eKtab
EN ع
حسن البنا وتجربة الفن
اقرأ عينة مجانية

حسن البنا وتجربة الفن

بقلم عصام تليمة

صفحة 1

المقدمة

لم يخطر ببالي يوما أن أكتب عن الفن ، وبخاصة عند حسن البنا رحمه الله ، أو أن أنشر هذا البحث منفصلا عن إخوانه من البحوث الباقية عندي عن حسن البنا ، إلا أن صدى إلقاء هذا البحث ، ونشر أجزاء منه على مواقع الإنترنت ، جعل رغبة نشره منفصلا تزداد يوما بعد يوم ، وبخاصة عندما ألح الكثيرون ممن قرأوه في ضرورة نشره وحده .

ولقد أثار هذا البحث وقت إلقائه ـ في الاحتفالية التي أقامتها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ، في شهر نوفمبر 2006م ـ ضجة لم أتوقعها ، وقد ظننت أن الكلام بداية ربما يثير البعض ، ولكني ظننت أن استدلالي بالوثائق والأدلة يُسكت المعارضين ، أو يقنعهم على الأقل بأن هناك وجهات نظر متعددة حول الموضوع .

وقابلني بعد الكلمة بعض المتوجسين خيفة على تاريخ حسن البنا ، إن نشرت عنه هذه الصفحة ، وكلهم توجس ، وأن ليس هذا أوان نشر هذا الكلام عن الرجل ، وهي الحجة التي دوما يتذرع بهـا الواقفـون ضـد نشـر الحقائـق ، أو نقد الحركة نقدا ذاتيا منهجيا منصفا ، ولا أدري ما الوقت المناسب؟ إذا مر على وفاة الرجل ما يقرب من ستين عاما ، أو لم يحن الوقت ، فمتى يحين يا قومنا؟! حددوا لنا الوقت ولو بعد عشر سنين ، ولكنها حجة دائما ترفع في وجه كل باحث ينشد الجديد في بحثه .

ولم يسؤني في اعتراض المعترضين إلا ما رأيته من تجاوز لحدود البحث العلمي ، وتحكيم للعاطفة ، واتباع للهوى ، ضاربين بالوثائق والحقائق عرض الحائط ، والأدهى من ذلك والأمَر ، أن من بين المعترضين علىَّ يوم الحفل ، من لم يسمع كلمتي ، ولم يقرأ البحث ، ولكنه هاجم وفقط!

وقد كتبت هذا البحث للاحتفالية التي أقيمت في الأردن ، وألقاه نيابة عنى في القاهرة في الاحتفالية التي أقامها مركز الإعلام العربي : الفنان الجاد المحترم الأستـاذ عبد العزيز مخيون .

ومما أسفت له : أن قام موقع من المواقع المحسوبة على جماعة الإخوان ، بنشـر البحـث منقوصـا ، فقـد نشـروا كـل ما كتبته ، عدا : الجزء الأخير من البحث ، وهو ما وجهت فيه النقد للحركة أن فشلت فيما نجح فيه حسن البنا ، وكيف باءت تجربة الإسلاميين الفنية ـ إلى الآن ـ بعدم التوفيق والنجاح كما نجحت تجربة الإخوان في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي ، وهذا ما جعلني فيما بعد أكتب مقالا بعنوان : مباحث أمن الدعوة !! ألوم على من يتقمص دور الرقيب ، ويقوم بنفس دور مباحث أمن الدولة في منع الأفكار ، أو بترها وتشويهها .

الدوحة في: 20 من رمضان 1429هـ.

20 من سبتمبر 2008م.

صفحة 2

تمهيد

لماذا اخترت الكتابة في الموضوع؟

ربما يستغرب القارئ للوهلة الأولى من عنوان البحث ، فما شأن حسن البنا والفن ، وهل كان له تجربة في الفن ؟ وهل هذه التجربة ثرية لدرجة أن تُتَنَاوَل ، ويوجد فيها مادة تجعلها جديرة بالبحث ؟ هذه الأسئلة التي ربما يثيرها عقل القارئ ، أثارها عقلي عند دراستي للموضوع ، ولكني بعد أن انقدحت محاور الموضوع في رأسي رأيت أنه بالفعل موضوع حري بأن يُبحث ، وأن يُناقش ويُثار ، وهو من الموضوعات القلائل التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها ، إما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة البنا بالفن لن تتجاوز حدود إصدار فتوى ، أو العروج من قريب أو بعيد بالفن من حيث الحل والحرمة لا أكثر .

وقد جعلت الحديث عن هذه التجربة الفنية بما للفن من مجالات رحبة ، ومن حيث تقسيم الفن إلى فنون صوتية ، وحركية ، ويدوية (1) ، وتناولت من الفنون الصوتية : فن الغناء والإنشاد ، وفن النكتة . ومن الفنون الحركية : فن التمثيل . ومن الفنون اليدوية : فن التصوير والرسم الكاريكاتوري ، ولكني وجدت أن صفحات البحث ستطول كثيرا ، إذا أفردت لكل ألوان الفن عند حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين حديثا مفصلا ، فاكتفيت بالحديث عن هذه الألوان الفنية حديثا مختصرا، يعطي القارئ صورة يقف بها على التجربة.

الدوحة في: 20 من رمضان 1429هـ.

20 من سبتمبر 2008م.

صفحة 3

مكانة الفن في دعوة الإخوان

لم يقف حسن البنا من الفن مجرد المنظر أو مبدي الرأي الفقهي ، أو الداعي نظريا إلى تبني الفن ، دون الولوج إلى ذلك عمليا ، بل ربما سبق عنده الجانب التطبيقي الجانب التنظيري ، وليس معنى ذلك أنه لم يكن معنيا بذلك ، بل لم يكن معنيا بالوقوف كثيرا عند الإسهاب في التنظير ، ما دام قد اقتنع بشرعية فعل الشيء ، وهذا ما حدث مع البنا رحمه الله ، فقد جعل للفن مساحة ليست بالصغيرة في دعوة الإخوان المسلمين ، فأنشأ فرقة مسرحية ـ بل فرقا مسرحية ـ لعل أبرزها وأشهرها فرقة القاهرة ، كما أنشأ في معظم شُعَب الإخوان المسلمين فرقا مسرحية ، كشعبة السيدة عائشة والتي قدمت عددا من المسرحيات للناس ، منها ما هو تاريخي ، ومنها ما هو خلقي ، ومعظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي (2).

