صفحة 1
الفصل الأول
نهارك سعيد، أيها العصفور!
لما أُفْرِغَتْ منّي حياتي
وانفلتتْ حبّاتُ الرمل بين أكفّي
وخيّم الصمت في روحي
إلى أمد بعيد
جاء عصفور وحطّ على كتفي.
"كوي كوي، كوي كوي... !
هكذا همس في مسامعي
وحلّق بمهارة وسعادة.
لم أعِ ما حصل لي.
ولما وعيتُ أنّ الكلام عيد
رميتُ سبحتي
ورقصتُ.
ما أجمل العصافير
ولكن واحسرتاه! للعصافير أجنحة
فكما تساعدها على أن تحطّ وتستقر
تساعدها أيضاً كي تطير وتطير.
وتلك مأساة العصافير.
نهارك سعيد، أيها العصفور!
لما أُفْرِغَتْ منّي حياتي
وانفلتتْ حبّاتُ الرمل بين أكفّي
وخيّم الصمت في روحي
إلى أمد بعيد
جاء عصفور وحطّ على كتفي.
"كوي كوي، كوي كوي... !
هكذا همس في مسامعي
وحلّق بمهارة وسعادة.
لم أعِ ما حصل لي.
ولما وعيتُ أنّ الكلام عيد
رميتُ سبحتي
ورقصتُ.
ما أجمل العصافير
ولكن واحسرتاه! للعصافير أجنحة
فكما تساعدها على أن تحطّ وتستقر
تساعدها أيضاً كي تطير وتطير.
وتلك مأساة العصافير.
صفحة 2
أسمعُ على بابي طرقاً محيّراً. فباب شقتي لا يستجيب للطرق الخفيف مثل "دق دق"، بل للدويّ المهول مثل "بوم بوم". ومع أنها مصفّحة ومدرعة بالحديد إلا أن الأحداث تحملنا على التفكير في وقوع كل الاحتمالات.
فتحتُ وأنا أتوارى للاحتماء بالإطار، ونطق فيّ ردّ الفعل. "شكون؟ من الطارق؟" إنها ليست دورية الجيش ولا الوعّاظ المرشدون ولا المدافعون عن الحقيقة، ولا حتى الجارة الساكنة بشارع مارينغو، تلك الغولة الشمطاء الفجماء التي تأتي في كل مرة لاستقاء الأخبار، وهي تحمل قناعات أكل عليها الدهر وشرب؛ ولم يكن ما ننزعج منه حقاً، ولم يكن لحسن الحظ ساعي بريد الحي؛ موسى، الرجل الطيب الذي يسكن في منحدر فالي، وهو مرجع الحي أيضاً، فهو شخص ثرثار مهذار، يأتي كل يوم يزرع في مهب كل ريح نُذُر الخطر وحمى الفضول وتصفّح كل الأخبار، ولا يكاد يغيب إلا أوقات الاضطرابات والإضرابات، بل كانت فتاة في مقتبل العمر، وتلك هي المصيبة. أجابت: "أنا!" ولكني لا أعرف من تكون. كانت فتاة رقيقة ترتدي الثياب التي راج لبسها في حصة ستار أكاديمي. لقد كانت تحمل زادها ومتاعها وعليها صدرة تبدو عليها كالقناع، وكل ما عليها لائق ونظيف لولا الفوضى الضاربة أطنابها فيها. أما شعرها فكان يحمل آثاراً من جميع حضارات الإنسانية حتى آخر صرعة في موضة العصر.
أما المكياج فكان يغطي كل ملامحها، بينما عيناها السوداوان فكانتا تتقدان وبياضهما يشعّ حيوية، وحولهما سواد كحل تلفّه مساحة شاسعة خضراء اللون، ولم يكن ينقصها إلا سنبلة قمح أو شعير ليتهيأ للناظر أنها نازلة لتوّها من أقاصي الأرياف. أما رائحة العطر فيها فلا يضاهيها إلا سحاب تشرنوبل. إنها فضيحة متنقلة نجت من سخط الله بأعجوبة. كانت تحمل كيس سفر مثل الزوادة، التوى على جسد غضّ لبنت في السادسة عشرة أو بالكاد في السابعة عشرة لا أكثر، بحيث أن الكيس الذي تحمله قد تدلّى حتى بلغ أسفل ساقيها وكأنه جلد ثعبان فرغ الآن من استبداله. وبدت على شفتيها الشهيتين حمرة قانية في حين فترت منهما برطمة تبرّم وحيرة. ولإخفاء كل ذلك عن الأنظار تنهدت بكل أنفة وشموخ. أما مسك الختام، فكانت حاملاً منذ بضعة شهور وسُرّتها تفضح ذلك للعيان.
"- عمة لامية؟ نطقتْها بحدة وهي لم تكد تتجاوز متراً ونصف متر!
- م م م.... ممكن!
- أنا شريفة!
- حسنٌ... ثم ماذا؟
- سفيان هو الذي أرسلني إليك. وأنا واصلة اللحظة من وهران.
- نعم؟؟!!
- ألم يهتف إليك؟
- م م ... كلا.
- هل تأذنين لي بالدخول؟
- م م ... إن شئت.
- شكراً.
- عفواً.
- الجوّ لطيف لديك.
- هذا رأيك".
وهكذا، وبهذه الطريقة تتسلل الزوابع إلى بيوتنا. لم يسبق لي أن تصورتُ أبداً ولا تصرّفت على أساس أن أفتح في يوم من الأيام بابي وحياتي لمثل هذه البلبلة والتشويش. فتحتُ بكل بساطة، لمجرد أن الناس تفتح أبوابها لما تُقرع. قد يساورنا التفكير في مقابلة أناس غير لطفاء، ويعلم الله أن الحيّ يعج ويضيق بالناس الذين يجنحون للعنف بالفطرة وتعنيف الناس وتوبيخهم، وبالمهووسين معتـادي الاغتصاب، وبرجال الدرك، حتى ليتخيل للمرء أن هؤلاء لا يعرفون وقتاً ولا يفقهون مبدأ. ولكن يحدث أحياناً أن نستسلم للحلم من باب الشعور بالطمأنينة والسكينة، ونتوقع حدوث المعجزة والعناية الإلهية التي تنزل علينا لتمنحنا جزاء صبرنا والثواب على الجلد، وقد نفكر في كل الطوارئ السارة التي تدور في خلد من لا يعرف إلا حياة ضنكاً.
بالمقابل، يوجد لدى كل منا إحساس دفين بدوافعه الغامضة والمبهمة والقوة الخارقة للأشياء المغيبة والأصوات القادمة من عوالم مجهولة والرغبة الجامحة التي تدعونا فجأة لولوج عالم ساحر وسبر أغواره. وكل ذلك يدفع بقوة أعتى وأعنف ممّا يقوى الخوف على كبحه وكبته.
لكن، والحق يُقال، فتحتُ الباب بطريقة آلية. فأنا هكذا، امرأة فيها عفوية واندفاع. بصورة آلية؟ ليس بالضبط على كل حال. فالأمل برؤية أخي وسماع طرقه على الباب لم يبرحني يوماً، وكل الأصوات تذكّرني به، ولا أرى للعذاب نهاية، فأنا مدركة أن سفيان غادر الديار لكي لا يرجع أبداً.
قد يكون حسن التأدب والتربية عَوَقاً وعاهة أحياناً، وذلك يجعلنا نبدو في صورة طائر القطرس الضخم وقد وقع في سلة جندي الباشي بوزق. ومن باب المجاملة واللطف قدّمت مشروباً للضيفة الدخيلة ثم عشاء أو سحوراً على الأصح، بعد ذلك سلقت لها بيضة وزدتها برتقالة، ورحتُ أُصغي إلى ثرثرتها كالخرقاء. فهل كان لي في نهاية الأمر أن أرفض لها المبيت؟ كلا، فكرم الضيافة لا يمكن أن يتوقف عند حافة السرير. حتى هي نفسها لم تتح لي مهلة التفكير، فلقد لبست المتهتكة قميص النوم وأنا لم أفرغ بعد من تنظيف ما كان على طاولة الأكل. لكن ما دامت هي التي بدأت فما كان عليّ إلا أن أناولها مخدة وأتمنى لها ليلة سعيدة على إيقاع موسيقى خالته المسكينة دعوة إلى حفل. فلقد ضحكتْ كثيراً وتكلمتْ كثيراً، وفي كل مسألة. ولم تترك شاردة ولا واردة إلا خاضت فيها طولاً وعرضاً، عن الديك والحمار كما يُقال، وعن شباب أغنية الرّاي، وعمّا لم تسمع به شهرزاد المرأة المشهود لها بالأرق ولم تشهده. أما أنا فلقد فاتني القطار وأنا لم أبرح المحطة.
في الواقع، بقيتُ أرمقُ شيئاً غير موجود مع الإيهام بتركيز نظري على شفتي الثرثارة. ثم صار صوتها يثير فيّ الضجر والسأم، فلجأتُ إلى التفكير في لويزة، حبيبة قلبي، لويزة العزيزة. يا إلهي كم أنا مشتاقة إليها! ثم فيما فعل الزمان بأحلامنا وآمالنا.
صارت الساعة الثالثة فجراً، والليل يزحف نحو نهايته. أما الساعة القديمة التي تقوم بحراسة البهو فلم تعد ترن منذ مغادرة صاحبها الأول، ولكني كنت أفهمها، فهي تئن بالعادة وعلى فترات محددة ومضبوطة. لقد حاولت عبثاً، ثلاث مرات، أن تُصدر ما يشبه الصوت أو الحس. بعد ذلك خفّت ثرثرة الشابة وخفَتَتْ وانتثرت كالسحاب فوق رؤوسنا ثم تلاشت في أجواء فسيحة وانقشعت، ثم حلّ السكون والصمت الحقيقيان، ثقيلين كالجماد، يطقطقان في جميع الأرجاء. إثر ذلك دخلنا في تلك الأوقات التي لم تصبح ملكاً لنا حقاً، حيث لا يصل الروح بالجسد إلا ما يشبه الخيط الرفيع، وخلدتِ الضيفة المجهولة إلى النوم وغار جسدها في جسم الكنبة والوسائد الملونة بألف لون ولون. وهكذا استسلمت المسكينة للنوم العميق وقد ربّعت يديها وفغرت فاها وحتى ساقيها بعد أن أذاقتني ويلات الحماقات وسقتني كؤوس الجهالات. لقد بدت في وِضْعة الجسم التي كانت عليها كالمستهترة لو لم تكن طبيعية وعفوية. وصارت تبدو لمن يراها نائمة طريفة أكثر ما تكون صاحية، كذلك كان من السهل أن أتصور أن لها عالمها الخاص بها حصراً، بعيداً جداً عن عالمنا، حيث لا تنقصها إلا الجنّيات وفتى الأحلام، وكل ما حولها من كومبارس ومتقمصي الأدوار الثانوية والساحرات الجشعات والأشرار لا وجود لهم في القصة ولا دور يؤدونه سوى متعة مشاهدتهم مدحورين في عالم عامة الحالمين.
إنني أعرف كل شيء عن الليالي الطوال المكرّسة للصمت ولعبة البحث في دواخل الذات. ثم فجأة، أجد نفسي فاقدة كل المعالم التي أسترشد بها، وأبدأ بجهل حتى الأحاسيس لديّ، فأصبح غير مدركة كيف أفكر ولا أعرف كيف أتصرف؛ لقد فقدتُ وتيرة من أدمن حياة الوحدة والانزواء الثقيلة. أحسستُ بمدى ضعفي وقلة حيلتي، وسكنني هاجس عدم التحكم في إيقاع حياتي، كما لو أنه قد خانني الصبر، أو إن شئت، انتابني الفضول الشديد. إنه الانزعاج، وأيّ انزعاج! أن يلج الناس عالماً آخر، إنه الخطر الذي يحدق بمن يبغض البشر ولا يطيق الاختلاط بالمجتمع.
حسنٌ. سأبحث عن كتاب أقرأه أو برنامج في التلفزيون أشاهده، ولا بد أن أجد فكرة تساعدني على النوم، إذ في مثل هذه الساعة تكون كل الوسائل مقبولة للاسترخاء والخلود. وفي الصباح، وبمجرد مغادرة الفراش يجب على الفتاة المتعجرفة والفاجرة أن توضّح لي ثلاثة أمور في غاية الأهمية:
أولاً : مَنْ تكون؟
ثانياً : مِنْ أين جاءت؟
ثالثاً : إلى أين تذهب؟
لا أرى شيئاً آخر يمكن أن أضيفه، فالأمور حدثت بهذا الشكل، والسلام. أمّا أن أقول فيما بعد، ماذا يمكن أن أزيد أو أنقص؟ الانطباعات، والخلفيات، والتكرار والاجترار، والسكوت المحير والمرتاب، فهذه كلها لن تجدي نفعاً. بل على العكس تماماً، فكل ذلك ينتزع من الحادث قيمته، والحادث في حد ذاته مفاجأة مؤثرة ومثيرة: فلقد ظهر خبر سفيان واختار أن يقوم بذلك من خلال هذه البنت الغريبة الأطوار.
كان ذلك اليوم يوم الرتابة كسائر الأيام الأخرى، ويوم الشكوك المؤلمة، ولم أكن أدري ماهية الاضطرابات التي تنتظرني بعد قليل. والأدهى من ذلك أنني لم أكن أرى الطريقة التي تجعلني أتخلص من هذه البنت. ولكن، هل تراني كنت أرغب في ذلك حقاً؟ ومع ذلك فالمشكلة ليست مطروحة بهذه الصورة، فوجود هذه الشابة التافهة عبارة عن ضربة مكنسة سوف تزلزل كياني وتثير فيّ الرغبة الشديدة في الدفاع والاستبسال. إني أحسّ بكل ذلك، وأدرك حتميته وضرورته. فها هي حياة أخرى تأتي لتزرع في حياتي وتلتهمها من الداخل وتهضمها، وتحيد بها عن طريقها المرسوم لها.
يا إلهي، إلى أي مدى نمتلك ناصية حياتنا حقيقة؟
نظرتُ ملياً إلى البنت المجهولة. كانت تغطّ في نوم الحوريات، كانت عذبة وممشوقة القوام، وزادها ثغرها البسام مسحة من جمال البنت المدللة. أما كل ما كان حولها من ألوان الوسائد والنور الخافت وكثافة السكون والهدوء والقرقرة المألوفة الخارجة من الأعماق، وعذوبة البُنَيّة زاد الجو سحراً وبهاء لتتشكل صورة السعادة، تلك السعادة الهادئة التي تنفخ فينا جمالاً ودعة. ولو كانت الملائكة تغفو وتنام لكانت على هذه الصورة، صورة شريفة السابحة في نعيم أحلامها. ولو كانت الشياطين تخلد إلى النوم لكان لها بلا شك هذا الشكل. ولا أرى في الوجود سبباً يحملنا على
فتحتُ وأنا أتوارى للاحتماء بالإطار، ونطق فيّ ردّ الفعل. "شكون؟ من الطارق؟" إنها ليست دورية الجيش ولا الوعّاظ المرشدون ولا المدافعون عن الحقيقة، ولا حتى الجارة الساكنة بشارع مارينغو، تلك الغولة الشمطاء الفجماء التي تأتي في كل مرة لاستقاء الأخبار، وهي تحمل قناعات أكل عليها الدهر وشرب؛ ولم يكن ما ننزعج منه حقاً، ولم يكن لحسن الحظ ساعي بريد الحي؛ موسى، الرجل الطيب الذي يسكن في منحدر فالي، وهو مرجع الحي أيضاً، فهو شخص ثرثار مهذار، يأتي كل يوم يزرع في مهب كل ريح نُذُر الخطر وحمى الفضول وتصفّح كل الأخبار، ولا يكاد يغيب إلا أوقات الاضطرابات والإضرابات، بل كانت فتاة في مقتبل العمر، وتلك هي المصيبة. أجابت: "أنا!" ولكني لا أعرف من تكون. كانت فتاة رقيقة ترتدي الثياب التي راج لبسها في حصة ستار أكاديمي. لقد كانت تحمل زادها ومتاعها وعليها صدرة تبدو عليها كالقناع، وكل ما عليها لائق ونظيف لولا الفوضى الضاربة أطنابها فيها. أما شعرها فكان يحمل آثاراً من جميع حضارات الإنسانية حتى آخر صرعة في موضة العصر.
أما المكياج فكان يغطي كل ملامحها، بينما عيناها السوداوان فكانتا تتقدان وبياضهما يشعّ حيوية، وحولهما سواد كحل تلفّه مساحة شاسعة خضراء اللون، ولم يكن ينقصها إلا سنبلة قمح أو شعير ليتهيأ للناظر أنها نازلة لتوّها من أقاصي الأرياف. أما رائحة العطر فيها فلا يضاهيها إلا سحاب تشرنوبل. إنها فضيحة متنقلة نجت من سخط الله بأعجوبة. كانت تحمل كيس سفر مثل الزوادة، التوى على جسد غضّ لبنت في السادسة عشرة أو بالكاد في السابعة عشرة لا أكثر، بحيث أن الكيس الذي تحمله قد تدلّى حتى بلغ أسفل ساقيها وكأنه جلد ثعبان فرغ الآن من استبداله. وبدت على شفتيها الشهيتين حمرة قانية في حين فترت منهما برطمة تبرّم وحيرة. ولإخفاء كل ذلك عن الأنظار تنهدت بكل أنفة وشموخ. أما مسك الختام، فكانت حاملاً منذ بضعة شهور وسُرّتها تفضح ذلك للعيان.
"- عمة لامية؟ نطقتْها بحدة وهي لم تكد تتجاوز متراً ونصف متر!
- م م م.... ممكن!
- أنا شريفة!
- حسنٌ... ثم ماذا؟
- سفيان هو الذي أرسلني إليك. وأنا واصلة اللحظة من وهران.
- نعم؟؟!!
- ألم يهتف إليك؟
- م م ... كلا.
- هل تأذنين لي بالدخول؟
- م م ... إن شئت.
- شكراً.
- عفواً.
- الجوّ لطيف لديك.
- هذا رأيك".
وهكذا، وبهذه الطريقة تتسلل الزوابع إلى بيوتنا. لم يسبق لي أن تصورتُ أبداً ولا تصرّفت على أساس أن أفتح في يوم من الأيام بابي وحياتي لمثل هذه البلبلة والتشويش. فتحتُ بكل بساطة، لمجرد أن الناس تفتح أبوابها لما تُقرع. قد يساورنا التفكير في مقابلة أناس غير لطفاء، ويعلم الله أن الحيّ يعج ويضيق بالناس الذين يجنحون للعنف بالفطرة وتعنيف الناس وتوبيخهم، وبالمهووسين معتـادي الاغتصاب، وبرجال الدرك، حتى ليتخيل للمرء أن هؤلاء لا يعرفون وقتاً ولا يفقهون مبدأ. ولكن يحدث أحياناً أن نستسلم للحلم من باب الشعور بالطمأنينة والسكينة، ونتوقع حدوث المعجزة والعناية الإلهية التي تنزل علينا لتمنحنا جزاء صبرنا والثواب على الجلد، وقد نفكر في كل الطوارئ السارة التي تدور في خلد من لا يعرف إلا حياة ضنكاً.
بالمقابل، يوجد لدى كل منا إحساس دفين بدوافعه الغامضة والمبهمة والقوة الخارقة للأشياء المغيبة والأصوات القادمة من عوالم مجهولة والرغبة الجامحة التي تدعونا فجأة لولوج عالم ساحر وسبر أغواره. وكل ذلك يدفع بقوة أعتى وأعنف ممّا يقوى الخوف على كبحه وكبته.
لكن، والحق يُقال، فتحتُ الباب بطريقة آلية. فأنا هكذا، امرأة فيها عفوية واندفاع. بصورة آلية؟ ليس بالضبط على كل حال. فالأمل برؤية أخي وسماع طرقه على الباب لم يبرحني يوماً، وكل الأصوات تذكّرني به، ولا أرى للعذاب نهاية، فأنا مدركة أن سفيان غادر الديار لكي لا يرجع أبداً.
قد يكون حسن التأدب والتربية عَوَقاً وعاهة أحياناً، وذلك يجعلنا نبدو في صورة طائر القطرس الضخم وقد وقع في سلة جندي الباشي بوزق. ومن باب المجاملة واللطف قدّمت مشروباً للضيفة الدخيلة ثم عشاء أو سحوراً على الأصح، بعد ذلك سلقت لها بيضة وزدتها برتقالة، ورحتُ أُصغي إلى ثرثرتها كالخرقاء. فهل كان لي في نهاية الأمر أن أرفض لها المبيت؟ كلا، فكرم الضيافة لا يمكن أن يتوقف عند حافة السرير. حتى هي نفسها لم تتح لي مهلة التفكير، فلقد لبست المتهتكة قميص النوم وأنا لم أفرغ بعد من تنظيف ما كان على طاولة الأكل. لكن ما دامت هي التي بدأت فما كان عليّ إلا أن أناولها مخدة وأتمنى لها ليلة سعيدة على إيقاع موسيقى خالته المسكينة دعوة إلى حفل. فلقد ضحكتْ كثيراً وتكلمتْ كثيراً، وفي كل مسألة. ولم تترك شاردة ولا واردة إلا خاضت فيها طولاً وعرضاً، عن الديك والحمار كما يُقال، وعن شباب أغنية الرّاي، وعمّا لم تسمع به شهرزاد المرأة المشهود لها بالأرق ولم تشهده. أما أنا فلقد فاتني القطار وأنا لم أبرح المحطة.
في الواقع، بقيتُ أرمقُ شيئاً غير موجود مع الإيهام بتركيز نظري على شفتي الثرثارة. ثم صار صوتها يثير فيّ الضجر والسأم، فلجأتُ إلى التفكير في لويزة، حبيبة قلبي، لويزة العزيزة. يا إلهي كم أنا مشتاقة إليها! ثم فيما فعل الزمان بأحلامنا وآمالنا.
صارت الساعة الثالثة فجراً، والليل يزحف نحو نهايته. أما الساعة القديمة التي تقوم بحراسة البهو فلم تعد ترن منذ مغادرة صاحبها الأول، ولكني كنت أفهمها، فهي تئن بالعادة وعلى فترات محددة ومضبوطة. لقد حاولت عبثاً، ثلاث مرات، أن تُصدر ما يشبه الصوت أو الحس. بعد ذلك خفّت ثرثرة الشابة وخفَتَتْ وانتثرت كالسحاب فوق رؤوسنا ثم تلاشت في أجواء فسيحة وانقشعت، ثم حلّ السكون والصمت الحقيقيان، ثقيلين كالجماد، يطقطقان في جميع الأرجاء. إثر ذلك دخلنا في تلك الأوقات التي لم تصبح ملكاً لنا حقاً، حيث لا يصل الروح بالجسد إلا ما يشبه الخيط الرفيع، وخلدتِ الضيفة المجهولة إلى النوم وغار جسدها في جسم الكنبة والوسائد الملونة بألف لون ولون. وهكذا استسلمت المسكينة للنوم العميق وقد ربّعت يديها وفغرت فاها وحتى ساقيها بعد أن أذاقتني ويلات الحماقات وسقتني كؤوس الجهالات. لقد بدت في وِضْعة الجسم التي كانت عليها كالمستهترة لو لم تكن طبيعية وعفوية. وصارت تبدو لمن يراها نائمة طريفة أكثر ما تكون صاحية، كذلك كان من السهل أن أتصور أن لها عالمها الخاص بها حصراً، بعيداً جداً عن عالمنا، حيث لا تنقصها إلا الجنّيات وفتى الأحلام، وكل ما حولها من كومبارس ومتقمصي الأدوار الثانوية والساحرات الجشعات والأشرار لا وجود لهم في القصة ولا دور يؤدونه سوى متعة مشاهدتهم مدحورين في عالم عامة الحالمين.
إنني أعرف كل شيء عن الليالي الطوال المكرّسة للصمت ولعبة البحث في دواخل الذات. ثم فجأة، أجد نفسي فاقدة كل المعالم التي أسترشد بها، وأبدأ بجهل حتى الأحاسيس لديّ، فأصبح غير مدركة كيف أفكر ولا أعرف كيف أتصرف؛ لقد فقدتُ وتيرة من أدمن حياة الوحدة والانزواء الثقيلة. أحسستُ بمدى ضعفي وقلة حيلتي، وسكنني هاجس عدم التحكم في إيقاع حياتي، كما لو أنه قد خانني الصبر، أو إن شئت، انتابني الفضول الشديد. إنه الانزعاج، وأيّ انزعاج! أن يلج الناس عالماً آخر، إنه الخطر الذي يحدق بمن يبغض البشر ولا يطيق الاختلاط بالمجتمع.
