eKtab
EN ع
حوش الشاي
اقرأ عينة مجانية

حوش الشاي

بقلم سمير الجندي

صفحة 1
 ماذا يوجعك؟
 
حَدّثيني يا قدس، قولي شيئا، أين يؤلمك، هل أطبق الغازي على صدرك؟ هل اختنقت بلهيب عبراتك؟ هل خذلك أحباؤك حتى قتلتك الوحدة السوداء؟ هل سلبوك الحلم؟ هل جردوك من ابتسامتك قبل الصباح؟ هل دنسوا عتباتك الرخامية؟ هل صادروا منك رائحة القهوة السادة؟ هل مروا فوق حجارتك الرومانية ببساطيرهم الشيطانية؟ هل انتزعوا من بين ضلوعك بساتين الجوري فلم تعد رائحة البخور الهندي تنمنم أنوف المتهجدين؟ هل تعبتْ من همومك آلهة العشق السرمدية؟ هل تبتَ عن مغازلة الفتيان أمام محراب الآلهة؟ هل نفَّذ إبراهيم وعد الحق، فقتل ابنه على مذبح الوفاء؟ وهل بقي الشعراء والعمَّار والأولياء والشهداء والصَّلاح على وعودهم؟ وأنتِ في كل مساء تتوشحين الحزن، لنفقد نحن كل مذاق للنوم؛ فلا نرى إلا أضغاث أحلام وكوابيس تفقدنا شهية الحياة بلا كرامة...
صفحة 2
حوش البسطامي...
 
في حوش البسطامي بالقدس العتيقة، ما زال بيتي هناك، الطحان، وبسيسو، والأفغاني، والكسواني، والمصري، والكرد، وجودة، والمظفر؛ هذه هي عائلتي الكبيرة، نشأت بينها، صغيرا ويافعا، لم أدرك أنهم فقط جيراني إلا عندما، بلغت سن الخروج من الحي، كنت أخالهم أقاربي من عائلتي، لم يكن بيننا أية حواجز، كنا نتشارك الطعام والدفء والبرد والفرح والحزن، تشاركنا في خندق المواجهة مع الدخيل المحتل، رفعنا رايتنا بألوانها الأربعة، تقاسمت أجسادنا الرصاص والورود، والكرامة... 
 
أنا اليوم أستذكر أم عمر وأم داود وأم علي وأم مصطفى وأم سمير، أستذكر زهير البقال، وأم فيصل وهي تقارع الجنود، وأستذكر عتبات البيوت، والنوافذ التي تطل منها العذارى، وأستذكر حمائم أبي يحيى وأبي جميل، والسماء الزرقاء وقد حجبتها أجنحة طيور اللقلق...
 
عندما أفقت، هيأت نفسي، لبست أجمل ثيابي، تعطرت، وانطلقتُ إلى حوش البسطامي، أتفقد بقايا حلمي...
صفحة 3
حوش الشاي
 
في حوش الشاي فتَّحت عينيَّ على ضوء القمر الذي تسلق قلعة داود من جهتها الغربية، وأُشبع أنفي من رائحة فلافل أيوب النتشة، ولسعة الرطوبة المنبعثة من ملابسنا المستوردة من سوق الباشورة، وألفت أذناي صرخات المواليد الجدد على أيدي الست (أُميلا)، قابلة القدس العتيقة، وحلقت حالما مع قصص (شهندة) التركية... ورحلت مع الحمام الزاجل في حزيران.. رحلت وأنا لا أدري معنى الرحيل، رحلت إلى مكان غير بعيد، إلى الطرف الآخر من البلدة العتيقة، إلى حوش البسطامي... هنا في حوش البسطامي عرفت أنه كان لي وطن، واسمه فلسطين، عرفت أنني كنت في حوش الشاي في وطني، واليوم أنا أسكن لاجئا في حوش البسطامي، فقررت العودة ذات صباح إلى وطني في حوش الشاي.. لم أجد وطني، كان قد صار كنيسا يهوديا، وحائطا يهوديا، ومدرسة للإرهابيين يطلقون عليها "عطيرات كوهانيم"، كنت صغيرا، لا أعرف معنى السياسة، والآن أنا لا أعرف السياسة ولا أفهمها، الشيء الوحيد الذي أفهمه، أن لي وطنًا هناك، وأريد العودة إليه، كيف؟ لا أفهم إلا طريقا واحدا... بسيف عمر المختار قاهر الطليان، وبندقية (تشي جيفارا) معجز الأمريكان، وخنجر أدهم حجر مُنهك الفرنسيين... 
صفحة 4
 المدرسة العمرية...
 
