eKtab
EN ع
حوارات في قضايا عربية معاصرة
اقرأ عينة مجانية

حوارات في قضايا عربية معاصرة

بقلم د. محمد صالح المسفر

صفحة 1
مقدمة
 
قبل احتلال القوات الأمريكية البريطانية والمتحالفين معها، لبلد عربي عريق هو العراق، بنحو عقد كامل من الزمان، كانت القضايا الكبرى التي تشغل أمتنا العربية والإسلامية هي نفسها التي تشغلها اليوم: الصراع العربي الإسرائيلي والحلول المطروحة لتسويته أو إنهائه، الحالة العراقية بكل أبعادها المحلية والإقليمية والدولية، الحرية والتحرر، التعليم والتنمية، الديمقراطية أو الشورى، الأمن والإرهاب، وغيرها كثير· وستبقى هذه القضايا تشغل أمتنا خلال القرن الحادي والعشرين أيضا،وإن اختلفت التفاصيل والمواقع والنتائج
 
لقد دفعني هذا التصور العام، إلى إعداد ونشر هذا الكتاب الذي يتضمن حوارات ذات طابع سياسي أجريتها عبر تليفزيون دولة قطر (برنامج: حوار في قضية) مع رؤساء دول وصناع قرار وقيادات سياسية، موالية ومعارضة، حول قضايا تهم كل من يهتم بمستقبل هذه الأمة·
 
في الربع الأخير من عام 1990، عقب دخول القوات العراقية إلى الكويت، أجريتُ سلسلة حوارات سياسية استقطبت جمهوراً عريضاً من المشاهدين على امتداد الساحة العربية التي كان يصلها البث التلفزيوني القطري في ذلك الوقت· ونقلت بعض محطات التلفزيون العربية والأجنبية ( ومنها سي· إن· إن·) أجزاء من حلقات تلك الحوارات، ثم عمدت محطات أخرى إلى اجتزاء مقاطع كان بعضها يدور حول دور الأمم المتحدة وما يجب أن تفعله لمنع توسيع دائرة مسرح العمليات الحربية في المنطقة· كانت بغداد عاصمة الجمهورية العراقية تعيش في منتصف شهر يناير 1991، تحت قصف وحشي مدمر، استخدمت فيه كل أنواع السلاح ولم يقتصر القصف على بغداد وحدها، بل شمل كل أرض الرافدين· كان رأي البرنامج أن الحرب خرجت عن أهدافها المعلنة وهي إخراج القوات العراقية من الكويت، لكن الهدف الذي لم يعلن هو تدمير قدرات العراق وإنهاء دوره في المنطقة وهكذا كان· غير أن البرنامج توقف في 71 يناير 1991م إثر بدء الحرب على العراق· ثم استؤنفت الحوارات بعد غياب لم يطل كثيراً، بمزيد من الحرية والجرأة في تناول قضايا أمتنا بالنقد والتحليل· وكان الهدف أن تؤدي الكلمة دورها في توضيح ما يجري، لماذا جرى؟ وكيف جرى؟ وأين؟ وضد من؟
 
أقول بكل اعتزاز أن تلفزيون قطر كان له السبق في تناول قضايا عربية ودولية هامة يعتبر تناولها في ذلك الوقت من المحرمات· فبعض ضيوف البرنامج كانوا معارضين لأنظمة بلادهم السياسية، ومنهم معارضون عراقيون ومصريون وبحرينيون وفلسطينيون وجزائريون· ولم يكن ذلك أمرا عاديا في وسائل إعلام دول مجلس التعاون الخليجي· فكثرت الاحتجاجات على البرنامج رسمياً وشُنت عليه حملة منظمة من داخل الوطن العربي وخارجه، شاركت فيها صحف أمريكية وبريطانية وفرنسية إلى جانب بعض الصحف في الوطن العربي·
 
ورغم كل الحملات التي شُنت على هذا البرنامج لإيقافه أو الحد من حريته إلا أن صانع القرار في قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لم يلق بالاً لتلك الحملات انطلاقاً من إيمانه بالمبدأ القائل إن الكلمة الحرة تبني ولا تهدم
 
ولم يكن تلفزيون قطر قد أخذ مكانه على القمر الصناعي العربي (عرب سات) ليصل إلى جمهور أوسع في عالمنا العربي ليرى ثمار حرية التعبير بالصوت والصورة في بيئة حالكة السوادفي المنطقة· وكانت الحوارات المذاعة أشبه بمناظرات ثقافية فكرية لا تتضمن فواصل إعلانية تقطع على المتلقي انسياب المعلومة بصورة متكاملة إليه وتجلت حرية التعبير بالكلمة والصورة بعد ذلك بظهور نجم قناة الجزيرة التي اصبح إرسالها يغطي القارات الخمس، وتضم كوكبة من الخبراء الإعلاميين العرب، فتميزت بمهنيتها واتساع مدى حريتها في التفاعل مع الأحداث·
 
ولا بد لي أن أُنوه في هذه المقدمة الموجزة بأن بعض حلقات البرنامج أو أجزاء منها لم تدرج ضمن سياق هذا الكتاب لأسباب وجيهة، منها تلف بعض الأشرطة بسبب الحرارة والرطوبة الناجمين عن عدم التقيد بشروط حفظها وتخزينها في أرشيف الكاتب· والسبب الثاني عدم وجود فائدة ترجى من إعادة الحديث في مسائل تجاوزها الزمن كالخلافات الحدودية في المنطقة التي تمت تسوية معظمها· والسبب الثالث أن بعض الحوارات كانت تسير بطريقة تعبوية ضد وجود القوات العراقيةفي الكويت
 
و من واجبي أن اعتذر لكل من أجريت معه حواراً لم اضمنه هذا الكتاب، ليس تجاهلاً لفكره أو اعتراضاً على رأيه، وإنما للأسباب آنفة الذكر·
 
كما أوكد أني لم أحذف أو أغير أي رأي ورد في الحوارات، وكل ما فعلته هو إعادة صياغة اللهجات غير الفصحى لتكون في قالب لغوي سليم، إضافة إلي تجنب التكرار والإسهاب الذي يحدث عادة في الحوارات التليفزيونية التي تذاع على الهواء مباشرة· واعترف بتقصيري في تحديد تواريخ بث الحلقات وتسلسلها الزمني·
 
أخيرا، قد يسأل سائل: لماذا يصدر هذا الكتاب بعد نحو عشر سنوات من تاريخ بث البرنامج؟ وأجيب: لأن هذه الحوارات كانت وما زالت تسلط الضوء على نفس القضايا التي شغلتنا وتشغلنا اليوم، كما أنها تستشرف آفاق المستقبل المنظور الذي نأمل أن يكون مشرقاً وعزيزاً يليق بهذه الأمة العريقة·
 