حسنٌ. سأبحث عن كتاب أقرأه أو برنامج في التلفزيون أشاهده، ولا بد أن أجد فكرة تساعدني على النوم، إذ في مثل هذه الساعة تكون كل الوسائل مقبولة للاسترخاء والخلود. وفي الصباح، وبمجرد مغادرة الفراش يجب على الفتاة المتعجرفة والفاجرة أن توضّح لي ثلاثة أمور في غاية الأهمية:
أولاً : مَنْ تكون؟
ثانياً : مِنْ أين جاءت؟
ثالثاً : إلى أين تذهب؟
لا أرى شيئاً آخر يمكن أن أضيفه، فالأمور حدثت بهذا الشكل، والسلام. أمّا أن أقول فيما بعد، ماذا يمكن أن أزيد أو أنقص؟ الانطباعات، والخلفيات، والتكرار والاجترار، والسكوت المحير والمرتاب، فهذه كلها لن تجدي نفعاً. بل على العكس تماماً، فكل ذلك ينتزع من الحادث قيمته، والحادث في حد ذاته مفاجأة مؤثرة ومثيرة: فلقد ظهر خبر سفيان واختار أن يقوم بذلك من خلال هذه البنت الغريبة الأطوار.
كان ذلك اليوم يوم الرتابة كسائر الأيام الأخرى، ويوم الشكوك المؤلمة، ولم أكن أدري ماهية الاضطرابات التي تنتظرني بعد قليل. والأدهى من ذلك أنني لم أكن أرى الطريقة التي تجعلني أتخلص من هذه البنت. ولكن، هل تراني كنت أرغب في ذلك حقاً؟ ومع ذلك فالمشكلة ليست مطروحة بهذه الصورة، فوجود هذه الشابة التافهة عبارة عن ضربة مكنسة سوف تزلزل كياني وتثير فيّ الرغبة الشديدة في الدفاع والاستبسال. إني أحسّ بكل ذلك، وأدرك حتميته وضرورته. فها هي حياة أخرى تأتي لتزرع في حياتي وتلتهمها من الداخل وتهضمها، وتحيد بها عن طريقها المرسوم لها.
يا إلهي، إلى أي مدى نمتلك ناصية حياتنا حقيقة؟
نظرتُ ملياً إلى البنت المجهولة. كانت تغطّ في نوم الحوريات، كانت عذبة وممشوقة القوام، وزادها ثغرها البسام مسحة من جمال البنت المدللة. أما كل ما كان حولها من ألوان الوسائد والنور الخافت وكثافة السكون والهدوء والقرقرة المألوفة الخارجة من الأعماق، وعذوبة البُنَيّة زاد الجو سحراً وبهاء لتتشكل صورة السعادة، تلك السعادة الهادئة التي تنفخ فينا جمالاً ودعة. ولو كانت الملائكة تغفو وتنام لكانت على هذه الصورة، صورة شريفة السابحة في نعيم أحلامها. ولو كانت الشياطين تخلد إلى النوم لكان لها بلا شك هذا الشكل. ولا أرى في الوجود سبباً يحملنا على
صفحة 3
لم أفهم كيف حدث كل ذلك. فبمجرد أن غادرت البنت المجهولة الفراش حتى كانت قد قلبت كل ما في البيت رأساً على عقب ونثرت هنا وهناك قضّها وقضيضها. يوجد مِنَ الناس من ليس في حاجة للاستقرار لكي يشعر بأنه في بيته لوحده. أما قاعة الحمام، قاعة الحمام الخاصة بي فصارت خراباً! ووجدتني أصيح بأعلى صوتي في النهاية: "ما هذا الكرنفال؟" ولا أذكر أنني فعلتُ أمراً شنيعاً كهذا لبيتي حتى في حالات الإحباط القصوى التي كانت تنتابني أحياناً. ومع ذلك لم تكن هذه البلهاء الثرثارة لتتوقف حتى تستأنف اللف والدوران، فكنت ألمح خيالها وهي تركض من هنا وهناك، تشعل المصابيح وتعذّب الراديو وتتصفح التلفزيون وتلملم خرقي وأثوابي وتفتش في كل الزوايا لتظهر في الأخير وقد علتها سحنة تشبه مظهر سائح وكالة السفر الذي يكتشف في نهاية المطاف أنه كان مخطئاً على طول الخط. وصار الأمر أمراً واقعاً عندما ردّت عليّ متسائلة: "ما هذا الكرنفال؟" لقد قُضي الأمر، أصبحتُ غريبة الأطوار والديار. ورمقتني بنظرة كمن يصدّ امرأة تتبضّع وتطلب خضراً خارج موسمها. وهكذا رحتُ على طريقتها، أتناول فطور الصباح مكتفية بالبسكويت، واقفة أمام الثلاجة. ونفضت ما علق على صدري من فتات غير مكترثة بجحافل نمل الحديقة الذي كان بالأمس هاجسي وكابوسي الأول، ولم أكن أقوى على وقف زحفه على أعتاب المطبخ إلا بالإكراه وبالنقاوة.. وبالكثير من مبيدات الحشرات. وهكذا استسلمتْ روائحي العتيقة، التي لها تاريخ راسخ في ذاكرتي، أمام إشعاعات عطر هذه البنت الوسخة والرائحة المثيرة للأعصاب التي تفوح من شابة تتغير وتنمسخ في الفوضى. لقد كان كل كياني يغلي كالمرجل من الحنق والتقزز لسلبيتي واستسلامي. ولكن، كنت رغم ذلك، إن لم يكن يخدعني إحساسي، مبتهجة لوجودها معي. لقد بدأ يدب في روحي شعور الأخت الكبرى التي لا تكل ولا تمل من ملاحقة أختها الصغرى العفريتة بالوعد والوعيد.
إن لكل جديد سحراً خاصاً، ولكنه يزعجنا عندما يكرهنا على التغير. كنت مذعورة ثم أصبحت مهتمة. فما كل معتقداتنا وعاداتنا في نهاية الأمر إلا ما ألفناه دوماً وتعودنا عليه، ليصبح مع العادة آخر شيء بقي لنا لنتشبث به. ولكن ما يحز في النفس حقاً ويزيدها كمداً هو أن تكتشف المرأة فجأة أنها صارت عانساً. لقد كانت شريفة ترعبني وترهبني بتشويشها وتسحرني وتأسرني بفوضاها.
ولكن، إذا كان للتأثر وقت فإن لردة الفعل أوقاتاً.
"اسمعي يا جميلتي، لك أن تسرحي وتمرحي كيفما شئت ولكن عليك أن تعلمي أين؟ مَنْ أنت، ومِنْ أين أتيتِ، وإلى أين تمضين هكذا؟ ثم، قولي لي كيف تسنّى لك التعرف على أخي الأحمق؟ وما هذا البطن الممتلئ؟ ولتعلمي أن هيئة الهيفاء التي أنتِ عليها لن تخلصك مني!
- ولكن، عمة، لماذا تتعصبين؟
- لست عمتك، ولا زوجة عمك!
- كيف تحبين أن أناديك؟
- ها، هكذا، بهذه البساطة! إذن لا تناديني إطلاقاً، قولي آنسة!
- ولكن، ألستِ أكبر من ذلك؟
- ها! هكذا؟"
طيب يجب ألا أثير جدلاً آخر تافهاً وغير مجدٍ، لا سيما وأن نتيجته لن تكون في صالحي.
تبدو الأمور أحياناً في غاية البساطة مع السذّج، لكن المهمّ ألا نعقّدها فوق اللزوم. والوضعية واضحة وضوح الشمس، فشريفة عبارة عن بنت ضائعة من ضمن كل البنات تعرّفت في وهران على أخي، ذلك الأبله، الذي كان ضائعاً هو الآخر. وفي لج حياة الضياع والبؤس قاما بتبادل النظرات والقبلات، لا شك في ذلك، ومع ما يتبعها من كوارث وويلات. إن البنت لا تنقصها الشجاعة إطلاقاً ولكنها ظلت محتفظة ببعض الحشمة والوقار، وهي لم تقل شيئاً عن بطنها الصغير. من يكون صاحب البُضع الموضوع فيه، أيمكن أن يكون الروح القدس؟ المهم، لا تهمّ إلا عواقب الأمور. وبمجرد لمح البصر أقول إنه ابن خمسة شهور، لهذا عليّ أن أتوخى الحذر، فالمصائب آتية لا ريب، والبنت تبدو من النوع المعتاد على المشاكل، ولن أفاجأ بها إطلاقاً لو حدثت لي. أما سرّها الشائع فلتذهب ولتضعه حيثما تشاء. أقسم على هذا وأحلف!
أما سفيان فأعرفه وأعرف أسلوبه، وإنني أتخيل كلامه المعسول الذي يكون قد قاله لبنت وقعت في غرامه، فالوداع كان بهذا الشكل لا ريب:
"شريفة، قدري ألّا أحطّ الرحال بوهران، بل مكتوب عليّ أن أواصل المشوار. أريد أن أجد الحرية والحياة السعيدة. وكل من سبقنا يقسم بالله أن هناك، في الغرب، جنات النعيم.
- أما هدفي أنا فالجزائر، العاصمة، حيث أعيش كالأميرات. وصديقاتي في الدوّار يحلمن بذلك ليل نهار. سوف أضع حملي عما قريب، وعليّ أن أرحل فوراً. انظر إلى بطني.. كل شيء ظاهر بيّن، أليس كذلك؟ وفي الدوار سيقطعون رأسي، بالتأكيد، لو دخلت عليهم أحمل صبياً على صدري.
- اذهبي إلى أختي، لامية، إن لها بيتاً واسعاً، وستكون هناك غرفة لك وحدك ومهد للمولود. إنها إنسانة طيبة، ولن ينقصك الدواء؛ وهي عجوز، معاندة ومتذمرة كشجر الصبار، ولكن ذلك في صالح الرضيع، سيشبّ على الاستقامة، أما أنا فأتوجه إلى طنجة لترقب الباخرة هناك."
هكذا يتكلم أطفال الضياع.
ولكن كيف لنا نحن وقد كسرنا الكبر وغلبتنا الحكمة، أن نحدثهم وقد علمتنا الحياة منذ الأزل أن نسكت ونتظاهر بالفهم والاعتقاد؟
وبدل أن أتكلم معها رحتُ أعذبها. وكانت أسئلتي تنطلق بسرعة الرشاش من كل حدب وصوب إلى درجة إصابتها بالشلل، ولم تفهم ما المقصود وما الفائدة الحتمية من كل ذلك. وبينما كنت أنتظر منها قول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، انطلقت في البكاء والنحيب وهي تصدر شهيقاً ألعن من شهيق سمك الفقمة الخرساء، وانسكب الرمال المخضب لجفونها بشكل مثير للشفقة على صُدرتها. ثم فجأة، هبّت واقفة، وخرجت وصفقت الباب غضباً، وظل دوي الانفجار يرن في الجدران وقتاً طويلاً بعد مغادرتها. ولما توقّف الرنين شعرتُ بالحسرة وشرعتُ في البكاء، وانهمرت دموعي بغزارة.
وعادت في منتصف الليل. عند تمام دقات منتصف الليل، أو بعدها بقليل. وكانت تلك هي المُهلة التي حددتها لنفسي كي أنتحر على إثرها. شعرتُ بالذنب. فبعد تلك الساعة لن يكون متسع إلا للجثث وقاتليها للتسكع في شوارع المدينة. تركتُها تخرج وحيدة، ليلاً، في حيّ يخاف حتى قطاع الطرق والرعاع من رفقائهم. فتحتُ الباب بحركة واحدة وأنا مستعدة للموت غدراً. أوف! إنها هي، ومعها زوّادتها، وفيها شموخها وإباؤها. توجهتْ فوراً صوب الصالون، وهو غرفتها، دون أن تراني، أما أنا فقد تمالكتُ نفسي حتى لا أدق عنقها، هنا، في ردهة البيت. في المرة القادمة سأقتلها ببرودة دم وأنا مرتاحة الضمير، فمهما يكن، لنا في بيوتنا حق الاحترام والتقدير.
وعندما أوصدتُ الباب تهيأ لي أني لمحتُ من خلال أشجار الحور المتحركة التي تحرس الحيّ خيال شخص يتسلل في جنح الظلام.
وهذا خطب وكرب آخر، وفي غاية الجسامة.
في النهار وفي الليل
في الداخل وفي الخارج
والخطب الجلل
يرقب
وفي قبضته نَبْل
ضدّ اليقين
ضدّ القانون
والخطب الجلل
يضرب
وفي كُلّابه شعلةُ وَيْل
ها، على المرأة
ها، على الطفل
والخطب الجلل
يثب
وفي دبره ذيل
متربص
سعيد، جذل
يترصد الإنسان
يرقب
فريسته الثمينة
الخوف.
إن لكل جديد سحراً خاصاً، ولكنه يزعجنا عندما يكرهنا على التغير. كنت مذعورة ثم أصبحت مهتمة. فما كل معتقداتنا وعاداتنا في نهاية الأمر إلا ما ألفناه دوماً وتعودنا عليه، ليصبح مع العادة آخر شيء بقي لنا لنتشبث به. ولكن ما يحز في النفس حقاً ويزيدها كمداً هو أن تكتشف المرأة فجأة أنها صارت عانساً. لقد كانت شريفة ترعبني وترهبني بتشويشها وتسحرني وتأسرني بفوضاها.
ولكن، إذا كان للتأثر وقت فإن لردة الفعل أوقاتاً.
"اسمعي يا جميلتي، لك أن تسرحي وتمرحي كيفما شئت ولكن عليك أن تعلمي أين؟ مَنْ أنت، ومِنْ أين أتيتِ، وإلى أين تمضين هكذا؟ ثم، قولي لي كيف تسنّى لك التعرف على أخي الأحمق؟ وما هذا البطن الممتلئ؟ ولتعلمي أن هيئة الهيفاء التي أنتِ عليها لن تخلصك مني!
- ولكن، عمة، لماذا تتعصبين؟
- لست عمتك، ولا زوجة عمك!
- كيف تحبين أن أناديك؟
- ها، هكذا، بهذه البساطة! إذن لا تناديني إطلاقاً، قولي آنسة!
- ولكن، ألستِ أكبر من ذلك؟
- ها! هكذا؟"
طيب يجب ألا أثير جدلاً آخر تافهاً وغير مجدٍ، لا سيما وأن نتيجته لن تكون في صالحي.
تبدو الأمور أحياناً في غاية البساطة مع السذّج، لكن المهمّ ألا نعقّدها فوق اللزوم. والوضعية واضحة وضوح الشمس، فشريفة عبارة عن بنت ضائعة من ضمن كل البنات تعرّفت في وهران على أخي، ذلك الأبله، الذي كان ضائعاً هو الآخر. وفي لج حياة الضياع والبؤس قاما بتبادل النظرات والقبلات، لا شك في ذلك، ومع ما يتبعها من كوارث وويلات. إن البنت لا تنقصها الشجاعة إطلاقاً ولكنها ظلت محتفظة ببعض الحشمة والوقار، وهي لم تقل شيئاً عن بطنها الصغير. من يكون صاحب البُضع الموضوع فيه، أيمكن أن يكون الروح القدس؟ المهم، لا تهمّ إلا عواقب الأمور. وبمجرد لمح البصر أقول إنه ابن خمسة شهور، لهذا عليّ أن أتوخى الحذر، فالمصائب آتية لا ريب، والبنت تبدو من النوع المعتاد على المشاكل، ولن أفاجأ بها إطلاقاً لو حدثت لي. أما سرّها الشائع فلتذهب ولتضعه حيثما تشاء. أقسم على هذا وأحلف!
أما سفيان فأعرفه وأعرف أسلوبه، وإنني أتخيل كلامه المعسول الذي يكون قد قاله لبنت وقعت في غرامه، فالوداع كان بهذا الشكل لا ريب:
"شريفة، قدري ألّا أحطّ الرحال بوهران، بل مكتوب عليّ أن أواصل المشوار. أريد أن أجد الحرية والحياة السعيدة. وكل من سبقنا يقسم بالله أن هناك، في الغرب، جنات النعيم.
- أما هدفي أنا فالجزائر، العاصمة، حيث أعيش كالأميرات. وصديقاتي في الدوّار يحلمن بذلك ليل نهار. سوف أضع حملي عما قريب، وعليّ أن أرحل فوراً. انظر إلى بطني.. كل شيء ظاهر بيّن، أليس كذلك؟ وفي الدوار سيقطعون رأسي، بالتأكيد، لو دخلت عليهم أحمل صبياً على صدري.
- اذهبي إلى أختي، لامية، إن لها بيتاً واسعاً، وستكون هناك غرفة لك وحدك ومهد للمولود. إنها إنسانة طيبة، ولن ينقصك الدواء؛ وهي عجوز، معاندة ومتذمرة كشجر الصبار، ولكن ذلك في صالح الرضيع، سيشبّ على الاستقامة، أما أنا فأتوجه إلى طنجة لترقب الباخرة هناك."
هكذا يتكلم أطفال الضياع.
ولكن كيف لنا نحن وقد كسرنا الكبر وغلبتنا الحكمة، أن نحدثهم وقد علمتنا الحياة منذ الأزل أن نسكت ونتظاهر بالفهم والاعتقاد؟
وبدل أن أتكلم معها رحتُ أعذبها. وكانت أسئلتي تنطلق بسرعة الرشاش من كل حدب وصوب إلى درجة إصابتها بالشلل، ولم تفهم ما المقصود وما الفائدة الحتمية من كل ذلك. وبينما كنت أنتظر منها قول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، انطلقت في البكاء والنحيب وهي تصدر شهيقاً ألعن من شهيق سمك الفقمة الخرساء، وانسكب الرمال المخضب لجفونها بشكل مثير للشفقة على صُدرتها. ثم فجأة، هبّت واقفة، وخرجت وصفقت الباب غضباً، وظل دوي الانفجار يرن في الجدران وقتاً طويلاً بعد مغادرتها. ولما توقّف الرنين شعرتُ بالحسرة وشرعتُ في البكاء، وانهمرت دموعي بغزارة.
وعادت في منتصف الليل. عند تمام دقات منتصف الليل، أو بعدها بقليل. وكانت تلك هي المُهلة التي حددتها لنفسي كي أنتحر على إثرها. شعرتُ بالذنب. فبعد تلك الساعة لن يكون متسع إلا للجثث وقاتليها للتسكع في شوارع المدينة. تركتُها تخرج وحيدة، ليلاً، في حيّ يخاف حتى قطاع الطرق والرعاع من رفقائهم. فتحتُ الباب بحركة واحدة وأنا مستعدة للموت غدراً. أوف! إنها هي، ومعها زوّادتها، وفيها شموخها وإباؤها. توجهتْ فوراً صوب الصالون، وهو غرفتها، دون أن تراني، أما أنا فقد تمالكتُ نفسي حتى لا أدق عنقها، هنا، في ردهة البيت. في المرة القادمة سأقتلها ببرودة دم وأنا مرتاحة الضمير، فمهما يكن، لنا في بيوتنا حق الاحترام والتقدير.
وعندما أوصدتُ الباب تهيأ لي أني لمحتُ من خلال أشجار الحور المتحركة التي تحرس الحيّ خيال شخص يتسلل في جنح الظلام.
وهذا خطب وكرب آخر، وفي غاية الجسامة.
في النهار وفي الليل
في الداخل وفي الخارج
والخطب الجلل
يرقب
وفي قبضته نَبْل
ضدّ اليقين
ضدّ القانون
والخطب الجلل
يضرب
وفي كُلّابه شعلةُ وَيْل
ها، على المرأة
ها، على الطفل
والخطب الجلل
يثب
وفي دبره ذيل
متربص
سعيد، جذل
يترصد الإنسان
يرقب
فريسته الثمينة
الخوف.
صفحة 4
لست أدري إن كنت آسفة على وحدتي ووحدانيتي القديمة، أو على لياليّ الطوال الخالية التي قضيتُها أو نهايات الأسبوع الفارغة من كل نشاط، أو استرخائي الشهواني وشرودي المتشابك بالذهول والدهشة، أو هوس وهوى عزوبتي الأزلية غير المنعّمة والمضبوطة رغم كل ذلك، أو هلعي ورعبي في الظلام الموحش والمثير إلى أبعد حد، أو تمردي المستميت على الأشباح التي تقاسمني أسرار الزمن الغابر وهدير الجدران المثقلة بالقصص المنسية. إنني أحسّ بالوحشة، لا ريب، ولكن ليس بالأسف. كلا، لا يوجد بداخلي أسف البتة، بل نوع من الذكرى المفعمة بالأحاسيس. لقد كنت أعشق ذلك التيه في الوحدانية، وذلك اللجوء العذب إلى غيابات نفسي، وفي حضن بيتي القديم الذي عمّر لأكثر من قرنين اثنين. ذلك البيت الذي شهد تعاقب قوافل البشر تلو البشر، ليأخذ مع مرّ الزمن التجاعيد ويألف عادات متحجرة وروائح تفوح بعطر خاص وأناس سبقونا إلى الوجود، من الانكشاريين، من مدخِّني النرجيلة الذين قضوا إما بحدّ سيوف الغدر والمكر، وإما بسبب مرض مكتوم ودفين. تُركيّ من الباب العالي وضابط في الحرس الملكي بنى هذه الدار لقضاء أوقات الراحة مع نهايات الأسبوع، ثم جاء بعده فيكونت من القرن الماضي؛ فرنسي الأصل، متصلب، فيه من صفات العسكر النصف ومن صفات علماء الطبيعة النصف الآخر، فانتهى به الحال إلى الانغراس في المدينة العتيقة ليعتنق الإسلام ويتزوج من بنات المسلمين، ثم جاء بعده يهودي يكون أحد أسلافه قد حل ببلاد البربر قبل أن تشهد أولى ثوراتها واضطراباتها، ثم توافد عليها الأقدام السود الذين ينحدرون من أسر بائسة من منطقة نافار ومن الجليل ليرحلوا إلى القطب الشمالي حيث يوجدون الآن، ثم جاء أخيراً أهلي النازلون من أعالي جبال القبائل غداة الاستقلال، ووصل بعدهم الأصدقاء والأصهار والأنسباء لتأويهم الدار أوقاتاً، وجاء من ضمن من جاء إليها الغرباء العابرون الذين قدموا في سنوات الدم والنار، لما صار الشرف كالعار، في الحضيض، وجلبوا معهم الأسرار ثم ارتحلوا دون أن نتمكن من سبر أغوارها. إننا لم نترك حيلة إلا جرّبناها لنوفّق في القيام بدور الموفّق وجامع الشمل! فلقد كانت الدار كبيرة وكنا صغاراً، وكذلك لم نتعود على الشدة وكذلك لم يشتدّ عودنا، وفلتتْ من بين أيدينا أشياء وأشياء.