بل إن أول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند جماعة الإخوان المسلمين ، كانت بسبب مسرحية قامت بها شعبة دمنهور ، وقد نما إلى علم المؤلف ـ الشيخ أحمد الصديق الغماري ــ أن هذه الفرقة المسرحية في شعبة دمنهور ، قد قامت بتمثيل قصة (الذبيح إسماعيل عليه السلام) وأنهم جاؤوا على المسرح بكبش ، ومثلوا شخصية إسماعيل عليه السلام(3)، مما حدا بالمؤلف أن يهاجم هذا الموقف ، ويهاجم أن يكون في دعوة إسلامية فرقة مسرحية من الأساس ، اعتمادا على أن التمثيل يرتكز بالأساس على الكذب ، والكذب كبيرة من الكبائر ، لا يجوز للمسلم أن يتخذها سلوكا ولا مهنة ، حتى وإن كانت من باب الترفيه!

كما كان للأستاذ البنا نهج في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية ، لم أره في أي صحيفة إسلامية أخرى في مثل هذا الوقت ، ولا فيما بعد ، فقد كان يكتب في إحدى صفحات الجريدة اليومية برامج الإذاعة المصرية ، بداية بالقرآن الكريم ، ومرورا بأغاني عبد الوهاب وأم كلثوم ، وغيرهما ، وكان يضع تحت عنوان الباب قوله تعالى :  وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (الإسراء:36) .

صفحة 4


ألوان الفنون عند الإخوان
لم يقف الإخوان في ممارستهم الفن في عهد حسن البنا عند لون واحد ، بل تطرقوا لكل ألوان الفن ، وهو ما سأتناوله في هذا البحث ، فقد مارس الإخوان فن المسرح ، وفن النشيد والزجل ، وفن الكاريكاتير ، بل وفن النكتة ، وغيره مـن الفنون ، وكانت لهم تجربة فنية رائدة جديرة بأن تُدرس ، وتُناقش ، وتُحتذى .
مسرح الإخوان المسلمين
يعتبر مسرح الإخوان المسلمين أول مسرح تنشئه جماعة إسلامية في مصر ، فقد نشأ في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ، وقد تـولـى هـذا الأمـر الأسـتاذ عبـد الرحمـن البنا ـ شقيق الأستاذ البنا ـ المعروف بميوله الأدبية ، والذي صدر له عدة مسرحيات ومؤلفات أدبية ، وكانت أولى مسرحيات مسرح الإخوان المسلمين؛ مسرحية (جميل بثينة) وقد أنتجت المسرحـية (لجنـة تشجيـع التمثيـل) التابـعة لـوزارة المعارف ـ التربية والتعليم ـ وقررت إخراجها على نفقتها عام 1934م. وقد نجحت المسرحية الأولى للإخوان المسلمين نجاحا مبهـرا ، مما حدا بأحد الباحثين وهو الدكتور شوقي قاسم في رسالتهللدكتوراه(الإسلام والمسرح المصري) يقرر : أن مسرحية (جميل بثينة) قد صارت موضع المقارنة مع درة أمير الشعراء (مجنون ليلى) (4).
هذا عن دلالة نجاح المسرحية من حيث التأليف ، أما من حيث الحرفية المسرحية فيكفي أن نقف على أسماء النجوم المشاركين في المسرحية ، فمنهم : جورج أبيض ، وأحمد علام ، وعباس فارس ، وحسن البارودي ، وفتوح نشاطي ، ومحمود المليجي . ومن العناصر النسائية : فاطمة رشدي ، وعزيزة أمير (5).
مسارح شُعَب الإخوان المسلمين
تبع هذا العمل عدة أعمال أخرى ، وبدأ الأستاذ البنا في تعميم تجربة إنشاء الفرق المسرحية ، من المحترفين أو الهواة على حد سواء ، كانت الفرقة الأم الكبرى في القاهرة ، وكانت هناك فرق أخرى عن طريق قسم الطلبة في الإخوان ، وذلك بتمرين طلبة القسم الثانوي على الأداء المسرحي (6)، وتم تعميم الفكرة على معظم شُعب الإخوان في بقية المحافظات ، لتكون بديلا للريف المصري والمناطق النائية عن المسارح والسينمات ، ولغرس أهداف وقيم تصل سريعا عن طريق الفن ، أكثر من أي وسيلة أخرى ، وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم تجربته الشخصية في هذا المجال المسرحي ، يقول رحمه الله :
(لم يكن بـ (فوة) في تلك الأيام أية مؤسسة من مؤسسات الترفيه ، فلا سينما ولا مسرح ، وقد رأيتها فرصة سانحة لنقل الأفكار الإسلامية إلى عقول الفلاحين وعقول الناشئة وأهليهم ، فصغت من أحداث نفي مشركي قريش لرسول الله * ولبني هاشم في شِعْبٍ من شِعاب مكة مسرحية . وكنت قبل قد وضعت أحداث معركة القادسية في مسرحية طويلة ، وكانت هاتان المسرحيتان باللغة الفصحى ، فرأيت أن أضع بجانب ذلك مسرحية باللغة العامية لتخاطب عامة الناس ، وجعلت هدفها معالجة ما درج عليه الفلاحون ، وفي ذلك الوقت من الاستدانة بالربا من اليهود الذين أنشأوا مكاتب في المدن ويبعثون بمندوبهم إلى القرى والعِزَب للإيقاع بهؤلاء الفلاحين العوام ، ولما كانت مسرحية القادسية طويلة فقد اجتزأت بفصلها الأخير .
وقد استغرقت وقتا طويلا في تدريب مجموعة من شباب الشعبة على التمثيل حتى أتقن كل منهم الدور الذي أسند إليه تمام الإتقان (7).
 

صفحة 5

وقد أدت الفرقة التي كونها الأستاذ محمود عبد الحليم في بداية الأربعينيات في ريف البحيرة أكثر من مسرحية ، وكان من ثمرتها : أن عدلت من مسار كثير من الناس ، وكانت سببا في افتتاح شُعَبٍ كثيرة على حد قوله (8).

