة والوصول إليها، والخضوع إذا اطمأنت إليها القلوب والعقول أيضاً، وهذا هو منهج الإسلام، لكن الإشكالية أن بعض أصحاب الأفكار الهزيلة والضعيفة يخشون من الحوار مع الآخر لأن أفكارهم وقيمهم بالية غير ثابتة إذ أنها ليست على الحق والصواب فيبررون تارة بأن الحديث مع الآخر سحر أو أن الآخر من أهل المنطق، إلى غيرها من الحجج الواهية التي نسبت إلى الأنبياء والرسل(26)
فالإسلام ينظر إلى قضية الحوار على أنها فريضة شرعية، لا مجال فيها إلى التراجع أو التردد، أو حتى الاختيار بين وسيلة أو أخرى - كخيارات بديلة - لغير هذه المشروعية، لكونها دعوة الإسلام ومنهاجه اعتمدتها رسالته، والحوار أيضاً في أدق معانيه ودلالاته الاصطلاحية : يعبر عن اتجاه سام بالمجتمعات الإنسانية بعيداً عن نزق الأهواء، وجموح العواطف، وغائلة الظلم والتعصب والانفلات·
والشيء الذي يدعو إلى التدبر والنظر في كتاب الله العزيز في مسألــة الحــوار، - وفي هذا حكمة بالغة في مشروعية الحوار - أن القرآن الكريم يستعرض الرأي الآخر المخالف، رغم أنه باطل وضلال، وليس له حظ من الصواب، فتجد في القرآن كلام الملحدين والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى، بل إن القرآن تضمن مسائل في قضايا الحوار ليصل إلى أعمق الحقائق وأخطرها، وبعض هذه الحوارات تعتبر مناطق محظورة بمقياس الإيمان والكفر، ورغم ذلك فالقرآن الكريم حاور المخالفين ورد على حججهم الواهية، إذ لا توجد حوارات محرمة أو ممنوعة·· وهذا ما يتضح في الكثير من السور القرآنية التي حاورت المشركين وغيرهم التي سنستعرضها لاحقاً، وهذا ما يكشف لنا أن الإسلام يحض على الحوار وينفتح على الآخر إلى أقصى مدى، فالمهم القابلية والتجاوب وابتغاء الحقيقة·
والقرآن كتاب حوار في الأساس(27)وهذا ما تبرزه الكثير من الآيات والسور حيث طرحت آراء الخصم وحاورته بالدليل والبرهان والحجج الناصعة· وسوف نعرج تالياً على مشروعية الحوار في القرآن الكريم والسنة النبوية، من خلال الآيات التي تضمنت هذه الحوارات وكذلك الكثير من الوقائع في السنة النبوية والتاريخ الإسلامي:
صفحة 8
أولاً مشروعية الحوار في القرآن الكريم
لقد أورد القرآن الكريم الكثير من الحوارات التي جرت بين الخالق عز وجل وملائكته، وحوارات الأنبياء مع أقوامهم، وحوارات عديدة مع المشركين ومع المنافقين ومع الملحدين ومع المؤمنين، هدفها إظهار الحق، ومعرفة الحقيقة في هذه الحوارات التي جاءت في كتابه المبين، ووضع الضوابط للحوار فقدم خلالها القرآن نموذجاً رائعاً ليحتذى به المسلمون في تبليغ الرسالة وهداية البشرية، من خلال توضيح الحق ودحض الشبهات، وهذا هو المنهج الواقعي الذي يوضح كافة شؤون العقيدة، بالحجة والبرهان، وبكل بساطة، لأن ذلك الحوار، لا يربط العقل بالوهم، ولا بالخيال· ومن خلال تتبع حجج القرآن الكريم في شأن العقيدة، وما أثاره من جدال منطقي مهذب، حول هذا الموضوع، ومن خلال تتبع مسالك الحوار القرآني نجده كتاب وحي بالفعل والنظر· إن حوار القرآن الكريم واستدلاله، هدفهما ايضاح الحق· وأصحاب الأديان المحرفة، استخدموا الحوار لإضاعة الحق ونصرة الباطل وأوليائه، وللبرهنة على الخطأ أنه صواب، لكن القرآن الكريم مع ذلك لم يحجب آراء وصدود أصحاب الرسالات المحرفة، بل أورد أقوالهم، وطرح حججهم ودعاويهم·(28)
حوار الخالق عز وجل مع إبليس
أول هذه الحوارات التي عرضها القرآن الكريم وقصها الخالق عز وجل على نبيه محمدالحوار الذي دار بين الله سبحانه وتعالى وإبليس بعد خلق آدم \، وهذا ما يبرز المشروعية في الحوار، على الرغم من علم الله تعالى عن معصيته قبل أن يتفوه بها، لكنها حكمة إلهية للاختبار والاختيار في أن يسلك الخلق بحريتهم، ويحاورهم فيما ساروا عليه سواءً كان صواباً أو خطأً، حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم، وهذا هو عدل الله في خلقه ورحمته التي وسعت كل شيء·
من هذه الحوارات ما جاء في سورة الحجر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْملآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلآ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِديِنَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَالَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، قَالَ فَاخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ رَبِّ فَأَنظِرنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمنظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمعْلُومِ، قال رَبِّ بِمَا أَغْوْيْتَنِي لأُزَينِّنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المْخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صَِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعََكَ مِنَ الْغَاوِينَ}· سورة الحِجْر الآيات 82-24·