محمد صالح المسفر
صفحة 2
شكـر وتقديـر
 
الحمد لله الذي أعانني على إجراء هذه الحوارات وجمعِها في كتاب قد يكون ذا منفعـة للقراء
 
وضمن هذا الإطار، أعبر من الأعماق عن شكري وعرفاني بغير حدود لسمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، راعي نهضتنا السياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية، والذي شجع ورعى حرية الكلمة في وطننا العزيز·
 
ولا بد لي من أن أتقدم بالشكر والامتنان للشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لجهوده المتميزة، فقد قدم لي كل مادة ذات صلة بالموضوع، ولولا ذلك لتعذر وصول الكتاب إلى يد القارئ الكريم·
 
وأعترف بالجميل للصديق سعد محمد الرميحي، مدير إدارة التلفزيون في وقت بث الحوارات، فقد كان لتعاونه وإرشاداته بالغ الأثر في نفسي، إذ آزرني وعلمني كيف أتفاعل مع الميكرفون ومع آلات التصوير دون عناء·
 
ويمتد اعترافي بالجميل إلى الشاعر مجيد البرغوثي الذي راجع ودقق محتويات هذا الكتاب من حيث الصياغة اللغوية دون إخلال بالمضمون بعد قراءة جميع
 
محتويات المادة المذاعة وتنقيتها من التكرار والأخطاء
 
كما أشكر الأستاذ محمد سعيد المبيض الذي راجع الكتاب قبل طباعته· ولا يفوتني أن أعبر عن شكري وتقديري للسيدة مها أبو زيد التي قامت بطباعة الحوارات أكثر من مرة واشكر ابنتي هند التي عانت معي في تفريغ كثير من الأشرطة وصبرت رغم ظروفها الدراسية· وأشيد بجهود السيدة بثينة فاروق عبد الجليل التي قامت بتفريغ معظم المادة من الأشرطة المسجلة بكل صبر ودقة·
 
ولا أنسي أن أعبر عن تقديري البالغ لكل من عمل معي في تليفزيون قطر أثناء إعداد هـذه الحوارات·
 
وأدين بالشكر والتقدير العميقين للمشاهدين العرب، حيث تفاعل كثير منهم مع البرنامج بشتى الطرق سواء كان ذلك بالنقد أو الإطراء، ومازلت احتفظ برسائلهم·
 
وفي الختام، أعترف بأني لم أعط من ورد ذكرهم هنا ما يستحقونه من الشكر والتقدير·
 
محمد المسفر
صفحة 3
(1)
 
الرئيس عمر حسن البشير
 
رئيس جمهورية السودان
 
حوار مفتوح
 
د· المسفر : السيد الرئيس·· هموم السودان كثيرة ومتنوعة، اسمح لي أن أبدأ بسؤال عن ثورة الإنقاذ· لقد انقضت 5 سنوات منذ قيام الثورة في عام 1989، فهل حققت الثورة المبادئ التي قامت من أجلها؟ ولعل أهمها عندي القضاء على الثالوث التائي وهو اختصار لكلمات التخلف والتبعية والتجزئة في السودان الشقيق··
 
الرئيس البشير: كانت هناك أوضاع معينة في السودان فرضت قيام الثورة التي عبرت عن رغبة جماهيرية· فالشعب السوداني ينظر إلى القوات المسلحة لإنقاذه من الأخطار الحقيقية التي كانت محدقة به، وعلى رأس هذه الأخطار كان تمدد حركة التمرد التي تمكنت في فترة العهد الحزبي أن تسيطر على معظم أراضي الجنوب·· بل وأصبحت تتطلع شمالاً وشارفت على مدينة الدمازين وهي مدينة استراتيجية معروفة لدى كل الشعب السوداني وفيها الخزان الرئيسي الذي يغذي مشروعات الري وبها محطة توليد الطاقة الرئيسية· أصبح التمرد يهدد منطقة النيل الأبيض· وأذكر أن أول قوات أرسلناها بعد قيام الثورة إلى مصنع سكر كلالا حيث وردت أنباء مؤكدة بأن كلالا أصبحت الهدف التالي للمخربين وأن التمرد وصل إلى جنوب كردفان ويخطط لدخول جنوب دارفور· وبدأ قائد التمرد يتحدث صراحة ويقول أنه لن يدخل الخرطوم إلا فاتحاً· وكانت الحكومات الحزبية أو الأحزاب المشتركة في الحكومات السابقة تتهافت بل تتسابق إلى إرضاء التمرد، ولكن لو نظرنا إلى كوكادام وندوة أمبو واتفاقية الميرغني فإننا نجدها جميعا عمليات استسلام للتمرد لعله يكتفي بما أخذ· إلا أن التمرد رفض أن يكتفي بما أخذ وإنما طمع في السودان كله· فثورة الإنقاذ الوطني قامت لمواجهة هذا الموقف· كانت القوات المسلحة - حقيقة - في حالة يرثى لها وتحتاج إلى جهد خارق لإعادة تأهيلها في ظروف كانت فيها العمليات مستمرة والاقتصاد منهاراً، وعملية تحضير الجيوش تحتاج إلى أموال ضخمة وتعبئة· فتوكلنا على الله وعزمنا على كسر شوكة التمرد وهزيمته عسكرياً· وبعد أن كان يتطلع إلى الخرطوم أصبح الآن ينحصر في شريط ضيق على حدود أوغندا· ونستطيع أن نقول إننا حمينا السودان ليس من التجزئة فقط وإنما من مذبحة كان يمكن أن تكون المذبحة التي تمت في رواندا بالنسبة لها عبارة عن مناظر فارطة· وأمّنا السودانيين حتى داخل مساكنهم لأن الأمن كاد ينفرط حيث جرت صراعات قبلية ونهب مسلح في دارفور· لقد أمّنا الناس ومنعنا تجزئة السودان بل ومنعنا أن يجتاح التمرد السودان· وأنقذنا ملايين البشر من المجاعات عن طريق منظمات وحملات الإغاثة، وأخرجنا السودان بحمد الله وبعونه من دائرة الجوع إلى دائرة تصدير فائض الغذاء· ومن يذهب الآن إلى السودان يشاهد السفن وهي تحمل الحبوب من ميناء بور سودان· من جهة أخرى، رغم أن السودانيين يعرفون بحبهم للعلم واندفاعهم للتعليم، وجدنا أن هناك تخلفاً كبيراً جداً وجهلاً وأمية تصل إلى 80% من الشعب السوداني· فعمدنا أولاً إلى قفل مداخل الأمية وشرعنا في تعميم التعليم العام الأساسي، ونخطط الآن لجعل التعليم الأساسي إجبارياً وفتحنا مئات المدارس في مرحلة الأساس· لم نكتف بأن يتخرج الطالب من مرحلة الأساس بست سنوات فقط وإنما رفعناها إلى ثماني سنوات لنضمن مستوى من التعليم أفضل· وكان التعليم الجامعي يعتبر كارثة بالنسبة لأولياء الأمور لأنه كان يجلس للامتحان 150 ألف طالب يقبل منهم خمسة آلاف فقط ويتشرد الباقون· فأعلنا عن ثورة التعليم العالي· وفي أول سنة رفعنا القبول من خمسة آلاف إلى اثني عشر ألف طالب وطالبة، وبعد سنة رفعناه إلى أربعة وعشرين ألفاً· وفي هذا العام قبلت الجامعات والمعاهد العليا 133 ألف طالب وطالبة· وارتفع عدد الجامعات في السودان من أربع جامعات إلى ست وعشرين جامعة· بل عمدنا إلى توزيع هذه الجامعات في كل مدن السودان· والآن توجد جامعة أو كلية جامعية في أي مدينة للإسهام في رفع المستوى الثقافي والتعليمي· ونفذنا برنامجاً لمحو الأمية الشاملة حقق نجاحات كبيرة جداً، واستطعنا أن نحاصر الأمية·
صفحة 4
د· المسفر : إن وجود ست وعشرين جامعة كما تقولون يمثل ثورة تعليمية، لكن ألا تتفق معي أن السودان ليس في حاجة إلى هذا الكم الكبير من الجامعات، إنما يحتاج إلى معاهد تقنية، معاهد للزراعة، معاهد فنية، معاهد مختلفة للصناعات والحرف، بدلا من تخريج أعداد كبيرة من حملة الشهادات الجامعية؟
 