وكذلك قامت شعبة حلوان بتأسيس فرقة مسرحية ، وقدمت أعمالا فنية ، منها مسرحية بعنوان :(المروءة المقنعة)، وقد جاء في إعلان المسرحية كالتالي:

الإخوان المسلمون بحلوان .

المروءة المقنعة

رواية مسرحية تاريخية واقعية ، تمثل الرجولة الإسلامية ، وتبرز خلال الخلق العربي النبيل ، وقعت حوادثها في أرض الجزيرة بالعراق في عصر سليمان بن عبد الملك ، ذات أربعة فصول ، تقع في خمسة مناظر .

تقدمها : الفرقة الإسلامية التمثيلية .

في الساعة الثالثة من مساء الجمعة 27 شوال سنة 1361هـ ـ الموافق 6 من نوفمبر 1942 للمرة الأولى .

على مسرح كازينو حلوان

تأليف : الشاعر الممتاز محمود غنيم أفندي (المدرس بالمدارس الثانوية) .

إخراج : الفنان القدير الأستاذ عبد الفتاح رمضان (دبلوم اللغة العربية ودبلوم فن التمثيل) .

ويشجيكم بعزف ألحانه المطرب الفنان الأستاذ محمد فرج (مطرب الإذاعة) دبلوم معهد الموسيقى الملكي .

يقدم لكم بين الفصول قطع أزجال أخلاقية (9).

واستمر مسرح الإخوان المسلمين في تقديم أعماله ، بل رأينا من بين فنانيه عددا ليس بالقليل من عمالقة الفن المصري فيما بعد ، مثل : عبد المنعم مدبولي ، وإبراهيم الشامي ، وسراج منير ، ومحمود المليجي ، ومحمد السبع ، وعبد البديع العربي(10)، وشفيق نور الدين ، وسعد أردش ، والأخوان : حمدي غيث ، وعبد الله غيث(11)، وإبراهيم سعفان(12) وغيرهم .

الأعمال الفنية التي قدمها مسرح الإخوان

وقد قدم مسرح الإخوان عدة أعمال مسرحية ، منها ما هو ديني ، ومنها ما هو وطني ، ومنها ما هو اجتماعي عاطفي ، ومن هذه الروايات والمسرحيات:

جميل بثينة : وهى مسرحية تدور حول قصة جميل وبثينة ، تتناول الحب العذري ، من خلال شخصيتين عربيتين ، اشتهرتا في الأدب العربي .

بنت الإخشيد : وهي مسرحية تاريخية ، وقد عالجت وركزت في جانب مهم منها على قضية السُّنَّة والشيعة ، والخلاف الفكري بينهما ، وقد ورد فيها على لسان إحدى بطلات المسرحية هذا النص ، عندما سألتها بنت الإخشيد عن الشيعة ، فقالت : (الشيعة والسنة يا مولاتى مذهبان من مذاهب الإسلام ، يرجعان إلى مصدر واحد ، ولا يختلفان في أصول العقيدة ، فلا يجب أن ينقسم المسلمون من أجلهما ، اللهم إلا غلاة الشيعة ، وليس المعز لدين الله منهم .. إنه رجل وقور ديِّن منصف لرعيته ، عادل في أحكامه).

وعلق شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي على ذلك فقال : (رأيي : أن المسلمين أمة واحدة ، وأنهم إخوة جمع بينهم القرآن الكريم ، ومهما يكن البعد بين الشيعة وأهل السنة في العقائد والفقه ، فإن ذلك لا يجوز أن يكون سببا في الفرقة الموجبة للتخاذل والضعف ، التي يترتب عليها أن يسود خصوم الفريقـين علـى حسابهـم) (13).

المعز لدين الله الفاطمي : وقد كُتبت ومُثلت بمناسبة مرور ألف عام على إنشاء الجامع الأزهر ، من خلال عرض سيرة المعز لدين الله الفاطمي الذي أنشأه وأسسه ، وقد عرضت المسرحية بدار الأوبرا الملكية ، وقد ألفها عبد الرحمن البنا ، وقام بغنائها : أحمد عبد القادر ، وأخرجها الفنان المعروف : سراج منير .

سُعدى : وهي مسرحية أوبرية غنائية ، مثلتها المطربة والممثلة المعروفة آنذاك ملك ، على مسرحها المعروف بمسرح وأوبرا ملك (14).

الهجرة : وهى بمناسبة الهجرة النبوية ، وأحداثها ، رابطة بين الماضى والحاضر ، من خلال إسقاطات من بعض مواقف الهجرة .

المروءة المقنعة : وهي مسرحية ذات طابع تاريخي خلقي ، تتناول أحداث وقعت في عصر سليمان بن عبد الملك ، أحد خلفاء بني أمية ، وتستخرج منها معاني الرجولة ، والخلق الإسلامي .

في قصر الذهب : وهي مسرحية تعرض لتاريخ الدعوة ، وتعريف الناس بها ، من خلال الأداء التمثيلي ، مع ربط بين الماضي والحاضر (15).

صلاح الدين الأيوبي : وقد كتبت بمناسبة قضية فلسطين ، وما يدور على أرضها من حرب بين المسلمين والعرب والعصابات اليهودية ، كي تعطي الناس أملا في الانتصار ، من خلال ذكر شخصية سبق لها أن حررت القدس من براثن المحتلين الصليبيين . وقد اعتذرت الفرقة عن عرضها عندما بدأت العاصابات اليهودية تمارس إجرامها ضد الفسطينيين ، وذهاب المتطوعين من المجاهدين لفلسطين ، وقد كان عدد من أعضاء الفرقة المؤثرين قد سافر للجهاد في فلسطين ، فأجلن الفرقة العرض لحين عودتهم .

وهناك مسرحيات أخرى عُرضت بلا شك ، لكني قدمت ملخصا عن بعضها ، وهو ما توفرت لي مادة علمية عنـه ، وما عدا ذلك فليس لدي وثائق أو معلومات عنها .