المدرسة العمرية، في قلب القدس العتيقة، مدرستي، موجودة هنا في القدس، باقية لم تتغير حجارتها، لكنها هرمت، وتشققت كوجه آذنها الجميل عمران، دخلتها زائراً، أغمضت عينيّ، فأخذت ذاكرتي التي شاخت تشي بقصص لم تنته، إذاعة الصباح، وصوت مديرها المجلجل محمد صيام، صاحب الخط العربي الفريد بجماله، يردد على مسامعنا نصائح وعبرًا ربما هي أساس تربيتنا الأصيلة، يقف الطلبة أمامه دون حراك أو ملل، يقفون استعدادا لتقبل كل كلمة من كلماته المعبرة، يسترشدون من منهله الذي لا ينبض، وعن يمينه ويساره يقف المعلمون خاشعين أمام عظمة هذا المدير، وغرف الدرس مشرعة أبوابها بانتظار يوم دراسي جديد، وشجرة السرو تحجب بظلها أشعة شمس أيلول التي تحاول الاستراحة على سفح جبل الزيتون، والمسجد الأقصى الذي يتربع مكانه قبالة نوافذ المدرسة الجنوبية، وأنا وفوزي البكري أستاذ العربية، وفهمي الأنصاري، وعدلي النشاشيبي أستاذ التربية الرياضية، ما زلنا هنا على أمل استحضار ذلك الزمن الجميل، بعد أن داهمتنا جحافل القهر، محاولة سلخنا عن حلمنا الذي صنعناه معًا قبل الخامس من حزيران المشؤوم...
صفحة 5
 طريق الآلام...
 
في القدس العتيقة، في طريق الآلام، سار المسيح على قدميه الجريحة حاملا صليبه، ينزف كتفه دما أحمر قانيًا، و(فيرونيكا) القديسة تمسح وجعه بمنديلها القطني الأبيض، لا تستطيع إخفاء دموعها التي تذرف كحبات اللؤلؤ على خدها الأسيل، خجل الزمن من تلك الدموع الطاهرة، فنسي المسيح آلامه ليصعد إلى السماء قبل أن تطاله مقصلة الجلاد، في طريق الآلام يسير اليوم ألف شاب وصبية يحملون جرح الياسمين في قلوبهم وحيدين.. ولا (فيرونيكا) تمسح وجعهم أو تذرف الدمع لتسكن آلامهم... هم وحيدون يحملون صلبانهم، قلوبهم تنزف، سواعدهم السمراء تنزف، لكن إرادتهم ثابتة، صلبة، لا تتزعزع، تعانقت أوجاع الماضي وآلام الحاضر والجلاد واحد...هو... هو... 
صفحة 6
 يافا...
 
بالكاد أستطيع تحمل البعد عنك يا يافا، اليوم أنا في شدة الشوق إليك، من القدس توجهت بسيارتي إلى يافا، وصلتها مع الغروب، كانت الطريق سالكة، ثلاثون دقيقة والسيارة تلتهم الطريق كتنين استوائي ينهش فريسته بلمح البصر، حتى وصلتها وغروب الشمس.
 