الرئيس البشير: لم تغب عن بالنا احتياجات السودان المستقبلية· إن جامعاتنا الجديدة استجابت لحاجة المجتمع· لقد أحدثنا توسعاً ضخماً جداً في التعليم الأساسي واشترطنا أن يكون المعلم في مرحلة التعليم الأساسي خريجاً جامعياً· وكل الكليات والجامعات الجديدة تضم كليات للتربية· لسنا محتاجين إلى كم هائل من المعلمين وخريجي الجامعات، لذلك لم ننس المعلمين القدامى وحولنا كل معاهد التربية القديمة لتأهيل المعلمين السابقين ليصبحوا حملة شهادات جامعية، لرفع مستوى المعلم مما يؤدي إلى رفع مستوى الطالب· وكنا نعاني من نقص كبير جداً في كادر الأطباء بسبب العدد المحدود الذي تخرجه جامعاتنا وبسبب عملية الاستنزاف المستمرة الناجمة عن هجرة الأطباء إلى الخارج وخاصة إلى دول الخليج· فالخريج السوداني مرغوب جداً في دول الخليج، ويصعب علينا أن ندخل في منافسة مع دول الخليج نظراً لما تقدمة من رواتب وامتيازات· وكان الحل أن نتوسع في التعليم الطبي· لذلك ضمت الجامعات الجديدة كليات للطب بعضها في الخرطوم مثل كلية الصيدلة وكلية طب الأسنان التي كان عدد طلابها محدوداً ثم ازداد بالتدريج· ولدينا الآن كليات الهندسة والعلوم التقنية، وأنشأنا أول جامعة في السودان للعلوم التقنية وهي جامعة فريدة تستجيب لاحتياجات المجتمع· وفي المستقبل، سنجعل التعليم الجامعي مرحلتين: مرحلة الحصول على شهادة الدبلوم، ويتم فيها قبول أعداد كبيرة من الطلاب والمرحلة الثانية هي مرحلة الحصول على البكالوريوس والتخصصات المختلفة·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس·· يقول خصوم ثورة الإنقاذ إنكم حققتم بعض الإنجازات العسكرية في الجنوب، حررتم عشرات وربما مئات الكيلو مترات لكن ذلك ليس هو النصر الحقيقي المـؤزر، لأن الجنوبيين بـدأوا يطالبـون بحق تقرير المصير، وهذا المطلب لم يكن من قبل، وبالتالي هناك أزمة جديدة في مشكلة الجنوب وهي الدعوة إلى الانفصال عـن التراب السـوداني الموحـد· ما رأيكم؟
 
الرئيس البشير: إن مطلب الانفصال أو تقرير المصير لم يكن مفاجئا لنا· فنحن في القوات المسلحة أدرى الناس بخفايا وخبايا حركة التمرد· فقد كانت أصلا حركة انفصالية وعملت لفصل الجنوب، ولما وجدت ضعفاً في الحكومة السابقة، وجدت أنه بإمكانها تسلم السودان بالكامل، فظهرت الدعوة إلى السودان الموحد أي أنها تريد أن تحكم السودان· وبدأ الحديث عن مسيرة عسكرية وعن الدخول للخرطوم فاتحين· لكن ذلك كله اصبح غير ممكن بعد الهزائم المتكررة التي لحقت بحركة التمرد· إنالقائد المتمرد فشل في الدفاع عن عاصمته وأصبح غير مقتنع بأنه سيحتل الخرطوم
 
د· المسفر : هناك رأي يقول أن الانتصارات في الجنوب وقتية وليست انتصارات حقيقية نهائية· وسببها هو أن انهيار الاتحاد السوفيتي وخروج أثيوبيا من دائرة الصراع أدى إلى حرمان الحركة الانفصالية في الجنوب من أي دعم من دول الجوار الإفريقي· وقد يتغير الوضع في المستقبل·
 
الرئيس البشير: منذ بداية الانتصارات، قالوا هذا موسم الجفاف وانتصار القوات المسلحة في موسم الجفاف شيء طبيعي، ولكن سيأتي موسم الأمطار وستسترد حركة التمرد ما فقدته في موسم الجفاف· وفي ذروة موسم الأمطار في يوليو تمكنت القوات المسلحة من تحرير مدينة توريت التي هي عاصمة التمرد· وحين استلمنا المدينة قالوا إنها مدينة نائية ولا قيمة لها سواء من الناحية الاستراتيجية أو العسكرية· أما بالنسبة لنا، فإن لها قيمة عسكرية عالية جداً· نحن وجهنا الضربة الأولى في الحدود الشرقية والضربة الثانية كانت في الجزء الغربي من الجنوب في بحر الغزال والضربة الثالثة كانت في مدينة بور وهي مسقط رأس قائد التمرد· كانت الضربات متباعدة مما أربك حركة التمرد· وكلما استلمنا مدينة كانوا يتحدثون نفس الحديث ويقولون أن السبب هو الانهيار الذي حدث في أثيوبيا· لكن بعد أن انهارت أثيوبيا نجد أن القوى المهيمنة على العالم الآن تدعم التمرد بشكل غير محدود· الحقيقة لا ينقص التمرد السلاح ولا ينقصه المال· لكن الهزائم التي لحقت بالتمرد أوجدت قناعة لدى قطاع واسع جداً من أبناء الجنوب بعدم جدوى الاستمرار في الحرب ورغبة في إحلال السلام· وعندنا قيادات كثيرة جداً من حركة التمرد الآن سالمت وتم تامين مناطق كثيرة جداً بدون قتال، ولكن لاقتناع قطاعات من الجنوب كما ذكرت· نحن قاتلنا في بعض المناطق وأمّناها، وهناك مناطق لم نقاتل فيهاعلى النيل وتم تأمينها
صفحة 5
د· المسفر : ما هو دور الأمين العام للأمم المتحدة في هذه الأزمة؟ وما هو المقصود بتعيين مراقب مقيم في نيروبي لمتابعة تنفيذ بيان دول إيفاد؟ (ودول إيفاد هي مجموعة دول الجوار الإفريقي: كينيا وأوغندا وإريتريا وأثيوبيا)· ما حكم الإيفاد ولماذا تدخل الأمين العام في هذا وهو أصلاً خبير في الشئون الإفريقية وينتمي إلى هذا الجزء من العالم؟
 