صفحة 6

أثر مسرح الإخوان

لقد أحدث مسرح الإخوان المسلمين ومسرحياته ردود أفعال متباينة في الوسط الثقافي والديني والفني ، ما بين مؤيد ومعارض ، المؤيد يرى أنها خطوة جيدة لنشر الدعوة والقيم الإسلامية والإنسانية ، وربط الناس بتاريخ أمتهم الغابر ، لينسموا عبره عبق تاريخهم المجيد ، وبين معارض من الصف الإسلامي أو العلماني !

أثر مسرح الإخوان في الحالة الدينية

أما عن أثر مسرح الإخوان في الحالة الدينية ، فقد أحدث حراكا دينيا ، فرأينا في الصف الإسلامي من يرى أن هذا الأمر خروجا عن المألوف في العمل الإسلامي ، إن لم يكن خروجا عن الشرع نفسه ، وهذا ما دعا عالما كالشيخ الغماري يكتب رسالته التي أشرت إليها من قبل (إزالة الالتباس عما وقع فيه كثير من الناس) فكتب يقول فيها :

جاءنى سؤال من أحد الأفاضل بدمنهور عن جماعة من المسلمين يمثلون غزوات الصحابة ، فيقومون بدور مشاهير الصحابة كعمر وخالد بن الوليد وغيرهم ، ويقوم البعض بدور الكفار كأبى جهل وأبى بن خلف وغيرهما ، ويمثلون أيضاً بعض قصص الأنبياء ، فقد مثلوا أخيراً قصة =الذبيح+ فقام أفراد منهم بتقليد سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل وسيدنا جبريل ، وألبسوا شخصا منهم فروة خروف ليقوم بدور كبش الفداء ، وسمع من المسرح صوت يأمر جبريل بإنزال الكبش على إبراهيم ! فهل مثل هذه الحفلات جائزة شرعا ، وإذا لم تكن جائزة فما حكم الذاهبين إليها والمتفرجين عليها ؟ نرجو بيان الحكم مفصلا ولكم الشكر .

فأجاب الشيخ الغمارى قائلاً :

فإن مما شاع في هذا العصر الذي قل خيره ، وكثر شره بدعة التمثيل التى جاءتنا من الغرب وطغت فيما طغى علينا من عاداته وتقاليده ، وأقبل الناس عليها بتلهف كبير ، شأنهم في كل ما هو غربى أفرنجى ، وهذا ناشئ من ضعف الإيمان وقلة الإيقان ، وقد كانت بدعة التمثيل منحصرة في دور الملاهى المخصصة لذلك ، فكان أمره ـ على قبحه ـ هينا يحاربه العلماء في جملة ما يحاربون من الملاهى والمخازى ولكن جماعة من المتحذلقين والمتفقهين ارتقوا بهذه البدعة عن وضعها الأصلى فأدخلوها في نطاق المسائل الدينية ، وسرعان ما انتشرت الفكرة في الجماعات الإسلامية ، فأنشئ في كل جماعة ما أسموه (فرق التمثيل الدينى) . وهذا غاية العجب ! فمتى كان التمثيل دينيا ؟ ومن ذا الذي جعله من الدين؟ ولكن غلبة الجهل والهوى تصير المنكر معروفا ، وتجعل البدعة سنة ، والقبيح حسنا وقد قال الشاعر :

يقضى على المرء في أيام محنتهحتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

ولا محنة أشد من محنة الجهل بالدين والإقدام على استحسان الأمور بمجرد الرأى والهوى كما هو حاصل مشاهد ، نشطت فرق التمثيل الدينى في تمثيل الحوادث الإسلامية في عهود مختلفة : كعهد صلاح الدين الأيوبى وغيره حتى ارتقوا إلى عهد الصحابة ، فظهر علـى خشـبة المسـرح أشخـاص أبى بكر ، وعمر ، وبـلال ، وأبـى عبـيدة بـن الجـراح ، وخـالد ابن الوليد وغيرهم ، فتوقعنا ـ مشفقين ـ أن يتلو هذه الخطوة الجريئة الأنبياء عليهم السلام ، وسمعنا أن جماعة ألفت لتمثيل قصص الأنبياء الواردة في القرآن العظيم وظللنا بين مصدق ومكذب ، حتى حصل ما توقعـناه وصـح بعـض ما سمعنا : فقد قامت بدمنهور جماعة دينية تمثل قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام ، ففي ليلة من ليالى الأسبوع المباركة وهى ليلة الجمعة تقربوا إلى الله ـ في زعمهم ـ بتمثيل القصة المذكورة ، وقام أشخاص منهم بتقليد شخص إبراهيم وإسماعيل وجبريل عليهم الصلاة والسلام ـ وألبسوا شخصاً فروة خروف ليقوم بدور كبش الفداء ، وهكذا تمت المهزلة بهذا اللون من السخرية والاستهزاء ، فبربك قل لى أى مسلم يرضى بهذا الفعل الشنيع وهل بلغ الاستهتار بأنبياء الله ورسله ، وأمناء وحيه أن نقدم أشخاصهم على خشبة المسرح كما تقدم شخصية كليوباترا وأنطونيو ، سبحانك هذا بهتان عظيم .

ألا فليعلم أولئك الجماعة المستهترين أنهم أخطئوا خطأ فاحشاً، بل أجرموا إجراماً كبيراً وشجعوا الأجانب على تمثيل الأنبياء وإظهارهم في أوضاع مزرية تتفق وأغراضهم الخبيثة التبشيرية ؛ من غير أن يستطيع أحد الإنكار عليهم ، لأنهم يحتجون بأن الجماعات الدينية تفعل مثل ذلك ، وتالله إنه لموقف مخز غاية الإخزاء ، نعوذ بالله من البلاء(16).

رد الشيخ أحمد الشرباصي على كتاب الغماري

وقد كتب الشيخ أحمد الشرباصي العالم الأزهري المعروف مقالا يرد على كتاب (إزالة الالتباس) تحت عنوان (الإسلام والتمثيل) فقال :

(وقع في يدي منذ أيام رسالة صغيرة في ست وثلاثين صفحة تسمى : (إزالة الالتباس عما أخطأ فيه كثير من الناس) وهي من تأليف المحدث الفاضل الشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري ، وهو من خيرة الذين يعكفون على حديث رسول الله * ليحفظوه ويرددوه ويتفهموه ، وبيني وبينه مودة وصداقة ، ولكن هذه الأخوة لن تمنعني من إبداء بعض الملاحظات على هذه الرسالة ، إذ إن هذه الملاحظات تتصل بالعقيدة ، وتتعلق بحكم الإسلام في بعض الأمور .

