الإهداء
إلى روح والديّ محمد علي وآمنة…
إلى روح عمي الشهيد كمال…
إلى من أخلصوا لفلسطين…
إلى زوجتي التي صابرت معي…
تقديم
يتعرض هذا الكتاب لمرحلة مفصلية من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ، تعددت الكتابات عنها ، ولكن معظمها يدخل في إطار أدبيات أعدت للرأي العام ، والقليل منها يدخل ضمن الأعمال العلمية الأكاديمية ، ولذلك فإن عصام محمد علي عدوان كان موفقا في اختيار موضوع البحث ، وهو موضوع أصيل ومبتكر ، حشد له صاحبه طائفة من المصادر والمراجع ، مكنته من وضع خطة متماسكة لدراسته ، وبذل جهدا كبيرا في جمع مادته العلمية التي غطت كل فصول الدراسة ، ونجح إلى حد بعيد في توظيف المادة العلمية التي استقاها من مضانها الأولى في عرض الموضوع عرضا متكاملا ، متبعا منهج البحث التاريخي في كل مراحل الدراسة .
هذه المادة العلمية التي جمعها لم تسيطر عليه وإنما سيطر هو عليها ، وتملك ناصيتها ، وفصلّها تفصيلا منحه قدرة على تحليلها بأسلوب علمي لم يخرج عن الموضوعية .
على أن تنوع المصادر التي رجع إليها عصام ، وضعت مختلف وجهات النظر العربية أمام ناظريه فعرضها بأمانة علمية .
وتقف إصدارات حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في طليعة هذه المصادر ، وهي من مصادر الدرجة الأولى،وقد أثرت البحث بمادة علمية ضافية ، أبرزت بعد ربطها بمادة استقاها من مصادر أخرى ، حقائق التاريخ العسكري للثورة الفلسطينية ، وكشفت عن كثير من أسرارها ، خاصة وأن الباحث زود مصادره بالمردود العلمي لعدة مقابلات شخصية أجراها مع بعض المؤسسين للحركة .
ومن العوامل الإيجابية التي يتميز بها هذا العمل العلمي ، فضلا عن خطة البحث المتماسكة ، فإن عصام عدوان ربط بين فصول هذه الخطة ، كما ربط بين جزئيات الموضوع ، بمهارة فائقة تميزه عن كثيرين غيره من الباحثين المحدثين ، وهو الذي فاز برعاية مؤرخ قدير وبتوجيهاته ، إنه الدكتور عبد العزيز محمد عوض ، صاحب المكانة البارزة بين المؤرخين العرب .
وهكذا فإن هذا الكتاب يملأ فراغا في المكتبة العربية ، ونحن نهنئ عصام عليه ، ونتمنى له التوفيق في أبحاثه القادمة .
أ . د محمد عبد الرؤوف سليم
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس
تمهيد
هدفت هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) خلال لفترة (1958-1968) وهي الفترة التي سبقت سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية. وجاءت الدراسة في سبعة فصول.
تناول الفصل الأول الأحزاب والمؤسسات السياسية على الساحة الفلسطينية التي سبقت ظهور حركة فتح باعتبارها تشكل الأرضية التي انطلقت منها فتح، مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني، وجماعة الإخوان المسلمين، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، وحزب التحرير الإسلامي، والهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين، ورابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة. ثم تناولت الدراسة عوامل نشأة فتح: نكبة 1948 وآثارها، وغياب الفعل الفلسطيني، وتشتت القوى الفلسطينية بالحزبية، وتفريط الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية والتضييق على الفلسطينيين، وتقصير الإدارة المصرية في تحصين قطاع غزة، والتآمر الدولي على الفلسطينيين وقضيتهم، وتجربة الحركة الصهيونية، وتنامي أوضاع العدو، وبدء الثورة الجزائرية، وتجربة العمل الفدائي قبل عام 1956، وانصراف بعض الفلسطينيين نحو العمل والاستقرار في المنافي.
وتناول الفصل الثاني إرهاصات حركة فتح ونواتها في غزة والقاهرة ودمشق، ومشاركتها في العمل الفدائي (1954-1956) وبعض مواقفها السياسية (1954-1956) ثم الحديث عن اجتماعاتها التحضيرية كاجتماع غزة في عام 1954 واجتماع القاهرة في آذار/مارس 1956، واجتماع غزة في مارس عام 1957، واجتماع المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت في أيلول/سبتمبر 1958، وصولاً لكتابة "هيكل البناء الثوري" في عام 1962.
وتناول الفصل الثالث نتائج تقصي الباحث لعينة كبيرة من المنتمين لفتح حتى عام 1965، ودراسة السيرة الذاتية لعشرة من مؤسسي فتح هم : ، خليل الوزير، وسعيد المسحال، وعادل ياسين، وعبد الفتاح حمود، وعبد الله الدنان، وكمال عدوان، ومحمد النجار، ومحمود عباس، وياسر عرفت.