الرئيس البشير: دول الإيفاد هي أصلاً منظمة محاربة الجفاف والتصحر، وقد قبلنا وساطتها من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي في الدول المجاورة للسودان التي تتأثر بالحرب التي تدور في السودان، ولكننا نجد أن بعض تصرفات لجنة الإيفاد قد تجاوزت نطاق عملها كوسيط· فحين قَبِلَتْ طلب الأمين العام تعيين مراقب للمفاوضات أعطت لنفسها صلاحيات وسلطات لا تمتلكها· فهي تقوم بدور الوسيط برضى طرفي الصراع، وأي تعديل في هذه الوساطة يجب أن يتم بقبول الطرفين· وقد أبلغنا دول الإيفاد إن الإعلان عن تعيين مراقب للمفاوضات أمر غير مقبول بالنسبة لنا، ويجب حصر دور دول المنظمة في الوساطة لأنهم ليسوا محكمين ولا أوصياء على السودان· ونحن طبعاً نلاحظ محاولة تدويل قضية الجنوب السوداني وهي قضية داخلية· إن محاولة التدويل هي محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية باستغلال الحرب الدائرة في الجنوب لمحاربة السودان وإضعافه· إن جر السودان إلى أي محفل آخر لا يهدف إلى التوصل إلى حل بل إن الهدف من وراء ذلك هو استنزاف السودان وتركيعه، وهذا الأمر لن يحصل إن شاء الله·
 
د· المسفر : الحديث عن الحرب والسلام في جنوب السودان الشقيق يقودنا إلى الحديث عن جبهة جديدة هي جبهة شرق السودان، ما هي علاقة الارتباط بين ما يجري في شرق السودان وبين الحرب الدائرة في الجنوب؟ المعروف أن السودان أعطت الكثير من قوتها وجهدها لمناصرة ثورة إريتريا إلى أن استقلت ثم انقلبت الموازين إلى مواجهة بينهما، الأمر الذي أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا والسودان· فما هي الأسباب وراء ذلك؟
 
الرئيس البشير: كان من المتوقع أن تصل العلاقات السودانية الإريترية إلى هذه المرحلة، لأن السودان هي التي تحملت القضية الإريترية لمدة ثلاثين عاماً· وقد كان يطلق على الثورة الإريترية تسمية الثورة اليتيمة لأنها لم تجد من يتبناها في الشرق أو الغرب، فالغرب كان يدعم الإمبراطور هيلاسيلاسي، وبعد سقوطه دعم الشرق مَنْغِسْتو هيلا ميريام ضد الثورة الإريترية· وما كان يمكن لأثيوبيا أن تتبنى حركة التمرد في الجنوب لولا موقف السودان الداعم للثورة الإريترية· والحرب الدائرة الآن في الجنوب سببها الرئيسي هو تأييد السودان لإريتريا· ومنذ البداية احتضن مَنْغِسْتو حركة التمرد وفتح لها أراضيه، ووفر لها كل الدعم بهدف الانتقام من موقف السودان من الثورة الإريترية· لذلك كان موقف إريتريا مفاجئاً لنا وغير مقبول، ومن المعروف أن هناك أكثر من نصف مليون إريتري يعيشون كمواطنين ولا يمكن أن تتم تسوية أوضاعهم بين يوم وليلة· وكان هدفنا أن يعود الإريتريون إلى بلدهم بعد نيله الاستقلال
 
د· المسفر : يخشى أنصار السودان من أن يتطور الأمر في شرق السودان إلى أزمة كبيرة جداً تحدث فيها تدخلات من عناصر مختلفة قد تؤدي إلى أزمة يصعب الخروج منها، ثم تتحول الأزمة إلى مواجهات دامية لا تقل خطورة عن المواجهات الموجودة في الجنوب· وربما تحدث أزمات يصعب التنبؤ بعواقبها· ما هو موقفكم من هذا الأمر؟
 
الرئيس البشير: لقد أغلقنا الملف الإريتري يوم حصول إريتريا على الاستقلال· ووقفنا مع الحكومة الموجودة في إريتريا الآن بعد الاستقلال وبعد إعلان الحكومة المؤقتة· ووقفنا معها من أجل حل كل مشاكلها لأنها لم تجد بنية أساسية لإقامة حكومة، وتبنيناالاستفتاء الإريتري ووظفنا معارفنا إلى أن تم إعلان استقلال إريتريا وبعد ذلك، فوجئنا حقيقة بالتصعيد في موقف إريتريا
صفحة 6
د· المسفر : ما هو السبب وراء هذا التصعيد وما هو الهدف؟
 
الرئيس البشير: نعتقد أن هناك أياد خارجية خشيت من الترابط الذي كان متوقعاً حصوله بين المثلث المتمثل في أثيوبيا وإريتريا والسودان، لأن القادة في إريتريا وأثيوبيا تربطهم علاقات قوية جداً بالسودان، وكان يتوقع أن ينشأ حلف أو تكامل أو أي شيء من هذا القبيل· فعملت بعض الدوائر على إسقاط هذا الترابط واستطاعت أن تنجح في اختراقه· وتمثل ذلك في التصعيد من جانب إريتريا ولا يوجد رد انفعالي من الجانب السوداني على الإطلاق· ونحن نرد على بعض البيانات التي يصدرها إخواننا في إريتريا ويتقدمون بها إلى مجلس الأمن·
 
د· المسفر : هل الطرف المحرك هو أحد الأطراف العربية أم الإفريقية أم الدولية أم من الأطراف المناوئة للنظام في السودان·
 
الرئيس البشير: الحقيقة الأطراف المناوئة للسودان هي أطراف دولية وإقليمية ومحلية· وكل له دوره في هذا المجال
 