لقد رفع إلى الشيخ الغماري سؤال من أحد المسلمين بدمنهور ، يسأله فيه عن حكم الشرع في تمثيل الأنبياء والملائكة والصحابة ، ويقص عليه ما كان من أمر جماعة من المسلمين ، وقد فهمت من المقام والكلام أنه يقصد (هيئة الإخوان المسلمين) بهذا التعبير ، حين مثلوا في (عيد الهجرة) قصة (الذبيح) فقاموا بتقليد سيدنا إبراهيم وإسماعيل وجبريل وكبش الفداء إلخ ..

وأنا أسارع بموافقة الأستاذ المفتي على أنه لا يجمل بالمسلمين أن يمثلوا أشخاص الأنبياء على المسرح ، أو فوق الشاشة البيضاء (السينما) وذلك لأن هؤلاء الأنبياء والمرسلين قوم معصومون يتعالون عن مستوى البشرية وإن كانوا منها ، ويمتازون عن عامة الناس وإن كانوا من طينتهم ، ولأننا حينما نبيح لأنفسنا تمثيل هؤلاء الأنبياء على خشبة المسرح ـ أو في الخيالة ـ نفتح بابا يظل يتسع معه خرق لا يرتق أبدا ، ونمهد السبيل أمام الأعداء الألداء للإسلام والمسلمين ، بأن يصوروا الأنبياء كما شاءوا ، بل ربما اجترأ بعض المسلمين من المتحللين على أن يضع قصة يصور فيها الرسول ولا يلتزم في عبارتها أو حوادثها جانب الصدق ، وحق التاريخ .

أما إذا انتقل الأمر من تمثيل الأنبياء إلى تمثيل عظماء الإسلام وأبطال التاريخ فقد هان الخطب ، وسهل الطريق ، ووجب علينا حينئذ أن نسير بقدر ، وأن نحتاط للأمر ، وأن نتخذ الأسباب التي تجعلنا صادقين فيما نقول ونصور ، ونجعله كلون من ألوان التأثير والشرح والإيضاح لتعاليم الإسلام ، وتاريخ أبطال الإسلام .

هذا ما يتضح لي في هذا المقام فإن يكن حقا وصوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، من يهد الله فهو المهتد ، ويمن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .

ولكن . . ما بال شيخنا الغماري يستطرد في الحديث استطرادا يخرج عن الموضوع في بعض الأحيان ؟ ولماذا يعلنها ثورة في غير ميدان؟ وما هذه الأسباب الكثيرة والعيوب العديدة التي ألصقها بالتمثيل حتى ولو كان صالحا كريما ؟ ! يقول الشيخ عن التمثيل : (إنه بدعة مستحدثه) . وأنا أعترف معه بأنه بدعة ، ولكن ما كل بدعة بمكروهة ، فهناك من البدع والمستحدثات ما لم يكن في عهد الرسول ، ومع ذلك دعت إليه الحاجة ، أو اقتضاه أسلوب العصر ، فحمد المسلمون هذا اللون ، ولم يروا بأسا أن يوجد بينهم ، ما دام يؤدي إلى منفعة ، أو يخفف من بلوى !

ويقول الشيخ : (إن التمثيل لهو كالسينما وغيرها ، وكل لهو باطل يحرم الاشتغال به) .. . ومن الذي قال أيها الشيخ المفضال : إن عرض التاريخ الإسلامي ، وتصوير بطولات المجاهدين من المسلمين ، وعرض المواقف النبيلة الرائعة التي تهز المشاعر ، وتنبه القلوب ، وتدفع النفوس إلى التضحية ومكارم الأخلاق ، لهو كالسينما وغيرها ؟ وكيف يستوي عندك رواية خليعة ، تصور غرائز خبيثة ، ونزعات فاسدة ، وغراما مكشوفـا ، وروايـة تاريخيـة تصـور مجـدا ، أو تذكر بماض عزيز .

في ظني أن قطعة تمثيلية شريفة تصور موقفا من مواقف المسلمين ، أو تعرض حياة بطل من أبطالهم ، أو تصور معركة من معاركهم ، أو تشرح مبدأ من مبادئهم ، وتكون جيدة العرض والتمثيل ، خير من كثير من هذه الخطب العتيقة البالية ، فإنها تستعين في تأثيرها بأسباب كثيرة تكون أفضل بكثير من حديث مملول معاد!!

ويقول الشيخ : (إن التمثيل مبني على الكذب) . . ولست أدري كيف يقول شيخنا هذا ، وهو يعرف أن الممثلين والذين يشاهدون التمثيل يعرفون أن القطعة التمثيلية التاريخية الصادقة لا يراد بها الكذب أو الافتراء ، بل يراد بها تصوير الموقف كما كان ، وإعادته حسب حدوثه لأول مرة ، فذلك أشبه بخطيب وقف ليتلو على الناس خطبة حجة الوداع فيقول كما كان الرسول * يقول ، ويردد الألفاظ التي رددها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فهل معنى هذا أن الخطيب قد كذب على رسول الله ، لأن الرسول قالها في الماضي ، والخطيب يقولها في الحاضر ، ولأن الرسول قد قالها فوق عـرفــات ، والخـطيـب يقـولـهـا فــوق منـبر فـي القـاهـرة أو الخرطوم ؟ !

إنما يكون التمثيل كذبا أيها الشيخ المفضال حينما يفتر مؤلف المسرحية أو ممثلها الشخصية الممثلة شيئا لم يكن ، ونحن قد تواصينا على أن نصون أمثال هذه القصص من كل تَزَيُّد أو تحريف ، فأين الكذب إذن؟!

