صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأكمل الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، العترة الصادقين، أهل الشجرة الزكية، والسيرة المرضية، وعلى صحبه أئمة الدين، الهداة المهديين، حملة لواء الفتح المبين، الناصحين للمسلمين، الباذلين الأموال والأنفس لإعلاء كلمة رب العالمين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.قال تعالى: ((وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر:7).. ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) (الأحزاب:21).. ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً)) (الفتح:28).. ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ)) [يونس:32].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً).
أخي المسلم في كل مكان وزمان...
بعلم صحيح، وعقل صريح، متجرد عن العاطفة، والهوى، وبفؤاد مليء بالصدق والحب، لبلوغ الحق والهداية.. لنتحاور حول...
- ألسنا في بلد واحد ينعم بالخير والإيمان وبطاعة الله، فلم نشق الصفوف ونملأ الأفئدة ضغينة وبغضاً؟
- أليس الحق له طريق واحد، والضلال له سبل كثيرة مليئة بالشبهات، فلم نحيد عن جادة الصواب, والطريق يسع الجميع، ليسير فيه؟!!
- لم نغرس في قلوب أبنائنا الضغينة والفرقة والتنافر، ونحن أبناء بلد واحد، ننعم فيه بيسر أداء طاعة الله، وعدم الظلم؟!!
- لا يزال العدو يتربص بنا الدوائر، وما زال بين صفوف المسلمين، من يفرق شملهم، ويبدد جهدهم، بدلاً من أن يحببهم إلى بعضهم البعض؟
- ألا ترى تلك الروايات الآثمة المدسوسة على ديننا الحنيف؟! لقد شوهت الثوب الأبيض الجميل، والذي ورثناه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وغيرت من معالم الشرع الحنيف، حينما تنادت فئة بالمكذوب السقيم، وأبعدت الصحيح المنير.
فبنداء الحق أدعوك يا أيها الأخ العزيز لنتحاور على مائدة الهدى والرشاد، ولنتساءل حول ما يقرب صفوفنا -بإذن الله تعالى- ويلم شملنا، ونكون يداً واحدة في بلد الخير.. دولة الكويت.
صفحة 2
قبل طرق باب النقاش
لنبتعد عن: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف:23].لنتبع: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي)) [يوسف:108].
ولا تكن القلوب: ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24] والآذان: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)) [البقرة:19] فإن ابتعدنا عن هذه الصفات فإن بساط الحوار يسع الجميع إخوانا متحابين متآلفين، أصحاب هدف واحد، وسبيل واحد.
ولنبتعد عن: ((وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)) [النور:49] فالحق أحق أن يتبع، وحري بنا أن نعرف الحق لنعرف بعده أهله.
ولنبتعد عن: ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [المؤمنون:71] فالإخلاص أساس لكل خير.
ولنبتعد عن شماعة: (الوحدة الوطنية ونبذ التعصب والطائفية)، فإن هذه المصطلحات لها وزنها الخاوي في واقع الحياة -إن لم توضع بالحق- بل لم نجد من يتعلق بها، ويصرح بها، إلا من هو بعيد كل البعد عنها، فلا يصيح الكذاب حين يصرخ على أهله إلا لينقذوه من ذئب ميت.
لماذا هذا الكتاب؟
لأمر واضح لا خفاء فيه؛ لنبين الحق الصريح من الباطل المزيف، ولمعرفة الصواب من الخطأ، ولإعلام العالَم بأن ديننا واحد، وإن حاول البعض ممن ينتسب إلى العلم، التمسك بالمختلف فيه.وأيضاًً لسد ثغرة من العلم، لربما يغفل عنها البعض، وإن شئت قل الكثير من المسلمين، من عدم اعتمادهم على المصادر الأصيلة الأساسية، الأولية في كل علم وفن، فإن المعول والأساس في الحوار، وفي معرفة قول أي طائفة من طوائف العلم- دائماً- هو الرجوع إلى المراجع الأصيلة، والمصادر المعتمدة، ثم نستأنس بعد ذلك، بما سطرته أنامل المعاصرين، من شروح وبيان لعلم الأولين.
وليعلم أن المسلم فطن كيس، ليس بساذج ولا سفيه أمام كل ما يلقى على مسامعه، وهو لا يأخذ الأقوال على علاتها، دون تمحيص أو دراية؛ لأن هذا الأمر دين سنسأل عنه يوم القيامة، فالمؤمن يدور مع الحق، أينما دار وسار.
ولنعلم أن المؤمن عطش إلى زلال الحق، نهم لمائدة الحق، مُترفع أن يتطفل على موائد الأراذل وسقطة الناس، فالحق يعلو ولا يعلى عليه.
والأقوال لا يحكم على صوابها من اسم قائلها، مهما علا شأنه وعظم قدره، عدا الرسول صلى الله عليه وسلم، بل بمعرفة الإسناد والتثبت من الرواية، يمكننا بعد ذلك، أن نحكم على ما نقرأ ونسمع بأنه حق فنتبعه، أو باطل فنضرب به عرض الحائط، وذلك لأن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء في الدين ما شاء. وكما قال علي رضي الله عنه: (لا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال).
والله نسأل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه لا يهدي لما اختلف فيه من الحق إلا هو سبحانه.
((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
صفحة 3
ظهور الشيعة
أحمد: السلام عليكم ورحمة الله... أهلاً بك يا محمد.محمد: وعليكم السلام... مرحباً بك يا أخ أحمد.
أحمد: أجد أنك متضايق وكأن هناك ما يشغل فكرك.
محمد: نعم، ويا ليته أمر هين لهان الأمر بوجود حلول له، ولكنه شيء عظيم.
أحمد: وما ذاك يا أخ محمد؟
محمد: إنه الخلاف الحاصل بين الإخوة من الشيعة والسنة، أما يجدر بنا أن تضيق النفس مما هو موجود وحاصل؟
أحمد: أجل، فما رأيك بأن نتحاور ونتناقش في قضايا مهمة، توضح أفكار ومعتقدات السنة والشيعة، وإمكانية التقارب بينهما؟
محمد: نعم، هذا أمر مهم أن نتحاور حول ما يقرب الصفوف ويلملم الإخوة المتفرقين في دين واحد.
أحمد: أرجو أن لا يضيق صدرك، ولنتصارح في طرحنا لهذه القضايا والأمر لك لتبدأ.
محمد: ما دام الحق غايتنا فلن أتضايق أبداً، ولنبدأ حول ظهور الشيعة ومما لا يخفى على كل مسلم، أن الشيعة كان ابتداء ظهورهم مقترناً بابتداء الدعوة المحمدية، وأن بذرتها غرست من تلك الحقبة، ولكن خف نورها، بسبب عدم تقيد الصحابة بمفهوم الإمامة والوصاية من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
أحمد: الأمر في معرفة حق الأئمة- كما زعم علماء الشيعة - أقدم مما تقول وتظن، فقد ذكروا أن معرفة حقهم كان معلوماً عند الرسل جميعهم، فقد جاء في أصول الكافي (1/437) عن أبي الحسن قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث نبي إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووصية علي عليه السلام).
والبعض من العلماء، قال مثل مقولتك هذه، وهي المشتهرة بين العوام، فقد ذكر النوبختي في فرق الشيعة (ص:17) أن الشيعة ظهرت في زمن النبي، وكان يقال لهم: شيعة علي، وكانوا معروفين بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته، منهم: المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر.