د· المسفر : نعود سيادة الرئيس إلى موضوع الهجرة الفنية أو الهجرة السودانية من الداخل إلى الخارج· هذه ليست هجرة فنية فقط، وإنماهي هجرة الخبرات والعقول والكوادر التي صرف عليها الشعب السوداني كثيراً من قوته من أجل أن يصلوا إلى هذه الدرجات، هؤلاء المهاجرون يقولون إنهم هاربون من الاضطهاد ومن قهر ثورة الإنقاذ التي تريد أن تفرض عليهم آراءها وتوجهاتها بعيداً عن مفهوم المشاركة· إلى أي مدىً يستطيع الرئيس عمر البشير أن يخاطب هؤلاء الناس بما يخالف هذا الرأي؟
 
الرئيس البشير: نحن نمر بظروف إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، وهذا يؤثر على قطاع كبير من المواطنين· ويعتبر قطاع الأطباء أكبر قطاع مهاجر لأن أي طبيب يتخرج ويتخصص يتطلع إلى تحسين أوضاعه المعيشية المادية· نحن حاولنا جاهدين أن نحل بعض مشاكل الأطباء لكن المنافسة غير متكافئة بين السودان ودول المهجر· وهناك فرص محدودة للتخصص توفرها جامعة الخرطوم، لذلك أنشأنا مجلس التخصصات الطبية السوداني لنتيح فرص التخصص لأكبر عدد من الأطباء · وتم تحسين المرتبات ووجدنا ذلك غير كاف لإغراء الطبيب الذي يتمتع بمزايا أكبر في دول المهجر· أما الأوضاع التي يقال إننا نريد أن نفرضها، فنحن تبنينا خط الشريعة وتطبيقها، وهذا الخط مفروض على القطاع الذي هاجر حتى لو كان من السياسيين· ونحن نرجع إلى برامج الأحزاب والقيادات الموجودة في الخارج ونراجع معهم البرامج التي طرحوها على الناخبين· إذا وجدناها خرجت من برنامج فريق الإنقاذ الوطني فهم على حق فيما يقولون، وإذا كان هو نفس البرنامج الذي طرحوه على الناخبين في مرحلة الانتخابات ونحن تبنيناه وطبقناه فهذا يوقف التحدي بيننا وبينهم·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس·· وأنتم تطبقون الشريعة الإسلامية بدقة في السودان، ألا تعتقدون أن التطبيق بهذه الحدة سيحد من تقدم السودان وازدهاره علما بان هناك أفواهاً جائعة داخل السودان وخارجه وهناك من يحاولون خلق أزمات للسودان؟
 
الرئيس البشير: إن هذا ليس بالشيء المفاجئ، وحتى إذا انتظرنا أن يصبح الناس أصدقاء للسودان، فإننا على يقين انهم سيتحولون إلى أعداء بمجرد الإعلان عن تطبيق الشريعة· نحن نتحدث عن الشريعة الحقيقية· وهي نظام متكامل للحياة· نحن لا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر بالبعض، أي لا بد من تقديم النموذج الإسلامي الحقيقي· ولو طبقنا الشريعة سيكون هناك أعــداء فالقــرآن يقـول ذلك·{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ}(آل عمران : 186)· نحن نعلم أن ذلك سيجر علينا كثيراً من الأعداء· وقد بدأت الدعوة للإسلام في مكة لكن دولته قامت في المدينة، وتساءل الناس لماذا لم ينزل القرآن في واحدة من القريتين، والقريتان ترمز إلى الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية حيث كانت القوة والأموال وكل المظاهر التي يمكن أن تثبت الإسلام· فلماذا نزل الإسلام في مكة ونزل في العرب الذين كانوا قبائل متحاربة لمدة أربعين سنة· نحن لا نستغرب وجود أعداء من حولنا فهذا شيء متوقع·
صفحة 7
د· المسفر : سيادة الرئيس·· إن نموذج الدولة الإسلامية الذي رأيناه في أفغانستان قد أثبت فشله· لقد وصف الإعلام ما جرى بأنه حركة جهاد إسلامي ناصرها الكثيرون ممن دفعوا قوت يومهم من أجلها، ثم فوجئنا بأن وكالات الأنباء والصحافة العالمية والإسلامية تقول إن هؤلاء الناس يتاجرون بالمخدرات·· إلخ، والنتيجة إن مفهوم الدولة الإسلامية بالمنظور الذي كنا نتطلع إليه في أفغانستان قد فشل، وبالتالي يتوقع خصوم ثورة الإنقاذ بأن يفشل النموذج الإسلامي في السودان·
 
الرئيس البشير: نستطيع القول إن النموذج الأفغاني خذل الناس، لكن يحق لنا أن نسأل أنفسنا من الذي عبأ الجماهير الإسلامية كلها لمناصرة الجهاد الإسلامي باعتبار أن هذه هي القضية الإسلامية الأولى بالنسبة لكل المسلمين· هل لأن القوات الروسية احتلت أفغانستان؟ توجد قوات روسية محتلة في أذربيجان وكازاخستان وست جمهوريات إسلامية، نسوا أن كل هذه بلاد المسلمين وبلاد خدمت الإسلام وهي محتلة من الروس· لماذا لم يستنفر المسلمون لتحرير إخوانهم المسلمين الواقعين تحت الهيمنة المباشرة للروس؟
 
د· المسفر : لخمسين عاما···
 
الرئيس البشير: خمسون عاما تحت حكم الروس أمر مخيف، إن الغرب هو الذي عبأ الجماهير المسلمة لخدمة أغراض الغرب وهي محاربة الاتحاد السوفيتي· وبعد انهياره، أصبح الاتحاد السوفيتي لا يشكل تهديداً وأصبح احتمال قيام دولة إسلامية في أفغانستان خطراً كبيراً على الغرب· فتوقف دعمهم، كل شيء توقف· فالذي أعطى الناس الأمل في قيام دولة إسلامية في أفغانستان هو الإعلام الغربي لخدمة أهدافه وأغراضه· حتى إخواننا الفلسطينيين في الأرض المحتلة ذهبوا عن قناعة للجهاد في أفغانستان· أريد أن أريك حجم الإعلام الغربي وسيطرته على تشكيل عقول ومفاهيم وتوجهات الناس· فهذا أمر لا يغيب عن الأذهان· إن الصراع يدور على السلطة في أفغانستان·
 
د· المسفر : يقول خصوم ثورة الإنقاذ إن دعواتكم المتكررة للمنظمات الإسلامية وللجهاد تعتبر تحريضاً موجهاً إلى دول الجوار أولاً وتصديراً للإرهاب إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي والعربي والعالم على امتداده··
 