كنت أعشقُ القيام بالدخول العابر في عتمة الصمت والسكوت، والولوج في صلب جميع تلك المسائل التي يساورنا التفكير فيها لما كان الوقت يمضي دوننا، وكنت أخترع منها ما أشاء إلى ما لا نهاية، وكيفما يحلو لي الأمر. كنت أسافر بعيداً ولا أعود إلا بعد أن يطول بي المقام. فالواقع ليس إلا محطة خلال الرحلة، وسلسلة متعاقبة من أعمال السخرة والحركات المتواترة والحكايات المملة، فأولى لنا وأحرى أن نختزلها ونختصرها. ورغم ذلك كنت أحب أن أقع في ورطة مشاكلي القديمة قدم هذه الدار، والظهور بمظهر في غاية الإصرار الجامد وأحياناً بمظهر الدقة الماكرة. إن في الحياة البسيطة تعقيداً شديداً أحياناً، إذ يوجد فيها خبايا ما يعتمل في السر وفي الخفاء. أما الجدران فكانت تتداعى، والأواني تتحطّم، والحديد يخبو من الكي والخراطيم والمواسير تسيل وتشخ هكذا أو أكثر، وكل شيء يئن من الصرير أو من الغرغرة، وغالباً ما تهوي عليّ الظلمة الحالكة وأنا في كامل النور. غالباً، بلى، وأكثر فأكثر، إذ أحياناً يبدو لي أن شقاً كاملاً قد تداعى وانهار. ممّ حصل ذلك؟ لست أدري، وأحياناً تحدث الانهيارات في ذهن المرء. لقد كانت تحيط بي الأشياء العتيقة البالية، وكانت تُسْلِمُ الروح بأسرع مما نقوى على رد الروح إليها بالتصليح. وما كان علينا إذاك إلا أن نتقبل الوضع طوعاً إن شئنا أم كرهاً ونتعود على الأمر، هذا كل ما في الأمر. وكنت أقول لنفسي إنّ كل ما يشدّ بالبرغي يفكّ به، فالأحسن أن أستعمل المطرقة. ولقد ألزمتُ نفسي بعض الوقت وعوّدتها على ذلك، ووجدت في ذلك بعض التقشف الذي جاء بعد الطفرة الصناعية، بحيث كان يجعلنا نكتفي بعدم الاكتراث وهز الكتفين استخفافاً وبالآهات المتصاعدة كالزفرات كمداً أو تعبيراً عن غضب شديد لا يطاق، ومن باب الالتزام بطقوس تبرئة الذمة. على كلّ حال، أكسبني كل ذلك قوة في الذراعين وألهاني عن سماع رطانة الثرثرة السياسية التي كانت ديدن القوم. لقد كان كل ذلك في عهد سقط المتاع، وحركات الجماهير الغفيرة، حيث كان الكلام يطول ويفيض رغم الداء والأعداء، فيتكرّر الأمر طوال أيام ويخلد الناس للراحة في آخر الأسبوع، وهكذا دواليك. لا يوجد أي جهاز لم أعرف أسراره وخباياه، وكذلك قد أفلحتُ في فك رموزه لكي أستبدله بجهاز جديد معقد يثير أعصابي بسبب التكنولوجيا العالية فيه منذ البداية، إذ لا يوجد جهاز واحد صُنع في بلادنا، فكله مستورد في حاويات مباشرة، خالص التأمين وكلفة الشحن، وتذهب تواً إلى العنوان المحدد حيث تظل رابضة في منأى عن الفضوليين. ولم يكن الصنيع الجدير بالفخر يتمثل حينئذ في تشغيلها، إذ يكفي الضغط على زر واحد للقيام بذلك، بل في فك رموز دليل الاستعمال. ومن المثير للإحباط أن يجد الإنسان كومة من المطبوعات تملأ كرتون التغليف لا يفقه لها أمر. ومن المستعصي جداً أن يجد المرء اللغة التي هو في حاجة إليها، لذا آخذ ما وصلت إليه يدي للاطلاع، هذه اللغة الصينية والكورية والهندية والروسية والتركية واليونانية. كنت أتمعن في الموضوع مرة ثم أخرى، ولا أجد مخرجاً. أيُعقل أن يتكلم البشر كل هذه اللغات ويستطيعون التفاهم فيما بينهم! أمرّ على الصيغة المقترحة باللغة الفرنسية مرور الكرام فهي من صنيع أناس تعلموا لغة موليير في كتب التعليم الجاهز كالأكل الجاهز تماماً. كل ذلك كان يزعجني، كنت أفكر في إعادة كتابتها وتنقيحها لأقرأها نقطة نقطة. كنتُ أمرّ على اللغة العربية ولا أتوقف عندها، فهي تذكرني بالأوراق التي لا حصر لها والتي دأبت إدارتنا العجيبة على إرهاقنا بها منذ أول يناير إلى غاية نهاية ديسمبر من السنة المدنية. أما الإنجليزية، فقد حاولت تفاديها بالرغم من معرفتي السطحية لها، فهي تجعلني أرتبك، وأشعر أني عديمة الثقافة وعصبية. إنها لغة الناس الذين يسافرون كثيراً أما أنا فلا شأن لي بالسفر. ولكن من ذا الذي تجرأ مثلي على الادعاء بتشغيل هذه الأجهزة دون قراءة مطبوع دليل الاستعمال؟ ولم أبق على هذه الحال إلا برهة، فأنا لا أملك إلا القليل من الأجهزة ، ثم ما دام كل شيء يأتي في أوانه فما عليّ إلا اكتشاف الأمر بنفسي: إن التكنولوجيا موضوع في غاية الجدية، وهواية الرجال المفضلة وديدنهم وليس للنساء سبيل إلى حشر أنفهن فيه. ولم أُطِل التفكير لأصل إلى الحل؛ عمو حسين، الجار الساكن في ردب القبّرات، صديق والدي المرحوم، المتقاعد من الحرب التي لم أعد أذكرها ومن الإدارة لا ريب، سيهرع المسكين حاملاً صندوق عدّته وعتاده حالما يصله أول طلب للنجدة، وسوف ألمح من ملامحه المتظاهرة بالعلم والاطلاع الواسع أنني مسكينة وقعت في ورطة فعلاً. أما هذا الرجل الطيب فكان لا يعرف كيف يقاوم التمثيلية التي أقوم بها على مرآه. وما إن يبدأ عمله حتى يصبح شعلة نار ولا يهدأ له بال إلا إذا عرف سبيلاً إلى إصلاح الخلل. أما أنا فأقف مبهورة لأراه يكد ويجد والعرق يتصبب على جبينه وفي يده نافثة النار الشفاطة وهو يحاول التغلب ببطولة على الثقب سبب العطب. وإذا ما استثنينا الجنينة التي صارت كالأدغال القفر فإنّ الدار لا تشكو إلا من تضعضع مفاصلها، وشيخ طاعن في السن مثله لا حول له ولا قوة في إصلاح ما أفسده الدهر. وبين مصاريع الأبواب والنوافذ وحلقاتها صارت الريح تجد لها طريقاً لتعوي وتدق الأعصاب ولكنها، والحمد لله، لا تصل إليّ. ومن باب تقديم جزيل الشكر لعمو حسين فلا أحسن من الإطراء في امتداح قدراته والإطناب فيه أمام فنجان قهوة معتقة. ولكن العجوز المسكين كان يهوى احتساء العرق الرديء، وأنا أعلم ذلك علم اليقين لأني لطالما استنشقتُ رائحة الخمرة النارية وهي تخرج من أحشائه، ولكن كيف لامرأة مثلي أن تعرض عليه الخمرة دون أن تصدمه وتفقد احترامه إياها. ثم إن لي وساوسي وهمومي، وأنا أراه يعاني الأمرّين من داء النقرس الذي سكن مفاصله واستوطن فيها لكي لا يرحل أبداً. يكفيه أن يبلي البلاء الحسن بما بقي له في سبيل مساعدتي على حل مشكلتي، وما عليّ إلا الاكتفاء بعصر القهوة حتى تصير كالقطران لكي يكون لها مفعول الكحول الخام. وهكذا جلستُ أصغي إليه بسذاجة، فاغرة فاهي إلى درجة الغباء، ويدي على خدي وهو يروي بطولاته ضد مكتب من مكاتب الإدارة، وأعيش معه عراكه المستميت مع عريف في المخابرات يكنّى أبو هتلر. وفي الختام، ولما لم يبق إلا لبّ الموضوع، يحذرني من العرب الذين تحوّلهم السلطة إلى قساة وطغاة. إن للجيل القديم من الرجال طريقة في تكرار الكلام نفسه ولا سبيل إلى وقف استرسالهم. ومع ذلك كان ظريفاً وطيباً وخفيفاً على القلب. كان قبائلياً لم يتغير طبعه ولم يتلطف أبداً، ومازال يقيم للرجولة وزناً وشاربه يدغدغ أذنيه، وبطنه المكوّر يشده إلى الأمام ويجذبه إلى الأسفل. كانت عيناه المغمّصتان بالرميص وخصلات شعره تظهره بمظهر فيل البحر العجوز القادر على البقاء طوال نصف سنة كاملة. كان يتكلم كما يحلو له وكما يعرف، يتحدث بالأمازيغية عن جبال جرجرة الشاهقة والبعيدة بحيث كانت كلماته تتجاوز الواقع الفعلي البئيس. وكان لهؤلاء الشيوخ الماكرين المهرة طريقة مطلقة وجذرية في بيان الوقائع إلى أبعد الحدود، ولا سبيل إلى مناقشتهم أو مجادلتهم. وفي الواقع، حتى أنا لم أكن أفكر في خلاف ما يفكر فيه ولكني لستُ في السن التي تسمح لي بكشف المستور دون الوقوع في المحظور؛ فكنت أهز رأسي لتوكيد الموافقة في الرأي دون فعل زائد. لقد كنتُ أجد في كل ذلك فائدة ومتعة، ولكن الأمر كان مكلفاً بشكل فظيع، فهذا الرجل الطيب يأخذ من وقتي أمسيات بكاملها، وذلك جزاء استخدام اليد العاملة المتقاعدة. وفي يوم من الأيام انتقل الرجل الطيب إلى رحمة الله وبكيتُه بحرقة.
كنت أعشقُ القيام بالدخول العابر في عتمة الصمت والسكوت، والولوج في صلب جميع تلك المسائل التي يساورنا التفكير فيها لما كان الوقت يمضي دوننا، وكنت أخترع منها ما أشاء إلى ما لا نهاية، وكيفما يحلو لي الأمر. كنت أسافر بعيداً ولا أعود إلا بعد أن يطول بي المقام. فالواقع ليس إلا محطة خلال الرحلة، وسلسلة متعاقبة من أعمال السخرة والحركات المتواترة والحكايات المملة، فأولى لنا وأحرى أن نختزلها ونختصرها. ورغم ذلك كنت أحب أن أقع في ورطة مشاكلي القديمة قدم هذه الدار، والظهور بمظهر في غاية الإصرار الجامد وأحياناً بمظهر الدقة الماكرة. إن في الحياة البسيطة تعقيداً شديداً أحياناً، إذ يوجد فيها خبايا ما يعتمل في السر وفي الخفاء. أما الجدران فكانت تتداعى، والأواني تتحطّم، والحديد يخبو من الكي والخراطيم والمواسير تسيل وتشخ هكذا أو أكثر، وكل شيء يئن من الصرير أو من الغرغرة، وغالباً ما تهوي عليّ الظلمة الحالكة وأنا في كامل النور. غالباً، بلى، وأكثر فأكثر، إذ أحياناً يبدو لي أن شقاً كاملاً قد تداعى وانهار. ممّ حصل ذلك؟ لست أدري، وأحياناً تحدث الانهيارات في ذهن المرء. لقد كانت تحيط بي الأشياء العتيقة البالية، وكانت تُسْلِمُ الروح بأسرع مما نقوى على رد الروح إليها بالتصليح. وما كان علينا إذاك إلا أن نتقبل الوضع طوعاً إن شئنا أم كرهاً ونتعود على الأمر، هذا كل ما في الأمر. وكنت أقول لنفسي إنّ كل ما يشدّ بالبرغي يفكّ به، فالأحسن أن أستعمل المطرقة. ولقد ألزمتُ نفسي بعض الوقت وعوّدتها على ذلك، ووجدت في ذلك بعض التقشف الذي جاء بعد الطفرة الصناعية، بحيث كان يجعلنا نكتفي بعدم الاكتراث وهز الكتفين استخفافاً وبالآهات المتصاعدة كالزفرات كمداً أو تعبيراً عن غضب شديد لا يطاق، ومن باب الالتزام بطقوس تبرئة الذمة. على كلّ حال، أكسبني كل ذلك قوة في الذراعين وألهاني عن سماع رطانة الثرثرة السياسية التي كانت ديدن القوم. لقد كان كل ذلك في عهد سقط المتاع، وحركات الجماهير الغفيرة، حيث كان الكلام يطول ويفيض رغم الداء والأعداء، فيتكرّر الأمر طوال أيام ويخلد الناس للراحة في آخر الأسبوع، وهكذا دواليك. لا يوجد أي جهاز لم أعرف أسراره وخباياه، وكذلك قد أفلحتُ في فك رموزه لكي أستبدله بجهاز جديد معقد يثير أعصابي بسبب التكنولوجيا العالية فيه منذ البداية، إذ لا يوجد جهاز واحد صُنع في بلادنا، فكله مستورد في حاويات مباشرة، خالص التأمين وكلفة الشحن، وتذهب تواً إلى العنوان المحدد حيث تظل رابضة في منأى عن الفضوليين. ولم يكن الصنيع الجدير بالفخر يتمثل حينئذ في تشغيلها، إذ يكفي الضغط على زر واحد للقيام بذلك، بل في فك رموز دليل الاستعمال. ومن المثير للإحباط أن يجد الإنسان كومة من المطبوعات تملأ كرتون التغليف لا يفقه لها أمر. ومن المستعصي جداً أن يجد المرء اللغة التي هو في حاجة إليها، لذا آخذ ما وصلت إليه يدي للاطلاع، هذه اللغة الصينية والكورية والهندية والروسية والتركية واليونانية. كنت أتمعن في الموضوع مرة ثم أخرى، ولا أجد مخرجاً. أيُعقل أن يتكلم البشر كل هذه اللغات ويستطيعون التفاهم فيما بينهم! أمرّ على الصيغة المقترحة باللغة الفرنسية مرور الكرام فهي من صنيع أناس تعلموا لغة موليير في كتب التعليم الجاهز كالأكل الجاهز تماماً. كل ذلك كان يزعجني، كنت أفكر في إعادة كتابتها وتنقيحها لأقرأها نقطة نقطة. كنتُ أمرّ على اللغة العربية ولا أتوقف عندها، فهي تذكرني بالأوراق التي لا حصر لها والتي دأبت إدارتنا العجيبة على إرهاقنا بها منذ أول يناير إلى غاية نهاية ديسمبر من السنة المدنية. أما الإنجليزية، فقد حاولت تفاديها بالرغم من معرفتي السطحية لها، فهي تجعلني أرتبك، وأشعر أني عديمة الثقافة وعصبية. إنها لغة الناس الذين يسافرون كثيراً أما أنا فلا شأن لي بالسفر. ولكن من ذا الذي تجرأ مثلي على الادعاء بتشغيل هذه الأجهزة دون قراءة مطبوع دليل الاستعمال؟ ولم أبق على هذه الحال إلا برهة، فأنا لا أملك إلا القليل من الأجهزة ، ثم ما دام كل شيء يأتي في أوانه فما عليّ إلا اكتشاف الأمر بنفسي: إن التكنولوجيا موضوع في غاية الجدية، وهواية الرجال المفضلة وديدنهم وليس للنساء سبيل إلى حشر أنفهن فيه. ولم أُطِل التفكير لأصل إلى الحل؛ عمو حسين، الجار الساكن في ردب القبّرات، صديق والدي المرحوم، المتقاعد من الحرب التي لم أعد أذكرها ومن الإدارة لا ريب، سيهرع المسكين حاملاً صندوق عدّته وعتاده حالما يصله أول طلب للنجدة، وسوف ألمح من ملامحه المتظاهرة بالعلم والاطلاع الواسع أنني مسكينة وقعت في ورطة فعلاً. أما هذا الرجل الطيب فكان لا يعرف كيف يقاوم التمثيلية التي أقوم بها على مرآه. وما إن يبدأ عمله حتى يصبح شعلة نار ولا يهدأ له بال إلا إذا عرف سبيلاً إلى إصلاح الخلل. أما أنا فأقف مبهورة لأراه يكد ويجد والعرق يتصبب على جبينه وفي يده نافثة النار الشفاطة وهو يحاول التغلب ببطولة على الثقب سبب العطب. وإذا ما استثنينا الجنينة التي صارت كالأدغال القفر فإنّ الدار لا تشكو إلا من تضعضع مفاصلها، وشيخ طاعن في السن مثله لا حول له ولا قوة في إصلاح ما أفسده الدهر. وبين مصاريع الأبواب والنوافذ وحلقاتها صارت الريح تجد لها طريقاً لتعوي وتدق الأعصاب ولكنها، والحمد لله، لا تصل إليّ. ومن باب تقديم جزيل الشكر لعمو حسين فلا أحسن من الإطراء في امتداح قدراته والإطناب فيه أمام فنجان قهوة معتقة. ولكن العجوز المسكين كان يهوى احتساء العرق الرديء، وأنا أعلم ذلك علم اليقين لأني لطالما استنشقتُ رائحة الخمرة النارية وهي تخرج من أحشائه، ولكن كيف لامرأة مثلي أن تعرض عليه الخمرة دون أن تصدمه وتفقد احترامه إياها. ثم إن لي وساوسي وهمومي، وأنا أراه يعاني الأمرّين من داء النقرس الذي سكن مفاصله واستوطن فيها لكي لا يرحل أبداً. يكفيه أن يبلي البلاء الحسن بما بقي له في سبيل مساعدتي على حل مشكلتي، وما عليّ إلا الاكتفاء بعصر القهوة حتى تصير كالقطران لكي يكون لها مفعول الكحول الخام. وهكذا جلستُ أصغي إليه بسذاجة، فاغرة فاهي إلى درجة الغباء، ويدي على خدي وهو يروي بطولاته ضد مكتب من مكاتب الإدارة، وأعيش معه عراكه المستميت مع عريف في المخابرات يكنّى أبو هتلر. وفي الختام، ولما لم يبق إلا لبّ الموضوع، يحذرني من العرب الذين تحوّلهم السلطة إلى قساة وطغاة. إن للجيل القديم من الرجال طريقة في تكرار الكلام نفسه ولا سبيل إلى وقف استرسالهم. ومع ذلك كان ظريفاً وطيباً وخفيفاً على القلب. كان قبائلياً لم يتغير طبعه ولم يتلطف أبداً، ومازال يقيم للرجولة وزناً وشاربه يدغدغ أذنيه، وبطنه المكوّر يشده إلى الأمام ويجذبه إلى الأسفل. كانت عيناه المغمّصتان بالرميص وخصلات شعره تظهره بمظهر فيل البحر العجوز القادر على البقاء طوال نصف سنة كاملة. كان يتكلم كما يحلو له وكما يعرف، يتحدث بالأمازيغية عن جبال جرجرة الشاهقة والبعيدة بحيث كانت كلماته تتجاوز الواقع الفعلي البئيس. وكان لهؤلاء الشيوخ الماكرين المهرة طريقة مطلقة وجذرية في بيان الوقائع إلى أبعد الحدود، ولا سبيل إلى مناقشتهم أو مجادلتهم. وفي الواقع، حتى أنا لم أكن أفكر في خلاف ما يفكر فيه ولكني لستُ في السن التي تسمح لي بكشف المستور دون الوقوع في المحظور؛ فكنت أهز رأسي لتوكيد الموافقة في الرأي دون فعل زائد. لقد كنتُ أجد في كل ذلك فائدة ومتعة، ولكن الأمر كان مكلفاً بشكل فظيع، فهذا الرجل الطيب يأخذ من وقتي أمسيات بكاملها، وذلك جزاء استخدام اليد العاملة المتقاعدة. وفي يوم من الأيام انتقل الرجل الطيب إلى رحمة الله وبكيتُه بحرقة.
صفحة 5
كثيراً ما كنت أعشق ركوب صهوة الأحلام الغريبة الشاذة والتسلل في لبوس حياة موازية تخرج لحالها من خرير الليل ومن نداوة سريري فأجدني ذاهبة إلى حيث تنتهي الأشياء وأصل إلى حيث تبدأ الحياة الحقة. وفي أوج أوهامي وهيامي أخرج متوثبة كمن وجد نفسه قاعداً على نار ويحاول إنقاذ نفسه بأي وسيلة وفي صدري صيحات استغاثة حرّى. وفي لهفتنا على الحلم بأحلام عذبة نميل إلى أن ننسى نحن الأموات - الأحياء بأن لمحة واحدة من الحياة يمكن أن تقضي علينا. ثم أعود إلى نفسي ألومها وأقول بأن مثل هذه الطموحات ليست في محلها. ولكني أقول لها أيضاً بأن الحلم فقط بما نعرفه لا يعدو أن يكون وسيلة لزيادة قتامة أيامنا الحالكات. لقد كنت أسمع رجع الصدى، وأنا ألهث مبهورة والعرق يتصبّب مني، يتناهى ليخبو في أسفل بئر السلّم ويستقر في جوف القبو كالجثة المدسوسة خلسة، وتارة أسمعه يصعد إلى تخشيبة السقف ليندس ضمن الرثاث الذي لم يمط اللثام عنه أبداً. إن انطوائي على نفسي في ظل السكون بعد ذلك وأذني متوجسة ومرتجفة يجعل الغموض العارض دراما حقيقية محبوكة بمهارة. وأحياناً لما يمتلئ السكون بأصوات غريبة أخالها حقيقة إلى درجة التفكير في الهروب من البيت على الوضع الذي يصادفني ولو بالشبشب، وعندما أصل إلى فيء شجر الحور الحامز الذي يهيمن على الحي أسترجع أنفاسي وأجدني وحيدة، ضائعة، ولا أنيس لي إلا عتمة الليل. لقد كان هدفي من وراء ذلك يرتبط بتساوق اضطرابي وانفعالي مع الواقع، ولذلك كنت أبالغ أحياناً. وكانت لي أساليب رجولية إلى حد ما في استثارة نفسي وتهييجها، ونادراً ما كنتُ أوفق في ذلك. أما حكاية البطلة بالشبشب والمئزر ووشاح البندانا على الرأس فهي كلها لا تفي بالغرض. كنت أرى حالي على هذا الوضع كحال المحققة الآنسة ماربل التي تشاهد في المسلسلات وهي تجول القرية رغم داء المفاصل الذي كاد يقعدها لكي تفك خيوط حبل الشائعات. وأما الألم فله طرق شتى وسُبُل لا تعد ولا تحصى أكتشفها مع مرور الزمن، ولكنها تنقضّ عليّ دون سابق إنذار وتأخذ بخناقي وتنتزع مني أصواتاً لا يفهمها أحد.
وغالباً ما كان الخوف، الخوف الرهيب الأصم، الذي يعذبني كما ينقضّ القلق على المريض بالوهم. وحينئذ كنت أجد نفسي حبيسة الهذيان فأنزوي في خمود وخمول كالبهيمة وكل شيء يختلج فيّ ويخفق؛ وصادف أن كنت ألمحُ في عينيّ الاستسلام المطمئنّ إلى الموت. أما حياتي فكانت تملأها من كل جانب حالات الاستكانة والانبطاح على السقيفة، وفي أقاصي الجنينة، وفي قاعة الحمام حيث أقوم بتعذيب نفسي شر العذاب من أجل قمع لهاث النفس الصاعد من أعماقي، وفي نهاية المطاف، عندما أُهزم حيال المحال، ينتهي كل شيء في جوف السرير مع نهاية الليل، بالدموع وبالأحلام وبحالات الثورة والتمرد. لقد كان السكون ملاذي والتيه غايتي. هكذا، بهذه الصورة تمضي حياتي، ثرية ومعدمة، ومصطنعة إلى حدّ ما أيضاً. فأنا لم أكن أطلب منها شيئاً ولم تكن تعطيني شيئاً، إذ إنَّ التآلف كان أمراً غريباً وكان ذلك كافياً شافياً؛ كانت الأيام تمضي كيفما كان وأنا أغوص وأتمادى في إهمال نفسي، وكان كل شيء على ما يرام. ولكَمْ يكون الفراغ مطمئناً عندما يكون مساره مسطّراً ومقدّراً!
ومع ذلك، كانت الوحدة تُدْخِل في نفسي الخوف والذعر. كانت غيورة وحقودة، تريدني لنفسها دون سواها، وما فتئتْ جدرانها تتقارب مستنفرة مقطبة الحاجبين. هل ستترك لي نافذة واحدة مفتوحة؟ كنت أشعر بالحرارة تخبو بداخلي كلّما زاد اشتعال الطاقة الحية فيه. ورغم ذلك، كنت أريد أن أعيش، أعيش كالمخبولة وأرقص كمن دينه الهرطقة والانتشاء بالصراخ، والإحساس بنشوة السعادة، واعتناق جميع المآسي وكل الأوهام في العالم في هبّة واحدة.
كنت مجنونة ومدركة لذلك. وكان الناس السذّج يقولون لي ذلك بطريقتهم، ونظراتهم لا تعبر عن ذلك تماماً، بينما ابتسامة فارغة تعلو الشفاه على سبيل هدية لا ترد. ومن جهتي كنت أرد على ذلك بقهقهة سريعة مجلجلة تفتح الباب على مصراعيه للغيبة والنميمة. وكان يعود عليّ ذلك بطريقة أخرى وبأشكال شتى تحملها أفواه أخرى مرخص لها بذلك أكثر من غيرها؛ فتأتي الخالات والعمّات متأهبات لكيل التأنيب وهنّ حاملات إليّ الطعام والأحكام التي صدرت ثم تأتي بنات الخالات والعمات، ناعمات القلوب قريرات البال إلى درجة تجعلني أخاف على صحتّهن، وتأتي حتى النساء الغريبات اللاّتي تقمن بالزيارة عن طيب خاطر باسم قرابة قبلية بعيدة إلى الحدّ الذي يتعذر معها التأكد من صحتها؛ كل أولاء النسوة متزوجات على سنة الله ورسوله ولهنّ البنات والبنين ومعهنّ الحق المكتسب في الجهر بما هو حق وما هو باطل. وكانت في كلامهنّ اللعنة وكان في نظراتهن التحذير. إننا في بلد مسلم ولسنا في مخيم صيفي. وكنت لا أستسيغ ذلك، فالذنب كان يوجب نزول عقاب الآخرة. إنّ المجنون ليس فاسداً، والعيش في وحدة ليس جرماً مشهوداً، وليس ترفاً لفاجرة! هل ينبغي أن يخاف الله على امرأة وحيدة.
كان عملي يستغرقني ويأخذ مني ثماني ساعات، عشر ساعات، اثنتي عشرة ساعة كل يوم، لا أحصي بالضبط كم، فأنا أشتغل في حالة الاستعجال ولو على حسابي، بَيْدَ أنّ آخرين، من الزملاء، من جنس الرجال الحاملين الشهادات الرنانة، يتبعون الشمس في دورانها أو يتسكعون في الأروقة. وكنت أشعر في بعض المرات بأني خادمة المصلحة، وهذا مهين. آتي في الصباح وأغادر في المساء وهكذا دواليك. ألبس مئزري وأنزعه وأنا راكضة، المهم أنّي أعلم أنّ عملي ليس معناه الوقوف كالمسمار والاستغراق في الأحلام، كما أعلم أن طب الأطفال عبودية قبل أن يكون شيئاً آخر، ومن أشدّ العبوديات. كذلك فإنَّ الأطفال أشرار كبار، فإن لم ينطلقوا في البكاء ألماً فإنهم يفعلون ذلك بدافع الحيلة لا غير، ومستشفى "بارني" ليس أنصع وأروع بيت عبادة في الجزائر العاصمة، فأنا أقضي نصف وقتي في إفتان الأطفال بالكلام المعسول ونصف الوقت الباقي في محاربة الكسالى في الإدارة، وهذا متعب حقاً. صرت وأنا في الخامسة والثلاثين ونيف أحمل على محياي تجاعيد بنت الخمسين. والجميع يناديني "العجوز" مع التظاهر بإبداء نوع من المودّة لكي أتجرع الإهانة ببساطة. أمّا أنا، فلم أكن أتحمل ذلك إطلاقاً، لأن مثل تلك العلامات الدالة على الشيخوخة بالنسبة للطبيب معناها الهلاك وبالنسبة للمرأة التي ما زالت شابة وجميلة معناها شيء مهمل لم يصبح ذا قيمة.