كذلك ابن النديم في كتابه الفهرست (ص:249) ذكر أن الشيعة ظهروا بعد معركة الجمل، وسماهم علي بالأصفياء الأولياء.
محمد: ظهورهم إذًا لم يكن له علاقة بذاك الرجل الذي يدعى بابن السوداء عبد الله بن سبأ، وهذا كما قرأت خرافة، لا وجود له.
أحمد: الإنسان عدو ما جهل، والحق يعلم بالتتبع والتنقيب والإخلاص في القصد، وهذا الرجل جاء ذكره في كتب الشيعة المعتمدة، مثل: فرق الشيعة للنوبختي، ورجال الكشي، وشرح نهج البلاغة وغيرها.
محمد: أفهم من كلامك، أن الأمر في ظهور الشيعة، ليس لمجرد أن أبا بكر رضي الله عنه اغتصب الخلافة من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
أحمد: ليست القضية كما يسوقها أهل العاطفة واتباع الهوى، فإن خلافة الصديق رضي الله عنه، جاءت بمبايعة أهل الحل والعقد وإجماع الصحابة، فقد رضوا به كلهم فيما بعد: في السقيفة أولاً، ثم في المسجد ثانياً، وكذلك سار الأمر مع عمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، فلما قتل عثمان رضي الله عنه، يمم الناس وجوههم قبل علي رضي الله عنه، ليولوه عليهم فقال لهم: (دعوني والتمسوا غيري؛ فإننا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً) نهج البلاغة (ص:136).
وهذا أيضاًً موافق لما ذكره المفيد في الإرشاد عن أمير المؤمنين، وهذايدل على أنه لم يأت نص بالوصية لعلي رضي الله عنه في أمر الخلافة.
محمد: تريد من هذا القول أن تقلل من قدر وأهمية إمامة الأمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تركها هكذا بدون وصي وخليفة؟!
أحمد: إمامة المسلمين، ووجود أمير عليهم من القضايا المهمة في الشريعة الإسلامية، ولكن لا يبلغ الأمر بنا أن نجعلها ركنَ الدين الأصيل، وأن الإيمان بها يدخل معتقدها الجنة، وأنها أجل من منصب النبوة مثل ما تفوه بهذا هادي الطهراني في كتاب ودايع النبوة (ص:114) حيث قال: (الإمامة أجل من النبوة؛ فإنها مرتبة ثالثة شرّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النبوة والخلة).
محمد: لعل هذا رأي لهذا العالم وليس رأياً لبقية رجال الدين الشيعة!
أحمد: بقية الروايات تخبرك بالإجابة على تساؤلك، فقد قال آل كاشف الغطاء في كتاب أصل الشيعة (ص:58): (الإمامة منصب إلهي كالنبوة) أو مثل مقولة الخميني في الحكومة الإسلامية (ص:52) حيث قال: (فإن للإمام مقاماً محموداً، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل).
محمد: لكن اهتمام رجال الدين الشيعة بهذه القضية نابع من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
أحمد: لو كانت بتلك الأهمية فلم أهمل النبي صلى الله عليه وسلم أمرها وجعل النص فيها غير محدد لمن بعده، كذلك لا نجد لها ذكراً في القرآن، الذي حفظه الله تعالى من التغيير والتحريف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأت لها بذكر واضح لا عند احتضاره، ولا حتى في أعظم تجمع له بالمسلمين في حجة الوداع لما قال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) فلقد كانت فرصة لا تعوض في اجتماع المسلمين من شتى أرجاء الجزيرة بالنبي صلى الله عليه وسلم ليبلغ أمر تحديد الوصي والإمام من بعده، فالأمر إذاً ليس بتلك الصورة من الأهمية حتى نقول: إنه من أركان الدين.
صفحة 4
وللخميني تعليل مخالف لعدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للإمامة.
محمد: وما هذا التعليل؟ فلعل الإمام قدس الله سره يجلي هذا الغموض.
أحمد: يقول الخميني في كتاب كشف الأسرار (ص:150): إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم أمر الإمامة في بداية الدعوة في مكة لأنه كان متهيباً من الناس إن دعاهم لمثل هذا الأمر العظيم، حتى أمره الله بقوله: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) [المائدة:67].
ثم إن الله أمره بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58] فقال الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية (ص:81) مبيناً هذه الآية: (فقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم برد الأمانة، أي الإمامة إلى أهلها وهو أمير المؤمنين عليه السلام، وعليه هو أن يردها إلى من هو يليه وهكذا...).
أي أن علياً هو صاحب الأمر والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور برد الأمانة إليه، وكما ترى هذه التفاسير لا دليل عليها، فضلًا عما في تفسير الأمانة بالإمامة من تحريف لكلام الله، وتجاهل لسبب نزولها المشهور.
محمد: ولكن الخليفة الأول خالف مبدأ الشورى مع المسلمين حين نص على تعيين الخليفة من بعده، وهذا يعتبر مثل الفرض على المسلمين!
أحمد: ليس هناك من فرض على أحد، والمتتبع لسيرة الصديق رضي الله عنه يعلم حق العلم حرصه على مصلحة الأمة، وتتبع الخير لها، فلم يكن الأمر فلتة خاطئة، ولكنهم سألوه أن يدلهم على الجدير بولاية هذا الأمر من بعده، فأوصى على عمر رضي الله عنه، والمتتبع لسيرة عمر مع الصحابة في خلافته يعلم صواب ما ذهب إليه الصديق رضي الله عنه، ولكن ما العمل مع المبغض الحاقد للشيخين رضي الله عنهما؟! وكما قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
محمد: مقولة من قال: إن الإمامة منصب إلهي، وأنها امتداد للنبوة، هل لها من مستند؟
أحمد: هذا التساؤل يوجه ويلقى على مسمع من جعلها من ضروريات المذهب، ثم جعل هنا أبواباً وسفراء للإمام المجهول، ثم تعدى الأمر إلى وجود من يلي الفقيه، فأصبح عندنا مراجع لا تعلم أعدادهم، مع كل هذا ألا ينبغي على المسلم أن يسأل عن دليل لهذا التسلسل؟ وما الشروط الواجب تحقيقها لنيل هذا الأمر؟ وما الخصائص التي ستحل على هذه النوعية من العلماء؟ وهل هناك مستند من القرآن أو من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا المعتقد؟
محمد: اعذرني في إعادة الاستفهام عن موضوع الإمامة، فإنني- على ضوء ما ذكرته- أفهم من قولك السابق أن علياً والأئمة من بعده لم يأت نص عليهم من الشرع!
أحمد: لنفترض أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي ليكون خليفة بعده، وأن الصديق اغتصب الخلافة من بعده، أما نرى أن دولة الإسلام كانت في أطيب أوقاتها، وأفضل عصورها من الفتوحات واستقرار الأمن وعدم وجود الخلافات بين المسلمين في عهد الخليفتين وصدراً من خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين؟! فأخبرني يا أخ محمد: كيف وفقهم الله تعالى في أعمالهم وفتوحاتهم وأولادهم، وهم مخالفون وتاركون لأعظم ركن في الدين على الإطلاق -كما يزعم البعض- كذلك نحن لم نسمع للإمامة أي ذكر أو مقولة خلال هذه الفترة الطويلة، أو أن الخلافة قد اغتصبت من صاحبها وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه!