كان الشفق الأحمر يحارب العتمة، يدافع عن شمس النهار، والبحر مستسلما للأفق الوردي، لا موج ولا صوت ولا ضجيج، وقارب متهالك تعب قبطانه من ترميمه عشرات السنين، شققته المسافات، وعاثت بجداره الخشبي السنون، والصياد يعالج سطح الماء بمجدافيه الخشبيين، وقناديل البحر تحيط بقاربه من كل اتجاه، وقد تقشرت يداه. وعلت وجهه خيوط سوداء... وسفينة بلون رمادي تمخر عباب الماء، تظهر من بعيد فيكاد قارب صاحبنا يختفي، مر المركب الرمادي كالسهم، مخلفا خطا هائلا من رغوة بيضاء حجبت الأفق، والقارب واللون الأحمر، فصار الكون أسود أسود...
صفحة 7
 خلف العتمة...
 
كنت أسير على قدمي، أسير رافعا رأسي ليس تكبراً، كنت مزهواً، كل يوم عشت هكذا مزهواً.
 
جلدي يلمع كالذهب المصفى، وعيناي تبرقان بسحر الحياة، وروحي تحلق فتكاد تلمس النجوم، وحلمي على وشك الحضور، وقلبي عاد شابا يقطف لمحبوبته ألوان الزهور، وقدماي تلامسان الأرض على استحياء، وعزيمتي اتحدت مع الحديد فتكونت جسور الأمنيات، وهمتي تعانق السحاب، إلى أن جاء "أوسلو" فانتزع منا الحلم ووضعه على مذبح الخيانة، وجرد جرابنا من حرابها، فصارت جلودنا صفراء، وعيوننا صفراء، وقلوبنا لم تعد خضراء، وأرواحنا تشتتت، فتبعثرت بصائرنا، ولا مكان لقدمي على الأرض التي سحبت من تحتها، فصارت خطواتي تتلعثم...
صفحة 8
 وباء...
 
أطل الصباح بردائه الفضفاض، المدينة مريضة بمرض عضال، السوق بارد يفتقد لصراخ الباعة، أمكنتهم متاحة، ودرجات باب العمود خالية من الخضار الموسمية الطازجة، البوابات مغلقة بأجساد ضخام كالبغال النورماندية، أنا أبحث بينها عن خطوات متعبة ، كل شيء حزين، مسجد الشوربجي منكسر، بقالة أبو غزالة متعبة من قهر العيون الرمادية، شاخت أحزان الهوسبيس، وتقززت درجاته الخمس من بساطيرهم الملوثة بدماء أطفال المدينة، والمسيح لأول مرة منذ ألفي سنة ولّت، لم يشعر بالمهانة كما يشعر بها الآن، لم تعد فيرونيكا تنتظر حامل الصليب لتمسح بمنديلها الدماء التي سالت على وجنتيه وخلف أذنيه الطاهرتين، والقديس اليوناني (خرلمبو) عاجز عن توفير مسكن لأوجاعها المتراكمة، وخاصكي سلطان، تلك المرأة الشريفة، التي برَّدت بحنانها أوجاع الفقراء، تتقلب في قبرها قلقاً على مصير كتاتيب النور... لم أجد خطواتي رغم محاولاتي المتكررة اليائسة في البحث بين متاهات أحقادهم المتأججة... سرتُ في كل اتجاه، هم لا يعرفونها، فأنا أعرف مدينتي، وأعرف ما يمكن وما لا يمكن لهم أن يعرفوه، لكنهم متواجدون في كل ركن، وفي كل زاوية وزقاق، تعلموا جغرافيتها ونحن نسينا، تعلموا أسماءَها وبدلوها، تعلموا أننا نصرخ وندعي ونساوم، سخروا منا عندما بدلنا جلودنا... تعلمونا وحفظونا عن ظهر قلب، ونحن فقدنا حلمنا على أول الطريق في أيلول... تركنا المدينة لقمة سائغة، تركناها لقمة لذيذة يستلذون بطعمها، ويشربون النبيذ الأحمر في أمسياتهم، يحتفلون بها بعد أن ألبسوها ثوبا بلون أسود كقفطان راباي بولندي لم يقرب جسده الماء منذ السابع من حزيران فزادت نتانته.
 