إنّ لي في الوحدة سلوى ومواساة؛ عن عزوبتي، وتجاعيدي السابقة لأوانها، وحالات ضياعي وشرودي، والعنف الطاغي، والتفاهات الجزائرية، والمسلك الأناني الوطني، والسيطرة الذكرية الجامحة التي تضبط معايير المجتمع، ولكنها لم تكن تسليني ولا تواسيني عن غياب أخي الصغير، هذا الغياب الذي أحس بآلامه كما اليوم الأول. ماذا حصل له، يا ربّ؟ لقد مرّ على غيابه عام كامل. لم أجرؤ على الذهاب إلى الشرطة. كانت ستقوم بتعنيفي على مضايقتها أو تلفق لي قصة وتوجه لي أصابع الاتهام، كان عمره ثمانية عشر عاماً، وذلك يكفي لاتهامه والرغبة في العثور عليه لتعذيبه، سوف أقوم بالبحث عنه بنفسي وأحرص على عدم لفت انتباه أي كان. ثم إن أخي، الأبله، ذهب من تلقاء نفسه، وهو موجود رسمياً في المحلّ الذي يحلو له أن يكون فيه. إن للديمقراطية فوائد على الأقل في نظر الشرطة، وعلى العموم، فكلما خولت لنفسها حقوقاً كلما جهلت واجبات.
وغالباً ما كان الخوف، الخوف الرهيب الأصم، الذي يعذبني كما ينقضّ القلق على المريض بالوهم. وحينئذ كنت أجد نفسي حبيسة الهذيان فأنزوي في خمود وخمول كالبهيمة وكل شيء يختلج فيّ ويخفق؛ وصادف أن كنت ألمحُ في عينيّ الاستسلام المطمئنّ إلى الموت. أما حياتي فكانت تملأها من كل جانب حالات الاستكانة والانبطاح على السقيفة، وفي أقاصي الجنينة، وفي قاعة الحمام حيث أقوم بتعذيب نفسي شر العذاب من أجل قمع لهاث النفس الصاعد من أعماقي، وفي نهاية المطاف، عندما أُهزم حيال المحال، ينتهي كل شيء في جوف السرير مع نهاية الليل، بالدموع وبالأحلام وبحالات الثورة والتمرد. لقد كان السكون ملاذي والتيه غايتي. هكذا، بهذه الصورة تمضي حياتي، ثرية ومعدمة، ومصطنعة إلى حدّ ما أيضاً. فأنا لم أكن أطلب منها شيئاً ولم تكن تعطيني شيئاً، إذ إنَّ التآلف كان أمراً غريباً وكان ذلك كافياً شافياً؛ كانت الأيام تمضي كيفما كان وأنا أغوص وأتمادى في إهمال نفسي، وكان كل شيء على ما يرام. ولكَمْ يكون الفراغ مطمئناً عندما يكون مساره مسطّراً ومقدّراً!
ومع ذلك، كانت الوحدة تُدْخِل في نفسي الخوف والذعر. كانت غيورة وحقودة، تريدني لنفسها دون سواها، وما فتئتْ جدرانها تتقارب مستنفرة مقطبة الحاجبين. هل ستترك لي نافذة واحدة مفتوحة؟ كنت أشعر بالحرارة تخبو بداخلي كلّما زاد اشتعال الطاقة الحية فيه. ورغم ذلك، كنت أريد أن أعيش، أعيش كالمخبولة وأرقص كمن دينه الهرطقة والانتشاء بالصراخ، والإحساس بنشوة السعادة، واعتناق جميع المآسي وكل الأوهام في العالم في هبّة واحدة.
كنت مجنونة ومدركة لذلك. وكان الناس السذّج يقولون لي ذلك بطريقتهم، ونظراتهم لا تعبر عن ذلك تماماً، بينما ابتسامة فارغة تعلو الشفاه على سبيل هدية لا ترد. ومن جهتي كنت أرد على ذلك بقهقهة سريعة مجلجلة تفتح الباب على مصراعيه للغيبة والنميمة. وكان يعود عليّ ذلك بطريقة أخرى وبأشكال شتى تحملها أفواه أخرى مرخص لها بذلك أكثر من غيرها؛ فتأتي الخالات والعمّات متأهبات لكيل التأنيب وهنّ حاملات إليّ الطعام والأحكام التي صدرت ثم تأتي بنات الخالات والعمات، ناعمات القلوب قريرات البال إلى درجة تجعلني أخاف على صحتّهن، وتأتي حتى النساء الغريبات اللاّتي تقمن بالزيارة عن طيب خاطر باسم قرابة قبلية بعيدة إلى الحدّ الذي يتعذر معها التأكد من صحتها؛ كل أولاء النسوة متزوجات على سنة الله ورسوله ولهنّ البنات والبنين ومعهنّ الحق المكتسب في الجهر بما هو حق وما هو باطل. وكانت في كلامهنّ اللعنة وكان في نظراتهن التحذير. إننا في بلد مسلم ولسنا في مخيم صيفي. وكنت لا أستسيغ ذلك، فالذنب كان يوجب نزول عقاب الآخرة. إنّ المجنون ليس فاسداً، والعيش في وحدة ليس جرماً مشهوداً، وليس ترفاً لفاجرة! هل ينبغي أن يخاف الله على امرأة وحيدة.
كان عملي يستغرقني ويأخذ مني ثماني ساعات، عشر ساعات، اثنتي عشرة ساعة كل يوم، لا أحصي بالضبط كم، فأنا أشتغل في حالة الاستعجال ولو على حسابي، بَيْدَ أنّ آخرين، من الزملاء، من جنس الرجال الحاملين الشهادات الرنانة، يتبعون الشمس في دورانها أو يتسكعون في الأروقة. وكنت أشعر في بعض المرات بأني خادمة المصلحة، وهذا مهين. آتي في الصباح وأغادر في المساء وهكذا دواليك. ألبس مئزري وأنزعه وأنا راكضة، المهم أنّي أعلم أنّ عملي ليس معناه الوقوف كالمسمار والاستغراق في الأحلام، كما أعلم أن طب الأطفال عبودية قبل أن يكون شيئاً آخر، ومن أشدّ العبوديات. كذلك فإنَّ الأطفال أشرار كبار، فإن لم ينطلقوا في البكاء ألماً فإنهم يفعلون ذلك بدافع الحيلة لا غير، ومستشفى "بارني" ليس أنصع وأروع بيت عبادة في الجزائر العاصمة، فأنا أقضي نصف وقتي في إفتان الأطفال بالكلام المعسول ونصف الوقت الباقي في محاربة الكسالى في الإدارة، وهذا متعب حقاً. صرت وأنا في الخامسة والثلاثين ونيف أحمل على محياي تجاعيد بنت الخمسين. والجميع يناديني "العجوز" مع التظاهر بإبداء نوع من المودّة لكي أتجرع الإهانة ببساطة. أمّا أنا، فلم أكن أتحمل ذلك إطلاقاً، لأن مثل تلك العلامات الدالة على الشيخوخة بالنسبة للطبيب معناها الهلاك وبالنسبة للمرأة التي ما زالت شابة وجميلة معناها شيء مهمل لم يصبح ذا قيمة.
إنّ لي في الوحدة سلوى ومواساة؛ عن عزوبتي، وتجاعيدي السابقة لأوانها، وحالات ضياعي وشرودي، والعنف الطاغي، والتفاهات الجزائرية، والمسلك الأناني الوطني، والسيطرة الذكرية الجامحة التي تضبط معايير المجتمع، ولكنها لم تكن تسليني ولا تواسيني عن غياب أخي الصغير، هذا الغياب الذي أحس بآلامه كما اليوم الأول. ماذا حصل له، يا ربّ؟ لقد مرّ على غيابه عام كامل. لم أجرؤ على الذهاب إلى الشرطة. كانت ستقوم بتعنيفي على مضايقتها أو تلفق لي قصة وتوجه لي أصابع الاتهام، كان عمره ثمانية عشر عاماً، وذلك يكفي لاتهامه والرغبة في العثور عليه لتعذيبه، سوف أقوم بالبحث عنه بنفسي وأحرص على عدم لفت انتباه أي كان. ثم إن أخي، الأبله، ذهب من تلقاء نفسه، وهو موجود رسمياً في المحلّ الذي يحلو له أن يكون فيه. إن للديمقراطية فوائد على الأقل في نظر الشرطة، وعلى العموم، فكلما خولت لنفسها حقوقاً كلما جهلت واجبات.
صفحة 6
حتى شهريار كان له أيضاً نصيب في أحلام اليقظة التي تنتابني وحالات الذعر التي تجتاحني، لست أدري إن كان موجوداً حقاً. بل هو خيال يرتسم في خلال النور المعاكس من وراء مغالق الشبابيك في الدار المقابلة، تلك الدار القديمة المهملة، المتشققة المتصدعة حتى النخاع، التي ظلت شاغرة منذ أن غادرها صاحبها الفرنسي، الذي فهمت أنه كان فرنسياً أصيلاً، مع نهاية الستينيات بطريقة تكاد تكون غريبة. لقد كان من الصعب اقتفاء الأثر، في ذلك الوقت الذي لم أكن قد بلغتُ السن التي تجعلني ألاحظ الجيران، ولم تسجل في زاوية من زوايا ذاكرتي المراهقة إلا صورة خيال رجل يروح ويجيء كما يفعل أي خيال إنسان آخر. إن الصورة التي تقف أمامي كعلامة استفهام اليوم هي صورة طفولتي التي تحاول أن تطفو على السطح. فكيف السبيل إلى ذلك؟ وقد مر زمن على ذلك العهد وخلّف وراءه جراحاً وآلاماً في القلب. أما الحي فلقد تبدلت عليه وفيه أناس وأناس منذ ذلك الوقت إلى الدرجة التي يصاب فيها المرء بالغثيان. وكانت التحولات تجري تحت وقع السرعة الفائقة، فمن كان سريعاً تبدل عليه الحال ومن كان بطيئاً أخذ الضرب على قفاه كما يقال، فلا شفقة ولا رحمة. وأما الزحف الريفي الذي كان سمة نجاح تلك المرحلة فلقد حوّل مدينة الجزائر إلى موطن بؤس لا أول له ولا آخر، حيث كان الناس يأتون إليها ويخرجون منها ثم يختفون في بيت من البيوت القصديرية هنا أو هناك. وكانت امتداداتها المجسيّة لا تعدّ ولا تحصى، تلتفّ وتنحلّ من أفق إلى أفق آخر. وحيثما وصل الإنسان نالت منه القبضة ذاتها، إذ في مدينة مريضة يكفي أن تنطلق شائعة واحدة ليبدأ الكلام في الانتشار، ولم تكن تصلنا واحدة منها إلا وتلتها عشر أخريات. قيل إنها دار مسكونة بالأرواح. وكان يشيب لهولها الولدان وتهبّ لها العجائز المقعدات فراراً في كل اتجاه، فحلّ بالحي الإفلاس، ورحل التجار إلى فضاء أرحم وتبعهم الزّبُنُ. مسكونة، مسكونة بالأرواح، هذا هراء. إنها وسيلة والسلام، أما الناس فيشكّون في أنها مكيدة مدبرة على حساب الفرنسي، وقصة مختلقة لانتزاع ملكية الدار منه، وهم لا يرغبون في أن يصبحوا شهوداً على أي شيء ولو على جريمة، ولو كانت محبوكة ومموهة. وإذا كان ثمة أي ترتيب، فلا شك بالتهديد وكل ما يرتبط بالوعيد. ومن يتكلم عن التهديد يفكر في سره في الحكومة. أما أنا شخصياً فصدقتُ الرواية وأدمنتُ الكوابيس بما فيه الكفاية، ثم تسلل الشك واندس. إن الأشباح أمور مسلية ولا دور لها إلا القيام بإشاعة الخوف لا غير. أما هذا الشبح فكان له أسلوب آخر، كان يرقب ويرقب باستمرار بدل أن يرفرف ويطير مع الريح ويصدر النعيب أو النعيق. كان لذلك الخيال إذن دعامة صلبة، ولباس من لحم ودم، ورأس مثقل بالأفكار البالية بل الخطيرة. لقد فتح كل ذلك باب الاحتمالات والفرضيات. فهل هو قاتل يترصد ضحيته، أم سفاح على رأسه عمامة، أم هارب ضاقت به السبل فصار لا يلوي على شيء، أم إرهابي أقسم أغلظ الإيمان أن يشعل الحي ناراً في آخر المطاف؟ في حالات الخوف التي كانت تنتابني كنت أتخيله بهذا الشكل، أما في حالات السعادة فكنت أسرح بخيالي وأراه عاشقاً ولهاناً يعذبه الأسى، وأراه في شكل "كازيمودو" وهو يحتضر على فراش غطّاه الغبار، وأراه ناسكاً سلبه التفكير في دواخل ذاته، وأراه في هيئة الرجل الفيل، رجلاً طيباً، أو شيخاً فظاً أهمله أهله، أو عالماً مشعث الشعر منكباً على أبحاث خارقة للعادة. هل سيغادر نافذته؟ أبداً، ما دمت في البيت. كيف يشغل وقته أثناء غيابي؟ كنت أطرح السؤال على نفسي، وكثيراً ما كنت أختلس النظر في اتجاهه وأشيح عنه بخطوة خفيفة.
لقد أطلقتُ عليه اسم شهريار. كان ذلك يعبّر عن بعض ذكريات الطفولة وسنّ مطالعة الكتب القيّمة، وكذلك هي بعض من معطيات المجتمع الفظيعة والحمقاء في الأزمنة الحديثة حيث صار الملتحون يشغلون البلد وضواحيها، هنا وهناك، فيما وراء البحار والديانات ولم يتركوا لحياة البرية إلا قشّة للتنفس.
أما صاحب اللحية الخاص الذي يعنيني فلم يكن شريراً أبداً، فلقد اقتنعت بذلك في النهاية، ولكنه غريب الأطوار لا غير. وإذا كانت لشهريار لحية فلأنه لا يحلقها بكل بساطة. ولا أستطيع أن أتصور أن شبحاً أو شخصاً من شخوص الروايات العجيبة يمكن أن يستعمل تلك الأقنعة من الشعر كمجرد متعصب يشتعل قلبه غلّاً، إذ لا بد أنه يعشق نفسه بهذه الصورة، ومن يعشق يزيده العشق صبابة. وزيادة على ذلك، كان شهريار يذبح نساءه، وذلك مدعاة للتفكير، وعلى كل حال، لا يوجد دليل على أن شهريار كانت له لحية، أنا التي تصورته على هذه الصورة وأطلقت عليه هذا الاسم، لأن في اللحية ما يدل في أيامنا على الشر الذي يترصد، وينخر ويقتل. وعلى العموم، صار شهريار جزءاً لا يتجزأ من حياتي سواء كان بلحية أم بدونها. صرت أقاسمه وحدتي ولا شك في أنه يقاسمني وحدته. ولهذا لا سبيل لنا في الخلاص، فلقد وقعنا فريستين في ذات الشراك؛ كنا نستنشق الهواء الفاسد نفسه، ولم يكن يفصلنا عن بعضنا بعضاً إلا زقاق ضيق ومغالق شباكين فقط؛ مغلاق شباكه ومغلاق شباكي، المتآكلين بفعل السنين. ومع ذلك، لا يمكن أن أذهب إليه وأطرق بابه وأطلب منه أن يرحل، وماذا لو أنه كان شبحاً فعلاً.
لقد كانت لنا في الماضي أيام سعيدة، وكانت العائلة كاملة مكتملة. أبي وأمي وأخي الأكبر ياسين وأخي الأصغر سفيان الذي كان ينمو بسرعة، وكانت لنا كلاب صغيرة تملأ الفناء وقطط كثيرة، كما لا أنسى ما كان محبباً في نفوسنا جميعاً وهما زوج من طائرين لا ينفصلان عن بعضهما إلا عند الموت، وكان عمرهما قصيراً، فلقد كانا يزينان قفصاً مصنوعاً بطريقة فنية ومعلقاً في قلب الصالون كمصابيح الثريا التي تزين القصور؛ كذلك كانت النباتات منتشرة في كل مكان، مخضرة وندية، تتدلى من حبال المكدم المفتولة باليد. وفي الحديقة، كانت تعيش سلحفاة خفية وهادئة ترعى كل ما تجده أمامها، وأحياناً كنا ندوس عليها بالأقدام دون أن نقصد ذلك، هي التي كانت لا تعيرنا شأناً لأن أمثال تلك الحيوانات الهادئة كانت محصنة للغاية ولا حاجة لها بالاستغاثة. وكنت أنا من ضمن كل تلك المخلوقات، لامية، البنت الجميلة والمرحة التي ولدت بين شقيقيها، حيث كانت صديقات والدتي يأتين ويذهبن كما يحلو لهن، ويقعدن يتجاذبن أطراف الحديث لساعات وساعات، وكنت لا أطيق احتجاجهن، وبفضلهن كانت لا تخفى عنّا خافية إذ كل الأسرار كانت مفشاة للجميع. لقد كنا نتلذذ عند الأمسيات بفضائح الجارات، كما كنا نكره القيلولة ولذا كنا نترقب حضورهن ونسترق السمع. ولم نكن نشعر بأي حرج في ذلك، إذ كنا نفهم نحن البنات بأن علينا أن نتعلم منهن شؤون الحياة التي يخبئها لنا المستقبل. ولهذا كان بيتنا مفتوحاً للرائح والغادي، وكان الجميع يلتقون فيه، وفي كل ثناياه يوجد ولد أو بنت يسأل عن زيد أو عمر. لم يكن ثمة ما يثير الهلع ولكن الحركة كانت تحمل العدوى معها. كانت الأبواب تصفق بقوة والأصوات المدوية تملأ الجدران وتتحول إلى ما يشبه الهستريا الجماعية. أما الموسيقى فكانت تملأ الأرجاء حيث كانت أغاني فرقة "ييي ييي" هي أغاني الموضة. وكان "جوني" و"إيدي" و"القطط المتوحشة" و"الألجيرز" فنانينا المحبوبين. لقد كنا شباباً وكان أفقنا ضيقاً، وبالمختصر المفيد، كنا نحدث ضجيجاً يفوق ضجيج ثكنة وقت تسريح عسكرها من الخدمة... فأبي قد شارك في الثورة في وقت من الأوقات، وهو يحمل صفة المجاهد التي يُحسد عليها لأنّ ذلك كان يخوّل له حق استفادة معاش، مع أنه كان يتقاضى تلك المنحة من وقت إلى آخر بشق الأنفس وبعد وساطات شتى وكأنها هبة نزلت عليه من السماء. أما الوطنية فكانت شيئاً عظيماً، وقد يتعافى المرء من داء الكوليرا ولا يتعافى منها. كان أبي يتمتع بالذوق السليم في الاحتفاظ بأمراضه لنفسه، ولم يفرض علينا ميوله أبداً. وكان يقول متذمراً وهو يسمع التلفزيون يمجد المعجزات بصوت عال، كل مساء، أمام جميع الأموات ومعطوبي التاريخ: "أليس من الطبيعي أن يحرر البلد بأبنائه؟" ولما أصبح دخله لا يكفي حتى لإطعام طيور الكناري صار موظفاً في مشغل تابع للدولة لم أعد أذكر ماذا كان ينتج، وهو الذي يتْعِب آذاننا بالحديث عما يراه غير طبيعي في وحدته وهذا ما زرع الشك في نفوسنا بأن تلك الوحدة كانت تصنع اللاشيء أو مجرد النفايات والمذكرات الموجهة إلى سلة مهملات رئيس الدولة الذي كان يعتبر رب العمل في البلاد. فكانت بعض العبارات التي ينطقها بالفرنسية متذمراً لا أفقهها وأتخيلها شجراً عجيباً يتوسط المصنع بحيث كان ذلك يعطيها بعداً لامتناهياً لم أجرؤ أبداً على التمعّن فيه. وكان كل شيء في البيت على أحسن ما يرام حيث أنّ الغدوّ والمجيء والصياح والسيول في سلم البيت والأسرار والشكوى والتذمر والكدر يملأ أيامنا نشاطاً وحبوراً وليالينا هدوءاً وسكينة، كما الاستراحة بعد الحرب، ولم نكن نحلم بأكثر من ذلك، أما القطط الصغيرة فكانت تموء في سعادة غامرة، وكانت لها طريقتها الخاصة في التجمع في كومة تثير فينا الدهشة والإعجاب ونتخيلها سعيدة غاية السعادة. كنا نراها في غيبوبة بيد أنها كانت تبهرنا إلى حد تنويمنا مغناطيسياً فإذا شخيرنا يمتزج بخريرها ويتناغمان وفي ثوان معدودات كان البيت كله يدخل في حالة نوم عميق. ولم يكن ينقصني على اكتمال سعادتي إلا وجود أخت صغيرة وأشكر الله لذلك شكراً عظيماً. غير أن لويزة حبيبة القلب وزميلة المدرسة كان رأيها مخالفاً لذلك فتقول: "لك أن تشكري الله صباح مساء، فوجود الأخوات ألعن من وجود الدمل في الوجه". كانت لويزة تحمل في وجهها نمشاً كثيراً وكان الأسى يعصر قلبها دوماً لأنه لم يكن لديها أخ أصغر تلاحقه بالرقابة والعناية. كانت المسكينة تبدو كالبلهاء لشكلها المضطرب وأسنانها كمشط حاجز الدرك، ولكنها في الواقع كانت عكس ذلك تماماً، كانت طيبة جداً وحيوية إلى أبعد الحدود، وكانت ذرات النمش فيها جميلة جداً. ولذلك كنا نطلق عليها اسم "الجزرة" ولم نكن نكتفي بذلك بل كنا نصرخ وراءها "تعالي، حتى أقضمك"، وكانت فعلتنا هذه تفعل مفعولها فنراها تكفهر ثم تمتعض ثم تنخرط في البكاء. وعندها كنا نقوم بتقبيلها بإفراط حتى نجفف دمعها ولا يأتي أحد من أهلها للانتقام لها، فأمها وحدها كانت تماثل الجيش المكسيكي. وأنا نفسي كان لي من يحرسني من إخوتي، فكانت تقول وهي تتباكى، "أحلم بأن يكون لي أخ صغير" وأرد عليها متأوهة : "وأنا أحلم بأخت صغيرة". وكان كلانا يأخذ يد الأخرى في الذهاب والإياب، وأعتقد أننا أقسمنا على رأسينا بألا تفارق إحدانا الأخرى إلى الأبد"، حيث كنا نؤلف زوجاً من الحبيبات لم يكن ليحدث حتى لو كنا توأمين من جنس أسيل فريدين من نوعهما في العالم كله. كانت عائلتها كلها متألفة من الإناث، إذا استثنينا الأب، أحد أبطال الثورة، ومن المعطوبين بالمعنى الصحيح والمجازي، الذي لما اختلط عليه الحابل بالنابل قرر ألا يتدخل في أي أمر. وما عدا عادة فرك شاربيه فلم تُعرف له عادة مفضلة أو مستهجنة. كانت تلك طريقته في الحلم بدوّاره المحبوب، وككل فلاح كانت له أفكاره المتسلطة: الأرض والحرث والبذر وآفة البرد وسرّاق الأنعام والثعالب والمكلف بالجباية. وكان يجد ملاذه ومأواه الحقيقي في المقهى العربي بالكاف حيث كان يتجمع كل المستأصلين من دوارهم والمغروسين في الحي. كان متشبّعاً بالإيمان على الطريقة القديمة، قبل حدوث الزلزال، لما كان المسلمون ينذرون حياتهم للعمل في الحقل، فصارت عائلة من هذه الشاكلة، متمدنة وفي طريق العلمنة، خسارة لا تعوض، وهي زيادة على ذلك عائلة على عتبات جهنم.
لقد أطلقتُ عليه اسم شهريار. كان ذلك يعبّر عن بعض ذكريات الطفولة وسنّ مطالعة الكتب القيّمة، وكذلك هي بعض من معطيات المجتمع الفظيعة والحمقاء في الأزمنة الحديثة حيث صار الملتحون يشغلون البلد وضواحيها، هنا وهناك، فيما وراء البحار والديانات ولم يتركوا لحياة البرية إلا قشّة للتنفس.