محمد: لعل في كتمان هذا الأمر دلالة على بعد نظر من أمير المؤمنين علي عليه السلام لكي يحفظ أمرالمسلمين من التفرق والتشتت.
أحمد: لنفترض أن الأمر كما ذكرت، ولكن لما قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وآلت الإمارة إلى الحسن رضي الله عنه، نجد أنه ألقاها رضي الله عنه طواعية إلى معاوية رضي الله عنه.
فهل يحق ويجوز للمعصوم أن يتنازل عن هذا الركن العظيم، لمن هو دونه في المنزلة، ويعطيها إياه طواعية لا مكرهاً ولا مجبراً بعد ستة أشهر من مقتل والده!! ثم نقرأ في كثير من كتب التاريخ بأن معاوية رضي الله عنه لبث في خلافته بعد التنازل قرابة العقدين من الزمان، والمسلمون في فتوحات عظيمة وانتشار لدينهم، وفي خير ورغد من العيش ما الله به عليم.
إذاً الأمر لا لبس فيه، فإن الجيل الذي نشأ مع النبي صلى الله عليه وسلم، كانت بدايته معلومة واضحة، ومنهجه الديني بينٌ لا لبس فيه، لكل من اطلع على السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
محمد: وما هذا التعليل؟ فلعل الإمام قدس الله سره يجلي هذا الغموض.
أحمد: يقول الخميني في كتاب كشف الأسرار (ص:150): إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم أمر الإمامة في بداية الدعوة في مكة لأنه كان متهيباً من الناس إن دعاهم لمثل هذا الأمر العظيم، حتى أمره الله بقوله: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) [المائدة:67].
ثم إن الله أمره بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58] فقال الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية (ص:81) مبيناً هذه الآية: (فقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم برد الأمانة، أي الإمامة إلى أهلها وهو أمير المؤمنين عليه السلام، وعليه هو أن يردها إلى من هو يليه وهكذا...).
أي أن علياً هو صاحب الأمر والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور برد الأمانة إليه، وكما ترى هذه التفاسير لا دليل عليها، فضلًا عما في تفسير الأمانة بالإمامة من تحريف لكلام الله، وتجاهل لسبب نزولها المشهور.
محمد: ولكن الخليفة الأول خالف مبدأ الشورى مع المسلمين حين نص على تعيين الخليفة من بعده، وهذا يعتبر مثل الفرض على المسلمين!
أحمد: ليس هناك من فرض على أحد، والمتتبع لسيرة الصديق رضي الله عنه يعلم حق العلم حرصه على مصلحة الأمة، وتتبع الخير لها، فلم يكن الأمر فلتة خاطئة، ولكنهم سألوه أن يدلهم على الجدير بولاية هذا الأمر من بعده، فأوصى على عمر رضي الله عنه، والمتتبع لسيرة عمر مع الصحابة في خلافته يعلم صواب ما ذهب إليه الصديق رضي الله عنه، ولكن ما العمل مع المبغض الحاقد للشيخين رضي الله عنهما؟! وكما قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
محمد: مقولة من قال: إن الإمامة منصب إلهي، وأنها امتداد للنبوة، هل لها من مستند؟
أحمد: هذا التساؤل يوجه ويلقى على مسمع من جعلها من ضروريات المذهب، ثم جعل هنا أبواباً وسفراء للإمام المجهول، ثم تعدى الأمر إلى وجود من يلي الفقيه، فأصبح عندنا مراجع لا تعلم أعدادهم، مع كل هذا ألا ينبغي على المسلم أن يسأل عن دليل لهذا التسلسل؟ وما الشروط الواجب تحقيقها لنيل هذا الأمر؟ وما الخصائص التي ستحل على هذه النوعية من العلماء؟ وهل هناك مستند من القرآن أو من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا المعتقد؟
محمد: اعذرني في إعادة الاستفهام عن موضوع الإمامة، فإنني- على ضوء ما ذكرته- أفهم من قولك السابق أن علياً والأئمة من بعده لم يأت نص عليهم من الشرع!
أحمد: لنفترض أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي ليكون خليفة بعده، وأن الصديق اغتصب الخلافة من بعده، أما نرى أن دولة الإسلام كانت في أطيب أوقاتها، وأفضل عصورها من الفتوحات واستقرار الأمن وعدم وجود الخلافات بين المسلمين في عهد الخليفتين وصدراً من خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين؟! فأخبرني يا أخ محمد: كيف وفقهم الله تعالى في أعمالهم وفتوحاتهم وأولادهم، وهم مخالفون وتاركون لأعظم ركن في الدين على الإطلاق -كما يزعم البعض- كذلك نحن لم نسمع للإمامة أي ذكر أو مقولة خلال هذه الفترة الطويلة، أو أن الخلافة قد اغتصبت من صاحبها وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه!
محمد: لعل في كتمان هذا الأمر دلالة على بعد نظر من أمير المؤمنين علي عليه السلام لكي يحفظ أمرالمسلمين من التفرق والتشتت.
أحمد: لنفترض أن الأمر كما ذكرت، ولكن لما قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وآلت الإمارة إلى الحسن رضي الله عنه، نجد أنه ألقاها رضي الله عنه طواعية إلى معاوية رضي الله عنه.
فهل يحق ويجوز للمعصوم أن يتنازل عن هذا الركن العظيم، لمن هو دونه في المنزلة، ويعطيها إياه طواعية لا مكرهاً ولا مجبراً بعد ستة أشهر من مقتل والده!! ثم نقرأ في كثير من كتب التاريخ بأن معاوية رضي الله عنه لبث في خلافته بعد التنازل قرابة العقدين من الزمان، والمسلمون في فتوحات عظيمة وانتشار لدينهم، وفي خير ورغد من العيش ما الله به عليم.
إذاً الأمر لا لبس فيه، فإن الجيل الذي نشأ مع النبي صلى الله عليه وسلم، كانت بدايته معلومة واضحة، ومنهجه الديني بينٌ لا لبس فيه، لكل من اطلع على السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
صفحة 5
العقيدة السليمة وتكفير المسلمين
محمد: لنتحاور يا أخي الكريم بصدق ووضوح حول قضية مهمة جداً وحساسة في أي مجتمع مسلم، فأرجو أن يتسع صدرك لسماعها.أحمد: لم نتحاور يا أخ محمد إلا لبلوغ الحق والنصح فيما بيننا، ولنبتعد عن التعصب الأعمى.
محمد: هذا هو العهد بك، فأريد أن أستوضح منك السبب في كثرة التكفير ورمي هذه الكلمة العظيمة جزافاً على أهل القبلة، مع أن الأصل في ديننا أن نحسن الظن بالمسلمين، ونعذرهم على اجتهادهم في التقرب إلى الله!
أحمد: تعلم يا أخ محمد أن أظلم الظلم الشرك، وأعدل العدل التوحيد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة يدعو الناس إلى قضية واحدة وهي قوله تعالى: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) [الأعراف:65]، وهو لم يأمرهم بالوضوء أو الزكاة أو الحج وغيرها من الأمور في بادئ الأمر، إذًا دعوته عليه الصلاة والسلام في بدايتها كانت على هذا النحو لتثبيت التوحيد في صدور الصحابة، وكل شيء يأتي بعد التوحيد تباعاً.