وتناول الفصل الرابع أهداف حركة فتح: التحرير، إقامة الدولة الديمقراطية، والمجتمع التقدمي، والمشاركة في بناء المجتمع العربي التقدمي الموحد، ومساندة الشعوب المضطهدة في التحرر وبناء السلام العالمي. وتمحورت وسائلها حول:الشخصية الفلسطينية، والحياد مع الأنظمة العربية، والسعي للوحدة الوطنية، والكفاح المسلح، وفهم الصهيونية وفضح أطماعها، ورفض المشاريع السلمية، والتعاون مع حركات التحرر العالمية.
وتناول الفصل الخامس تنظيم حركة فتح، وقواعد التنظيم العشرة، والنمو العددي للتنظيم والعقبات التي اعترضته. ثم الحديث عن العضوية: معناها ومستلزماتها وصفات وواجبات وحقوق العضو. وتناولت الدراسة نظام فتح المالي ومصادر تمويلها الخمسة: اشتراكات الأعضاء، وتبرعاتهم، ومشاريع الحركة الاقتصادية، والمعونات الشعبية والوطنية، ودعم الدول العربية والصديقة، الغير مشروطة.
وتناول الفصل السادس الكفاح المسلح لفتح، حيث حدد استراتيجيتها المتمثلة في أسلوب الحرب غير المباشر (العصابات والحرب الشعبية، وأهدافها من الكفاح المسلح، ومصادر التسليح، وقواعد التدريب، وتفاصيل الانطلاقة الأولى في 1/1/1965 مقدماتها والإعداد لها ومصداقيتها. ثم انطلاقتها الثانية (28/8-31/12/1967) وموعدها ومجرياتها وفشلها، ثم الحديث عن القاعدة الآمنة ومن ثم معركة الكرامة في 21/3/1967، وما أعقبها من تصاعد المد الثوري دون أن تحقق نصراً حاسماً على إسرائيل.
وتناول الفصل السابع خطة فتح للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم سيطرتها على الأغلبية في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابة وإدخالها تعديلات جوهرية على الميثاق القومي للمنظمة، وسيطرتها على اللجنة التنفيذية في شباط 1969. وتناولت الدراسة الخطوات الموازية التي ساهمت في تعزيز سيطرة فتح على منظمة التحرير مثل: تجاربها في الوحدة الوطنية، ومواقفها من الحلول السياسية كمشروع بورقيبة وقرار 242، وموقفها من الأنظمة العربية وحيادها، وتوسيعها دائرة الصراع مع العدو، وممارسة العمل الجماهيري والاجتماعي، وموقفها من هزيمة 1967، ودور إعلام فتح في الترويج لها.
مقدمة
عانى الشعب الفلسطيني بعد نكبة 1948 من ضياع الهوية الوطنية، واتجهت أنظار المتطلعين للتحرير، إلى الأحزاب الإسلامية والعربية والشيوعية، وانعقدت الآمال على الدول العربية لتحرير فلسطين وتخليص الفلسطينيين من معاناتهم، ومع تلاشي هذا السراب، أيقنت فئة من الشباب الفلسطيني أن العمل لفلسطين يجب أن يبدأ فلسطينياً وفي إطار شعبي وطني عريض.
ولما كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أول حركة فلسطينية نادت بالعمل فلسطينياً، إذ أنها تأسست في عام 1958، فقد رأيت إلقاء بعض الضوء على مراحل نشأة وتأسيس ونمو هذه الحركة التي تصدرت العمل الفلسطيني الشعبي ثم الرسمي منذ أوائل الستينات.
وقد وجدت أن الدراسات العلمية المتخصصة قليلة، فضلاً عن قصور بعضها عن تغطية مراحل حركة فتح منذ الجذور، كما أن معظم الكتابات والدراسات اتخذت من عام 1965 بداية للتأريخ للحركة، وهذا غمط لها، إذ إن البنيان لا يقوم بلا أساس، ولذلك عوّلت على دراسة الحركة منذ كانت فكرة وحتى سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية في شباط 1969، وقد حاولت الجمع بين أسلوب العرض والمناقشة، والتحليل كلما أمكن، مستهدفاً دراسة ملابسات نشأة الحركة وتأسيسها، والتعرف على بعض مؤسسيها، ودراسة فكرها وفعالياتها وتطورها وتقويم عملها السياسي والعسكري، ودراسة تطورها، فجاءت الدراسة في سبعة فصول:
بحث الفصل الأول في ظروف نشأة فتح، فتناول الحديث عن الأحزاب والمؤسسات السياسية التي سبقتها واستفادة فتح منها، ثم الحديث عن عوامل نشأة فتح.