ويقول الشيخ الفاضل : (واحتجاج أصحاب التمثيل بأنهم يقصـدون إظهـار عظمـة الإسـلام ومجـد المسلمـين الأولـين لا ينفع شيئا ، أما أولا فإن عظمة الإسلام تظهر بنشر محاسنه وتعاليمه ، ووضع المؤلفات النافعة فيه) . . وهل هذا كلام يقال؟ لو كانت عظمة الإسلام ومحاسنه تنشر ، وتعاليم تذيع بالكتب وحدها ، لما كنا في حاجة إلى المعاهد والمعابد والمساجد والجامعات والرابطات والهيئات والأندية ، ولما كنا في حاجة إلى المدرسين والخطباء والوعاظ والمرشدين والمحاضرين والمحدثين ، ولما كنا في حاجة إلى وسائل الإذاعة والنشر كالمذياع والبرق . . وكنا نكتفي بأن نضع في كل أمة مجموعة من الكتب الإسلامية وهي كفيلة بأن تظهر عظمة الإسلام ، وأن تنشر محاسنه ، وأن تذيع تعاليمه ، بل وأن تحمل الناس ـ رغبة أو رهبة ـ على حكم الإسلام !

نحن لا ننكر فضل الكتب والمؤلفات ، ولكنا نؤمن بأنها وحدها لا تكفي ، وقد تشتري كتابا ينطوي على قصة بطل من أبطال الإسلام ، وتعاف أن تقرأه ، ولو قرأته لما استفدت منه كثيرا ، ثم تشهد مسرحية تعرض ما في هذا الكتاب من فصول وحوادث ، فإذا أنت تعجب وتطرب ، وتتأثر كثيرا مما شاهدت وسمعت ، أضعاف ما قرأت ، لأن هناك عوامل كثيرة غير الألفاظ قد تعاونت على التأثير وتحريك العواطف .

ويقول الشيخ : إن أكثر الذين يشهدون هذه المسرحيات ، يقصد التسلية لا غير ، وهذا بعيد عن الواقع ، لأن الأكثرية العاقلة المتبصرة التي تشهد هذه المسرحيات من أعضاء الجمعيات الإسلامية والعربية تشهدها لتستفيد في عقلها وعاطفتها وأخلاقها ومشاعرها .

ولنفرض جدلا أن الأكثرية تقصدها للتسلية ، فماذا يترتب على ذلك من المحظورات؟! وما المانع أن يقضي المرء ساعة من يومه في تسلية بريئة طاهرة إن لم ينتج عنها خير فلن ينتج منها شر؟ ما المانع من أن يُرَوِّح الإنسان عن نفسه وقد ورد أن القلوب تحتاج إلى الترويح كما تحتاج الأجسام إلى الراحة ، فإذا ملت هذه القلوب عميت ، ألا يكون هذا خيرا من التسلية الفاسدة الضارة التي يعمد إليها الأكثرون بين المقاهي والملاهي ودور الفجور؟!

ويقول الشيخ الفاضل : (إن التمثيل ينافي أغراض الأبطال السابقين من المسلمين الذين تمثل مواقفهم ، ولأنهم كانوا يخلصون العمل لله لا يريدون غيره ، فإظهارهم على خشبة المسرح ينافي غرضهم) . . وأنا أعجب من هذا الاحتجاج . . لا شك في أن السلف الصالح كانوا يخلصون نياتهم وأعمالهم لله ، ولكن لماذا ينافي التمثيل غرضهم؟ إننا لا نعرض مواقفهم لتضيف إليهم مجدا ، أو نردد لهم حمدا ، بل نقصد ما هو أهم من ذلك ، وهو أن نعتبر بهم ، ونهتدي بهديهم ، وننسج على منوالهم ، فنفوز كما فازوا ، ونعود سادة للعالمين!

ثم يقارن الشيخ بين التمثيل الإسلامي النبيل القصد ، الشريف الغرض ، الصادق القول ، وبين إقامة التماثيل في مياديـن القاهـرة والإسكندريـة ، ويجعلهـا سـواء ، بلا فـارق أو تمييز . . وهذا شيء لا نسلم به ، فهناك فارق كبير بين التمثيل الصادق ، وبين إقامة التماثيل ، أما التمثيل فله فوائده ومنافعه وذكرنا بعضها سابقا ، وأما التماثيل فخطرها كبير إذ يخشى أن يسرف الجمهور الساذج في إحاطتها بألوان من الإجلال والتعظيم أو يكثر من الطواف بها؛ فتصبح كالأصنام والأوثان .

ويقول الشيخ : إن التمثيل يستدعي وجود نساء كما في قصة إسلام عمر ، وهذا الاعتراض يمكن دفعه بأن يحرص المؤلف على أن يختار المواقف والحوادث التي لا تحتاج إلى ظهور امرأة على المسرح ، ولن أنسى بهذه المناسبة أن أثني الثناء المستطاب على الشاعر الكبير ، والمؤلف المسرحي الإسلامي الموفق الأستاذ علي أحمد باكثير ، إذ استطاع بفنه وقدرته أن يصوغ هذه المسرحيات الجميلة التي تزدان بها صحيفة (الإخوان المسلمون) كل يوم سبت من كل أسبوع!

ويقول الشيخ : (إن التمثيل يستدعي تغيير الشكل واللون واستعمال شعر مستعار وغير ذلك ، مما نهى عنه الشرع ولعن فاعله) . . وأظن أن الشرع لم يلعن هذا اللون من التغيير المؤقت ، وإنما لعن الذي يحاول أن يغير خلـق الله ، أو يستر هيئته على الدوام ، أما أن يغير الشخص بعض هيئته ليصور الشخصية التاريخية فذلك شيء ليس به من بأس .

أما بعد : فقد علقت على هذه الآراء بإيجاز يتطلبه العصر والمكان ، ولو شئت لأطلت وأطلت ، وأغلب ظني أن فضيلة الأستاذ سيراجع ما كتب على ضوء هذه الملاحظات التي أضعها بحسن نية ، وشريف مقصد ، والله أسأل أن يوفق خاصة المسلمين وعامتهم لما فيه الخير في الدين والدنيا!)(17).