محمد: هذا معلوم ولا لبس فيه، ولكن لم التنفير باستخدام التكفير في وجوه المسلمين؟
أحمد: على ضوء الذي قرأته وتصفحته من كتب، وجدت أن طائفة من علماء الشيعة هم أكثر استخداماً للفظة التكفير بشكل ملحوظ وخطير على عوام المسلمين وعلمائهم، ومثال ذلك: كلام حسين النجفي في جواهر الكلام (6/62) والذي يقول فيه: (والمخالف لأهل الحق -أي: الشيعة - كافر بلا خلاف).
محمد: لندع مثل هذه الأقوال ولننظر إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله في هذا الشأن.
أحمد: المتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية تربيته لأصحابه رضي الله عنهم يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تنبيهه وتحذيره من أي فعل مشابه للشرك سريعاً وحاسماً، سداً وحماية لجناب التوحيد من الخدش أو الشرك، فإن الله سبحانه يقول: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:48]، فكل ذنب هين بمقابل الشرك بالله.
محمد: لنتفق على المعنى المقصود بكلمة الشرك التي يدور الحديث حولها.
أحمد: الشرك كما هو معلوم في اللغة العربية من الشريك أي: بمعنى أن يتخذ الإنسان مع الله نداً أو مساوياً في عمله أو جميع أمره، وقد بين الشرع هذا المعنى من ذكر آيات كثيرة تظهر فعل أهل مكة من اتخاذهم الأصنام، يدعونها ويعبدونها كعبادة الله، فالشرك هو صرف الفعل أو القول أو الاعتقاد بوحدانية الله وجعلها لغيره، أو جعل غيره مساو له.
فإذا حلف إنسان بغير الله فقد أشرك بقوله، وإذا ذبح لغير الله فقد أشرك بفعله، فإذا اعتقد بأن ما حلف به أو ما ذبح له نداً لله سبحانه ينفع ويضر من دون الله، فقد خرج هذا الشخص من ملة الإسلام إلى ملة الكفر، فإن كان جاهلاً، فينبغي تحذيره وتعليمه أن هذا الفعل لا يجوز وهو محرم، حتى وإن قصد التبرك ونواه لله.
فالدعاء والاستغاثة والطواف والحلف والنحر والصلاة والحج وغيرها من العبادات لا تعمل إلا لله، وهذا ما خالف عليه النبي صلى الله عليه وسلم طوال عقد من الزمان أهل مكة وحاربهم عليه.
محمد: هذا من المعلوم عند علماء الشيعة، فما الجديد فيما قلته؟
أحمد: ما قلته جديد على مسامع جمع من رجال الدين الشيعة، بل إن البعض خص الشرك بتعريف جديد، كتعريف يوسف البحراني في الحدائق الناضرة (18/153) له بقوله: (وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين).
محمد: الأقوال الشاذة من قبل بعض رجال الدين ليست بحجة في الاستدلال فلم نسمع أحداً من العلماء لم يأمر بالتوحيد وعدم الشرك بالله، أو حتى تهاون في هذا الجانب.
أحمد: المثال يوضح المقال:
الخميني طرح سؤالاً في كشف الأسرار (ص:60) وأجاب عنه بنفسه ليبين معتقده بهذا الشأن فقال: (هل طلب الشفاء من التربة شرك؟) ثم أجاب: (إن الإجابة عن هذا السؤال تتوضح من خلال ما يحمل الشرك من معنى، فقد عرفتم بأن الشرك هو أن يكون مع الله أحد أو عبادة أحد أسوة بعبادة الله، أو طلب الحاجة من أحد على أساس كونه إلهاً أو شريكاً لله أو له استقلالية في التأثير، ولكن ذلك لا يعد شركاً ولا كفراً، إذا ما تم الطلب على أساس أن الله قادر على أن يستجيب للطلب من خلال من يتفانى من أجل دينه، وخسر روحه من أجله تعالى) فهل تعلم يا أخ محمد ماذا فتح هذا الكلام وأباح؟
صفحة 6
محمد: كلام الإمام قدس الله سره واضح عندي، فماذا تريد أن تقول؟
أحمد: أريد أن أصل إلى أن الخميني قال شيئاً لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الذين من بعده في تعريف الشرك، وهذا فتح باباً لأمور عدة منها:
1- جواز أن يستشفي المسلم بالسحر والطلاسم الغريبة فيدفع عنه المرض.. راجع بحار الأنوار (94/193).
2- الاستخارة بالرقاع أو البندق أو الحصى، لفعل شيء ما يريده الإنسان (الاستقسام لفعل الحاجات).. راجع التهذيب (1/306) والفروع من الكافي (1/131).
3- الاعتقاد بأن للأئمة الحق في فعل ما يشاءون على الأرض، وأن الإمام هو رب الأرض كلها.. راجع مرآة الأنوار (ص:95).
4- الاعتقاد بأن الإمام يتصرف بالحوادث الكونية والمناخية التي تحدث في الجو، راجع الاختصاص للمفيد (ص:327) وبحار الأنوار (27/33).
5- الاعتقاد بأن بإمكان الإمام أن يحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم، راجع أصول الكافي (1/457) وبصائر الدرجات (ص:76).
فمثل هذه الاعتقادات هل تقود من يعتقدها إلى العبودية لله أم إلى شرك لم يعتقده حتى كفار أهل مكة؟!
محمد: النية هي أساس العمل، من قبوله أو رفضه، وهذا ما صرح به الإمام الخميني.
أحمد: أزيد البيان لك توضيحاً من قوله في كتاب كشف الأسرار (ص:42) حيث قال: (وبعد أن تبين أن الشرك هو طلب الشيء من غير رب العالمين على أساس كونه إلها فإن ما دون ذلك ليس بشرك، ولا فرق في ذلك بين حي وميت، فطلب الحاجة من الحجر ليس شركاً، وإن يكن عملاً باطلاً).
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن أهل مكة لم يكونوا يدعون الأصنام على أساس كونها آلهة كما قال الخميني، ولكن كانوا يدعونها على أنها وسطاء إلى الله، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)) [الزمر:3] فهل تركهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنهم لم يتخذوها آلهة؟- فإذاً الأمر جائز- أم أنه أنكر عليهم وقاتلهم عليه، وبين لهم أن هذا من الشرك الأكبر؟
محمد: هل تريد أن تقول: إن الإمام قدس الله سره، لم يفهم معنى الشرك بالله، أو أنه يبيحه للعوام؟
أحمد: لست أنا الذي أحكم بذلك، ولكن الله سبحانه منحنا العقول والأفئدة التي نميز بها الحق من الضلال.
وينبغي أن نعلم أن الأئمة رحمهم الله إنما هم أولياء لله نحبهم لمحبتنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم ولاتباعهم له ولا ننزلهم إلا المنزلة التي تليق بهم، ونعوذ بالله أن نرفعهم من حالهم إلى حال الربوبية والألوهية كما ذكر الكشي (ص:225) عن جعفر بن محمد قوله: (فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، وما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجة، ولا معنا من براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله؟ فقد آذوا الله وآذوا رسوله في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً).