وتناول الفصل الثاني الاجتماعات التحضيرية لمؤسسي فتح، وإرهاصات فتح ومشاركتها في العمل الفدائي وبعض مواقفها السياسية في مرحلة الجذور، ثم الحديث عن الاجتماعات التحضيرية وحتى الاجتماع التأسيسي في عام1958. وتحدث الفصل الثالث عن السيرة الذاتية لبعض مؤسسي فتح.
أما الفصل الرابع فقد تناول أهداف ووسائل الحركة من خلال نظامها الداخلي والتعليق عليه، كما تحدث الفصل الخامس عن التنظيم: هيكليته، وأجهزته، وقواعده، ونموه العددي، والعقبات التي اعترضته، وأزماته الداخلية؛ كما تناول الحديث عن التمويل ومصادره وتقنينه في هيكل الحركة.
وتحدث الفصل السادس عن الكفاح المسلح للحركة فتناول استراتيجيتها وتسليحها، وتدريبها، وانطلاقتها الأولى والثانية ومعركة الكرامة والتصاعد الثوري الذي تلاها.
وأخيراً، تحدث الفصل السابع عن سيطرة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية، وخطتها لتحقيق هذه السيطرة، ومراحل تنفيذها، ثم سيطرتها على أغلبية مقاعد المجلس الوطني في تموز 1968 ومن ثم السيطرة على اللجنة التنفيذية للمنظمة في شباط 1969، وعن دور إعلام حركة فتح في ترويجها.
وقد اعتمدت الدراسة على إصدارات حركة فتح على الرغم من أن هناك نقصاً ملحوظاً في وثائق الحركة نتيجة ضياع وتلف بعضها وبخاصة بعد تدمير إسرائيل لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وسرقته في عام 1982، وتشتت أوراق الحركة نتيجة تنقلاتها وتوزّع قادتها على بلدان عدة ، كما كان "لتقاليد السرية" المتبعة في المجتمعات العربية دورها في حجب بعض المعلومات. وفي سبيل تقصي الحقائق، لجأ الباحث إلى المقابلات الشخصية ،والاتصال الهاتفي ببعض المؤسسين، وقد أثرت بعض المقابلات والمكالمات هذه الدراسة، بينما امتنع البعض الآخر عن الإدلاء بتفاصيل حول بعض القضايا الهامة، ومع ذلك حاولت الدراسة اجتياز هذه العقبات بالرجوع إلى معظم الكتابات التي تناولت حركة فتح، لاسيما كتابات مؤسسيها.
وأخص بالذكر مخطوطة كمال عدوان التي سجل فيها أحداثاً وأفكاراً لنواة فتح في غزة وتناولت عوامل نشأة فتح وإرهاصاتها (1954-1957).
ولابد من أن أقدم شكري الخالص لكل من ساهم في توفير المعلومات لهذه الدراسة، وأخص بالذكر مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، ومكتبة مجلة فلسطين الثورة التي انتقل معظمها من قبرص إلى غزة، والسادة ناجي علوش ويحي حبش (صخر أبو نزار) وغالب الوزير ود.خالد الخالدي على ما قدموه من وثائق ومصادر، كما أشكر من تعاونوا معي في الإجابة على أسئلتي في المقابلات الشخصية والمكالمات الهاتفية والمراسلات.
ولا يسعني إلا أن أخص الزوجة الكريمة بالشكر الجزيل لما أبدته من عون ومساندة، واحتمال، كما أشكر الأساتذة من جامعة اليرموك الذين أعانوا الباحث وأسدوا إليه النصح والإرشاد.
ولا يفوتني أن أنوّه إلى أنني أفتح باب النقاش للرد والتوضيح والتعديل ومزيدا من التوثيق، أمام كل من يجد لديه ما يضيفه موثّقا أو مستندا إلى تجربة شخصية في الحركة.
والله ولي التوفيق
نشأة حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح
أدرك الشعب العربي في فلسطين منذ البداية أن هدف الانتداب البريطاني هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كما نص عليه تصريح بلفور. فكانت المظاهرات والإضرابات، والمؤتمرات، وتشكلت الأحزاب، ولجان العمل الوطني، ووقعت الاشتباكات مع الإنجليز واليهود على السواء ومن ثم تشكلت الخلايا العسكرية السرية (عصابات الكف الأخضر سنة 1929، عز الدين القسام منذ عام 1930، ومجموعة أبوجلدة سنة 1933)، والخلايا شبه العسكرية (النجادة والفتوة في منتصف الثلاثينيات). وكانت ثورة 1936، ثم كتائب الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني التي أعلنت الحرب على الإنجليز واليهود إثر صدور قرار التقسيم في 29/11/1947.