صفحة 7

ثر مسرح الإخوان في الحالة الثقافية

كما كان لمسرح الإخوان أثر في الحالة الثقافية فأحدث نوعا من الحراك الثقافي، من حيث نقاش الكُتَّاب حول مسرح الإخوان ، وقيمته الأدبية والثقافية، ما بين مؤيد ومعارض، وإذا صادف مسرح الإخوان هجوما من أهل التدين الإسلامي ، وهو أمر وارد ، فهو مستحدث على الساحة الإسلامية ، ولكن العجيب أن الجانب العلماني لم يقف أمام تجربة الإخوان المسرحية موقف الدارس ، أو المحلل ، ليشجع أمرا كهذا يدل على انفتاح الجماعة ، بل رأينا من يعارض هذه الخطوة عند الإخوان المسلمين ، لأنه بداية يرى الإخوان جماعة رجعية ، تتستر بثوب الدين ، لنشر أفكارها المتشددة .

سلامة موسى يهاجم مسرح الإخوان

ومن هؤلاء الذين هاجموا مسرح الإخوان : سلامة موسى ، فقد كتب مقالا بعنوان : (التهتك في التعصب) ، قال فيه :

وجماعة الإخوان المسلمين من الجماعات الرجعية ، ونعني بكلمة رجعية أنها تريد أن ترجعنا إلى الحكم الذي كان يسود الأمم الإسلامية قبل 1300 سنة ، وهي بالطبع حرة في هذا الطلب ، ولكننا نحن الأقباط أيضا أحرار في أن نطلب قوانين عصرية ، قوانين أوربا المتمدنة المسيحية ، لأننا مسيحيون ولسنا مسلمين

وتقرأ في برنامج الإذاعة هذا اليوم : أنه في الساعة 9.50 تمثيلية (المعز لدين الله الفاطمي) يقدمها الإخوان المسلمون من دار الأوبرا الملكية .

فنحن إزاء اتجاه حكومي معين يخالف ما كان يجري سنة 1942 حين عمد مصطفى النحاس باشا إلى إقفال مكاتب هؤلاء الإخوان ، لأنه رأى أنهم في تعصبهم سيمزقون الوحدة الوطنية . وهي وحدة حرص عليها كثيرا زعيم الوفد المصري ، ولكن للأسف العظيم لا يحرص عليها غيره من الساسة المتزعمين .

إن القلم يرتجف في يدي للغيظ من هذه الفضيحة ، ولعنة الله على وطن يجيز مثل هذا التهتك في الشعب .

جرائد يومية ، ومسرحيات تلقى وتذاع ، ومواكب تسب فيها الأقباط ، وماذا بعد هذا أيها المناكيد ، يا من ترضون أن تعيشوا في القرن العشرين .

إني أتهم الحكومة المصرية بأنها مالأت الرجعيين المتعصبين ، وكافحت العصريين المتسامحين ، حتى وصلنا إلى هذه الحال الشنيعة التي لا يطيقها قبطي كريم ، ولا حر أَبي( (18

مسيحي منصف يرد على سلامة موسى

وقد رد عليه كاتب مسيحي آخر ، يرد عليه غلوائه وتطرفه في الرأي ، ويبين أنه عاشر الإخوان ولا رجعية فيهم ، وأنهم لم يسبوا الأقبـاط كمـا ادعـى ، فيقـول : (أما المقال فلا أجد ما أرد عليه ، إلا زفة المسلمين في الشوارع لهذا الذي اعتنق الدين الإسلامي ، فليسمح لي الأستاذ سلامة موسى أن أقول له بكل صراحة : إن هذا المثال لا يقصد به خدمة الطائفة القبطية مطلقا ، بل إنه يخدم به الاستعمار!!

نرى الكثيرين يعتنقون الدين الإسلامي ولكنا لما نر شخصا له كرامة اعتنق الدين الإسلامي ورضي أن يزفه الناس ، بل الذي يحصل عادة أن يشهر إسلامه في بلد آخر احتراما لشعور الناس ، وإني مستعد أن أقدم عشرات النماذج على ذلك ، وليس هناك مسلم محترم يتخذ من إسلام أحد الناس وسيلة للتشهير بأديان مواطنيه .

وأما بخصوص جماعة الإخوان المسلمين ، فإني أعترف بأنهم أشرف الجماعات مقصدا ، وأنبلهم خلقا ، ولن أقدم دليلا إذ إن شعبتهم يجاورها المسيحيون من كل جانب ، ومع ذلك لم نر منهم إلا كل أدب وتقدير لإخوانهم المسيحيين ، وإن شعبتهم بالصيادين بالزقازيق تجاور الكنيسة ولا ينظرون إليها إلا بكل إكبار واحترام .

وإني أيها الأستاذ سلامة موسى بحكم صلتي بعائلتك وتقديري لمواهبك أطلب إليك باسم إخواني المسيحيين : أن تفيدنا بعلمك الغزير ، وأن توجه جهودك للناحية الثقافية ، فهذا خير وأجدى ، وختاما : أسأل الله جلت قدرته أن يلهمنا جميعا التوفيق والسداد).

الزقازيق توفيق غالي

تاجر وقومسونجي مورد المدارس(19)

صفحة 8

أثر مسرح الإخوان في الحالة الفنية

بدأ أثر مسرح الإخوان المسلمين يظهر ويتضح في الحالة الدينية كما أسلفنا ، من إثارة للرأي حول التمثيل ، وحكمه ، والمسائل المثارة حوله ، ثم في الحالة الفكرية والثقافية بين المثقفين ، وما أثار من ردود أفعال ، ثم انتقل تأثيره إلى الوسط الفني ، فكما أسلفنا طلبت إحدى الممثلات من مؤلف مسرحيات الإخوان المسلمين أن يؤلف لها مسرحية ، فكان ذلك مشجعا لمسرح آخر على الانطلاق وبقوة ، وقد قامت فكرته في رأس شاب صار بعد ذلك مديرا للفرقة وهو محمد عثمان ، وانطلق من جمعية الشبان المسلمين وهو مسرح جمعية الشبان المسلمين .

ولا بد هنا من كلمة حول هذا المسرح ، وكيف نشأ ، وبعضا من مسيرته ، أنقل هذه الفقرة عن مسرح الشبان المسلمين بكاملها عن مقال نشره الأستاذ أحمد زين عن المسرح .