أحمد: أريد أن أصل إلى أن الخميني قال شيئاً لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الذين من بعده في تعريف الشرك، وهذا فتح باباً لأمور عدة منها:
1- جواز أن يستشفي المسلم بالسحر والطلاسم الغريبة فيدفع عنه المرض.. راجع بحار الأنوار (94/193).
2- الاستخارة بالرقاع أو البندق أو الحصى، لفعل شيء ما يريده الإنسان (الاستقسام لفعل الحاجات).. راجع التهذيب (1/306) والفروع من الكافي (1/131).
3- الاعتقاد بأن للأئمة الحق في فعل ما يشاءون على الأرض، وأن الإمام هو رب الأرض كلها.. راجع مرآة الأنوار (ص:95).
4- الاعتقاد بأن الإمام يتصرف بالحوادث الكونية والمناخية التي تحدث في الجو، راجع الاختصاص للمفيد (ص:327) وبحار الأنوار (27/33).
5- الاعتقاد بأن بإمكان الإمام أن يحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم، راجع أصول الكافي (1/457) وبصائر الدرجات (ص:76).
فمثل هذه الاعتقادات هل تقود من يعتقدها إلى العبودية لله أم إلى شرك لم يعتقده حتى كفار أهل مكة؟!
محمد: النية هي أساس العمل، من قبوله أو رفضه، وهذا ما صرح به الإمام الخميني.
أحمد: أزيد البيان لك توضيحاً من قوله في كتاب كشف الأسرار (ص:42) حيث قال: (وبعد أن تبين أن الشرك هو طلب الشيء من غير رب العالمين على أساس كونه إلها فإن ما دون ذلك ليس بشرك، ولا فرق في ذلك بين حي وميت، فطلب الحاجة من الحجر ليس شركاً، وإن يكن عملاً باطلاً).
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن أهل مكة لم يكونوا يدعون الأصنام على أساس كونها آلهة كما قال الخميني، ولكن كانوا يدعونها على أنها وسطاء إلى الله، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)) [الزمر:3] فهل تركهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنهم لم يتخذوها آلهة؟- فإذاً الأمر جائز- أم أنه أنكر عليهم وقاتلهم عليه، وبين لهم أن هذا من الشرك الأكبر؟
محمد: هل تريد أن تقول: إن الإمام قدس الله سره، لم يفهم معنى الشرك بالله، أو أنه يبيحه للعوام؟
أحمد: لست أنا الذي أحكم بذلك، ولكن الله سبحانه منحنا العقول والأفئدة التي نميز بها الحق من الضلال.
وينبغي أن نعلم أن الأئمة رحمهم الله إنما هم أولياء لله نحبهم لمحبتنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم ولاتباعهم له ولا ننزلهم إلا المنزلة التي تليق بهم، ونعوذ بالله أن نرفعهم من حالهم إلى حال الربوبية والألوهية كما ذكر الكشي (ص:225) عن جعفر بن محمد قوله: (فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، وما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجة، ولا معنا من براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسئولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله؟ فقد آذوا الله وآذوا رسوله في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً).
صفحة 7
العصمة
أحمد: لا زلت أعجب من أولئك الذين يفسرون الآيات بغير معناها الحق، ويستدلون بالروايات الضعيفة في إثبات أمر ليس في كتاب الله سبحانه.محمد: هل بالإمكان ضرب مثال على ما تقول؟
أحمد: قوله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] أين الدليل في هذه الآية على ثبوت العصمة للأئمة؟
محمد: الاستدلال هنا بالمفهوم، وليس بالمنطوق، فالمبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يكون مصاناً عن كل ما من شأنه أن يقدح في تبليغ الرسالة، فكما أن الله عصم النبي صلى الله عليه وسلم في حال تبليغه، فكذلك وقع الأمر للأئمة، الذين هم الأوصياء من بعده عليه الصلاة والسلام.
أحمد: العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم واجبة لحفظ الرسالة، لقوله تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:3-4] فمن الذي أوجب وجودها لفئة معينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ والخبر إن وجد وصح سيكون إذاً متواتراً ومعلوماً ومنتشراً أمره بين الناس، إذاً ادعاء العصمة لا دليل عليه.
محمد: ولكن الآية نزلت خاصة في آل بيت علي عليه السلام الذين هم أوصياء النبي صلى الله عليه وسلم من بعده.
أحمد: بداية لنعلم أن هذه الآيات لم تنزل في آل بيت علي، والدليل على ذلك، أن الله لما أنزل هذه الآية ضمن آيات أخرى تثني بمجموعها على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، قام النبي صلى الله عليه وسلم ودعا فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم وشملهم بكسائه، ثم قرأ هذه الآية، لتشملهم بركة هذه الآية مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان التطهير متحققاً فيهم من الآية فلم الإعادة والتكرار والطلب بالدعاء لأمر قد تم تحققه ووقوعه بأمر الله؟
محمد: ولكن الآية فيها دلالتان على العصمة، الأولى: استعمال الضمير المذكر في قوله (يطهركم) بدلاً من نون النسوة، وثانياً: معنى الرجس أي: يعصمكم من الفواحش والذنوب، فيفهم بالتالي أن الآية لآل بيت علي وحدهم.
أحمد: أما استعمال الضمير المذكر بدلاً من نون النسوة في (يطهركم) فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ضمن المطهرين في الآيات؛ لأنه رب الأسرة، والخطاب إذا كان موجهًا لذكور وإناث فإنه يأتي بصيغة المذكر الذي هو أرفع قدراً من النساء، فيشمل الجميع.
كذلك من الذي قال: إن معنى التطهير من الرجس هو العصمة من الذنوب والفواحش؟ فإن الرجس قد يأتي بمعنى العذاب كقوله تعالى: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام:125] أو الضلال أو السخط أو الأوثان، وكل هذا يعرف من اللغة العربية بالقرائن والدلالات.
والآية الكريمة والدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، تدلان على إكرام الله لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غفر لهم ذنوبهم، وأبعدهم عن عذاب الآخرة.
محمد: جاء في قوله تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59] ولما كان معلوماً أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه كانت الآية تأمر بطاعته؛ طاعة متضمنة لعصمته من الزلل.
أحمد: المسلم لا يفسر القرآن وفق ما يميل إليه رأيه، بل ينظر إلى أقوال العلماء، فإن الآية واضحة المعنى؛ وهو أن لله طاعة منفصلة وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ولاة الأمر فإن طاعتهم إنما تكون تنفيذاً لما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، وليست لهم طاعة منفصلة إلا بالمعروف من أمور الدنيا.
وأما التنصيص على الإمارة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه فهذا مبحث آخر نتطرق إليه لاحقاً بإذن الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بآل بيته بقوله: (أذكركم الله في أهل بيتي) أي: اعرفوا لهم حقهم، وأنزلوهم المنزل الذي يليق بهم، من الحب والتقدير والتشريف.
محمد: ولكن لماذا هذا التشنج والحدة في النقاش على قضية تعتبر مكملة لشخصية المبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الوصي؟
أحمد: المعذرة إن كان في حواري غلظة أو جفاء، فنحن بإذن الله طلاب حق وصواب، ولتعلم يا أخ محمد أنه ليت الأمر اقتصر على التكميل، بل تجاوز حتى بلغ إلى المشابهة مع الأنبياء والمرسلين، إن لم أقل مرتبة أفضل منهم.
محمد: حاشا لله أن يقول مثل هذا مسلم عاقل!