ولم تفلح جهود عرب فلسطين في مقاومة الانتداب والغزوة الصهيونية وحلت النكبة بعرب فلسطين عام 1948، وشرد منهم حوالي مليون لاجئ، على الرغم من تدخل الجيوش العربية عسكرياً، وفقد الشعب العربي الفلسطيني هويته حيث أصبح المقيمون منهم في الأرض المحتلة يحملون الجنسية الإسرائيلية ،وضمت معظم الأجزاء الباقية من فلسطين إلى المملكة الأردنية الهاشمية وحملوا الجنسية الأردنية، بينما احتفظت مصر بحق إدارة قطاع غزة مبقية على هويتهم الفلسطينية بموجب وثيقة سفر.
وأجهضت محاولة الحاج أمين الحسيني في إقامة حكومة عموم فلسطين ،مما شكل دافعاً قوياً لنشوء حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)([1]) أواخر الخمسينات، مستفيدة من عجز الأنظمة العربية عن تحرير فلسطين، في اجتذاب بعض الفلسطينيين إليها سواء داخل ما تبقى من فلسطين أو في البلاد العربية.
وتعتبر دراسة الأحزاب والمؤسسات السياسية على الساحة الفلسطينية التي سبقت تأسيس حركة فتح خلال الفترة (1948- 1958)، ذات علاقة وطيدة بنشأة فتح وتبلورها، فقد وفرت هذه الأحزاب والمؤسسات السياسية البيئة المناسبة لظهور الأفكار الثورية الوطنية التي دعت إليها فتح، حيث انطلقت أفكارها قريباً أو بعيداً من أفكار وتوجهات تلك الأحزاب والمؤسسات السياسية، فجاءت استكمالاً لها أو تشديداً على بعض مفرداتها فيما يتعلق بالشخصية الفلسطينية والعمل الثوري. كما كان للصراع بين تلك الأحزاب أثره في سعي مؤسسي فتح للعمل على تشكيل تنظيم شعبي عريض يتسع لكل وطني حر. وسنتناول في هذا الفصل الأحزاب والمؤسسات السياسية وفق تسلسلها التاريخي، ومن ثم عوامل نشأة فتح.
أولاً: الأحزاب والحركات السياسية على الساحة الفلسطينية 1948-1958:
1- الحزب الشيوعي الفلسطيني:-
أسسه مستوطنون يهود في عام 1923، واعترفت به الأممية الشيوعية في عام 1924، وبسبب طغيان العنصر اليهودي عليه، انفصل الأعضاء العرب ليؤسسوا (عصبة التحرر الوطني) في مدينة حيفا في ربيع 1943([2]). وفي عام 1946 نشرت العصبة برنامجها السياسي، الذي اعتبر أن حل المسألة الفلسطينية يتم بتصفية الانتداب البريطاني وجلاء الجيوش البريطانية وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية تؤمن الحقوق للعرب واليهود([3]).
لكن العصبة تراجعت عن برنامجها الداعي لإقامة دولة فلسطينية على كامل أرض فلسطين، باعترافها بقرار التقسيم في أواسط كانون أول/ ديسمبر 1947 ومطالبتها بتنفيذه معتبرة التدخل العسكري العربي في عام 1948: غزواً خارجياً لفلسطين([4]).
وإثر الحرب في عام 1948 تشتت تنظيم العصبة، فمن بقي منهم تحت الاحتلال الإسرائيلي انضم للحزب الشيوعي الإسرائيلي ،ومن استقر منهم في الضفة الغربية اشترك مع شيوعيي الأردن في تأسيس الحزب الشيوعي الأردني في عام 1951، أما من استقر منهم في قطاع غزة، فشكلوا قيادة خاصة بهم في عام 1949 التحقت بقيادة العصبة ،المركزية في الضفة الغربية([5]).
وفي اجتماع العصبة الذي عقدته لجنتها المركزية في الأردن أوائل عام 1951 في الأردن، انتقدت اللجنة ذاتها، واعتبرت أن الانقسام القومي الذي حصل في عام 1943 داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني وأدى إلى تكوين عصبة التحرر الوطني، شكل ضربة للطبقة العاملة الفلسطينية العربية واليهودية، وضربة لحركة التحرر في فلسطين، وأن نضال العصبة ضد الاستعمار آنذاك لم يكن مجدياً- وبذلك اعتبرت المستوطنين اليهود، فلسطينيين يسعون للتحرر من الاستعمار البريطاني- وانتقدت نفسها لأنها أنكرت آنذاك حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره في فلسطين([6]).
وفي كانون ثاني/ يناير 1953 شكل شيوعيو قطاع غزة حزبهم المستقل([7])، وأسموه (الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة) والذي أصدر نشرة "الشرارة" ،وساهم أعضاؤه في إسقاط مشروع سيناء لتوطين اللاجئين، وفي المقاومة السلبية للاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في عام 1956([8]). وأيد الحزب الشيوعي في القطاع مشروع تدويل القطاع وإحضار قوة طوارئ دولية تشرف على انسحاب الإسرائيليين منه([9]).