أما صاحب اللحية الخاص الذي يعنيني فلم يكن شريراً أبداً، فلقد اقتنعت بذلك في النهاية، ولكنه غريب الأطوار لا غير. وإذا كانت لشهريار لحية فلأنه لا يحلقها بكل بساطة. ولا أستطيع أن أتصور أن شبحاً أو شخصاً من شخوص الروايات العجيبة يمكن أن يستعمل تلك الأقنعة من الشعر كمجرد متعصب يشتعل قلبه غلّاً، إذ لا بد أنه يعشق نفسه بهذه الصورة، ومن يعشق يزيده العشق صبابة. وزيادة على ذلك، كان شهريار يذبح نساءه، وذلك مدعاة للتفكير، وعلى كل حال، لا يوجد دليل على أن شهريار كانت له لحية، أنا التي تصورته على هذه الصورة وأطلقت عليه هذا الاسم، لأن في اللحية ما يدل في أيامنا على الشر الذي يترصد، وينخر ويقتل. وعلى العموم، صار شهريار جزءاً لا يتجزأ من حياتي سواء كان بلحية أم بدونها. صرت أقاسمه وحدتي ولا شك في أنه يقاسمني وحدته. ولهذا لا سبيل لنا في الخلاص، فلقد وقعنا فريستين في ذات الشراك؛ كنا نستنشق الهواء الفاسد نفسه، ولم يكن يفصلنا عن بعضنا بعضاً إلا زقاق ضيق ومغالق شباكين فقط؛ مغلاق شباكه ومغلاق شباكي، المتآكلين بفعل السنين. ومع ذلك، لا يمكن أن أذهب إليه وأطرق بابه وأطلب منه أن يرحل، وماذا لو أنه كان شبحاً فعلاً.
لقد كانت لنا في الماضي أيام سعيدة، وكانت العائلة كاملة مكتملة. أبي وأمي وأخي الأكبر ياسين وأخي الأصغر سفيان الذي كان ينمو بسرعة، وكانت لنا كلاب صغيرة تملأ الفناء وقطط كثيرة، كما لا أنسى ما كان محبباً في نفوسنا جميعاً وهما زوج من طائرين لا ينفصلان عن بعضهما إلا عند الموت، وكان عمرهما قصيراً، فلقد كانا يزينان قفصاً مصنوعاً بطريقة فنية ومعلقاً في قلب الصالون كمصابيح الثريا التي تزين القصور؛ كذلك كانت النباتات منتشرة في كل مكان، مخضرة وندية، تتدلى من حبال المكدم المفتولة باليد. وفي الحديقة، كانت تعيش سلحفاة خفية وهادئة ترعى كل ما تجده أمامها، وأحياناً كنا ندوس عليها بالأقدام دون أن نقصد ذلك، هي التي كانت لا تعيرنا شأناً لأن أمثال تلك الحيوانات الهادئة كانت محصنة للغاية ولا حاجة لها بالاستغاثة. وكنت أنا من ضمن كل تلك المخلوقات، لامية، البنت الجميلة والمرحة التي ولدت بين شقيقيها، حيث كانت صديقات والدتي يأتين ويذهبن كما يحلو لهن، ويقعدن يتجاذبن أطراف الحديث لساعات وساعات، وكنت لا أطيق احتجاجهن، وبفضلهن كانت لا تخفى عنّا خافية إذ كل الأسرار كانت مفشاة للجميع. لقد كنا نتلذذ عند الأمسيات بفضائح الجارات، كما كنا نكره القيلولة ولذا كنا نترقب حضورهن ونسترق السمع. ولم نكن نشعر بأي حرج في ذلك، إذ كنا نفهم نحن البنات بأن علينا أن نتعلم منهن شؤون الحياة التي يخبئها لنا المستقبل. ولهذا كان بيتنا مفتوحاً للرائح والغادي، وكان الجميع يلتقون فيه، وفي كل ثناياه يوجد ولد أو بنت يسأل عن زيد أو عمر. لم يكن ثمة ما يثير الهلع ولكن الحركة كانت تحمل العدوى معها. كانت الأبواب تصفق بقوة والأصوات المدوية تملأ الجدران وتتحول إلى ما يشبه الهستريا الجماعية. أما الموسيقى فكانت تملأ الأرجاء حيث كانت أغاني فرقة "ييي ييي" هي أغاني الموضة. وكان "جوني" و"إيدي" و"القطط المتوحشة" و"الألجيرز" فنانينا المحبوبين. لقد كنا شباباً وكان أفقنا ضيقاً، وبالمختصر المفيد، كنا نحدث ضجيجاً يفوق ضجيج ثكنة وقت تسريح عسكرها من الخدمة... فأبي قد شارك في الثورة في وقت من الأوقات، وهو يحمل صفة المجاهد التي يُحسد عليها لأنّ ذلك كان يخوّل له حق استفادة معاش، مع أنه كان يتقاضى تلك المنحة من وقت إلى آخر بشق الأنفس وبعد وساطات شتى وكأنها هبة نزلت عليه من السماء. أما الوطنية فكانت شيئاً عظيماً، وقد يتعافى المرء من داء الكوليرا ولا يتعافى منها. كان أبي يتمتع بالذوق السليم في الاحتفاظ بأمراضه لنفسه، ولم يفرض علينا ميوله أبداً. وكان يقول متذمراً وهو يسمع التلفزيون يمجد المعجزات بصوت عال، كل مساء، أمام جميع الأموات ومعطوبي التاريخ: "أليس من الطبيعي أن يحرر البلد بأبنائه؟" ولما أصبح دخله لا يكفي حتى لإطعام طيور الكناري صار موظفاً في مشغل تابع للدولة لم أعد أذكر ماذا كان ينتج، وهو الذي يتْعِب آذاننا بالحديث عما يراه غير طبيعي في وحدته وهذا ما زرع الشك في نفوسنا بأن تلك الوحدة كانت تصنع اللاشيء أو مجرد النفايات والمذكرات الموجهة إلى سلة مهملات رئيس الدولة الذي كان يعتبر رب العمل في البلاد. فكانت بعض العبارات التي ينطقها بالفرنسية متذمراً لا أفقهها وأتخيلها شجراً عجيباً يتوسط المصنع بحيث كان ذلك يعطيها بعداً لامتناهياً لم أجرؤ أبداً على التمعّن فيه. وكان كل شيء في البيت على أحسن ما يرام حيث أنّ الغدوّ والمجيء والصياح والسيول في سلم البيت والأسرار والشكوى والتذمر والكدر يملأ أيامنا نشاطاً وحبوراً وليالينا هدوءاً وسكينة، كما الاستراحة بعد الحرب، ولم نكن نحلم بأكثر من ذلك، أما القطط الصغيرة فكانت تموء في سعادة غامرة، وكانت لها طريقتها الخاصة في التجمع في كومة تثير فينا الدهشة والإعجاب ونتخيلها سعيدة غاية السعادة. كنا نراها في غيبوبة بيد أنها كانت تبهرنا إلى حد تنويمنا مغناطيسياً فإذا شخيرنا يمتزج بخريرها ويتناغمان وفي ثوان معدودات كان البيت كله يدخل في حالة نوم عميق. ولم يكن ينقصني على اكتمال سعادتي إلا وجود أخت صغيرة وأشكر الله لذلك شكراً عظيماً. غير أن لويزة حبيبة القلب وزميلة المدرسة كان رأيها مخالفاً لذلك فتقول: "لك أن تشكري الله صباح مساء، فوجود الأخوات ألعن من وجود الدمل في الوجه". كانت لويزة تحمل في وجهها نمشاً كثيراً وكان الأسى يعصر قلبها دوماً لأنه لم يكن لديها أخ أصغر تلاحقه بالرقابة والعناية. كانت المسكينة تبدو كالبلهاء لشكلها المضطرب وأسنانها كمشط حاجز الدرك، ولكنها في الواقع كانت عكس ذلك تماماً، كانت طيبة جداً وحيوية إلى أبعد الحدود، وكانت ذرات النمش فيها جميلة جداً. ولذلك كنا نطلق عليها اسم "الجزرة" ولم نكن نكتفي بذلك بل كنا نصرخ وراءها "تعالي، حتى أقضمك"، وكانت فعلتنا هذه تفعل مفعولها فنراها تكفهر ثم تمتعض ثم تنخرط في البكاء. وعندها كنا نقوم بتقبيلها بإفراط حتى نجفف دمعها ولا يأتي أحد من أهلها للانتقام لها، فأمها وحدها كانت تماثل الجيش المكسيكي. وأنا نفسي كان لي من يحرسني من إخوتي، فكانت تقول وهي تتباكى، "أحلم بأن يكون لي أخ صغير" وأرد عليها متأوهة : "وأنا أحلم بأخت صغيرة". وكان كلانا يأخذ يد الأخرى في الذهاب والإياب، وأعتقد أننا أقسمنا على رأسينا بألا تفارق إحدانا الأخرى إلى الأبد"، حيث كنا نؤلف زوجاً من الحبيبات لم يكن ليحدث حتى لو كنا توأمين من جنس أسيل فريدين من نوعهما في العالم كله. كانت عائلتها كلها متألفة من الإناث، إذا استثنينا الأب، أحد أبطال الثورة، ومن المعطوبين بالمعنى الصحيح والمجازي، الذي لما اختلط عليه الحابل بالنابل قرر ألا يتدخل في أي أمر. وما عدا عادة فرك شاربيه فلم تُعرف له عادة مفضلة أو مستهجنة. كانت تلك طريقته في الحلم بدوّاره المحبوب، وككل فلاح كانت له أفكاره المتسلطة: الأرض والحرث والبذر وآفة البرد وسرّاق الأنعام والثعالب والمكلف بالجباية. وكان يجد ملاذه ومأواه الحقيقي في المقهى العربي بالكاف حيث كان يتجمع كل المستأصلين من دوارهم والمغروسين في الحي. كان متشبّعاً بالإيمان على الطريقة القديمة، قبل حدوث الزلزال، لما كان المسلمون ينذرون حياتهم للعمل في الحقل، فصارت عائلة من هذه الشاكلة، متمدنة وفي طريق العلمنة، خسارة لا تعوض، وهي زيادة على ذلك عائلة على عتبات جهنم.
صفحة 7
يسود الاعتقاد عادة بأن البنات الصغيرات لا يسترسلن في الكلام باستمرار إلا للحديث عن أصدقائهن، غير أنهن لا يفكرن في الواقع إلا في الأخ الذي يرغبن في أن يكون لهن أو الذي يتلهفن شوقاً إلى مسخه إلى ضفدع كبير. وتلك كانت حالتنا، حيث كان لنا من نعشق وكنا نتكلم عنهم فقط في موضوع غبائهم وتفاهتهم، أما البنات فكنّ يفكرن أيضاً في الأخت التي ليست لهن فيتأسفن لذلك بحرقة شديدة أو يفكرن في الأخت التي يرغبن في رؤيتها تحترق في نار الجحيم ولكن لا يتطرقن لذلك إلا عرضاً. وكانت تلك حالتنا، كنا نتفادى الخوض في الموضوع، وكانت لويزة لا تتصور فكرة العفو عن النساء الشرسات أما أنا فكنت لا أطيق فكرة التفكير في رمي الأخت الشقيقة في نار ملتهبة.
ولما بلغتْ لويزة سن السادسة عشرة زُفّت إلى متشرد من أقاصي البادية، فتوالت عليها الكوارث تلو الكوارث وأنجبت منه البنت تلو الأخرى ولم ترزق ولو بذكر واحد. وتلك كانت قوانين الوراثة معها، إما أبيض وإما أسود. مسكينة، لويزة، لم تنل في حياتها إلا عكس ما كانت تحلم به، فهي الأخت الصغرى في عائلتها ولم يكن لها أخ يعيرها اهتماماً أو يصغي لها سمعاً. أما ليلة زفافها فكانت كجنازة المريض بالجذام، وكان زوجها في ثياب متسكع المدن المسالم والسطحي يخفي شخصاً خطيراً جداً، وهو لم يكن يرغب ليلتها في فرح أو بهجة، فأمطرنا واللعاب يسيل من شدقيه بآيات من القرآن متوعداً إيانا بعقاب شديد اقتبسه من دليل الإرهابي الكامل. ولما كان الظرف لا يسمح إلا بالجبن راح الرجال يتظاهرون بالادعاء ويظهرون النفاق وهم يرددون سوراً من القرآن مثل الأبطال الانتحاريين، وأُصِْْبتُ منذ ذلك العهد بالصدمة ومازلت أتساءل باستمرار: هل يصنع الإسلام مؤمنين أم أناساً خرّع أم إرهابيين؟ والجواب في حد ذاته ليس بسيطاً، فقد يكون الأصناف الثلاثة مجرد ممثلين لا غير. ومن جهة أخرى، تبين أن الإسلام في الوقت الحاضر صار مسرحية وركيزة عظيمة يستعملها ناهبو القبور. وابتلعت البنات جنونهن وخلعن ثوب العرس البهيج وقعدن طوال الليلة تنظر الواحدة منهن إلى الأخرى بخوف وفزع وهن منكمشات وراء العجائز. لقد كان من الممكن أن يكون البكاء متنفساً ولكن هؤلاء الشرسين كانوا بصدد منع التنفس عنا أصلاً. وبعد ذلك، ولما كانت المدينة تلتف في كفن أسود كانت ترد إلى مسامعنا إشاعات مهولة وسكوت يندى له الجبين. ومنذ تلك الليلة لم أر لويزة، البنت الطيبة الهادئة، تُرى، في أي مصلحة حفظ الجثث هي الآن؟ لأن ما كنتُ أسمعه عنها، من قيل وقال، كانت له أصداء العالم الآخر.
وهكذا فرّ الزمان مني ووجدتني وحيدة. ظللتُ أجمع الأحزان وأنا سائرة في دربي كيفما كان الحال؛ الجامعة، وبؤس الخدمات الجامعية، وخسّة زملاء الدراسة، والغش والخديعة، والورطة تلو الأخرى، والتخبط في الوحل، ورحلة العذاب للعثور على عمل، ولو مجرد منصب صغير، والمرور عبر غربلة التوصيات المهمة، التي يقود بعضها رأساً إلى طرق مسدودة. إن كل تلك المشاوير تتطلب وقتاً، بل سنيناً، وتترك آثاراً في النفس وفي الجسم. وفي نهاية المطاف، لاح الفرج، هدية من السماء، فلقد مررت بمستشفى "بارني" في الوقت الذي كان طبيب الأطفال المعين يرمي مئزره على قدمي المدير، ابن عم الوزير وحفيد الباشا، وكان يهلل مبتهجاً وهو يمسك بالتأشيرة التي ترخص له بالذهاب إلى المنفى بكندا؛ فلقد كان حظه في القرعة التي جاءت إليه تزفّ له الفوز من على بُعد مسافة سبعة آلاف كيلومتر، وكان حظي من حظه، ففي اليوم نفسه لبستُ المئزر. كان المدير يعتقد أن عليه أن يبرهن على فحولته ولم يفكر في ذلك مرتين، ولم يمهل شهود الطلاق على الانطلاق في الهمز واللمز. وصاح في وجه الطبيب قائلاً: "اذهب إلى الجحيم، يا مأبون، سيخلفك أول من يقع في يدي!". وكنتُ حاضرة ساعتها وسمعتُ كل شيء. ووقّعتُ عقد العمل، على السراء والضراء. أما المرتب فلم يكن أكثر من معقول، كنت أستطيع أن أؤمّن الأكل، وتعلمت بالمناسبة فن التصرف في قشامة الطعام. وأدركتُ منذ ذلك اليوم كل شيء عن الاقتصاد العربي الإسلامي: للرجال كثرة الكلام وللنساء العمل سواء في مقرّ العمل أو في البيت، ولا وقت للراحة. أمّا زميلاتي فكنّ من المتزوجات، أمهات وكنّات، يعشن يوماً مقداره ثماني وأربعون ساعة وفوقه اثنتا عشرة ساعة كمؤخر يحتسب ضعفاً مع وصول الأحفاد. أمّا أنا فلمْ أكن أكترث للأمر، فالوقت كله ملكي. إن شمس الله تشرق من المشرق وليس من المغرب، ثم كيف السبيل إلى عكس مدارها، فتلك مسألة في غاية الخطورة، ولا يخطر ببالي طرحها أبداً.
توالت الوفيات وتتابعت معها مواكب التجمعات والمآتم ومجيء السماسرة وإيابهم ومعهم الأقارب والمعارف الذين جاؤوا يسعون إلى الانتفاع بالمواربة والمراوغة، والعروض العامة المقدمة لشراء البيت، وطلبات الزواج من خُطّاب في يدهم ديكامتر مضاعف لقياس مساحة الدار، والإمام الحاضر دوماً للتبجح. ولما اكتملت الأيام الأربعون شطبتُ على الموضوع بخط وأقفلت الأبواب والنوافذ، وهوى عليّ الفراغ كشاهد موضوع على قبر الميت، ولكن الفراغ كان خاصاً بي وكان في وسعي أن أشغله كما يحلو لي. وفي ذلك اليوم المبارك خولت لنفسي حقاً واحداً على الأقل وهو حقي في الموت على طريقتي، وقلت في نفسي إن محكوماً عليه ينعم بحرية في ذاته لأصدق من سجّان أسير مفاتيحه، وإن في النهاية لا بدّ من وجود جدار عازل بين الحرية والأسر. وهكذا دخلتُ مباشرة وبكل سهولة في ألعن زمرة للرعاع والأوباش في أرض الإسلام، ألا وهي زمرة النساء المتحررات والمستقلات. وفي مثل هذه الحالة، من المستحسن أن تعجّز المرأة وتكبر بسرعة، وبذلك تغضّن وجهي بتجاعيد بسيطة، إذ في ظل الراية الخضراء لا تمثل الشيخوخة غرقاً وموتاً للمرأة بل نجاة وخلاصاً.
عشتُ حِداد حياة بكاملها في غضون أشهر معدودات، وانقضّ الموت على عائلتنا واستبسل في القضاء علينا واحداً واحداً، أما أنا فتناساني، لما توسلتُ له جاثية، فبقيتُ آخر حبة في العنقود، وإني أتساءل عمّن يلبس ثوب الحداد عليّ. بعد الأب الذي مات بالقلب جاء دور الأم التي ماتت بالحسرة بعده بثلاثة أشهر، ثم تبعهما أخي ياسين الذي قضى نحبه في حادث سيارة كانت عشق حياته؛ سيارة رينو 5 زرقاء قضاب براديو وعُدّة منع السرقة، كانت فرصة من ذهب لما استوردها صاحبها المدعو علي الخردة مزوّر الحي بامتياز، من مرسيليا. دفعنا ثمنها من مدخرات البيت، وكنا نذكّره بذلك كل صباح أحد لما كان يلمعها كقالب صابون ثم يتسلل كاللص؛ كان يشبه أخي مغوي نساء على طريقة الثلاثينيات وكان جاهزاً للوقوع في أول شرك للحب ينصب له. لكننا كنا نتظاهر بعدم العلم بأي شيء بينما هو يجاحف الجدار كما يقال، وبتنا نتفهم أنه لا يفتش عن غانية إلا لغرض الزواج. لقد كان آن أوان زواجه، عندما دخل على الثلاثين وبدأ ظهره يحدودب، وكان يسعل بسبب وبدون سبب، فهو يعيش الوحدة ويشعر بذلك. كان موظفاً في الإدارة وتطبّع بحياة رجل الإدارة، وجلبنا في سبيل تزويجه أجمل بنات الحيّ وأرسلنا المراسيل في كل حدب وصوب وراقبنا كل بنت كحارسات الخدر. كنّا نفعل ذلك لأننا كنا نفتش عن الأبكار وليس عن العملة المزورة، فاتخذت الخاطبات بيتنا مزاراً، وانشغلت أمي المسكينة بالتردد على المقابر وبارتياد المآتم التي كانت الأماكن المفضلة لإبرام صفقات الزواج، وبزيارة أضرحة الأولياء الصالحين حيث تعقد وتحل الشؤون التي لا تخطر على بال بينما توليتُ أنا شخصياً ما بقي من المهمة، في الثانويات ومدارس الخياطة والأعراس والحمامات ومحطات الحافلات، واستقدمتُ من البنات إلى البيت حزماً ورزماً، الجميلات والذكيات، المتعلقات بالتقاليد والمتهورات مع وقف التنفيذ، الشقراوات والسمراوات والانتقائيات والصبايا الفتيات، وكن كلهن جاهزات متأهبات، غير أن الغبي كان يتشدد بلا سبب ويشيح بوجهه عن صاحبات العرض والاستعراض، كان يريد أن يصطاد حوريته بنفسه في الشارع كسيّد العارفين، وكان التعيس يظن بأنه أهل لإبطال مكائد الخاطبات؛ وذات يوم خرج ليفسّح سيارته العزيزة في اتجاه نادي الصنوبر، على طريق الوزراء، فهوت عليه شاحنة ثملة سكرانة، أخبرونا بذلك على سبيل التلميح وليس التصريح. وكنا قبل الحادث نداعبه فنقول له : "متى تتزوج صندوقك؟" ولكن لمّا كنا نتضايق من شدة إفراطه في تلميعها صباح مساء ثم حراستها بالمنظار فيما بقي له من وقت، كان لا يطيق أن يحط ولو طائر على جناحها، ولا يتحمل مزاحنا، كانت تلك طريقتنا في لفت نظره وتحذيره، فولعه بالسيارة كان فيه شيء من البهيمية أو الحَيْوَنَة، وكنا ندرك ميله إلى المباهاة والخيلاء. أما الحداد عليه فكان مفعماً بطعم مرارة الشعور بالذنب لما جلسنا نستذكر مزاحنا معه وسخريتنا منه. فأنا لم أستطع أن أتخلص من هاجس تسببنا في جلب النحس على حياته لأن حديثنا عن الصندوق هو كناية عن السيارة التي كانت على نحو مؤكد تنذر بالموت. عذراً، ياسين، عذراً يا عظيم. والنهاية، جاء سفيان، وأول ما دخَّن أول سيجارة تغلغلت في رأسه فكرة الهجرة مهما كان الأمر، طال العمر أم قصر، وإلى أبعد مكان في أقاصي الأرض، وكنت لما أحاول أن أعلمه بعض الحكمة يرد عليّ بصياح يصم الآذان : "أولى للإنسان أن يموت في أي مكان آخر من أن يعيش هنا!" وكنت أرد بالحدّة نفسها: "إذا لم تستطع أن تعيش في دارك فلم الانتقال للموت عند جارك؟" كانت تلك حُجّتي، وكل ما كانت لي فيه حيلة. كنت أريد أن أُفْهِمه بأن الموت ليس بالمهمة المستعصية بل المشكلة تتلخص في العيش، أما المكان فمسألة ثانوية. ولكنه لم يكن له تفكير آخر إلا في ذلك الموضوع، ولم يكن له انشغال آخر إلا البحث عن المسالك وتدبير شؤون الوثائق ودراسة أساليب وخطط القدامى من الذين قفزوا القفزة الأولى وكللت كل محاولاتهم بالفشل الذريع. فلم يكن يتكلم إلا نادراً ولا يأكل إلا قليلاً، وما إن يرجع إلى البيت حتى يشرع في اجترار غيظه وحنقه، ثم طق، حدث المفصال. وذات صباح ومع انبلاج الصبح، غاب عن البيت، وسلك طريق الغرب، أخطر الطرق على الإطلاق، وهران فالحدود فالمغرب ثم إسبانيا، وأخيراً فرنسا أو انجلترا أو أي بلد آخر، ذلك كل ما في البرنامج. وعلمتُ بالأمر في مساء ذلك اليوم، في وقت متأخر، على لسان أحد الرعايا، وهو نفسه مرشح للانتحار، عثرتُ عليه في أحد الاجتماعات السرية والتعزيمية بعدما فتشتُ ثنايا الحي كله كالمجنونة. كانوا كُثراً، جيشاً بكامله، وقد نال منهم النواح والنحيب؛ وجدتُهم يحلمون وهم يقظى، يقنع بعضهم بعضاً أن العالم في انتظارهم هناك فاتحاً لهم ذراعيه وفي يده الورود، وأن هجرتهم ستقضي لا محالة على عرش الطاغية. باختصار، كانوا يعانون ما يشبه الحمّى، ثم هبّوا جميعاً يحيطون بي من كل جانب كأخت كبيرة لهم أثكلها مصاب جلل، وأسرّوا إليّ أن سفيان سلك طريق الحرا؟ة، الرجال الذي يحرقون الطرق. كنت أعرف العبارة، فهي أشهر عبارة تتداولها الألسن في البلد ولكني كنت أسمعها للمرة الأولى تخرج من فم مجنون حقيقي وكان ذلك يجمد الدم في عروقي. كانوا يتكلمون عن الموضوع بحماسة واندفاع، حرق الطريق كان معجزة لا يقوى على تحقيقها إلا هم. وكان يكفيني أنا الشرف وعليهم هم تحدي اقتفاء أثر طريقه قبل أن يعلق عليه الغبار، إذ ماذا في وسعي أن أقول لمثل هؤلاء الأوغاد، نظرت إليهم كما يُنْظر إلى المفترين الكذابين ثم ولّيت مدبرة. كان ينبغي لي أن أبلغ عنهم الشرطة لو لم تكن هي نفسها سبب العُتْه الذي أصابهم، فهي دوماً في مطاردتهم واستجوابهم واجتساسهم والبصق على وجوههم والهيمنة عليهم. لن يرجع أحد سالماً إن هو سلك طريق الحرا؟ة، فهي تقهقر يتلوه آخر أصعب وأمرّ وأتعس إلى غاية الاختفاء نهائياً. وأصبحنا نشاهد القنوات الفضائية وهي تنقل إلى البلد صور جثث الحرا؟ة وقد جنحت إلى صخور الشطآن بعدما تقاذفتها الأمواج ميلاً بعد ميل، وقد تجمدت أوصالها واختنقت فيها الأنفاس، أو سحقتها عجلات هبوط الطائرات أو أنبار السفن أو صناديق الشاحنات الكبيرة المختومة بالرصاص. وكما لو كنا نجهل الكثير من الأشياء جاء الحرا؟ة في الأخير ليخترعوا لنا طرقاً جديدة في الموت. أما من نجح من الحرا؟ة في العبور إلى الضفة الأخرى فإنه سرعان ما يفقد روحه في أحلك ملكوت وألعن مملكة موجودة على سطح الأرض، وهي الانخراط في الحياة السرية، فما هي تلك الحياة تلك التي يحياها المرء في غياهب السرية؟
ولما بلغتْ لويزة سن السادسة عشرة زُفّت إلى متشرد من أقاصي البادية، فتوالت عليها الكوارث تلو الكوارث وأنجبت منه البنت تلو الأخرى ولم ترزق ولو بذكر واحد. وتلك كانت قوانين الوراثة معها، إما أبيض وإما أسود. مسكينة، لويزة، لم تنل في حياتها إلا عكس ما كانت تحلم به، فهي الأخت الصغرى في عائلتها ولم يكن لها أخ يعيرها اهتماماً أو يصغي لها سمعاً. أما ليلة زفافها فكانت كجنازة المريض بالجذام، وكان زوجها في ثياب متسكع المدن المسالم والسطحي يخفي شخصاً خطيراً جداً، وهو لم يكن يرغب ليلتها في فرح أو بهجة، فأمطرنا واللعاب يسيل من شدقيه بآيات من القرآن متوعداً إيانا بعقاب شديد اقتبسه من دليل الإرهابي الكامل. ولما كان الظرف لا يسمح إلا بالجبن راح الرجال يتظاهرون بالادعاء ويظهرون النفاق وهم يرددون سوراً من القرآن مثل الأبطال الانتحاريين، وأُصِْْبتُ منذ ذلك العهد بالصدمة ومازلت أتساءل باستمرار: هل يصنع الإسلام مؤمنين أم أناساً خرّع أم إرهابيين؟ والجواب في حد ذاته ليس بسيطاً، فقد يكون الأصناف الثلاثة مجرد ممثلين لا غير. ومن جهة أخرى، تبين أن الإسلام في الوقت الحاضر صار مسرحية وركيزة عظيمة يستعملها ناهبو القبور. وابتلعت البنات جنونهن وخلعن ثوب العرس البهيج وقعدن طوال الليلة تنظر الواحدة منهن إلى الأخرى بخوف وفزع وهن منكمشات وراء العجائز. لقد كان من الممكن أن يكون البكاء متنفساً ولكن هؤلاء الشرسين كانوا بصدد منع التنفس عنا أصلاً. وبعد ذلك، ولما كانت المدينة تلتف في كفن أسود كانت ترد إلى مسامعنا إشاعات مهولة وسكوت يندى له الجبين. ومنذ تلك الليلة لم أر لويزة، البنت الطيبة الهادئة، تُرى، في أي مصلحة حفظ الجثث هي الآن؟ لأن ما كنتُ أسمعه عنها، من قيل وقال، كانت له أصداء العالم الآخر.