الرئيس البشير: نحن ندعو أحزاباً معترفاً بها في مصر لمشاهدة النموذج الإسلامي· نحن لا نريد أن نعطي نموذجاً مشوهاً للإسلام لأن هناك حملة إعلامية دولية ضخمة جداً، ونحن نعرف الآلية الضخمة وسيطرة الصهيونية على الإعلام الدولي، لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في الخارج وربط الإسلام والمسلمين بالإرهاب· وبكل أسف أقول إن أجهزة إعلام عربية ودول عربية تبنت موقف الاستعمار الصهيوني· لكننا في نفس الوقت، نريد من الذين يتهموننا بأننا ندعم منظمات إرهابية وندعم الإرهاب أن يقدموا أدلة· الولايات المتحدة وضعتنا في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب ولم تقدم الدليل على ذلك حتى الآن· وقد قال الرئيس الأسبق جيمي كارتر بعد لقائه بالرئيس الأمريكي الحالي (جورج بوش الابن) إن أمريكا لا تملك أية أدلة لإدانة السودان· والسودان ليس هو الهدف، إن التهمة موجهة أساساً للإسلام· وقد كان لنا مساهمة في تقديم الإسلام النموذج·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس·· يقال إن تسليم كارلوس كان محاولة لاسترضاء الغرب· إلى أي مدى ترون أن هذا القول صحيح؟
 
الرئيس البشير: إن مواقفنا تستند إلى الدين· هل هذا يرضي الله أو يغضبه؟ لا نشتري غضب الله برضى الدنيا كلها· هناك أناس يدافعون عن كارلوس ويقولون إنه كان مناضلاً فدائياً قام بعمليات ضد إسرائيل· لكننا وجدناها كلها عمليات إجرامية وابتزاز من أجل فدية وخلافه· لذلك كان لابد لنا أن نسلم كارلوس لأنه مجرم، وليس لإرضاء الغرب· ومواقفنا التي تغضب الغرب واضحة جداً وهي مواقف مبدئية· نحن أناس لا تحكمنا المصالح إطلاقاً، ولكن تحكمنا المبادئ·
صفحة 8
د· المسفر : قلتم سيادة الرئيس بأن الإسلام كما نؤمن به جميعاً هو دين الرحمة والعدل والمساواة، لكن ماذا يجري في السودان في شأن المصالحة الوطنية تحت هذه المفاهيم الإسلامية؟
 
الرئيس البشير: نحن تحدثنا عن الخلافات داخل السودان، يوجد خلاف مع حركة التمرد المسلح ولا خلاف أبداً مع ثورة الإنقاذ الوطني· فما هي الجهود التي بذلناها؟ بدأنا باتصالات مع حركة التمرد منذ قيام الثورة وعقدنا معها جولات· ولأول مرة يحصل تفاوض بين حكومة السودان وحركة التمرد· نحن عقدنا مؤتمراً وبعد أن لمسنا رغبات حركة التمرد وطلبها تطبيق نظام حكم فيدرالي وقبلنا هذه التوصية وبدأنا في تطبيقها· والثورة استجابت لمطالب الجنوبيين وتحركنا خارجياً حركة واسعة فاتصلنا بالناس الذين يمكن أن يؤثروا على حركة التمرد، وتوسطت نيجيريا والعديد من الشخصيات الدولية لحل مشكلة السودان· وتوصلنا إلى قناعة هي أن حركة التمرد لن تجلس وتتفاوض على السلام بجدية إلا إذا اقتنعت بأنها لن تستطيع أن تحقق أهدافها من خلال الحرب العسكرية· ولهذا عمدنا إلى عمل القوات المسلحة ليس بهدف الاستمرار في الحرب ولكن لإقناع حركة التمرد بأنها لن تستطيع تحقيق أهدافها بالعمل العسكري· وقد طرحنا برامج في كل مجالات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واقتنع كثير من القيادات بهذه البرامج· ونحن نرحب بكل من يقتنع· ومادامت ثورة الإنقاذ عبارة عن قطار مستمر· ومن يركب القطار لن ندعوه إلى النزول منه·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس، ونحن في السودان علمنا ورأينا أن هناك مجموعة من الوزراء يتقلدون مناصب عليا في الدولة ينتمون إلى مجموعة من الأحزاب المنحلة السابقة· ما هو المانع الذي يحول دون أيجاد منابر متعددة لتكون هناك تعددية سياسية ديمقراطية، ومراقبة على الحزب الحاكم من خلال ما يسمى (Check and Balance) وذلك ضـن سيـاق النظـام السياسي الحالي؟
 
الرئيس البشير: نحن نؤمن بالرأي والرأي الآخر· ولو اطلعت على الصحف اليوم لوجدت أن المجلس الوطني رفض مرسوماً دستورياً لتنظيم التجارة أصدرناه كمرسوم مؤقت عندما كان المجلس في إجازة· وعرض على المجلس لإقراره· ووردني اليوم أنه مرفوض من قبل اللجنة الاقتصادية· فإذا كان المجلس يرفض مرسوماً مؤقتاً تصدره الحكومة أو رئيس الجمهورية، فإن ذلك يدل على أننا نطبق فكرة (Check and Balance)· لقد أدخلنا في ممارستنا النيابية تعديلات لم تكن متاحة حتى للبرلمانات المنتخبة· كانت الحكومات تصدر في غياب المجلس مراسيم مؤقتة حول القضايا التي تعتقد أن المؤسسة النيابية قد ترفضها، وتتفق مع رئيس المجلس الذي ينتمي للحكومة على أن لا تعرض هذه المراسيم على الجمعية، فتصبح قوانين· أما بالنسبة لممارستنا الحالية فإن المرسوم إذا لم يعرض على المجلس أثناء دورة انعقاده، فانه يسقط تلقائياً· إذ يجب أن يقول المجلس كلمته سواء بالرفض أو القبول أو التعديل·
 
د· المسفر : أستأذنك سيادة الرئيس أن ننتقل من الهموم السودانية الداخلية إلى هموم سودانية عربية· حَبا الله السودان أرضاً واسعة شاسعة ذات موارد كثيرة، وهناك نتوء جغرافي بسيط يدور حوله صراع قد يؤدي إلى مواجهة مسلحة بينكم وبين جيرانكم· ما هو موقفكم في هذا الشأن؟
 