أما في الأردن، فقد رفض الحزب الشيوعي، بازدراء، المساعدات التي تقدمها وكالة الغوث الدولية للاجئين الفلسطينيين، كما رفض كل محاولات إسكان وتأهيل اللاجئين باعتبارها مؤامرة لمنع عودة اللاجئين إلى وطنهم فلسطين([10]).
ولكن مواقف الحزب الشيوعي الفلسطيني والأردني تبدلت وفقاً للموقف السياسي للاتحاد السوفيتي، فخلال الفترة 1948-1955 أيدت الأحزاب الشيوعية قرار التقسيم وطالبت به كما طالبت بانسحاب الجيوش العربية من فلسطين واعتبرتها معتدية،ودعت لإقامة الدولة الديمقراطية المستقلة في القسم المخصص للعرب والمتحدة اقتصادياً مع إسرائيل، والصديقة للشعب اليهودي، ولذلك شكلت لجان السلام للسعي لتحقيق الصلح مع إسرائيل([11]).
ومع تنامي المد القومي في منتصف الخمسينات، تضاءل اهتمام الحزب الشيوعي الأردني والفلسطيني بالقضية الفلسطينية، معتبراً أن مسألة اللاجئين جزء من مسألة الوحدة العربية المعقدة. وحتى أوائل الستينات، أنكر الحزب الشيوعي الأردني حق إسرائيل في الوجود وتراجع عن موقفه من التقسيم ونادى بدولة عربية في كل فلسطين، ونظر لإسرائيل "كدولة مجرمة" لابد من مقاومتها حتى "النصر النهائي"([12]). وكان هذا التقارب من الحركات القومية، أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، مردّه إلى التقارب بين مصر والاتحاد السوفيتي.
2- الإخوان المسلمون:
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في آذار/ مارس 1928 بمدينة الإسماعيلية بمصر على يد حسن البنا ومجموعة صغيرة من إخوانه([13]). وهي "هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف" ومنها "الغرض الوطني والقومي، وهو العمل على تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعاً والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي"([14]).
بدأت علاقة الجماعة بفلسطين منذ عام 1935، عندما زار عبد الرحمن البنا - شقيق حسن البنا- فلسطين والتقى الحاج أمين الحسيني. ومع اشتعال ثورة عام 1936 في فلسطين قام الإخوان بمصر بحملة توعية شعبية في كافة أرجاء مصر بالقضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، وجمعوا التبرعات لدعم الفلسطينيين([15])، كما وحّد الإخوان بين فرقتي (النجادة) و(الفتوة) شبه العسكريتين في فلسطين، وتشكلت منهما (منظمة الشباب العربي الفلسطيني) بقيادة الصاغ محمود لبيب وهو من الإخوان المسلمين في مصر([16]). وافتتح مقر الإخوان المسلمين في حي الشيخ جراح بالقدس في 6/5/1946. وكانت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان قد عقدت مؤتمرها السادس في بيروت 7-11/10/1946 وكان من قراراته: تأليف لجان للعناية بقضية فلسطين في كل مراكز الجماعة وإنشاء لجنة عليا لذلك، تابعة للجنة المركزية العليا([17]). وأنشأ الإخوان المسلمون فروعاً في يافا واللد وحيفا وطولكرم، فضلاً عن نابلس والخليل وبيت لحم، وعقدوا مؤتمراً عاماً في حيفا في 18/10/1946 دعوا فيه إلى إنقاذ الأراضي العربية وعدم الاعتراف باليهود، كما عقدوا مؤتمراً ثانياً في حيفا في 17/10/1947 قرروا فيه الدفاع عن البلاد بجميع الوسائل والاستعداد للتعاون مع جميع الهيئات الوطنية في هذا المجال([18]).
وفي قطاع غزة: أنشأ الإخوان المسلمون شعبة لهم في عام 1948، لكنها أُغلقت في عام 1949 عندما ضُربت الجماعة في مصر([*])، وأعلنت قيادة التنظيم في قطاع غزة عن تشكيل إطار بديل (جمعية التوحيد) يرأسها ظافر الشوا، ومع قيام ثورة تموز/يوليو 1952 في مصر اعتُبر الإخوان المسلمون حزب السلطة، حتى وقع الخلاف مع الرئيس عبد الناصر في عام 1954 بسبب توقيعه لاتفاقية الجلاء التي تسمح للإنجليز باستخدام مصر كقاعدة عسكرية عند الطوارئ، وأصبحت الجماعة محظورة([19]).