أحمد: جاء في بحار الأنوار (25/350): (أن أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأئمة صلوات الله عليهم، من الذنوب الصغيرة والكبيرة، عمداً وخطأً ونسياناً، من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله عز وجل).
محمد: ينبغي أن نتأكد ونتحقق من صحة هذه الرواية.
أحمد: هذه المقولة وغيرها لم يتطرق عالم إلى تفنيدها، والترك دلالة على الموافقة والقبول في مرجع معلوم، بل هي أساس متين في المعتقد، ونحن نعلم أن الأنبياء قد تأتي عليهم الغفلة والنسيان مما هو معلوم من أمر البشرية، ومما لا يقدح في شأن الرسالة والبلاغ.
محمد: هل من دليل على ما تقول؟
أحمد: قال تعالى معاتباً النبي صلى الله عليه وسلم: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)) [التوبة:43].
وقال سبحانه وتعالى: ((عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى)) [عبس:1-2].
وقال تعالى معاتباً النبي صلى الله عليه وسلم في أخذه الفداء من أسرى بدر: ((لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [الأنفال:68] والخطأ في جنب النبي صلى الله عليه وسلم يقال عنه أنه مخالفة للأولى ؛ لأن فعله صحيح، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم مطالب دائماً بفعل الأكمل والأصح.
صفحة 8
وليس الأمر مقتصراً على نبينا صلى الله عليه وسلم، بل قد وقع الزلل والخطأ من غيره من الأنبياء مثل آدم صلى الله عليه وسلم لما أكل من الشجرة، ونوح صلى الله عليه وسلم لما أن دعا الله بأن ينجي ابنه الكافر، وكذلك موسى صلى الله عليه وسلم لما قتل القبطي، فذكر المولى سبحانه الفعل الذي اقترفوه لأنه لا ينبغي حدوثه منهم، لأنهم صفوة الخلق وأفضلهم.
محمد: ولكن فضائل آل بيت النبي عليهم السلام كثيرة؛ مداد البحار لا تحصيها كثرة، وكذلك بركاتهم على الأمة.
أحمد: هذا الكلام ليس محل حوارنا؛ لأننا متفقان على أن لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فضائل ومناقب، ولكن لنتحاور حول بعض الأمور التي أشكلت علي:
1- حديث الكساء شمل خمسة أنفس من بيت علي رضي الله عنه بالتطهير، فما الدليل من القرآن أو الحديث على إدخال غيرهم في التطهير والعصمة؟
2- ما الدليل الذي علمنا من بعده أن علي بن الحسين -زين العابدين – هو الوصي من بعد والده؟ مع أنه كان صغير السن لما قتل والده!
3- لماذا لم يشمل التطهير كل أبناء الحسين وبناته؟
4- الحسن بن علي رضي الله عنهما، لماذا أخرجنا أبناءه من مبدأ العصمة والإمامة؟
5- زين العابدين أولاده كثر، فلماذا اقتصرنا على الباقر فقط دون سواه من الإخوة؟ وكذلك الأمر في أبناء الباقر ومن بعده!
محمد: الروايات الدالة على أن الأئمة معصومون كثيرة، مما يستوجب علينا القطع بصحتها.
أحمد: وكذلك الروايات الدالة على الضد، ومن ذلك ما ذكره العلامة الصدوق في عقائده (ص:160): (أن من ينفي السهو عن النبي يعد من الغلاة، ومن ينفي السهو عن الأئمة يعد من المفوضة الذين لعنهم الله).
وجاء في مجمع البيان (5/205): (أن مذهبهم –أي: الشيعة - أن الأئمة يجوز عليهم السهو والنسيان في غير ما يؤدونه عن الله).
ثم تطور الاعتقاد كما جاء في تنقيح المقال (3/240): (أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضروريات المذهب الشيعي).
إذاً: التعديل في الأحكام يكون حسب الحاجة والضرورة وإن كان في المسائل العقدية، والتي تخالف ما كان عليه السابقون.
محمد: لا زالت الصورة غير مستبينة عندي، هل هناك من خطورة على المسلم بأن يعتقد في إمامه الذي يتلقى عنه الأحكام أنه منـزه من الرذائل؟
أحمد: الجواب يعرف من خلال هذا التساؤل، ما الفرق بين النبي وغيره إن قلنا: بالعصمة لكليهما؟ بل إن الأئمة بلغوا منزلة وحازوا على خصائص لم يدركها النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك أن العصمة متعدية، بمعنى أن الإمام المعصوم كما أنه لا يسأل عن دليله في المسألة، ولا يرد حكمه وقوله، فكذلك من ينوب عن الأمام يحوز هذا الشرف، فلا ينبغي للعوام أن يردوا حكمه وقوله.
لهذا يقول الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية (ص:91): (نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا يزال محفوظاً لهم؛ لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم).
محمد: هذه هي ولاية وإنابة الفقيه عن الإمام المنتظر.
أحمد: من يتتبع التسلسل لهذه الإنابة وكيف نشأت، يعلم يقيناً أنها إنما أنشئت لما وقعت الحيرة بعد الغيبة الصغرى والكبرى، والاختلاف حول الأموال التي تقدم وهي الخمس، فأنشئت هذه القضية لتلافي هذا الإرباك، ولقطع كل سؤال عن الدليل قد يقدم من العوام لرجال الدين الشيعة بصيغة: (ما دليلك على ما تقول)؟
محمد: إذاً ما هو الاعتقاد الواجب أن نعتقده في الأئمة عليهم السلام؟
أحمد: هم من أكرم البيوت شرفاً، وأعلاها رتبة، لاتصال نسبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خير فيهم إن لم يسيروا وفق هدي سيد هذا البيت وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهم بشر كبقية البشر يصيبون ويذنبون، ويرجون رحمة الله ومغفرته، وعلى قدر طاعتهم وذلهم لله، تكون منزلتهم عند الله سبحانه.
أخرج القمي في معاني الأخبار (ص:62) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا علي! أول نظرة لك والثانية عليك، لا لك).
وجاء في نهج البلاغة (ص:82) مقولة أمير المؤمنين علي أنه قال: (اللهم اغفر ما أنت أعلم به مني، فإن عدت فعد علي بالمغفرة).
وجاء في نهج البلاغة (ص:335) خطبة رقم (216) في خطبة خطبها علي بصفين فقال رضي الله عنه: (... فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل؛ فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي).
وهم رحمهم الله يقرون على أنفسهم بالذنب ويرجون المغفرة من الله تعالى، ودلالة الحب لأي إنسان أن تنزل من تحب المقام الذي يليق به، وتصدق معه، والسعيد من المؤمنين من تأسى بسيد أهل البيت صلى الله عليه وسلم ثم اقتدى بآله رضوان الله عليهم وفق هدي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
محمد: ولكن فضائل آل بيت النبي عليهم السلام كثيرة؛ مداد البحار لا تحصيها كثرة، وكذلك بركاتهم على الأمة.
أحمد: هذا الكلام ليس محل حوارنا؛ لأننا متفقان على أن لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فضائل ومناقب، ولكن لنتحاور حول بعض الأمور التي أشكلت علي:
1- حديث الكساء شمل خمسة أنفس من بيت علي رضي الله عنه بالتطهير، فما الدليل من القرآن أو الحديث على إدخال غيرهم في التطهير والعصمة؟
2- ما الدليل الذي علمنا من بعده أن علي بن الحسين -زين العابدين – هو الوصي من بعد والده؟ مع أنه كان صغير السن لما قتل والده!