وهكذا فرّ الزمان مني ووجدتني وحيدة. ظللتُ أجمع الأحزان وأنا سائرة في دربي كيفما كان الحال؛ الجامعة، وبؤس الخدمات الجامعية، وخسّة زملاء الدراسة، والغش والخديعة، والورطة تلو الأخرى، والتخبط في الوحل، ورحلة العذاب للعثور على عمل، ولو مجرد منصب صغير، والمرور عبر غربلة التوصيات المهمة، التي يقود بعضها رأساً إلى طرق مسدودة. إن كل تلك المشاوير تتطلب وقتاً، بل سنيناً، وتترك آثاراً في النفس وفي الجسم. وفي نهاية المطاف، لاح الفرج، هدية من السماء، فلقد مررت بمستشفى "بارني" في الوقت الذي كان طبيب الأطفال المعين يرمي مئزره على قدمي المدير، ابن عم الوزير وحفيد الباشا، وكان يهلل مبتهجاً وهو يمسك بالتأشيرة التي ترخص له بالذهاب إلى المنفى بكندا؛ فلقد كان حظه في القرعة التي جاءت إليه تزفّ له الفوز من على بُعد مسافة سبعة آلاف كيلومتر، وكان حظي من حظه، ففي اليوم نفسه لبستُ المئزر. كان المدير يعتقد أن عليه أن يبرهن على فحولته ولم يفكر في ذلك مرتين، ولم يمهل شهود الطلاق على الانطلاق في الهمز واللمز. وصاح في وجه الطبيب قائلاً: "اذهب إلى الجحيم، يا مأبون، سيخلفك أول من يقع في يدي!". وكنتُ حاضرة ساعتها وسمعتُ كل شيء. ووقّعتُ عقد العمل، على السراء والضراء. أما المرتب فلم يكن أكثر من معقول، كنت أستطيع أن أؤمّن الأكل، وتعلمت بالمناسبة فن التصرف في قشامة الطعام. وأدركتُ منذ ذلك اليوم كل شيء عن الاقتصاد العربي الإسلامي: للرجال كثرة الكلام وللنساء العمل سواء في مقرّ العمل أو في البيت، ولا وقت للراحة. أمّا زميلاتي فكنّ من المتزوجات، أمهات وكنّات، يعشن يوماً مقداره ثماني وأربعون ساعة وفوقه اثنتا عشرة ساعة كمؤخر يحتسب ضعفاً مع وصول الأحفاد. أمّا أنا فلمْ أكن أكترث للأمر، فالوقت كله ملكي. إن شمس الله تشرق من المشرق وليس من المغرب، ثم كيف السبيل إلى عكس مدارها، فتلك مسألة في غاية الخطورة، ولا يخطر ببالي طرحها أبداً.
توالت الوفيات وتتابعت معها مواكب التجمعات والمآتم ومجيء السماسرة وإيابهم ومعهم الأقارب والمعارف الذين جاؤوا يسعون إلى الانتفاع بالمواربة والمراوغة، والعروض العامة المقدمة لشراء البيت، وطلبات الزواج من خُطّاب في يدهم ديكامتر مضاعف لقياس مساحة الدار، والإمام الحاضر دوماً للتبجح. ولما اكتملت الأيام الأربعون شطبتُ على الموضوع بخط وأقفلت الأبواب والنوافذ، وهوى عليّ الفراغ كشاهد موضوع على قبر الميت، ولكن الفراغ كان خاصاً بي وكان في وسعي أن أشغله كما يحلو لي. وفي ذلك اليوم المبارك خولت لنفسي حقاً واحداً على الأقل وهو حقي في الموت على طريقتي، وقلت في نفسي إن محكوماً عليه ينعم بحرية في ذاته لأصدق من سجّان أسير مفاتيحه، وإن في النهاية لا بدّ من وجود جدار عازل بين الحرية والأسر. وهكذا دخلتُ مباشرة وبكل سهولة في ألعن زمرة للرعاع والأوباش في أرض الإسلام، ألا وهي زمرة النساء المتحررات والمستقلات. وفي مثل هذه الحالة، من المستحسن أن تعجّز المرأة وتكبر بسرعة، وبذلك تغضّن وجهي بتجاعيد بسيطة، إذ في ظل الراية الخضراء لا تمثل الشيخوخة غرقاً وموتاً للمرأة بل نجاة وخلاصاً.
عشتُ حِداد حياة بكاملها في غضون أشهر معدودات، وانقضّ الموت على عائلتنا واستبسل في القضاء علينا واحداً واحداً، أما أنا فتناساني، لما توسلتُ له جاثية، فبقيتُ آخر حبة في العنقود، وإني أتساءل عمّن يلبس ثوب الحداد عليّ. بعد الأب الذي مات بالقلب جاء دور الأم التي ماتت بالحسرة بعده بثلاثة أشهر، ثم تبعهما أخي ياسين الذي قضى نحبه في حادث سيارة كانت عشق حياته؛ سيارة رينو 5 زرقاء قضاب براديو وعُدّة منع السرقة، كانت فرصة من ذهب لما استوردها صاحبها المدعو علي الخردة مزوّر الحي بامتياز، من مرسيليا. دفعنا ثمنها من مدخرات البيت، وكنا نذكّره بذلك كل صباح أحد لما كان يلمعها كقالب صابون ثم يتسلل كاللص؛ كان يشبه أخي مغوي نساء على طريقة الثلاثينيات وكان جاهزاً للوقوع في أول شرك للحب ينصب له. لكننا كنا نتظاهر بعدم العلم بأي شيء بينما هو يجاحف الجدار كما يقال، وبتنا نتفهم أنه لا يفتش عن غانية إلا لغرض الزواج. لقد كان آن أوان زواجه، عندما دخل على الثلاثين وبدأ ظهره يحدودب، وكان يسعل بسبب وبدون سبب، فهو يعيش الوحدة ويشعر بذلك. كان موظفاً في الإدارة وتطبّع بحياة رجل الإدارة، وجلبنا في سبيل تزويجه أجمل بنات الحيّ وأرسلنا المراسيل في كل حدب وصوب وراقبنا كل بنت كحارسات الخدر. كنّا نفعل ذلك لأننا كنا نفتش عن الأبكار وليس عن العملة المزورة، فاتخذت الخاطبات بيتنا مزاراً، وانشغلت أمي المسكينة بالتردد على المقابر وبارتياد المآتم التي كانت الأماكن المفضلة لإبرام صفقات الزواج، وبزيارة أضرحة الأولياء الصالحين حيث تعقد وتحل الشؤون التي لا تخطر على بال بينما توليتُ أنا شخصياً ما بقي من المهمة، في الثانويات ومدارس الخياطة والأعراس والحمامات ومحطات الحافلات، واستقدمتُ من البنات إلى البيت حزماً ورزماً، الجميلات والذكيات، المتعلقات بالتقاليد والمتهورات مع وقف التنفيذ، الشقراوات والسمراوات والانتقائيات والصبايا الفتيات، وكن كلهن جاهزات متأهبات، غير أن الغبي كان يتشدد بلا سبب ويشيح بوجهه عن صاحبات العرض والاستعراض، كان يريد أن يصطاد حوريته بنفسه في الشارع كسيّد العارفين، وكان التعيس يظن بأنه أهل لإبطال مكائد الخاطبات؛ وذات يوم خرج ليفسّح سيارته العزيزة في اتجاه نادي الصنوبر، على طريق الوزراء، فهوت عليه شاحنة ثملة سكرانة، أخبرونا بذلك على سبيل التلميح وليس التصريح. وكنا قبل الحادث نداعبه فنقول له : "متى تتزوج صندوقك؟" ولكن لمّا كنا نتضايق من شدة إفراطه في تلميعها صباح مساء ثم حراستها بالمنظار فيما بقي له من وقت، كان لا يطيق أن يحط ولو طائر على جناحها، ولا يتحمل مزاحنا، كانت تلك طريقتنا في لفت نظره وتحذيره، فولعه بالسيارة كان فيه شيء من البهيمية أو الحَيْوَنَة، وكنا ندرك ميله إلى المباهاة والخيلاء. أما الحداد عليه فكان مفعماً بطعم مرارة الشعور بالذنب لما جلسنا نستذكر مزاحنا معه وسخريتنا منه. فأنا لم أستطع أن أتخلص من هاجس تسببنا في جلب النحس على حياته لأن حديثنا عن الصندوق هو كناية عن السيارة التي كانت على نحو مؤكد تنذر بالموت. عذراً، ياسين، عذراً يا عظيم. والنهاية، جاء سفيان، وأول ما دخَّن أول سيجارة تغلغلت في رأسه فكرة الهجرة مهما كان الأمر، طال العمر أم قصر، وإلى أبعد مكان في أقاصي الأرض، وكنت لما أحاول أن أعلمه بعض الحكمة يرد عليّ بصياح يصم الآذان : "أولى للإنسان أن يموت في أي مكان آخر من أن يعيش هنا!" وكنت أرد بالحدّة نفسها: "إذا لم تستطع أن تعيش في دارك فلم الانتقال للموت عند جارك؟" كانت تلك حُجّتي، وكل ما كانت لي فيه حيلة. كنت أريد أن أُفْهِمه بأن الموت ليس بالمهمة المستعصية بل المشكلة تتلخص في العيش، أما المكان فمسألة ثانوية. ولكنه لم يكن له تفكير آخر إلا في ذلك الموضوع، ولم يكن له انشغال آخر إلا البحث عن المسالك وتدبير شؤون الوثائق ودراسة أساليب وخطط القدامى من الذين قفزوا القفزة الأولى وكللت كل محاولاتهم بالفشل الذريع. فلم يكن يتكلم إلا نادراً ولا يأكل إلا قليلاً، وما إن يرجع إلى البيت حتى يشرع في اجترار غيظه وحنقه، ثم طق، حدث المفصال. وذات صباح ومع انبلاج الصبح، غاب عن البيت، وسلك طريق الغرب، أخطر الطرق على الإطلاق، وهران فالحدود فالمغرب ثم إسبانيا، وأخيراً فرنسا أو انجلترا أو أي بلد آخر، ذلك كل ما في البرنامج. وعلمتُ بالأمر في مساء ذلك اليوم، في وقت متأخر، على لسان أحد الرعايا، وهو نفسه مرشح للانتحار، عثرتُ عليه في أحد الاجتماعات السرية والتعزيمية بعدما فتشتُ ثنايا الحي كله كالمجنونة. كانوا كُثراً، جيشاً بكامله، وقد نال منهم النواح والنحيب؛ وجدتُهم يحلمون وهم يقظى، يقنع بعضهم بعضاً أن العالم في انتظارهم هناك فاتحاً لهم ذراعيه وفي يده الورود، وأن هجرتهم ستقضي لا محالة على عرش الطاغية. باختصار، كانوا يعانون ما يشبه الحمّى، ثم هبّوا جميعاً يحيطون بي من كل جانب كأخت كبيرة لهم أثكلها مصاب جلل، وأسرّوا إليّ أن سفيان سلك طريق الحرا؟ة، الرجال الذي يحرقون الطرق. كنت أعرف العبارة، فهي أشهر عبارة تتداولها الألسن في البلد ولكني كنت أسمعها للمرة الأولى تخرج من فم مجنون حقيقي وكان ذلك يجمد الدم في عروقي. كانوا يتكلمون عن الموضوع بحماسة واندفاع، حرق الطريق كان معجزة لا يقوى على تحقيقها إلا هم. وكان يكفيني أنا الشرف وعليهم هم تحدي اقتفاء أثر طريقه قبل أن يعلق عليه الغبار، إذ ماذا في وسعي أن أقول لمثل هؤلاء الأوغاد، نظرت إليهم كما يُنْظر إلى المفترين الكذابين ثم ولّيت مدبرة. كان ينبغي لي أن أبلغ عنهم الشرطة لو لم تكن هي نفسها سبب العُتْه الذي أصابهم، فهي دوماً في مطاردتهم واستجوابهم واجتساسهم والبصق على وجوههم والهيمنة عليهم. لن يرجع أحد سالماً إن هو سلك طريق الحرا؟ة، فهي تقهقر يتلوه آخر أصعب وأمرّ وأتعس إلى غاية الاختفاء نهائياً. وأصبحنا نشاهد القنوات الفضائية وهي تنقل إلى البلد صور جثث الحرا؟ة وقد جنحت إلى صخور الشطآن بعدما تقاذفتها الأمواج ميلاً بعد ميل، وقد تجمدت أوصالها واختنقت فيها الأنفاس، أو سحقتها عجلات هبوط الطائرات أو أنبار السفن أو صناديق الشاحنات الكبيرة المختومة بالرصاص. وكما لو كنا نجهل الكثير من الأشياء جاء الحرا؟ة في الأخير ليخترعوا لنا طرقاً جديدة في الموت. أما من نجح من الحرا؟ة في العبور إلى الضفة الأخرى فإنه سرعان ما يفقد روحه في أحلك ملكوت وألعن مملكة موجودة على سطح الأرض، وهي الانخراط في الحياة السرية، فما هي تلك الحياة تلك التي يحياها المرء في غياهب السرية؟
صفحة 8
وما هي هذه الحياة التي أحياها وأنا شبه مكفّنة مدفونة في بيتي المتداعي المتهالك؟
مرّ شهر كامل وأنا أتراوحُ مكاني، وذرفتُ كل دموعي حتى جف جسدي. كنتُ أستحي أن أرفع رأسي: أمّاه، لقد ضاع أخي الصغير! أبتاه، لقد ضاع أخي الصغير! كان يتأَكلني الشعور بأني خنتُ الأمانة ولم أحفظ الوديعة. كنتُ أرقدُ في غرفته للإيهام بوجوده.
وذات مساء، كلمني بالهاتف من وهران. هناك، في تلك المدينة التي لا يشبه أي شيء فيها مدينة الجزائر، لا اللغة ولا الدين ولا طعم الخبز!
- أين، في وهران؟
- عند صديق.
- أتسخر مني؟ كل أصدقائك موجودون هنا، في بيوتهم أو معتكفون لانتخاب البابا.
- لا تقلقي.
- كفى مزاحاً، هيّا ارجع!
- فيما بعد.
- متى؟
- لست أدري.
- أعطني عنوانك حتى أرسل إليك بعض المال.
- ليس لي عنوان.
- وصديقك هذا متشرد، أليس كذلك؟
- ...............
- ألو .... ألو ..... ألوووو ....!
كان الصبي الوقح قد أصيب بعدوى اللكنة الوهرانية، وصار يقول "واه" بدل "إيه" ويطقطق بلسانه! أما الباقي فهو كما هو، مندفع، عنيف، وعنيد وأحمق للغاية .... وطيب كالملاك لما يرغب في ذلك. ولم يكلمني في الهاتف بعد ذلك أبداً. هل قلتُ له كلمة زائدة وفي غير محلها؟ ممكن، ولكن لا يهم، فكلهم سواء، حمقى وسريعو التأثر ومماحكون. وما زالت القضية تنخر في ذهني أكثر فأكثر، إذ من الصعب أن تكون المرأة شقيقة رجل ظل طفلاً. كم من رجل يدرك ذلك حقاً؟
بدت لي الدار فجأة مروعة، ازداد الفراغ وطأ بشكل مرعب وتضاعف ثقل السكون. لم تصبح لدي أجوبة ولم تكن معي أسئلة. ولم يكن في وسعي التفكير بل صار يكفيني تعذيب نفسي. لقد فقدتْ كل الأشياء قيمتها لديّ وصار بإمكان الروتين اليومي أن يحل ويأخذ مني كل شيء، فالموت لم يصبح قدراً محتوماً مؤلماً بل فرضيّة يأتي معها الخلاص. أجل، أعترف أنني مررت بمرحلة التفكير في الانتحار، اتخذت قرار ذلك ولم يبق لي إلا أن أجد جواباً للوقت المعين والطريقة المحددة لتنفيذ ذلك. لم أعد أذكر كيف جعلني الإصرار مشوشة الأفكار لا ألوي على شيء، ثم، انتفضتُ، فأنا هكذا خلقتُ، أصابُ باليأس والإحباط لأجد الدافع على الانقضاض.
وجاءت شريفة كما لو كانت غازية. كيف يمكن أن أتصرف معها هي الأخرى؟ إنها تستفزني، ولا أطيق كثرة غيابها ونزواتها، كما لا أتحمل فوضاها ولا حتى وجودها. وفوق كل ذلك لا أستسيغ إطلاقاً صوتها الذي يشبه صوت الرضيع الصيّاح، فأنا في حاجة إلى السكينة والسكون وأريد أن يكون كل شيء واضحاً في حياتي. كما أنني في حاجة إلى أن أكون قادرة على أن أقول لنفسي، في أي وقت ودون التفكير في العدول عن رأيي، هذه حريتي وتلك إرادتي.
يا إلهي، إلى أي مدى نحن أسياد حياتنا بالمعنى الحقيقي؟
جاء أول تصرف طائش منها بسرعة في اليوم التالي، كنا بصدد الانتهاء من تناول فطور الصباح؛ ومن أجل التكفير عن حصة التعذيب الذي مارسته عليها في مساء اليوم المنصرم قمتُ بإخراج ما ادخرت من حلوى راحة الحلقوم وبسطتُ سماط المائدة الذي ورثته عن المرحومة أمي، وكان كلانا يلبس خف المنزل والمبذل وما زالت تطفو في عيوننا بقية رغبة في النوم، كان الجو لطيفاً وظريفاً وعائلياً وما زلتُ متأثرة ومنفعلة. ابتلعتْ حبة سكر وصعدتْ لتلبس كسوتها الغريبة. أما ماذا قالت وبماذا أجبتها فإني لا أذكر شيئاً. مرّ كل شيء بسرعة، وكنت فظة معها، ولو كنتُ صريحة لقلت إني طردتها، وسرعان ما ندمتُ على فعلتي.
- "عمة لامية إني خارجة للفسحة". قالت ذلك وهي واقفة تنتعل حذاء ذا كعب عال جداً.
- اذهبي إلى حيث شئت، المهم ألا أراك مرة أخرى.
- أتعطيني بعض النقود؟
- ثم ماذا أيضاً؟ لقد نمتِ، وأكلتِ، وضحكتِ ... حسنٌ، هذه مائة دينار ... ولا داعي للشكر.
- هذا كل ما تعطيني... مائة حبة فقط؟ ماذا عساني فاعلة بها؟
- تكفيك لمهاتفة أهلك.... هل تسمعين؟ ... حسنٌ، ماذا أقول؟ لا أعرفك، هل فهمتِ... إن لي حياتي... وليس لأن أخي الأبله أعطاك عنواني عليّ أنا الاعتناء بك .... حسنٌ، هاك مائة دينار أخرى ... لم يبق معي أي شيء... فالمرتب أتقاضاه مرة كل شهر، وأنت لا علم لك بذلك، لا شك..."
وبينما كنت منهمكة في الشرح والتوضيح كالمعتوهة، أخذتْ هي المال ووضعته في جيبها وأمسكت زوّادتها ورمتْ بحبة راحة الحلقوم في فيها وخرجت وهي تهز كتفيها، أما سلام الوداع والشكر على الجميل فيبدو ألّا حظّ لي فيهما في هذه المرة.
لقد كان الرجوع إلى الفراغ قاسياً وعنيفاً. لم أكن أتوقع حدوثه بهذا الشكل، بل كنت أراني عائدة شيئاً فشيئاً إلى فنائي المطلق، غير أنني أحسست بالألم يعتصرني، فالفراغ الذي أنا فيه سببه الفراق. ثم هناك الغياب الذي يحل علينا لكي لا يرحل أبداً، يأتي ليعشش فينا. وتألمتُ لذلك أشد الألم، وها أنا أجرّبه لمرة أخرى. ثم، تفه، هذه المجنونة لا يربطني بها أي رابط! بالأمس فقط كنتُ أنظر إليها كمن نزل عليّ من كوكب آخر لتحلّ في حديقتي دون أن تكترث أدنى اكتراث. وأراني أتساءل في الوقت الحاضر هل الصدرية المنتفخة التي تلبسها لها علاقة بسكان المريخ أو زحل. وسواء جاءت من وهران، هذه البلدة الجزائرية، بتوجيه من أخي الأحمق، فإن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً. كل ما أعرفه عنها، أنها بلا عنوان معروف، وهي حامل من مجهول أو أكثر، ولن يحبّبها كل هذا إلى قلبي أبداً، فلكلّ دواره الخاص به والأبقار في الحفظ والصون كما يقول المثل عند بعض الأمم. وهكذا شردتُ كالمخبولة في الدار، رفيقة دربي الوفية، متلهفة على استرجاع وعيي وإدراكي. لم أكن أرى شيئاً، ابتلعني الفراغ أنا أيضاً، والآن بلغ انتشاره الحيّ بكامله، وأصبح كل شيء ملخصاً في الصمت والجحيم الأبدي. وكذلك ما زال شهريار، أو خياله، في مكانه المعتاد. هل ينام هذا المخلوق؟ أما اللغز، فهو معقول، ولكن ليس في كل مناسبة. فلقد كان تمثاله الجامد التقاطيع يرقبني من علٍ. ثم فجأة، توارى عن الأنظار، ماذا ... هل ما لمحتُه كان حقيقة؟ هل هذا ما حدث؟ كان في طريقة الإشاحة عني بظهره علامة على الاستياء، وفي الأخير، أف، ما شأني!