وفي أوائل الخمسينات ضم قطاع غزة ثماني شعب للإخوان المسلمين([20])، شجعت التدريب العسكري والعمل ضد الكيان الصهيوني، وقد تم فعلاً تجنيد وتدريب الكثيرين منهم على يد الضابط المصري الإخواني عبد المنعم عبد الرؤوف أحد ضباط ثورة تموز/يوليو 1952، الذي سبق له العمل في قطاع غزة لفترة قصيرة (1948-1949) مع مجموعات الفلسطينيين الذين انضموا لكتائب الإخوان المسلمين المصريين أثناء حرب 1948، وشكلوا نواة العمل الفدائي الفلسطيني بعد الهدنة في عام 1949. وكانت معسكرات الإخوان المسلمين في قطاع غزة مكاناً لتدريب مجموعات العمل الفدائي في قطاع غزة([21])، التي زرعت الألغام ضد وسائل النقل المدنية والعسكرية الإسرائيلية ونسفت عدداً من المنشآت وخرّبت خطوط المياه والكهرباء، مما أدى إلى ردود فعل إسرائيلية عنيفة على قطاع غزة، دفعت بالإدارة المصرية إلى إدخال أعداد كبيرة من الحرس الوطني المصري إليه والشروع في تنظيم عمليات فدائية منذ عام 1955 بإشراف الضابط مصطفى حافظ([22]).
وقد أكد كامل الشريف أن العمل الفدائي في الفترة من 1949-1955 في قطاع غزة لم يكن إخوانياً صرفاً، وإنما كان نشاطاً محلياً فلسطينياً شارك فيه الإخوان المسلمون وأنه كان يدير هذا النشاط الفدائي بعد خروج عبد المنعم عبد الرؤوف من قطاع غزة إلى مصر دون أن يُكلّف رسمياً من قيادات الإخوان المسلمين ودون أن يجد أي معارضة منهم لهذا العمل. فقيادته للإخوان المسلمين في معسكر البريج في قطاع غزة في عام 1948 هيأت له فرصة الاستمرار في العمل الفدائي مع من أرادوا ذلك من الإخوان المسلمين ومن غيرهم([23]).
وفي عام 1954 نظم الإخوان المسلمون في قطاع غزة مظاهرة طالبوا فيها الإدارة المصرية بالتجنيد وتشكيل كتيبة فلسطينية، فاستجابت لهم السلطات المصرية وشكلت الكتيبة رقم (11)، وذلك قبل حظر نشاطهم إثر خلافهم مع الرئيس عبد الناصر عام 1954([24]). وبعد هذه الأزمة عام 1954 نظم الإخوان المسلمون عملهم بشكل سري، وشكلوا في الفترة ما بين 1954-1956 مجموعتين خططتا لعمل مسلح: مجموعة (شباب الثأر) ومجموعة (كتيبة الحق) ([25])، على الرغم من تعرض الإخوان في القطاع للملاحقة من قبل أجهزة المخابرات والمباحث المصرية، وتعرض بعض نشطيهم للحجز والاستجواب والمنع من السفر والطرد من الوظيفة في كثير من الحالات([26]). مما شكل أحد دوافع مؤسسي فتح لإنشاء حركتهم، تجنباً لهذه المضايقات وفتحاً لمجال أرحب لعمل سياسي بدلاً من القيود التي يعانيها الإخوان المسلمون في مصر وغيرها([27]). إبان الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في عام 1956، قرر الإخوان المسلمون التعاون مع الأحزاب الأخرى فشكلوا بالاتفاق مع البعثيين والقوميين وبعض المستقلين جبهة (أو حركة) المقاومة الشعبية([28]).
رفض الإخوان المسلمون قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (998-1001) الرامية لإخضاع قطاع غزة لقوات الطوارئ الدولية، وطالبوا بعودة الإدارة المصرية، وأشعلوا المظاهرات (7-14/3/1957)، مما ساهم في موافقة الأمم المتحدة على عودة الإدارة المصرية([29]).