3- لماذا لم يشمل التطهير كل أبناء الحسين وبناته؟
4- الحسن بن علي رضي الله عنهما، لماذا أخرجنا أبناءه من مبدأ العصمة والإمامة؟
5- زين العابدين أولاده كثر، فلماذا اقتصرنا على الباقر فقط دون سواه من الإخوة؟ وكذلك الأمر في أبناء الباقر ومن بعده!
محمد: الروايات الدالة على أن الأئمة معصومون كثيرة، مما يستوجب علينا القطع بصحتها.
أحمد: وكذلك الروايات الدالة على الضد، ومن ذلك ما ذكره العلامة الصدوق في عقائده (ص:160): (أن من ينفي السهو عن النبي يعد من الغلاة، ومن ينفي السهو عن الأئمة يعد من المفوضة الذين لعنهم الله).
وجاء في مجمع البيان (5/205): (أن مذهبهم –أي: الشيعة - أن الأئمة يجوز عليهم السهو والنسيان في غير ما يؤدونه عن الله).
ثم تطور الاعتقاد كما جاء في تنقيح المقال (3/240): (أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضروريات المذهب الشيعي).
إذاً: التعديل في الأحكام يكون حسب الحاجة والضرورة وإن كان في المسائل العقدية، والتي تخالف ما كان عليه السابقون.
محمد: لا زالت الصورة غير مستبينة عندي، هل هناك من خطورة على المسلم بأن يعتقد في إمامه الذي يتلقى عنه الأحكام أنه منـزه من الرذائل؟
أحمد: الجواب يعرف من خلال هذا التساؤل، ما الفرق بين النبي وغيره إن قلنا: بالعصمة لكليهما؟ بل إن الأئمة بلغوا منزلة وحازوا على خصائص لم يدركها النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك أن العصمة متعدية، بمعنى أن الإمام المعصوم كما أنه لا يسأل عن دليله في المسألة، ولا يرد حكمه وقوله، فكذلك من ينوب عن الأمام يحوز هذا الشرف، فلا ينبغي للعوام أن يردوا حكمه وقوله.
لهذا يقول الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية (ص:91): (نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا يزال محفوظاً لهم؛ لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم).
محمد: هذه هي ولاية وإنابة الفقيه عن الإمام المنتظر.
أحمد: من يتتبع التسلسل لهذه الإنابة وكيف نشأت، يعلم يقيناً أنها إنما أنشئت لما وقعت الحيرة بعد الغيبة الصغرى والكبرى، والاختلاف حول الأموال التي تقدم وهي الخمس، فأنشئت هذه القضية لتلافي هذا الإرباك، ولقطع كل سؤال عن الدليل قد يقدم من العوام لرجال الدين الشيعة بصيغة: (ما دليلك على ما تقول)؟
محمد: إذاً ما هو الاعتقاد الواجب أن نعتقده في الأئمة عليهم السلام؟
أحمد: هم من أكرم البيوت شرفاً، وأعلاها رتبة، لاتصال نسبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خير فيهم إن لم يسيروا وفق هدي سيد هذا البيت وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهم بشر كبقية البشر يصيبون ويذنبون، ويرجون رحمة الله ومغفرته، وعلى قدر طاعتهم وذلهم لله، تكون منزلتهم عند الله سبحانه.
أخرج القمي في معاني الأخبار (ص:62) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا علي! أول نظرة لك والثانية عليك، لا لك).
وجاء في نهج البلاغة (ص:82) مقولة أمير المؤمنين علي أنه قال: (اللهم اغفر ما أنت أعلم به مني، فإن عدت فعد علي بالمغفرة).
وجاء في نهج البلاغة (ص:335) خطبة رقم (216) في خطبة خطبها علي بصفين فقال رضي الله عنه: (... فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل؛ فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي).
وهم رحمهم الله يقرون على أنفسهم بالذنب ويرجون المغفرة من الله تعالى، ودلالة الحب لأي إنسان أن تنزل من تحب المقام الذي يليق به، وتصدق معه، والسعيد من المؤمنين من تأسى بسيد أهل البيت صلى الله عليه وسلم ثم اقتدى بآله رضوان الله عليهم وفق هدي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
صفحة 9
التقية
أحمد: نِعم المحاور والمستفهم أنت، ولكني على علم من استعمالكم دائماً للتقية في كل أمر، في حال الخوف وأيضاًًً الأمن؛ لأنها من ضروريات المذهب.محمد: هذا فيه مجافاة للحق، واتهام للشيعة بأنهم جبناء، ولا يصدعون بالحق، وللعلم فالتقية إنما تستعمل في مواطن الخوف، ولا شيء غيره، بل هي مشروعة عندنا وكذلك عند إخواننا السنة، والأدلة معلومة.
أحمد: جاء في شرح عقائد الصدوق للعلامة المفيد أنه قال: (التقية كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا).
وورد عن جعفر الصادق كما ذكر علماء الشيعة في كتب عدة أنه قال: (التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له) ووفق ما أعلم فإن الصحابة لم يفعل أحد منهم التقية إلا ما ذكر عن عمار بن ياسر رضي الله عنه حينما ذكر آلهة الكفار بخير، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عادوا فعد) (أي: إلى التقية حفاظاً على حياتك).
محمد: لم تخالف ما ذكرته من روايات مع ما قلته أنا، وأكرر أن التقية إنما تستعمل في بعض المواضع التي يخاف فيها المسلم على نفسه من الضرر.
أحمد: استعمال التقية تجاوز المفهوم السابق، بل أصبح الاستخدام عاماً في كل الأمور والدليل على ما أقول:
1- قال مرتضى الأنصاري في رسالة التقية (ص:72) عن الإمام المعصوم أنه قال: (.. فإن التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله).
2- قال الخوئي في التنقيح شرح العروة الوثقى (4/278) وصححها عن الصادق أنه قال: (ما صنعتم من شيء، أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة).
3- جاء في وسائل الشيعة (5/383) باب بعنوان: (استحباب حضور الجماعة خلف من لا يقتدى به (أي: الإمام السني) للتقية، والقيام في الصف الأول معه).
وهذا أيضاًً ما أفتى به أبو القاسم الخوئي في كتاب: مسائل وردود (1/26) عن الصلاة مع جماعة المسلمين! فأجاب: (تصح إذا كانت تقية).
4- المرأة ترث من العقار والدور والأرض، وذلك لرواية أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً أو يكون في ذلك في منزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئاً؟
فقال: (يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركت).
فعقب الطوسي على الرواية كما جاء في الاستبصار (4/154) فقال: نحمله على التقية؛ لأن جميع من خالفنا يخالف هذه المسألة، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة (أي: السنة) وما يجري هذا المجرى يجوز فيه التقية.
فعلى هذا كأن التقية أيضاً تستعمل مع الشيعي ولا تختص بالسني فقط.
محمد: التقية أمرها مستحب، ويستطيع المسلم الشيعي أن يتركها أو يفعلها، لا حرج عليه في ذلك.
أحمد: إذا كان الحكم كما قلت، إذاً ماذا نفعل أمام قول من يقول: تارك التقية كتارك الصلاة؟
وكقول الصادق: (لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً).