الرئيس البشير: الحدود بين الدول العربية تمثل أحد مظاهر الضعف، والعرب مقسمون لأكثر من عشرين دولة· إن الشعب السوداني لم يكن طرفاً في رسم الحدود بين مصر والسودان، حيث أنها رُسمت بعد اجتياح بريطانيا ومصر للسودان أثناء الحكم الثنائي، وعقد اتفاق مع حكومة السودان التي كان على رأسها آنذاك حزب بريطاني من جهة وذيلته الحكومة المصرية من جهة أخرى· وظلت هذه الحدود على حالها منذ نهاية القرن الماضي · نحن على قناعة بأن الأمة كلها أمة واحدة وأن الحدود لا قيمة لها ولا قدسية، والحديث عن الحدود المقدسة والدفاع عنها ثقافة زرعها الغرب في الأذهان حتى يكرس حالة الانفصال في الوطن العربي· ونحن في الحقيقة طرحنا على إخواننا في مصر أكثر من حل· طرحنا فتح الحدود أمام حركة المواطنين ونحن مستعدون لأن نستوعب أي عدد من المواطنين· وقد ألغينا تأشيرات الدخول لكل العرب، وعدلنا قوانين الجنسية لنسمح للناس بأن يعيشوا في السودان، وأن يتجنسوا بل سمحنا بازدواج الجنسية· فمن يأتي إلى السودان يستطيع أن يحصل على الجنسية مع احتفاظه بجنسيته إذا اختار أن يبقى· لدينا قناعة بأن الشعب شعب واحد ويجب أن نزيل هذه الحواجز· ولكن إذا فرض علينا أمر ما بالقوة، فإننا نرفض ذلك· نحن قلنا لإخواننا في مصر: لنتباحث ونتحاور، لكنهم دفعوا بجيشهم إلى مثلث حلايب، وهذا المثلث تابع لحكومة السودان منذ عام 1899· وحتى النتوء الموجود في شمال حلفا تابع للسودان· ويقال أن هذه القطعة مصرية فأين المواطنون الأصليون الموجودون منذ بداية التاريخ؟ ولم يشارك سكان شمال حلفا أو سكان مثلث حلايب في أي انتخابات مصرية، وشاركوا في كل الانتخابات السودانية· وإذا ما ذهبنا إلى التحكيم أو إلى محاكم دولية فإننا على ثقة بأنها ستحكم أن هذه أرض سودانية· لكننا لم نحرك الجيوش حتى لا نقاتل بسبب حدود فهذا ضد مبادئنا· نحن لا نتحدث حديثاً يختلف عن ممارساتنا· {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}( الصف : 2ـ3)
صفحة 9
د· المسفر : سيادة الرئيس·· المعروف أن هذه الأزمة نشأت في منتصف الخمسينات، ولكن حكمة القيادة في مصر والسودان في تلك الفترة استطاعت أن تحل الأزمة دون مواجهات عسكرية، رغم وصول قوات الدولتين إلى موقع الخلاف· ولكن تم احتواؤه· ما هي الأسباب التي أدت إلى إثارته في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وتجديده في الوقت الراهن؟ هل هناك أصابع تثير هذا الخلاف وتعمق الصراع بين الشقيقتين مصر والسودان؟
 
الرئيس البشير: نحن نقول إن الاستعمار قبل أن يرحل، يزرع قنابل موقوتة· لقد ظهرت المشكلة في عهد جمال عبدالناصر سنة 1958· وكان هناك استفتاء وانتخابات في مصر، فأعلـن عن استفتاء وانتخابات في مثلث حلايب، ودخلت بعض القـوات المصريـة إلى حلايب، ودفع السودان بقواته أيضاً إلى المنطقة ولكن عبدالناصر رحمه الله ـ بتوجهاته القومية ـ رأى أن هذه مسألة لا تستحق نشوب قتال بشأنها· قدم السودان شكوى إلى مجلس الأمن وانسحبت القوات المصرية واعتبرت المسألة منتهية· وفي عهد السادات، طلبت مصر في سنة 9731 إقامة نقاط مراقبة للدفاع الجوي لأن مثلث حلايب خالية من القوات، وكانت هناك معلومات تقول إن الطيران الإسرائيلي سيتسلل من هذه المنطقة لضرب السد العالي· فوافق السودان دون تردد وأقيمت هذه النقاط وظلت قائمة إلى أن حدثت ثورة الإنقاذ· ونحن لم نعترض على ما كان ولكن جرت عملية لزيادة القوات وزيادة النقاط والتحرشات، ودخلت القوات المصرية إلى مثلث حلايب تزامناً مع زيارة كوهين للقاهرة ـ وهو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون إفريقيا في عهد بوش (الأب)· في ذلك اليوم دخلت القوات المصرية إلى مثلث حلايب وتزامن ذلك مع نزول القوات الأمريكية في السودان·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس ، حركة السلام (أو الاستسلام) مع إسرائيل ، هناك فئات مختلفة على امتداد الوطن العربي البعض مع والبعض ضد : البعض يقول لا مانع في ضعف المسلمين أن يتم الصلح، والبعض الآخر يقول لا يجوز ، هل المسلمون في حالة ضعف الآن كما ترون في ثورة الإنقاذ أم أنه ليس هناك ضعف · ما هو رأيكم في هذا الشأن·
 
الرئيس البشير: نحن على يقين بأن اليهود لا يحترمون المعاهدات، ونرى أن ضعف الأمة كان نتيجة تخاصمنا وتحاربنا· نحن الذين دمرنا قدراتنا العسكرية والتقنية وسلمنا الأمور للآخرين· وتكونت قناعة لدى البعض بأن الذي يريد الأمن يجده عند أمريكا، ومفتاح أمريكا هو تل أبيب· فالذي يريد المال والغذاء يلجأ لأمريكا عن طريق تل أبيب· لهذا تجد عملية التسارع نحو إرضاء إسرائيل وأمريكا، كأن هدف وجود العرب وبقائهم وعيشهم ورفاهيتهم مرتبط بإسرائيل· ونحن في السودان نؤمن بأن أصل كل شيء موجود في القرآن، فقد جاء من قال لنا: أنتم عزلتم أنفسكم عن عملية السلام ولو بقيتم على هذا الوضع، فإن السودان سيضيع وستضيعون أنتم وستضيع ثورة الإنقاذ، وعليكم أن تسرعوا وتعترفوا الآن وفوراً بإسرائيل لإنقاذ السودان· لكن القرآن يقول غير ذلك: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}المائدة : (51-52)·
 
نحن نؤمن أن كل من في الأرض لو اجتمعوا على أن يضرونا بشيء لن يضرونا إلا بشيء قد كتبه الله علينا، وإن اجتمع كل من في الأرض على أن ينفعونا بشيءلن ينفعونا إلا بشيء قد كتبه الله لنا رفعت الأقلام وجفت الصحف
 
د· المسفر : سيادة الرئيس·· عندما دخلت القوات العراقية عمداً إلى الكويت كان لكم موقف مخالف لما تبتغيه كل دول الخليج·· ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الموقف؟
 