وفي الضفة الغربية: عقدت جماعة الإخوان المسلمين اجتماعاً في القدس في ليلة الإسراء والمعراج 27 رجب 1373 هـ الموافق 4/10/1953 دعت إليه زعماء دينيين من عدة أقطار عربية، وقررت تأسيس مكتب دائم باسم (مكتب الإسراء والمعراج) وتأسيس (الجمعية الخيرية الإسلامية لتعمير القدس)، ودعت لعقد مؤتمر سنوي لمناقشة القضية الفلسطينية، كما قررت عقد مؤتمر إسلامي عالمي بالقدس، (تم عقده ما بين 4-10/12/1953) وتقرر فيه إنشاء صندوق لإعادة بناء فلسطين وبخاصة القدس والأماكن المقدسة، وتكوين المكتب الدائم للهيئة الإسلامية العامة، كما تقرر عقده سنوياً، لكنه لم يُعقد في القدس قبل عام 1959 بسبب موقف السلطات الأردنية منه، وقد استخدمت أموال الصندوق في تمويل تحصينات عدة قرى في الضفة الغربية([30]). كما أقام الإخوان المسلمون جمعية البر بأبناء الشهداء في مخيم عقبة جبر قرب أريحا لرعاية أبناء الشهداء ومثلها في الخليل أقامتها الجمعية الخيرية الإسلامية. ([31])
وأرسلت جماعة الإخوان المسلمين مشرفين عسكريين إلى القرى الحدودية في الضفة الغربية وحاولوا إنشاء قوات عسكرية خاصة بهم([32])، حيث ذكر عبد العزيز علي([*]) أن كامل الشريف استدعاه من مصر إلى القدس لتدريب الإخوان المسلمين في القدس على العمل العسكري الفدائي، في تموز/يوليو 1954، وقام بتدريب عدة دفعات بأعداد لا بأس بها من الإخوان، قاموا بعمليات فدائية ضد الكيان الإسرائيلي، واستمر في تدريباته حتى ضربة الإخوان الثانية في كانون أول/ديسمبر 1954. ([33])
موقف جماعة الإخوان المسلمين من فلسطين:-
نص النظام الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين أن هدفها الوطني (تخليص فلسطين وحماية الوطن العربي والإسلامي ووحدته) ([34]). وشاركت الجماعة في مصر والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين بأعداد كبيرة ووجود فعّال في حرب فلسطين في عام 1948 مما منحها شعبية بين الفلسطينيين.
وفي 3/4/1954 أصدرت الجماعة في الأردن بياناً حددت فيه سياستها فيما يتعلق بفلسطين:"الإخوان المسلمون ينظرون إلى قضية فلسطين على أنها قضية إسلامية وهم يحشدون كل إمكاناتهم المادية والمعنوية لتحرير فلسطين من اليهودية العالمية والصليبية الدولية"([35]).
وصرّح المرشد العام للإخوان، حسن الهضيبي أثناء زيارته للضفة الغربة ودمشق في عام 1954، "إن فلسطين لن تعود إلى أهلها إلا بمثل القوة التي سُلبت بها"، واستنكر تحويل قضية الفلسطينيين إلى قضية لاجئين وطالب الدول العربية "أن تدرك أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن دمشق وبغداد والقاهرة، وطالبهم بتقديم العون للفلسطينيين ليدافعوا عن أنفسهم"،وقد وجّه حديثه لأهل القرى الأمامية في الضفة الغربية محرّضاً إياهم على البدء في مشروع التحرير معتمدين على أنفسهم ومن ورائهم الإخوان المسلمين([36]).
وطرح الإخوان المسلمون في الضفة الغربية أفكاراً عملية، فقد دعوا "إلى إقامة مخيمات تدريبية للشباب الفلسطيني بجانب مخيمات اللاجئين كي يتدربوا عسكرياً بدلا من إضاعة الوقت في لعب الورق في المقاهي أو انتظار عطايا وكالة الغوث (UNRWA)" وطالبوا بإقامة كيان فلسطيني باعتباره خطوة ضرورية، بل واقترحوا كخطوة تالية، إقامة حكومة فلسطينية مؤقتة. وقد شكلت هذه المواقف، وبخاصة إصرارهم الشديد على أن يعتمد الفلسطينيون على أنفسهم دون إعفاء الدول العربية من مسؤولياتها في تحرير فلسطين، دافعاً من دوافع مؤسسي فتح نحو إنشاء حركة فتح([37]).
كما كانت التربية الإسلامية التي تلقاها مؤسسو فتح في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، دافعاً دينياً لتأسيس حركة جهادية، فقد بايع مؤسسو فتح على الجهاد، وهو أحد أركان البيعة العشرة لدى الإخوان المسلمين، ودرسوا في رسالة الجهاد، للإمام حسن البنا بأن فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة أجمعوا على اعتبار الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا هجم العدو على بلد من بلاد الإسلام أو أخذ جزءاً منها، وأنه أكثر وجوباً على أهل تلك البلد وعلى سائر المسلمين إعانتهم ونصرتهم([38])، كما في قول الله تعالى:"…قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا.." ([39]). وقد استغلوا هذه المفاهيم التي يتربى عليها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في إقناع زملائهم داخل الجماعة بالعمل معهم للقيام بفريضة الجهاد.
3- حزب البعث العربي الاشتراكي:
تأسس حزب البعث عام 1943 في سوريا على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وتمثلت أهدافه الرئيسية في تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية اللاطبقية، متبنيا شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"([40]).
ونصّت المادة الأولى من المبادئ العامة لحزب البعث والتي صيغت في مؤتمره القومي الأول 4-6/4/1947 على: "أن حزب البعث العربي:حزب عربي شامل تؤسس له فروع في سائر الأقطار العربية، وهو لا يعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا"([41]).