في المستشفى، نظرتُ إلى الزملاء وكأن كلّاً منهم كان حاملاً همّ الدنيا بأسرها. وأعدتُ النظر من باب الاطمئنان والتحقق، فوجدتُ أني كنتُ محقة، ففي وجه كل واحد منهم العقابيل المعتادة. يا إلهي، كم هم متجهمون في زيّ زريّ كأنهم فزاعات! إنني لا أطيق بالمرة طريقتهم في تصعير خدهم وانتفاخهم، وكنتُ أسمعهم يتنطعون: " هم م، هم م، نحن أنسباء السلطان، تنحّ عن طريقنا!". لقد كانوا يسرحون ويمرحون ذهاباً وإياباً بذات الطريقة في التسيب التي أهلكت البلد، هذا التسيب الذي انتشر في ظل العولمة ليعم أرجاء المعمورة. وكانوا يتكلمون وهم يتصايحون بالطريقة نفسها ليزيد بعضهم صمم بعض خطورة واستفحالاً. وإذا قاموا يغنّون أو يصوفرون أو يدمدمون أو يبكون أو يتخاصمون أو يهنئ بعضهم بعضاً، أو يخرّبون أو يبالغون في الاندفاع، فإنهم يفعلون ذلك بطريقتهم المعهودة، بلا زيادة أي شيء جديد أو مخالف. فقد يجد المرء ألف نقيصة ونقيصة في حصيلة عملهم، ولكن كل ذلك لا يهمّ، فأفعالهم يندى لها الجبين ومعروفة لدى العام والخاص، ومع ذلك أرى أنهم يبتسمون فوق اللزوم، هل ثمة سبب، ولو سبب واحد فقط، يجعلهم يبتهجون للانحطاط؟ وهل ثمة حجة، حجة واحدة، مهما تكن بسيطة، يمكن أن تفسر المسخرة التي تجعلهم يختالون كالطواويس في عملهم وهم لا يؤدونه إلا مبتوراً وبصورة رديئة؟ وأتساءل أحياناً عن أي جرم حقيقي اقترفوه كي يبدوا بهذا الشكل البريء إلى حد البلاهة.
مرّ شهر كامل وأنا أتراوحُ مكاني، وذرفتُ كل دموعي حتى جف جسدي. كنتُ أستحي أن أرفع رأسي: أمّاه، لقد ضاع أخي الصغير! أبتاه، لقد ضاع أخي الصغير! كان يتأَكلني الشعور بأني خنتُ الأمانة ولم أحفظ الوديعة. كنتُ أرقدُ في غرفته للإيهام بوجوده.
وذات مساء، كلمني بالهاتف من وهران. هناك، في تلك المدينة التي لا يشبه أي شيء فيها مدينة الجزائر، لا اللغة ولا الدين ولا طعم الخبز!
- أين، في وهران؟
- عند صديق.
- أتسخر مني؟ كل أصدقائك موجودون هنا، في بيوتهم أو معتكفون لانتخاب البابا.
- لا تقلقي.
- كفى مزاحاً، هيّا ارجع!
- فيما بعد.
- متى؟
- لست أدري.
- أعطني عنوانك حتى أرسل إليك بعض المال.
- ليس لي عنوان.
- وصديقك هذا متشرد، أليس كذلك؟
- ...............
- ألو .... ألو ..... ألوووو ....!
كان الصبي الوقح قد أصيب بعدوى اللكنة الوهرانية، وصار يقول "واه" بدل "إيه" ويطقطق بلسانه! أما الباقي فهو كما هو، مندفع، عنيف، وعنيد وأحمق للغاية .... وطيب كالملاك لما يرغب في ذلك. ولم يكلمني في الهاتف بعد ذلك أبداً. هل قلتُ له كلمة زائدة وفي غير محلها؟ ممكن، ولكن لا يهم، فكلهم سواء، حمقى وسريعو التأثر ومماحكون. وما زالت القضية تنخر في ذهني أكثر فأكثر، إذ من الصعب أن تكون المرأة شقيقة رجل ظل طفلاً. كم من رجل يدرك ذلك حقاً؟
بدت لي الدار فجأة مروعة، ازداد الفراغ وطأ بشكل مرعب وتضاعف ثقل السكون. لم تصبح لدي أجوبة ولم تكن معي أسئلة. ولم يكن في وسعي التفكير بل صار يكفيني تعذيب نفسي. لقد فقدتْ كل الأشياء قيمتها لديّ وصار بإمكان الروتين اليومي أن يحل ويأخذ مني كل شيء، فالموت لم يصبح قدراً محتوماً مؤلماً بل فرضيّة يأتي معها الخلاص. أجل، أعترف أنني مررت بمرحلة التفكير في الانتحار، اتخذت قرار ذلك ولم يبق لي إلا أن أجد جواباً للوقت المعين والطريقة المحددة لتنفيذ ذلك. لم أعد أذكر كيف جعلني الإصرار مشوشة الأفكار لا ألوي على شيء، ثم، انتفضتُ، فأنا هكذا خلقتُ، أصابُ باليأس والإحباط لأجد الدافع على الانقضاض.
وجاءت شريفة كما لو كانت غازية. كيف يمكن أن أتصرف معها هي الأخرى؟ إنها تستفزني، ولا أطيق كثرة غيابها ونزواتها، كما لا أتحمل فوضاها ولا حتى وجودها. وفوق كل ذلك لا أستسيغ إطلاقاً صوتها الذي يشبه صوت الرضيع الصيّاح، فأنا في حاجة إلى السكينة والسكون وأريد أن يكون كل شيء واضحاً في حياتي. كما أنني في حاجة إلى أن أكون قادرة على أن أقول لنفسي، في أي وقت ودون التفكير في العدول عن رأيي، هذه حريتي وتلك إرادتي.
يا إلهي، إلى أي مدى نحن أسياد حياتنا بالمعنى الحقيقي؟
جاء أول تصرف طائش منها بسرعة في اليوم التالي، كنا بصدد الانتهاء من تناول فطور الصباح؛ ومن أجل التكفير عن حصة التعذيب الذي مارسته عليها في مساء اليوم المنصرم قمتُ بإخراج ما ادخرت من حلوى راحة الحلقوم وبسطتُ سماط المائدة الذي ورثته عن المرحومة أمي، وكان كلانا يلبس خف المنزل والمبذل وما زالت تطفو في عيوننا بقية رغبة في النوم، كان الجو لطيفاً وظريفاً وعائلياً وما زلتُ متأثرة ومنفعلة. ابتلعتْ حبة سكر وصعدتْ لتلبس كسوتها الغريبة. أما ماذا قالت وبماذا أجبتها فإني لا أذكر شيئاً. مرّ كل شيء بسرعة، وكنت فظة معها، ولو كنتُ صريحة لقلت إني طردتها، وسرعان ما ندمتُ على فعلتي.
- "عمة لامية إني خارجة للفسحة". قالت ذلك وهي واقفة تنتعل حذاء ذا كعب عال جداً.
- اذهبي إلى حيث شئت، المهم ألا أراك مرة أخرى.
- أتعطيني بعض النقود؟
- ثم ماذا أيضاً؟ لقد نمتِ، وأكلتِ، وضحكتِ ... حسنٌ، هذه مائة دينار ... ولا داعي للشكر.
- هذا كل ما تعطيني... مائة حبة فقط؟ ماذا عساني فاعلة بها؟
- تكفيك لمهاتفة أهلك.... هل تسمعين؟ ... حسنٌ، ماذا أقول؟ لا أعرفك، هل فهمتِ... إن لي حياتي... وليس لأن أخي الأبله أعطاك عنواني عليّ أنا الاعتناء بك .... حسنٌ، هاك مائة دينار أخرى ... لم يبق معي أي شيء... فالمرتب أتقاضاه مرة كل شهر، وأنت لا علم لك بذلك، لا شك..."
وبينما كنت منهمكة في الشرح والتوضيح كالمعتوهة، أخذتْ هي المال ووضعته في جيبها وأمسكت زوّادتها ورمتْ بحبة راحة الحلقوم في فيها وخرجت وهي تهز كتفيها، أما سلام الوداع والشكر على الجميل فيبدو ألّا حظّ لي فيهما في هذه المرة.
لقد كان الرجوع إلى الفراغ قاسياً وعنيفاً. لم أكن أتوقع حدوثه بهذا الشكل، بل كنت أراني عائدة شيئاً فشيئاً إلى فنائي المطلق، غير أنني أحسست بالألم يعتصرني، فالفراغ الذي أنا فيه سببه الفراق. ثم هناك الغياب الذي يحل علينا لكي لا يرحل أبداً، يأتي ليعشش فينا. وتألمتُ لذلك أشد الألم، وها أنا أجرّبه لمرة أخرى. ثم، تفه، هذه المجنونة لا يربطني بها أي رابط! بالأمس فقط كنتُ أنظر إليها كمن نزل عليّ من كوكب آخر لتحلّ في حديقتي دون أن تكترث أدنى اكتراث. وأراني أتساءل في الوقت الحاضر هل الصدرية المنتفخة التي تلبسها لها علاقة بسكان المريخ أو زحل. وسواء جاءت من وهران، هذه البلدة الجزائرية، بتوجيه من أخي الأحمق، فإن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً. كل ما أعرفه عنها، أنها بلا عنوان معروف، وهي حامل من مجهول أو أكثر، ولن يحبّبها كل هذا إلى قلبي أبداً، فلكلّ دواره الخاص به والأبقار في الحفظ والصون كما يقول المثل عند بعض الأمم. وهكذا شردتُ كالمخبولة في الدار، رفيقة دربي الوفية، متلهفة على استرجاع وعيي وإدراكي. لم أكن أرى شيئاً، ابتلعني الفراغ أنا أيضاً، والآن بلغ انتشاره الحيّ بكامله، وأصبح كل شيء ملخصاً في الصمت والجحيم الأبدي. وكذلك ما زال شهريار، أو خياله، في مكانه المعتاد. هل ينام هذا المخلوق؟ أما اللغز، فهو معقول، ولكن ليس في كل مناسبة. فلقد كان تمثاله الجامد التقاطيع يرقبني من علٍ. ثم فجأة، توارى عن الأنظار، ماذا ... هل ما لمحتُه كان حقيقة؟ هل هذا ما حدث؟ كان في طريقة الإشاحة عني بظهره علامة على الاستياء، وفي الأخير، أف، ما شأني!
في المستشفى، نظرتُ إلى الزملاء وكأن كلّاً منهم كان حاملاً همّ الدنيا بأسرها. وأعدتُ النظر من باب الاطمئنان والتحقق، فوجدتُ أني كنتُ محقة، ففي وجه كل واحد منهم العقابيل المعتادة. يا إلهي، كم هم متجهمون في زيّ زريّ كأنهم فزاعات! إنني لا أطيق بالمرة طريقتهم في تصعير خدهم وانتفاخهم، وكنتُ أسمعهم يتنطعون: " هم م، هم م، نحن أنسباء السلطان، تنحّ عن طريقنا!". لقد كانوا يسرحون ويمرحون ذهاباً وإياباً بذات الطريقة في التسيب التي أهلكت البلد، هذا التسيب الذي انتشر في ظل العولمة ليعم أرجاء المعمورة. وكانوا يتكلمون وهم يتصايحون بالطريقة نفسها ليزيد بعضهم صمم بعض خطورة واستفحالاً. وإذا قاموا يغنّون أو يصوفرون أو يدمدمون أو يبكون أو يتخاصمون أو يهنئ بعضهم بعضاً، أو يخرّبون أو يبالغون في الاندفاع، فإنهم يفعلون ذلك بطريقتهم المعهودة، بلا زيادة أي شيء جديد أو مخالف. فقد يجد المرء ألف نقيصة ونقيصة في حصيلة عملهم، ولكن كل ذلك لا يهمّ، فأفعالهم يندى لها الجبين ومعروفة لدى العام والخاص، ومع ذلك أرى أنهم يبتسمون فوق اللزوم، هل ثمة سبب، ولو سبب واحد فقط، يجعلهم يبتهجون للانحطاط؟ وهل ثمة حجة، حجة واحدة، مهما تكن بسيطة، يمكن أن تفسر المسخرة التي تجعلهم يختالون كالطواويس في عملهم وهم لا يؤدونه إلا مبتوراً وبصورة رديئة؟ وأتساءل أحياناً عن أي جرم حقيقي اقترفوه كي يبدوا بهذا الشكل البريء إلى حد البلاهة.
صفحة 9
إن ما يدعو إلى الحيرة هو الخجل الذي يلازمني حيثما حللتُ ورحلتُ، وأخجل من أنّ الناس لا يخجلون بسبب عاهاتهم كما أخجل أنا من عاهاتي. عاهاتهم ظاهرة على وجوههم إلى درجة تنسينا أن نلاحظ أن لهم أنوفاً. لهذا يجب أن أذهب إلى الطبيب النفساني وأطرح عليه الموضوع.
أشعر أن اليوم سيكون طويلاً، وعليّ أن أزور الأطفال، وهم يعرفون الكوميديا ويدركون أنها ليست مرادفة للنفاق.
إن رأسي يغلي ويفور، العرق يغمرني، ولكن ما هو أخطر هو أني أشعر بشيء ما يتحرك في أحشائي. هل أنا حامل؟ ممّن؟ وأنّى لي هذا؟ هل هو الروح القدس؟ أم واحد من كوكب خارج الأرض؟ وتملكتني الأفكار السوداء، وبدأت أحس فعلاً أنني سأقتل أحداً لأن أعصابي توترت.
أين ذهبت المغتربة؟ إنها لا تدري أين تذهب، والجزائر لن تتأخر في استدراجها إلى جنونها، وهلاكها هذه المرة لن يكون بعده هلاك. إن الجميع يتصايحون على البنات وما أدراك ما البنات، وكل يوم يزداد الصياح وترتفع الجلبة. وأول سائق عربة قديمة سيأخذها إلى مختلاه، إذ إنَّ الرعاديد لهم طريقتهم الخاصة في السبي حيث يُصاب المرء بسببها بالغثيان، وهي بكل بساطة: "تركبين أو أدهسك!" إنها مجرد طفلة، غريبة الديار، سائحة، ولا يساورها الشك في أدنى شيء، وترتبط بأي شخص بكل سهولة. وما أدراها في وهران بمكائد الجزائر العاصمة؟ هناك، كل يغني بؤسه، مع الرّاي ويا رايي، أما هنا فالرهان إما على الخالص وإما على الضعف. وهل ما في مشيتها وتسريحة شعرها، وابتسامتها كالغادة غير القابلة للتهذيب والإصلاح، وعطرها، وربطة عنقها الغريبة ما يوحي بأن فيها من علامات حسن الخلق الإسلامي؟ تبّاً لها، لا ينبغي لها أن تحاول القيام بدور نجمة سينما صغيرة لمّا يكون الدين في حالة ثورة!
أمضيتُ النهار كله وأنا أتظاهر بالعمل. كنت أقوم بتعذيب ذاتي وفكري، وتصورتُ حدوث ما لا تحمد عقباه، وذلك ما كان محتملاً حدوثه أكثر من أي شيء آخر. وكنت أتمنى ألا أكون قد سمّمت أي طفل أثناء العمل، فهم شاردو الذهن دوماً ويمكن أن يبتلعوا كل ما يعطى لهم. كنت أستشيط غيظاً وأجول بفكري في شوارع العاصمة متخلية عن الأماكن التي فكرت بارتيادها لو كنت ألبس الطماق العالي المتصل بالساق الذي كانت تلبسه شريفة، إذ لا جدوى في استذكار المواضع التي اعتدنا ارتيادها في أيام شبابنا، فتلك حكاية منسية. ماذا بقي من مكان فيه جاذبية؟ حي البريد المركزي بجموعه الحاشدة الهائمة على وجهها وبقاعات الشاي المنغلقة التي كانت شراكاً حقيقية لاصطياد البنات، بقي محل آخر فيه جاذبية، إنه مقام الشهيد بمحالّه التي تملّى بالنظر إليها طوال النهار وبحدائقه المعلقة؛ كان المقام محج أبناء الذوات الذين كانوا يُسْتتبعون بصغار الحسّاد ومتسكعي ضواحي العاصمة. وفي مثل هذه المسائل، تكون الخطورة في الموكب وليس في العروسة، ولم يبق إلا نادي الصنوبر الشهير الذي بني على الأرض السابقة للمزرعة لأغنى معمّر عرفه التاريخ، لوسيان بورجو، حيث صار يقيم بارونات النظام ضمن اختلاط جهنمي وتحت حراسة مشددة، وما يحدث بداخله خليق بأن يستنفر شرطة العالم قاطبة، أما بالنسبة للطائشات الصغيرات فهو ضيعة المشاهير وهن مستعدات للارتماء في أحضانه مغمضات العيون؛ إن التعاسة تحدق بهن من كل جانب وهن لا يفكرن إلا في السهرات والحفلات والمفاجآت. أما الفنادق الكبرى فلقد استحوذت عليها المحترفات اللاتي نصّبتهن فيها المنظمة، ولكن شريفة في هيئتها الشامخة يمكن أن يُنْظر إليها على أنها فتاة طاهرة لا يشق لها غبار. أما الشيوخ المتربصون على مقاعدهم الوطيئة فإنهم مستعدون لدفع الغالي والنفيس فقط من أجل عضة واحدة لروم أذنها؛ إن لهم طريقة في الابتسام للفتيات الجميلات والفتيان الملحاء كفيلة بتنويم الحية ذات الأجراس. إن جنس الغواني يجعل هؤلاء الخنازير يحمحمون، إني أكرههم!
"يا لامية! يا هذه، انتظري!"
هذا الصوت ليس غريباً عني، إنه، هو، مراد، أحد الزملاء، وهو الفتى الغريب الأطوار في المصلحة الذي يعمل في قسم مرضى السرطان ولعل ذلك أثّر عليه إلى حد ما. إنه الوحيد الذي لا يفكر في الهجرة، ليس لقلة الكفاءة أو الشجاعة بل لأنه فقد القدرة على ذلك. إنني استلطفه. وفي مرة من المرات حاول أن يستغويني ثم سرعان ما عدل عن الموضوع نهائياً. إن المسكين مدمن على تناول الكحول ومن النوع الشديد، فهو يحتسي الأقداح كالشاحنات في محطة الوقود، ومع ذلك يظل شخصاً مرهف الإحساس وصاحب ذوق. إن له قدح الفلسفة، وهو لا يقوى على إيذاء بعوضة، يا له من تعيس، فلا امرأة واحدة ترغب في الارتباط به، وها هو يكاد يوشك على إتلاف كبده من كثرة احتساء الخمر. في البداية، كنت أعتقد أنه يشرب الخمر بإسراف لتحسين صورة الشخص المتقزز والضجران فيه. ولم يكن يتقاعس في تحذير الشباب من مغبة الإدمان وينفجر ضاحكاً في وجه كل متملق دنيء. وهكذا تطور مع مرور الزمن وصار يتحدى كل الحواجز ولا يكلّ عن تشجيع كل فتى طموح على بذل كل ما يستطيع من جهد في سبيل النجاح. أتى إليّ مخاتلاً بعدما استلمتُ الوظيفة من مدير المستشفى بنزوة منه حيث كلفني بمباشرة مهامي على الفور، وقال لي بعدما تفحصني ملياً من قمة رأسي إلى أخمص قدمي وكأنه جهاز سكانير، وخبر معدني: "اسمعي يا صبية، أنت جميلة ومليحة، ولكن سأكلمك في ذلك في وقت لاحق. عليك في الوقت الحاضر أن تحترسي وتنظري حيث تضعين قدميك. إنك في ساحة الحرب، وهذا المستشفى مزروع بالألغام من أعلاه إلى أدناه. إذا كنت في حاجة إلى النصح فتعالي إليَّ خلسة وبعيداً عن الأنظار. والآن عليك أن تتأملي نصيحتي هذه التي أسديها لك: لا تبالغي في الاندفاع ولا تركني إلى الخمول.
وذهب في حال سبيله واضعاً يديه في جيبيه. لقد كان مثيراً للضحك حقاً. إن الرجال كلهم أخسّاء، فكلما حاولت المرأة أن تتقن عملها رأوا فيها إما الاندفاع وإما التكاسل.
كاشفته بأفكاري، حدّثته عن شريفة وعن نزواتها وهروبها من البيت، وعن البلبلة التي كنت فيها وخجلي من نفسي. فَهِم المسألة بسرعة، فهناك الوقائع التي نراها في تسلسلها المنطقي ولكن هناك العواطف الدفينة والمكبوتة في أعماق النفس. وبصراحة، كنت أخشى حدوث ما لا تحمد عقباه. وقبل أن يرد عليّ ظل مطبقاً يمط شفتيه ثم أوجز أفكاره:
أشعر أن اليوم سيكون طويلاً، وعليّ أن أزور الأطفال، وهم يعرفون الكوميديا ويدركون أنها ليست مرادفة للنفاق.
إن رأسي يغلي ويفور، العرق يغمرني، ولكن ما هو أخطر هو أني أشعر بشيء ما يتحرك في أحشائي. هل أنا حامل؟ ممّن؟ وأنّى لي هذا؟ هل هو الروح القدس؟ أم واحد من كوكب خارج الأرض؟ وتملكتني الأفكار السوداء، وبدأت أحس فعلاً أنني سأقتل أحداً لأن أعصابي توترت.
أين ذهبت المغتربة؟ إنها لا تدري أين تذهب، والجزائر لن تتأخر في استدراجها إلى جنونها، وهلاكها هذه المرة لن يكون بعده هلاك. إن الجميع يتصايحون على البنات وما أدراك ما البنات، وكل يوم يزداد الصياح وترتفع الجلبة. وأول سائق عربة قديمة سيأخذها إلى مختلاه، إذ إنَّ الرعاديد لهم طريقتهم الخاصة في السبي حيث يُصاب المرء بسببها بالغثيان، وهي بكل بساطة: "تركبين أو أدهسك!" إنها مجرد طفلة، غريبة الديار، سائحة، ولا يساورها الشك في أدنى شيء، وترتبط بأي شخص بكل سهولة. وما أدراها في وهران بمكائد الجزائر العاصمة؟ هناك، كل يغني بؤسه، مع الرّاي ويا رايي، أما هنا فالرهان إما على الخالص وإما على الضعف. وهل ما في مشيتها وتسريحة شعرها، وابتسامتها كالغادة غير القابلة للتهذيب والإصلاح، وعطرها، وربطة عنقها الغريبة ما يوحي بأن فيها من علامات حسن الخلق الإسلامي؟ تبّاً لها، لا ينبغي لها أن تحاول القيام بدور نجمة سينما صغيرة لمّا يكون الدين في حالة ثورة!
أمضيتُ النهار كله وأنا أتظاهر بالعمل. كنت أقوم بتعذيب ذاتي وفكري، وتصورتُ حدوث ما لا تحمد عقباه، وذلك ما كان محتملاً حدوثه أكثر من أي شيء آخر. وكنت أتمنى ألا أكون قد سمّمت أي طفل أثناء العمل، فهم شاردو الذهن دوماً ويمكن أن يبتلعوا كل ما يعطى لهم. كنت أستشيط غيظاً وأجول بفكري في شوارع العاصمة متخلية عن الأماكن التي فكرت بارتيادها لو كنت ألبس الطماق العالي المتصل بالساق الذي كانت تلبسه شريفة، إذ لا جدوى في استذكار المواضع التي اعتدنا ارتيادها في أيام شبابنا، فتلك حكاية منسية. ماذا بقي من مكان فيه جاذبية؟ حي البريد المركزي بجموعه الحاشدة الهائمة على وجهها وبقاعات الشاي المنغلقة التي كانت شراكاً حقيقية لاصطياد البنات، بقي محل آخر فيه جاذبية، إنه مقام الشهيد بمحالّه التي تملّى بالنظر إليها طوال النهار وبحدائقه المعلقة؛ كان المقام محج أبناء الذوات الذين كانوا يُسْتتبعون بصغار الحسّاد ومتسكعي ضواحي العاصمة. وفي مثل هذه المسائل، تكون الخطورة في الموكب وليس في العروسة، ولم يبق إلا نادي الصنوبر الشهير الذي بني على الأرض السابقة للمزرعة لأغنى معمّر عرفه التاريخ، لوسيان بورجو، حيث صار يقيم بارونات النظام ضمن اختلاط جهنمي وتحت حراسة مشددة، وما يحدث بداخله خليق بأن يستنفر شرطة العالم قاطبة، أما بالنسبة للطائشات الصغيرات فهو ضيعة المشاهير وهن مستعدات للارتماء في أحضانه مغمضات العيون؛ إن التعاسة تحدق بهن من كل جانب وهن لا يفكرن إلا في السهرات والحفلات والمفاجآت. أما الفنادق الكبرى فلقد استحوذت عليها المحترفات اللاتي نصّبتهن فيها المنظمة، ولكن شريفة في هيئتها الشامخة يمكن أن يُنْظر إليها على أنها فتاة طاهرة لا يشق لها غبار. أما الشيوخ المتربصون على مقاعدهم الوطيئة فإنهم مستعدون لدفع الغالي والنفيس فقط من أجل عضة واحدة لروم أذنها؛ إن لهم طريقة في الابتسام للفتيات الجميلات والفتيان الملحاء كفيلة بتنويم الحية ذات الأجراس. إن جنس الغواني يجعل هؤلاء الخنازير يحمحمون، إني أكرههم!