صفحة 9
لقد سرد القرآن الكريم ما قاله إبليس بعدما أمره الله عز وجل بالسجود لآدم \، وقد أفسح له المجال لكي يتكلم عندما خاطبه الله سبحانه وتعالى :
{قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين} وهذا تبيان لقيمة الحوار وأهميته وإعطاء الخصوم الفرصة الكاملة لإبداء وجهة نظرهم، ثم يرد عليهم حتى يقيم عليهم الحجة، ويكونوا قد أُبلغوا بما يترتب على مخالفتهم أو خطئهم أو جحودهم الذي يبلغ أحياناً إلى مرتبة الكفر والطرد من الرحمة، فالحوار إذاً هو الفسحة الإيجابية لمراجعة العقل والفكر والنفس·(29)
وحوار الخالق عز وجل مع ألد أعدائه إبليس يدل على مشروعية الحوار وضروراته، بغض النظر عن القضية المطروحة التي تطرح بدون جدول أعمال كما نقول في عصرنا المهم أن صاحب الرأي يقول رأيه ويطرح مخالفته أو شبهته، ويرد عليه حتى وإن كابر وتعالى واستصغر الآخرين من الخلق، {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ استكبرت أم كنت من العالين، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم، قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين} سورة (ص) الآيات 57-38·
وهذا يدلنا على أهمية الحوار ومكانته في القرآن الكريم وأثره وقيمته العظيمة، في بيان الحق وإظهاره، ولذلك فإن قصة عصيان إبليس هي عبرة وعظة للمؤمنين، وحوار ومناقشة للمخالفين، وهذا ما أورده القرآن باستفاضة في أكثر من سورة في هذا الصدد·
كما أن القرآن الكريم من خلال سرده لأكثر من سورة لعصيان إبليس وعنصريته وتكبره، ومع ذلك أتيحت له الفرصة الكافية ليقول ما عنده، وما يرغب فيه حتى تتبيّن الصورة وتتضح كاملة، وهو أعظم درس في الانفتاح على الرأي الآخر، درس في قبول الرأي الآخر في الوجود وليس صوابيته· فالصوابية مجال تدافع فكري ومعرفي قائم على النزاهة أي على طلب الحق· وأول شروط النزاهة أن تترك الآخر لكي يقع تدافع موضوعي بين رأيك ورأيه· وان كان من درس نأخذه من هذا المؤشر الأول هو أن الإسلام هو الإيمان بحرية الفكر، وحرية الرأي، والإيمان بإفساح المجال للرأي الآخر، واحترام الرأي للآخر·(30)
ويكشف القرآن الكريم في سور أخرى حوار الخالق مع هذا الشيطان الرجيم، وتكبره وتعاليه وحقده على آدم \ وذريته عند طلب أن يغوي البشر، ويبعدهم عن الطريق القويم، ويصدهم عن سبيل الله وعن الصلاة وارتكاب المعاصي وفعل المنكرات إن استطاع إلى ذلك سبيلاً·
صفحة 10
{قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} الأعراف الآيات 61-71·
{قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً} الإسراء الآيات 26-56·
{وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم} ابراهيم الآية 22·
من خلال الحوار الذي بين الله عز وجل وإبليس في الآيات السابقة، يظهر عزم إبليس ورغبته القوية الدفينة في الانحراف بالمؤمنين، وغوايتهم عن الطريق المسِتقيم، وبالإحاطة بهم من كل جانب، وتمنيتهم بالوعود المعسولة الكاذبة، في ما ينتظرهم من خير إذا انحرفوا عن الله، ويمنحه الله مايريد من ذلك، لكنه يحذره من الاستغراق في أوهامه وأحلامه، فهو لا يملك السلطة المباشرة على الإضلال، فلا يستطيع إضلال من يريد الهدى ويعمل في سبيله، ولا يقدر على إغواء من يريد الرشد ويسير على هداه، بل كل ما يستطيعه أن يمنّي ويغري ويضغط ويوسوس، فيتبعه كل من يعيش للإغراءات وينحني أمام الضغوط المتنوعة من دون مقاومة(31)
حوار نوح \ مع قومه
ومن الآيات الصريحة في مشروعية الحوار ومنطلقاته ما قصه الخالق عز وجل عن حوار نوح \ مع قومه، وفيها تجسيد حيّ على معاني الحوار، والرأي والرأي الآخر، والانفتاح عى الحقيقة، ومناقشة ما يؤدي إلى الطريق الصحيح، وعدم الانصياع إلى الفكرة الجامدة، والأحكام المسبقة، والأفعال الخاطئة وغيرها: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين، أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يومٍ أليم، فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعمّيت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم مُلاَقُواْ ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون، ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون، ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملكٌ ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني إذاً لمن الظالمين، قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} هود الآيات 52-33·