واهتم الحزب بالقضية الفلسطينية مبكراً، ووضح موقفه منها في جريدته (البعث) في عددها 24 في 6/8/1946: "ليس بين العرب من يجهل أن قضية فلسطين هي اليوم أخطر مشكلة في حياتهم القومية.. فالخطر الصهيوني ليس إذن مجرد غزو اقتصادي يحركه المال والطمع المادي، وإنما هو بالدرجة الأولى غزو ديني لا يشبهه في التاريخ إلا الحروب الصليبية"([42]). وفي نفس العدد، أشار الحزب إلى صيغة المقاومة المطلوبة لهذا الخطر الصهيوني بأنه:"لا تحبط مساعي هذه الحركة الإجرامية إلا متى أصبحت مقاومة العرب لها شعبية حقة"([43]).
وعلى الرغم من ذلك لم تتطرق المؤتمرات القومية الأولى للحزب والتي توضح سياسته الرسمية، إلى قضية فلسطين صراحة، ففي المؤتمر القومي الأول للحزب 4-6/4/1947 الذي أعلن دستور الحزب، أشار إليها ضمن حديثه عن "تقويض دعائم الاستعمار والاحتلال" وقراره بـ"دعوة الشعب العربي للتكتل استعداداً للنضال ضد هذه الدول المعتدية" مشيراً بذلك إلى بريطانيا التي تحتل فلسطين من جملة البلاد التي تحتلها([44]). ولم يتطرق لقضية فلسطين في مؤتمره القومي الثاني في حزيران 1954 على الرغم من مناقشة قضايا أقل شأناً([45]).
ومع ذلك نلمس اهتمام حزب البعث بالقضية الفلسطينية وبالخطر الصهيوني في غير المؤتمرات القومية، ففي بيانه في 19-20/9/1947، أشار إلى "أن خطر قيام الدولة اليهودية لا ينحصر في فلسطين بل يتعداها إلى الوطن العربي كله"([46]). وقد تأكدت مخاوفه تلك بعد قيام دولة اليهود في عام 1948 حيث اعتبر "اقتطاع فلسطين معناه تمزيق الوطن العربي وتعريض استقلال الأقطار العربية للخطر، لأن فلسطين في برنامج الصهيونية ماهي إلا البداية لإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"([47]).
شارك حزب البعث في حرب 1948 وأنشأ مكتب فلسطين الدائم لمتابعة ما يتفرع عن قضية فلسطين واعتبر الجهاد هو السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين كما قرر تجنيد جميع أعضائه وأرسل كتيبة إلى الجبهة بقيادة لجنة الحزب التنفيذية([48]). وأولى الحزب عرب فلسطين اهتماماً خاصاً، فقد طالب بتسليحهم ليكونوا طليعة النضال ضد الصهيونية([49])، ومع ذلك ظل الحزب ينظر إلى تحرير فلسطين ضمن إطار الوحدة القومية ومحاربة الإمبريالية وعملائها، خلال عقد كامل (1949-1959) ولم يبدأ في مناقشة دور فلسطيني فاعل في تحرير فلسطين إلا منذ عام 1959([50]). حيث أدرك الحزب هشاشة الوحدة بين مصر وسوريا، من خلال قمع الأجهزة المصرية في سوريا للحريات السياسية للمواطنين، فوقع خلاف بين عبد الناصر والبعثيين، انسحب على أثره الوزراء البعثيون من الحكم الوحدوي في سوريا في كانون أول/ديسمبر 1959، وبدأ العداء بين الطرفين([51]).
أما في قطاع غزة فقد تشكلت نواة الحزب عام 1953 من طلبة القطاع الذين درسوا في جامعات مصر واحتكوا بطلاب بعثيين من سوريا وأنشأوا تنظيماً نسائياً عام 1954([52])، وعندما وقع الاحتلال الإسرائيلي لغزة عام 1956، تحالف البعثيون مع الإخوان المسلمين لمقاومة الاحتلال ولم يتحالفوا مع الشيوعيين، وشاركوا في أسبوع المظاهرات 7-14/3/1957 الذي طالب بعودة الإدارة المصرية بدلاً من قوات الطوارئ الدولية([53])، وقد لقي البعثيون في قطاع غزة تعاطف الحكم المصري بعد تردي علاقته مع الإخوان([54]).
ويلاحظ على حزب البعث تبنيه لقضية فلسطين كقضية قومية عربية، ومع أن تركيزه على خصوصية فلسطين وضرورة قيام دور فاعل للفلسطينيين جاء متأخراً بعض الشيء بسبب إيمانه أن تحقيق الوحدة العربية هي الطريق إلى تحرير فلسطين، لكنه تراجع عن هذا المفهوم محتفظاً للفلسطينيين بدور طليعي في معركة التحرير وقد سبقته حركة فتح في ذلك([*])، إلا أن اهتماماته المبدئية شكلت عنصراً أساسيا في طرح ودعم فكرة إنشاء كيان فلسطيني مهدت للإعلان عن منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964.