لم أعد أعرف ما برأسي فأنا غريب في حارتي العتيقة، وبيتي يئن من الوجع، والمئذنة الحمراء يكاد الحزن يفتك بها بعد أن غادرها آخر مؤذن... وجوقة التراتيل في الكنيسة اللوثرية قد فقدت توازنها، فصارت لأول مرة موسيقاها نشازًا... ولم أعد أرى قبة الصخرة من فوق برجها المخروطي؛ فقد حجبت راياتهم الزرق الرؤيا، والأسطح مُلئت بأبراج الحراسة، وجحافل المستوطنين بردائهم الأسود يسيرون بخط مستقيم كنمل سليمان الحكيم...
صفحة 9
 البيك
 
البيك، ينظر إلى ساعته، الأزمة خانقة، سنتأخر عن موعدنا، ينفخ الهواء، وكلما مر الوقت ازداد وجهه المستدير احمرارا، وانتفخت رقبته بحيث صار وجهه السمين موصولا مباشرة مع كتفيه ومع عظام الترقوة، ازداد غضبه غضبا عندما أدركه الوقت، وعندما تخيل شكله وهو يدخل على الزعيم متأخراً، صرخ بحراسه: "اذهبوا لاستطلاع الأمر، تحركوا اعملوا شيئا مفيدا". 
 
امتثل حراسه للأمر، وتوجهوا نحو الجمع الغفير؛ فوجئوا بحمار يحاور أحد المارة، والناس ملتفون حوله كأنها تظاهرة ضمت جميع فئات الشعب، حاول الحراس فض الجمع، نجحوا بصعوبة كبيرة، الشاب الذي يحاور الحمار حاول الهرب، فلم ينجح، أمسك به حراس البيك، اعتقلوه، ومن حسن الحظ أن الحمار  استطاع الإفلات بأعجوبة، ولم يكن ينجح بالهرب لولا مساعدة بعض الناس...
 
أما الشاب المعتقل فقد تعرض للتعذيب الشديد، لكي يخبرهم عن سبب تحدثه مع حمار، لكنه أجابهم بحقيقة الأمر دون أن يزيد أو ينقص من حواره مع الحمار، سأله البيك:  من قلة البشر تأتي للتحدث مع حمار؟
 
- وهل الحديث مع الحمير ممنوع حسب القانون، والدستور؟ مع من تريدني أن أتحدث؟ مع العمال المرهقين من بناء المستوطنات وفتح الشوارع للمستوطنين؟
 
أم تريدني أن أتحدث إلى المعلمين الذين يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، أم مع الأطباء المشغولين في إيجاد طريقة غير موجعة لاستئصال الحق من خاصرة المفاوضات المستعصية؟ أم تريدني التحدث مع المحامين الذين تخلوا عن قسمهم في حماية حقوق المواطنين؟ أم مع التجار الذين لا يهمهم سوى جني الأرباح؟ أم مع النساء اللواتي أصبحن في طوابير لرفع قضايا الخلع من عادات شعبنا وتقاليده البالية؟ أم مع حراسك الذين أنستهم سياطك أنهم كانوا ذات يوم من البشر؟ 
صفحة 10
عم كنتما تتحدثان؟
 
كنا نتحدث عن الحب...
 
كذاب، لم يعد أحد يحب أحدًا في هذه الأيام، قل الحقيقة.
 
كنا نتحدث عن كرة القدم الفلسطينية..
 
كذاب، فلا أحد يتابع الكرة الفلسطينية، بسبب انشغالهم بالدوري الأوروبي، وبالربيع العربي، وبالانتخابات في البيت الأبيض والأزرق والأحمر والأصفر... قل ولا تزد من غضبي، عم كنتما تتحدثان؟
 
كنا نتحدث عن الأغاني العربية، وكان الحمار يقول لي إنه معجب بأغنية " بحبك يا حمار لولا بشاعة صوت المغني...
 
هز البيك رأسه، وبدا عليه الارتياح من هذه الإجابة... انطلقت سيارة البيك بأسرع ما تستطيع، وعندما دخل إلى قاعة الاجتماع وجد المجتمعين متحلقين حول الحمار ينصتون إليه بشغف...