"يا لامية! يا هذه، انتظري!"
هذا الصوت ليس غريباً عني، إنه، هو، مراد، أحد الزملاء، وهو الفتى الغريب الأطوار في المصلحة الذي يعمل في قسم مرضى السرطان ولعل ذلك أثّر عليه إلى حد ما. إنه الوحيد الذي لا يفكر في الهجرة، ليس لقلة الكفاءة أو الشجاعة بل لأنه فقد القدرة على ذلك. إنني استلطفه. وفي مرة من المرات حاول أن يستغويني ثم سرعان ما عدل عن الموضوع نهائياً. إن المسكين مدمن على تناول الكحول ومن النوع الشديد، فهو يحتسي الأقداح كالشاحنات في محطة الوقود، ومع ذلك يظل شخصاً مرهف الإحساس وصاحب ذوق. إن له قدح الفلسفة، وهو لا يقوى على إيذاء بعوضة، يا له من تعيس، فلا امرأة واحدة ترغب في الارتباط به، وها هو يكاد يوشك على إتلاف كبده من كثرة احتساء الخمر. في البداية، كنت أعتقد أنه يشرب الخمر بإسراف لتحسين صورة الشخص المتقزز والضجران فيه. ولم يكن يتقاعس في تحذير الشباب من مغبة الإدمان وينفجر ضاحكاً في وجه كل متملق دنيء. وهكذا تطور مع مرور الزمن وصار يتحدى كل الحواجز ولا يكلّ عن تشجيع كل فتى طموح على بذل كل ما يستطيع من جهد في سبيل النجاح. أتى إليّ مخاتلاً بعدما استلمتُ الوظيفة من مدير المستشفى بنزوة منه حيث كلفني بمباشرة مهامي على الفور، وقال لي بعدما تفحصني ملياً من قمة رأسي إلى أخمص قدمي وكأنه جهاز سكانير، وخبر معدني: "اسمعي يا صبية، أنت جميلة ومليحة، ولكن سأكلمك في ذلك في وقت لاحق. عليك في الوقت الحاضر أن تحترسي وتنظري حيث تضعين قدميك. إنك في ساحة الحرب، وهذا المستشفى مزروع بالألغام من أعلاه إلى أدناه. إذا كنت في حاجة إلى النصح فتعالي إليَّ خلسة وبعيداً عن الأنظار. والآن عليك أن تتأملي نصيحتي هذه التي أسديها لك: لا تبالغي في الاندفاع ولا تركني إلى الخمول.
وذهب في حال سبيله واضعاً يديه في جيبيه. لقد كان مثيراً للضحك حقاً. إن الرجال كلهم أخسّاء، فكلما حاولت المرأة أن تتقن عملها رأوا فيها إما الاندفاع وإما التكاسل.
كاشفته بأفكاري، حدّثته عن شريفة وعن نزواتها وهروبها من البيت، وعن البلبلة التي كنت فيها وخجلي من نفسي. فَهِم المسألة بسرعة، فهناك الوقائع التي نراها في تسلسلها المنطقي ولكن هناك العواطف الدفينة والمكبوتة في أعماق النفس. وبصراحة، كنت أخشى حدوث ما لا تحمد عقباه. وقبل أن يرد عليّ ظل مطبقاً يمط شفتيه ثم أوجز أفكاره:
صفحة 10
"إنك تحبينها، هذه البنت، أليس كذلك! لماذا قمت بطردها إذن؟ على كل، هذه هي المرأة، ليست واضحة أبداً وإلا فإن وراء الأكمة ما وراءها. لا ينبغي لك أن تبحثي عنها في تلك الأماكن، فمقام الشهيد والقصور ونادي الصنوبر مخصصة للأكابر من العيار الثقيل. وزيادة على ذلك، يجب أن تعطي المنظمة الضوء الأخضر للدخول إليها. أما البريد المركزي فلا أفكر فيه، هناك تناقش الاتفاقات مع الرعاع من السرّاق والنسبة ليست عالية في مجال الربح. ثم إن البنت حامل ولذلك فهي ستتصرف على هذا الأساس. حاولي أن تبحثي عنها في محطات الحافلات والقطارات أو في الأحياء الجامعية للبنات. في الحالة الأولى سوف تهاجر إلى مدينة أخرى، وهنا في رأيي، يمكنك أن تشرعي في الحداد عليها. إن الجزائر العميقة هي نهاية العالم. وفي الحالة الثانية ستجدينها تفتش عن معونة وهي تعتقد أن البنات سيتضامنَّ معها في هذه الحالة. باختصار، وأنت تفهمين طبعاً، إنها تبحث عن غرفة تأويها وبعض الحنان من أنثى مثلها".
- المحطات، يمكنني البحث فيها، لا توجد ألف، بل لا توجد حتى خمس. أما الأحياء الجامعية فكم يبلغ عددها؟ لا أستطيع أن أطرق كل الأبواب باباً باباً وأسأل في كل مرة: هل شريفة لديكم؟
- كلا، عليك فقط أن تبلغي الرسالة إلى بنت من البنات وتنتظري. سيأتيك الرد بعد أربع وعشرين ساعة من أي طالبة تقع عليها يدك. إنهن يشعن في ما يشبه الحولجة، إنهن عبارة عن شبكة، وأنت نفسك عرفت هذا، تذكري، ولكن في زماننا كان للميز الجنسي طابعٌ ثوريٌ، كان يمكنكن تنظيم تجمعاتكن وتحرير بياناتكن. أما الآن فلقد أصبحنا مجانين حقيقيين، ولا مزاح في أمور الدين، واحذري أن تثيري في نفوس المسكينات الذعر، فكل واحدة منهن تخفي شيئاً ما، فكرة أو حلماً أو حباً عابراً أو طريقة معينة بل وحتى مشروع انتحار...
- أبسط شيء أقوم به هو الانتظار. ستعود، أنا متأكدة، ليس لها مكان آخر تذهب إليه.
- هذا رأيك. ولكنك لا شك تدركين إلى أي مدى يمكن أن يصل بنا الأمل هنا".
هذا الكلام سمعته. لا أعرف جزائرياً واحداً لا يتحدث عن الأمل مائة مرة في اليوم وهو قابع لا يبرح مكانه. كلا، لا أعرف ولو واحداً منهم. وأتساءل عن معنى هذه الكلمة أصلاً.
مررتُ بمحطة حسين داي قبل أن أرجع إلى البيت. قلتُ في نفسي، ابدأي من هذا المكان، ستجدينها في طريقك. كان الحشد هائلاً وكأنّ حشود العالم كله تنزل فيه. فمنهم سكان الضواحي والمشتركون في ركوب القطار أفواجاً أفواجاً، زوّاداتهم على أكتافهم ورؤوسهم مطأطأة، يمشون وهم وجوم، وحالتهم تدعو إلى الرثاء. إنهم يذهبون إلى المصانع القديمة التي بُنيت في عهد الاشتراكية لتبتلعهم في الصباح وتلفظهم عند المساء بعد ثماني ساعات من السحق والجرش اللذين لا طائل من ورائهما. تراهم كأنهم خارجون لتوّهم من محتشدات الغولاغ للأعمال الشاقة في الاتحاد السوفييتي سابقاً، ولا ينتظرون إلا صافرة الإنذار للعودة إليها. ومن المفارقات أن الثورة الاقتصادية تجري في أماكن أخرى تحت إشراف الحواسيب والأقمار الصناعية وفي سكوت مطبق. إن من الأولى لهؤلاء الكادحين أن يعودوا إلى أهاليهم لمواساتهم، فلا سبيل إلى الإفلات من براثن البؤس وصندوق النقد الدولي في آن واحد. إن أُمّاً لا تستطيع أن تتعرف على فلذات كبدها في هذه الزحمة الخانقة. وشريفة، بقامتها القصيرة رغم كعب حذائها العالي، كيف لي أن أراها؟ وبينما كنت أقدّر الزمن الذي يستغرقه البحث في أرجاء المكان وصل القطار وكأنه خرج من جوف التاريخ. واهتزت الأرض لوقع الجلبة الجهنمية وغشي دخان كثيف نصف سماء الجزائر العاصمة. كيف تسنى لهذا الخلق أن يحتل مكانه بهذه السرعة المذهلة بحيث كانت كل العربات مكتظة إلى غاية المدارج؟ إنه سرّ وغموض. وكل هذا المنظر، والهدوء المطبق، والأيدي المخبأة في الجيوب، والزوّادات على الأرض ملقاة أمام الأرجل لم تكن إلا تمثيلية وصرفاً للأنظار. إن لهؤلاء المساكين من معتادي البؤس طريقة في المراوغة تتجاوز حدود المعقول. فهم ينضحون زمراً زمراً في لمح البصر ويستطيعون أن يتسللوا بالعشرات في ثغرة لا تمرّ منها يد واحدة إلا مبسوطة ولو كانت بقفاز. إنني لم أتمكن من استرجاع أنفاسي حتى وجدت نفسي وحيدة على الرصيف يعتريني الإحساس الرهيب بأني ضيّعتُ آخر قطار السنة. وفي تلك اللحظة تقدم مني شخص تبدو عليه النقمة ويلوح منه التذمر، كان يرتدي قبعة، وهو كسيح، وقال لي بنبرة هادئة: "لا بأس، سيدتي، سيأتي قطار السادسة وسبع وثلاثين، ولكن عليك أن تندفعي بقوة، إنه وقت انتهاء دوام العمال". كان هو رئيس المحطة، وكان عليّ أن أصدقه. شكراً. وهرولتُ مسرعة. لو كانت شريفة في هذه المحطة فلا حظ لي في أن أراها أبداً، سوف تتلقفها حشود تلو حشود إلى أن يشاء الله.
كيف يكون الوضع في أوساط الطلبة، يا ترى؟ إنهم يُنقلون في الحافلات بين الكليات والأحياء الجامعية وكأنهم في فسحة. كم عدد الذين يسيحون في شوارع العاصمة؟ لست أدري، فكل شيء ينمو كالفطريات في هذه المدينة المتحجرة. إنهم موجودون في كل مكان وتعج بهم الأرض حتى ضاقت. وتساءلتُ: ماذا ينقلون في الواقع؟ البنون بلحى والبنات بحجاب، هم لا يتكلمون وهنّ لا يحرّكن ساكناً. أما السائقون فيشغّلون الحافلات وكأنهم مسيَّرون بتعليمات سرية إذ لا يوجد في المنظر كله ما يوحي بجو طلابي. في زماننا، كانت حافلاتنا تلفت الأنظار، كانت عبارة عن خردة روسية أكلها الصدأ حتى بلغ حتار العجلات، وكانت تدخن من كل المنافذ كأنها سيجار مبلل؛ كنّا نغني نشيد القَسَم ونشيد الأممية الاشتراكية والفارّ من الخدمة ونبصق على البرجوازيين وعلى خدمهم وندفع بسائقي السيارات إلى التهلكة لما نريهم من نهودنا الحلمات أو عندما كنا نتظاهر بتسجيل أرقام سياراتهم ونوهمهم بالإشارات بأننا سنبلغ عنهم المخابرات. كان زماناً آخر وكانت سلوكيات أخرى.
كان رجوعي إلى البيت شاقاً ومنهكاً. دلفتُ أجرّ قدميّ جراً وروحي تكاد تخرج مني. بدا لي الحي منفراً ووسخاً، وتلك كانت حالته الطبيعية أصلاً. أما البيت ، بيتي، فاستقبلني ببرودة. كنت في حاجة إلى كل هذا الجو. فأنا أحب هذه الأوقات المكفهرة، والأجواء بين بين، شيء من الشمس وشيء من القمر، نهار أفل وليل أقبل. يأتي الانفراج ويبعث الأمل، ونجد أنفسنا تختلج أمام أبوابنا، وأحياناً تختلط علينا المفاتيح لفرط تلهفنا على اجتياز الحدود. لقد فرغنا من ذلك العالم وها نحن في جحرنا حيث ننزع سترتنا ونخلد للراحة. أحياناً تشغل ساعتنا الداخلية أو يُحرك ملاكنا الحارس في داخل ذاتنا توجيهاً مدهشاً وإذا بنا ننطلق في الحلم كما يحلم الأطفال، ولا تكون السعادة في مثل هذا الحرمان التام إلا هذا الجو الذي نحلم فيه. عند ذلك نبدأ بالاسترخاء ونقوم على هذه الوتيرة بأشغال البيت أو ترقيع ما يمكن ترقيعه، أو نعمل على ترتيب حالنا بتردد، أو نستحم إذا حضر الماء، ونتكلم في الهاتف إذا رجعت الحرارة، أو نجلس أمام التلفزيون إذا عادت الكهرباء، أو نستلقي على الفراش أو نقرأ كتاباً أو نشرع في الطبخ أو سقي النباتات ورش بودرة مبيد النمل، أو نجلس لنحبك سترة التريكو. وفي بعض الأمسيات يكون مسك رأسنا بملء يدينا على ركبتينا الحركة الوحيدة التي تراودنا. فالحياة غائبة ولا جدوى من الحركة.
ماذا يقول هذا المراد... رقة الأنوثة؟ وهو الذي لا يفقه شيئاً في الموضوع، وأنا، من أكون؟ دب أم صخرة أم آلة؟ ماذا يعرف عني؟ وماذا يعرف عن النساء؟ عجباً، إنه رجل، والرجال آخر من يعلم. ولا شك أنه يتصور بأن الرقة الذكرية موجودة. يا له من عاطفي!
هل أصدق ما أرى... هناك، معلقاً على مشجب المعاطف في البهو؟ بلى، إنها كنزة بلوفر وردية اللون رقطاء وعليها ورود من الشيفون الأزرق مخيطة ببساطة على واقية الصدر! إن لم تكن هذه الكنزة لي، وأنا متأكدة من ذلك، فإنها تكون لشريفة لا محالة. مممفف.. مممفف.. إنها تشع برائحة البلوتنيوم التي كانت تتعطر بها. وفي جولة قصيرة بالبيت جمعتُ مما تركت، لباس سترينغ ذي الخيط الرفيع في مغطس الحمام، وعقد زجاجي على منضدة المطبخ، ومنديل تحت الهاتف، وعلبة بودرة بجوار التلفزيون، وقلم كحل في المزهرية، وزوج من المشاية معلقاً بمسمار في الردهة، وطاقية إفريقية مشدودة بمقبض باب المرحاض. إن هذه البنت عبارة عن آلة بذر. ومن الصعب جداً ألا تسترعي الانتباه في أي فيلم بوليسي. أين هي في هذه الساعة؟ وإذا لم تعد لاسترجاع أغراضها فإنها تكون قد ضاعت لا محالة. لا، إن البنت المغناج يهمها كنزها وستعمل على استرداده، إن هذا كل ما تملك.
- المحطات، يمكنني البحث فيها، لا توجد ألف، بل لا توجد حتى خمس. أما الأحياء الجامعية فكم يبلغ عددها؟ لا أستطيع أن أطرق كل الأبواب باباً باباً وأسأل في كل مرة: هل شريفة لديكم؟
- كلا، عليك فقط أن تبلغي الرسالة إلى بنت من البنات وتنتظري. سيأتيك الرد بعد أربع وعشرين ساعة من أي طالبة تقع عليها يدك. إنهن يشعن في ما يشبه الحولجة، إنهن عبارة عن شبكة، وأنت نفسك عرفت هذا، تذكري، ولكن في زماننا كان للميز الجنسي طابعٌ ثوريٌ، كان يمكنكن تنظيم تجمعاتكن وتحرير بياناتكن. أما الآن فلقد أصبحنا مجانين حقيقيين، ولا مزاح في أمور الدين، واحذري أن تثيري في نفوس المسكينات الذعر، فكل واحدة منهن تخفي شيئاً ما، فكرة أو حلماً أو حباً عابراً أو طريقة معينة بل وحتى مشروع انتحار...
- أبسط شيء أقوم به هو الانتظار. ستعود، أنا متأكدة، ليس لها مكان آخر تذهب إليه.
- هذا رأيك. ولكنك لا شك تدركين إلى أي مدى يمكن أن يصل بنا الأمل هنا".
هذا الكلام سمعته. لا أعرف جزائرياً واحداً لا يتحدث عن الأمل مائة مرة في اليوم وهو قابع لا يبرح مكانه. كلا، لا أعرف ولو واحداً منهم. وأتساءل عن معنى هذه الكلمة أصلاً.
مررتُ بمحطة حسين داي قبل أن أرجع إلى البيت. قلتُ في نفسي، ابدأي من هذا المكان، ستجدينها في طريقك. كان الحشد هائلاً وكأنّ حشود العالم كله تنزل فيه. فمنهم سكان الضواحي والمشتركون في ركوب القطار أفواجاً أفواجاً، زوّاداتهم على أكتافهم ورؤوسهم مطأطأة، يمشون وهم وجوم، وحالتهم تدعو إلى الرثاء. إنهم يذهبون إلى المصانع القديمة التي بُنيت في عهد الاشتراكية لتبتلعهم في الصباح وتلفظهم عند المساء بعد ثماني ساعات من السحق والجرش اللذين لا طائل من ورائهما. تراهم كأنهم خارجون لتوّهم من محتشدات الغولاغ للأعمال الشاقة في الاتحاد السوفييتي سابقاً، ولا ينتظرون إلا صافرة الإنذار للعودة إليها. ومن المفارقات أن الثورة الاقتصادية تجري في أماكن أخرى تحت إشراف الحواسيب والأقمار الصناعية وفي سكوت مطبق. إن من الأولى لهؤلاء الكادحين أن يعودوا إلى أهاليهم لمواساتهم، فلا سبيل إلى الإفلات من براثن البؤس وصندوق النقد الدولي في آن واحد. إن أُمّاً لا تستطيع أن تتعرف على فلذات كبدها في هذه الزحمة الخانقة. وشريفة، بقامتها القصيرة رغم كعب حذائها العالي، كيف لي أن أراها؟ وبينما كنت أقدّر الزمن الذي يستغرقه البحث في أرجاء المكان وصل القطار وكأنه خرج من جوف التاريخ. واهتزت الأرض لوقع الجلبة الجهنمية وغشي دخان كثيف نصف سماء الجزائر العاصمة. كيف تسنى لهذا الخلق أن يحتل مكانه بهذه السرعة المذهلة بحيث كانت كل العربات مكتظة إلى غاية المدارج؟ إنه سرّ وغموض. وكل هذا المنظر، والهدوء المطبق، والأيدي المخبأة في الجيوب، والزوّادات على الأرض ملقاة أمام الأرجل لم تكن إلا تمثيلية وصرفاً للأنظار. إن لهؤلاء المساكين من معتادي البؤس طريقة في المراوغة تتجاوز حدود المعقول. فهم ينضحون زمراً زمراً في لمح البصر ويستطيعون أن يتسللوا بالعشرات في ثغرة لا تمرّ منها يد واحدة إلا مبسوطة ولو كانت بقفاز. إنني لم أتمكن من استرجاع أنفاسي حتى وجدت نفسي وحيدة على الرصيف يعتريني الإحساس الرهيب بأني ضيّعتُ آخر قطار السنة. وفي تلك اللحظة تقدم مني شخص تبدو عليه النقمة ويلوح منه التذمر، كان يرتدي قبعة، وهو كسيح، وقال لي بنبرة هادئة: "لا بأس، سيدتي، سيأتي قطار السادسة وسبع وثلاثين، ولكن عليك أن تندفعي بقوة، إنه وقت انتهاء دوام العمال". كان هو رئيس المحطة، وكان عليّ أن أصدقه. شكراً. وهرولتُ مسرعة. لو كانت شريفة في هذه المحطة فلا حظ لي في أن أراها أبداً، سوف تتلقفها حشود تلو حشود إلى أن يشاء الله.
كيف يكون الوضع في أوساط الطلبة، يا ترى؟ إنهم يُنقلون في الحافلات بين الكليات والأحياء الجامعية وكأنهم في فسحة. كم عدد الذين يسيحون في شوارع العاصمة؟ لست أدري، فكل شيء ينمو كالفطريات في هذه المدينة المتحجرة. إنهم موجودون في كل مكان وتعج بهم الأرض حتى ضاقت. وتساءلتُ: ماذا ينقلون في الواقع؟ البنون بلحى والبنات بحجاب، هم لا يتكلمون وهنّ لا يحرّكن ساكناً. أما السائقون فيشغّلون الحافلات وكأنهم مسيَّرون بتعليمات سرية إذ لا يوجد في المنظر كله ما يوحي بجو طلابي. في زماننا، كانت حافلاتنا تلفت الأنظار، كانت عبارة عن خردة روسية أكلها الصدأ حتى بلغ حتار العجلات، وكانت تدخن من كل المنافذ كأنها سيجار مبلل؛ كنّا نغني نشيد القَسَم ونشيد الأممية الاشتراكية والفارّ من الخدمة ونبصق على البرجوازيين وعلى خدمهم وندفع بسائقي السيارات إلى التهلكة لما نريهم من نهودنا الحلمات أو عندما كنا نتظاهر بتسجيل أرقام سياراتهم ونوهمهم بالإشارات بأننا سنبلغ عنهم المخابرات. كان زماناً آخر وكانت سلوكيات أخرى.
كان رجوعي إلى البيت شاقاً ومنهكاً. دلفتُ أجرّ قدميّ جراً وروحي تكاد تخرج مني. بدا لي الحي منفراً ووسخاً، وتلك كانت حالته الطبيعية أصلاً. أما البيت ، بيتي، فاستقبلني ببرودة. كنت في حاجة إلى كل هذا الجو. فأنا أحب هذه الأوقات المكفهرة، والأجواء بين بين، شيء من الشمس وشيء من القمر، نهار أفل وليل أقبل. يأتي الانفراج ويبعث الأمل، ونجد أنفسنا تختلج أمام أبوابنا، وأحياناً تختلط علينا المفاتيح لفرط تلهفنا على اجتياز الحدود. لقد فرغنا من ذلك العالم وها نحن في جحرنا حيث ننزع سترتنا ونخلد للراحة. أحياناً تشغل ساعتنا الداخلية أو يُحرك ملاكنا الحارس في داخل ذاتنا توجيهاً مدهشاً وإذا بنا ننطلق في الحلم كما يحلم الأطفال، ولا تكون السعادة في مثل هذا الحرمان التام إلا هذا الجو الذي نحلم فيه. عند ذلك نبدأ بالاسترخاء ونقوم على هذه الوتيرة بأشغال البيت أو ترقيع ما يمكن ترقيعه، أو نعمل على ترتيب حالنا بتردد، أو نستحم إذا حضر الماء، ونتكلم في الهاتف إذا رجعت الحرارة، أو نجلس أمام التلفزيون إذا عادت الكهرباء، أو نستلقي على الفراش أو نقرأ كتاباً أو نشرع في الطبخ أو سقي النباتات ورش بودرة مبيد النمل، أو نجلس لنحبك سترة التريكو. وفي بعض الأمسيات يكون مسك رأسنا بملء يدينا على ركبتينا الحركة الوحيدة التي تراودنا. فالحياة غائبة ولا جدوى من الحركة.
ماذا يقول هذا المراد... رقة الأنوثة؟ وهو الذي لا يفقه شيئاً في الموضوع، وأنا، من أكون؟ دب أم صخرة أم آلة؟ ماذا يعرف عني؟ وماذا يعرف عن النساء؟ عجباً، إنه رجل، والرجال آخر من يعلم. ولا شك أنه يتصور بأن الرقة الذكرية موجودة. يا له من عاطفي!
هل أصدق ما أرى... هناك، معلقاً على مشجب المعاطف في البهو؟ بلى، إنها كنزة بلوفر وردية اللون رقطاء وعليها ورود من الشيفون الأزرق مخيطة ببساطة على واقية الصدر! إن لم تكن هذه الكنزة لي، وأنا متأكدة من ذلك، فإنها تكون لشريفة لا محالة. مممفف.. مممفف.. إنها تشع برائحة البلوتنيوم التي كانت تتعطر بها. وفي جولة قصيرة بالبيت جمعتُ مما تركت، لباس سترينغ ذي الخيط الرفيع في مغطس الحمام، وعقد زجاجي على منضدة المطبخ، ومنديل تحت الهاتف، وعلبة بودرة بجوار التلفزيون، وقلم كحل في المزهرية، وزوج من المشاية معلقاً بمسمار في الردهة، وطاقية إفريقية مشدودة بمقبض باب المرحاض. إن هذه البنت عبارة عن آلة بذر. ومن الصعب جداً ألا تسترعي الانتباه في أي فيلم بوليسي. أين هي في هذه الساعة؟ وإذا لم تعد لاسترجاع أغراضها فإنها تكون قد ضاعت لا محالة. لا، إن البنت المغناج يهمها كنزها وستعمل على استرداده، إن هذا كل ما تملك.