الرئيس البشير: كانت جلسة مؤتمر القمة الذي عقد في القاهرة لبحث القضية، جلسة مغلقة واستخرج البعض الحديث الذي يخدم أهدافهم· وللحقيقة كان أكثر من نصف الخطاب السوداني يتحدث عن معاناة الشعب الكويتي وضرورة وضع حد ونهاية لتلك المعاناة وعودة الشرعية إلى الكويت· وقلنا إنه لا يجب أن يلجأ العرب إلى حل مشاكلهم عن طريق القوة بل عن طريق الحوار والتفاوض· كان موقفنا يدعو إلى إرسال مندوبين إلى صدام للمطالبة بانسحابه من الكويت، فإذا انسحب، كفى الله المؤمنين شر القتال، وإذا رفض، نتخذ موقفاً آخر· ولكن كان من الواضح أن هناك قراراً مسبقاً، ومن المفروض أن تبصم الدول العربية عليه· ومن المعروف أن قرارات الجامعة العربية يجب أن تؤخذ بالإجماع وليس بالأغلبية· ورغم ذلك صدر القرار· نحن رفضنا في داخل القمة دعوة القوات الأجنبية لأننا قلنا إنها قوات استعمارية ونتحدى من يثبت غير ذلك· وقلنا لهم إن هذه قوات لن تكتفي بالغرض الذي استدعيت من أجله، وهو الدفاع عن المملكة العربية السعودية وإنه سيكون لهذه القوات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية ونتحدى من يثبت غير ذلك· وبعد تحرير الكويت تحدثوا عن تدمير القدرات العسكرية العراقية، ولمصلحة من؟ نحن كنا نتمنى على القادة الجلوس وتدارس جذور المشكلة للتوصل إلى حل بوجود العراق والكويت، وليس دعوة القوات الأجنبية الاستعمارية· إن تدمير العراق يضعف الأمة العربية، ويحقق هيمنة الدول الغربية وإسرائيل على المنطقة ولا أحد ينكر ذلك· وكلنا الآن دفعنا الثمن· نحن في السودان دفعنا الثمن، وأهلكم في العراق دفعوا الثمن،ودول التحالف أيضاً دفعت الثمن
صفحة 10
د· المسفر : سيادة الرئيس·· هناك رأي يقول بأنه لولا قوات الدول الصديقة التي استضافتها دول الخليج لكانت القوات العراقية قد وصلت إلى حدود البحر الأحمر وقد تتجاوزه إلى السودان· لقد تم استدعاء هذه القوات الصديقة للدفاع عن المملكة وعن الدول الخليجية، فلماذا كان موقف السودان معاكساً لرغبات الخليجيين·
 
الرئيس البشير: لماذا توقفت القوات العراقية في الكويت ولم تتقدم؟ لقد كانت الطريق أمامها سالكة فعلاً، ولو تقدمت من الكويت لكان من الممكن أن تصل إلى البحرين· والذي منع تقدمها ليس القوات الأجنبية، لأن تجميع القوات الأجنبية استغرق نحو ستة اشهر· وأنا اطلعت لأول مرة على وجود مشكلة بين العراق والكويت في مؤتمر القمة الذي عقد في بغداد، كانت هناك مشكلة بين العراق والكويت بسبب أسعار النفط· العراق اتهم الكويت بأنها هي السبب في تدني أسعار النفط وأن ذلك كان مقصوداً يستهدف الاقتصاد العراقي الذي يعتمد اعتماداً كلياً على صادرات النفط· وخسارة دولار واحد في سعر البرميل يعني بالنسبة للعراق خسارة مليار دولار في السنة· وقد استمعنا لخطاب صدام قبل الحرب وقد وجه فيه كلاماً صريحاً وواضحاً جداً حيث قال إنه دخل الكويت بسبب أسعار النفط، وذكر مقولته قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق وكانت هناك مساهمة لإيجاد حل وتذكر دعوة الأخوة في السعودية للتفاوض· لكن كان من الواضح أن هناك تحريضاً من جهات معينة للكويت بأن لا تستجيب للمطالب العراقية· وتطميناً للعراقيين في نفس الوقت بأنه لو حصل نزاع أو حرب أو دخلوا الكويت فان ذلك يعتبر مسألة داخلية، هكذا كان موقف السفيرة الأمريكية في بغداد· إذن كانت هناك أياد حركت الجانبين· فكان علينا كعرب أن نتدخل فعلاً لنمنع وقوع كارثة أو لنمنع تطورها· ولكن تمت دعوة القوات الأجنبية التي ضربت العراق، ولا تزال تحاصره وتحاصر الشعب العراقي، ودمرت القدرات العسكرية والتقنية العراقية· نحن على قناعة أن العراق قد تجاوز الخط الأحمر المرسوم للعرب والمسلمين في مجال امتلاك القوة العسكرية والتقنية العسكرية، وهي ليست للعرب فقط إنما للعرب والمسلمين· ويجري الحديث عن القنبلة الباكستانية ويقال القنبلة الإسلامية، كأن الدول الإسلامية والعالم الإسلامي كله مشترك مع باكستان في صنع القنبلة الذرية· لماذا سموها بالإسلامية؟ لأنهم يخافون من أن يمتلك المسلمون في أي موقع قدرات عسكرية متطورة، وهذا في نظرهم يجب ضربه وتدميره·
 
د· المسفر : تجاوز العراق الخط الأحمر من خلال عملية التصنيع··
 
الرئيس البشير: وامتلاك قدرات التسلح· وهذا يعني امتلاك القدرة العلمية· نتذكر الكيماوي المزدوج وخلافه، والحديث عن تصنيع الأسلحة الذرية أو الكيماوية أو البيولوجية· وقطع العراق أشواطاً متقدمة جداً وأمتلك قدرات متقدمة جداً· لذلك كان يجب ضربه· فكانت الحرب·
 
د· المسفر : سيدي الرئيس·· كانت هناك محاولات جادة لاحتواء النزاع، وكان آخر مؤتمر دعى إليه خادم الحرمين الشريفينفي جدة، وحضرت الكويت والعراق· لكن الجهود لم تثمر لوجود نوايا من كلا الطرفين، كما قلت·
 
الرئيس البشير: كما قلت لك كان الجو مشحوناً بالتوتر، والناس تعرف أن دول الغرب هي التي ساهمت في تطوير الأزمة وخلق مواقف متشددة، فهي طمأنت الكويتيين بأنها ستقف معهم (Shoulder by Shoulder) ضد العراق وهم متأكدون أن القوى العظمى في العالم واقفة معهم، ثم طمأنوا العراقيين بأنهم لن يتدخلوا في النزاع وأنه مسألة داخلية، وهذا تحريض للجانبين· يجب أن لا ننسى الدور الغربي في إفشال الجهود التي بذلت لنزع فتيل الحرب في المنطقة·
 
د· المسفر : سيادة الرئيس·· أود أن أعرف ما هي وجهة نظركم حول جهود السلام، وهل عرض على السودان عرض حقيقي بأن يشارك في عملية المصالحة وذلك للخروج من مأزقه، هل هذا حقيقة أم لمجرد الاستهلاك الإعلامي؟
 
الرئيس البشير: نحن لم نجر أي اتصال إلا أن بعض الناس اتصلوا بحجة أنهم مشفقون على السودان· ونحن لم نُدعَ والحمد لله إلى أي جلسة من جلسات التفاوض·