وقال ابن بابويه في الاعتقادات (ص: 104): (اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة).
محمد: ولكننا في هذا الزمان لا نسمع، بل نكاد لا نجد مسلماً شيعياً يتعامل مع إخواننا السنة بالتقية؛ لأنهم يعلمون أنهم في بلد واحد يحتاج إلى الترابط والقوة أمام الأعداء، والأجساد لا تتقارب إلا بتقارب وصفاء القلوب.
أحمد: الخميني في كتابه الرسائل (2/201) ذكر أن العمل بالتقية يكون في كل وقت.
فقال: (ثم إنه لا يتوقف جواز هذه التقية بل وجوبها على الخوف على نفسه أو غيره، بل الظاهر أن المصالح النوعية صارت سبباً لإيجاب التقية، فتجب التقية وكتمان السر لو كان مأموناً وغير خائف على نفسه).
محمد: كأنك تريد أن تقول: إن التقية أصبحت شعاراً للمذهب الشيعي!
أحمد: الروايات هي التي تقول بذلك والواقع يثبت لنا هذه الحقيقة، فهل الحق يكتم أم أن المؤمن-وهو آمن- لا يجهر بالحق ويبينه للعامة من المسلمين!
ولعل البعض يقول كالعادة بضعف مثل هذه الأقوال والاجتهادات، فلذا نحتاج لتحقيق الترابط إلى ذلك العالم المجتهد والذي يعلي صوته بتضعيف كل الروايات التي نصت على التعامل بالتقية، ويحث المسلمين الشيعة على الوضوح والعمل بالأحاديث المتفقة بين الطرفين، وأن نحقق الترابط القلبي قبل الظاهري، فكيف يمكن أن يتعايش إنسان مع آخر وهو يعلم أنه يضمر له العداء والمخالفة، والاعتقاد بأن دينه باطل وغيرها من الأمور التي تفرق ولا تجمع، وتمزق ولا تربط بين أفراد المجتمع الواحد.
وينبغي علينا أن نلعن التقية التي تفرقنا، كما لعنها الدكتور موسى الموسوي في كتابه التصحيح، وألا نؤصل لها كما يفعل بعض علماء الشيعة في كتبهم.
صفحة 10
علم الحديث والتصحيح والتضعيف
محمد: يظن بعض الإخوة السنة أن إخوانهم الشيعة، لم يهتموا بتتبع الروايات المنقولة عن النبي وآله عليهم السلام بالتحقيق والتثبت، لذا نجدهم يقذفون الشيعة بأبشع العبارات وأشنع الأقوال.أحمد: من المتعارف عليه عند علماء الحديث، أن الحديث ينقسم إلى طرفين: جانب الإسناد وهو سلسلة الرواة للخبر، والجانب الآخر هو القول الذي قاله قائل الحديث، فما تعريف الحديث الصحيح عندك؟
محمد: هو ما رواه العدل الضابط للخبر عن مثله في جميع مراحل السند.
أحمد: كأنك نسيت كلمة مهمة ذكرها الحر العاملي وهي: (الإمامي) أي العدل الإمامي، وهذا أمر مهم، وهو شرط مشكل وعسير على أحاديث الشيعة لو طبق.
محمد: وكيف ذلك؟
أحمد: يقول الحر العاملي في كتاب خاتمة الوسائل (30/206) بعد أن ذكر تعريف الحديث الصحيح: (وهذا يستلزم ضعف كل الأحاديث عند التحقيق).
وعلل السبب بقوله: (لأن العلماء لم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادراً، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعاً).
محمد: رجال الدين الشيعة قسموا الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف، وفق تتبعهم للأحاديث والآثار الواردة عن الآل عليهم السلام.
أحمد: التقاسيم لا جدوى منها إن لم يكن هناك مثال لما تقول، وأيضاًًً ما الضابط لحفظ الرواة ونسيانهم مع العدالة والتوثيق، وقد قال الحر العاملي في الوسائل (30/206): والثقات الأجلاء من أصحاب الإجماع وغيرهم يروون عن الضعفاء والكذابين والمجاهيل حيث يعلمون حالهم ويشهدون بصحة حديثهم، وقال أيضاًً (30/244): ومن المعلوم قطعاً أن الكتب التي أمروا عليهم السلام بالعمل بها، كان كثير من رواتها ضعفاء ومجاهيل.
محمد: هذه مجازفة خطيرة أن تستند في فتواك على قول أو رواية رجل مجهول أو ضعيف، فلربما تقول أو تكذب على الإمام، أو تنسب إليه ما لم يصدر عنه.
أحمد: لننظر إلى ما يقوله العلماء عن بعض الرواة المشاهير والمكثرين من الرواية عن آل البيت رحمهم الله تعالى:
1- المغيرة بن سعيد، أحد رواة الأحاديث عن الأئمة، نقل المامقاني في كتابه تنقيح المقال (1/174) عن المغيرة بن سعيد أنه قال: (دسست في أخباركم أخباراً كثيرة، تقرب من مائة ألف حديث).
وللعلم يا أخ محمد، فإن المغيرة هذا موجود في سنة (199هـ).
2- جابر بن يزيد الجعفي: قال فيه الحر العاملي الوسائل (20/151): (روى سبعين ألف حديث عن الباقر عليه السلام، وروى مائة وأربعين ألف حديث عن غيره).
وهنا سؤال يفرض نفسه: كل هذه الروايات، هل سمعها جابر مشافهة من الإمام؟ أو بواسطة راو آخر؟ يجيب الكشي في الرجال (ص:191) عن هذا بهذه الرواية: عن زرارة بن أعين قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أحاديث جابر؟ قال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط). إذًا من هو شيخ جابر الذي علمه هذا الكم من أحاديث آل البيت.
محمد: ولكن كتب الشيعة الأساسية والمعتمدة، معلومة ومصانة من اللبس والدس فيها، وذلك لاهتمام الشيعة بكتب مراجعهم الدينية من التشويه والافتراء.
أحمد: وفق ما أعلم فإن كتب الشيعة المعتمدة ثمانية، وهي: الكافي، الاستبصار، من لا يحضره الفقيه، الوافي، بحار الأنوار، وسائل الشيعة، مستدرك الوسائل، أليس كذلك؟
محمد: صحيح ما تقول، وهناك كتب غيرها تشرح وتبين ما في هذه الكتب.
أحمد: الحمد لله، فلنبدأ ولننظر إلى كتب هذه المجموعة، ولنختر كتاب الكافي، الذي يُعد من أصح الكتب عندكم، والذي كما قيل إنه عرض على الإمام المنتظر فوافق على جميع ما فيه، مثل ما ذكر محمد صادق الصدر في كتابه الشيعة (ص:123) ولننظر في محتواه وعدد ما فيه من كتب وأبواب، يقول الكركي في روضات الجنات (6/114): (إن كتاب الكافي خمسون كتاباً).
وللعلم يا أخ محمد: الكركي هذا توفي في سنة (1076هـ).
أما الطوسي فقال في الفهرست (ص:165): (إن كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتاباً). وللعلم فإن الطوسي توفي سنة (460هـ).
إذاً: ما الذي جرى على الكتاب الأصلي؟ ومن أين جاءت هذه الزيادة الفادحة على أصل الكتاب؟!