مسرح الشبان المسلمين

جاءت فكرة إنشاء هذا المسرح حين قرأ محمد عثمان عن مسرحية =آلام المسيح+ الألمانية ، والتي تجد إقبالا جماهيريا كبيرا ، وتساهم في نشر الأفكار الدينية . قرر عثمان التحول إلى المسرحيات الدينية عن عقيدة واقتناع ، فكر وشعاره : =ولم لا نصنع لديننا الإسلامي مثل هذا النشاط؟+ ، وذهب لجمعية الشبان المسلمين ليعرض فكرته ، ووافق الرئيس العام للجمعية صالح باشا حرب باشا شريطة خلو هذه المسرحيات من العنصر النسائي .

بدأ الفريق في تقديم بعض الأعمال الكوميدية بإخراج محمـد عثمـان ، وكـان يقـدم مسرحيـة من 3 مشاهد منفصلة ـ متأثرا بالاسكتشات التي كان يقدمها سابقا ـ الأول فكاهة ، والثاني مأساة اجتماعية ، والثالث مشهد ديني ، ثم قدم عرضه الإسلامي الأول =بلال+ للمؤلف يوسف المحجوب ، وبعد هذا العرض أحست الجمعية بأهمية الفريق فسمحت لعثمان بإجراء توسعات وتعديلات في قاعة المحاضرات لتكون قاعة مسرح ، وتبرع أحد الأغنياء المعجبين بنشاط فرقة المسرح الإسلامي بستارة فاخرة موشاة بالقصب تكلفت في هذا الوقت 500 جنيه ، والطريف أن يكون هذا الثري المتبرع من عائلة لطف الله وهي عائلة قبطية شهيرة في مصر (!!)

واستمر الفريق يعرض ليلة واحدة كل شهر ، وكانت المشاهدة بالمجان في أول الأمر ، ثم صارت مقابل قروش قليلـة .

تعد فترة الازدهار بداية من عام 1944 حيث بدأ الفريق يعرض أعماله خارج مسرح الجمعية . وقدم الفريق أول أعماله على مسرح دار الأوبرا =خالد بن الوليد+ لمحمود جبر . وفي العام التالي مثلوا =عبد الرحمن الناصر+ لعباس علام 1945 ، ثم =قاهر الشيطان+ لمحمود متولي ، ثم تلاه نجاح آخر للفريق حين أذاعت الإذاعة المصرية مسرحية =عبد الله بن الزبير+ .

نجح الفريق كذلك في تلك الفترة في ضم عدد من الشخصيات الرسمية الهامة والتي أسهمت في دعم الجمعية ومن هؤلاء الدكتور محمد صلاح الدين ـ وكان وزيرا لخارجية مصر ومستشارا فنيا للحكومة المصرية ـ فوضع تحت تصرف الفريق كثيرا من الإمكانيات ، كما ساهم في تغيير نظرة الفريق لإدخال العنصر النسائي في التمثيل ، فإلى هذا الحين كانت الفرقة تتعمد تأليف مسرحيات تخلو من العنصر النسائي وإذا كان ثمة عنصر نسائي في البناء الدرامي كان يتم تحوير دوره واختزاله منعا لظهور ممثلات على المسرح ، ولا شك أن ذلك كان يؤثر على حبكة الدراما في العمل ، وكانت مسرحية =عبد الرحمن الناصر+ هي أول الأعمال التي تضمنت عنصرا نسائيا ومثلت فيه عدد من مشاهير الممثلات بعد ذلك وهن : زوزو نبيل ـ رفيعة الشال ـ نعيمة وصفي .

لكن هذه التجربة لم تمر بهدوء . . فقد تعرضت لهجوم عنيف من الخطباء على المساجد خاصة الجمعية الشرعية والأزهر ، بدعوى =الخروج على الدين ونشر الرذيلة والفساد+.

وشهدت تلك الفترة استعانة عدد من الهيئات الاجتماعية والجامعات والمؤسسات بالفريق ليدعم مسرحياتها ، فقد شارك الفريق في إخراج مسرحيتي =إسلام هرقل+ و =خالد ابن الوليد+ ، وذلك لرابطة مسرح الأزهر ، وكذلك في مسرحيتي =الهادى+ عام 1951 ، و=عبد الرحمن الناصر+ عام 1952 وذلك لرابطة طلبة دار العلوم ، ومسرحيـة =صلاح الدين الأيوبي+ لرابطة أبناء فلسطين عام 1953 ، ومسرحية =عمرو بن العاص+ لوزارة الأوقاف عام 1954 ، ومسرحية =نورونا+ لهيئة البريد .

واللافت للنظر أنه كان يقوم بذلك دون مقابل ، وحسب قول محمد عثمان : =حبا في نشر الدعوة الإسلامية عن طريق الفن+ .

والأكثر من ذلك أن الفريق بكامله ظل لا يتقاضى أي أجر على الأعمال التي قدمها رغم ما بذله من جهد ومشقة على مدار عقدين من الزمان .

ويمكننا رصد عدد من مظاهر نجاح هذه الفرقة كذلك فيما يتعلق بجذب الفريق لعدد من المسرحيين اللامعين مثل : توفيق الدقن ، وسعد أردش ، وكمال يس، أضف إلى ذلك دعوة الفريق لعرض مسرحياته داخل وخارج القطر ، فقد أقام حفلات في محافظات : قنا ، والمنيا ، وبني سويف ، والمنصورة ، والسويس ، وكذلك في فلسطين في يافا ، ونابلس ، عامي 1946و 1947 .

كما أن عددا من هذه المسرحيات تحولت إلى أفلام سينمائية مثل : بلال مؤذن الرسول ـ ظهور الإسلام ـ بيت الله الحرام ، وشارك في تمثيلها سينمائيا عدد من أفراد هذا الفريـق .

وبسبب خلاف دب بين مدير الفرقة محمد عثمان ورئيس جمعية الشبان المسلمين صالح حرب خرج عثمان من الفرقة ، وتولى قيادتها فؤاد الطوخي وهو الكاتب الأول للفرقة ، ثم مخرجها في فترتها تلك حتى توقفها عام 1961 بعد إنتاج بلغ 14 مسرحية إسلامية المضمون ، وست مسرحيات فكاهية واجتماعية .(20)

صفحة 9

علاقة البنا بالفنانين

كون حسن البنا علاقة بالفنانين الذين تيسر له الوصول إليهم، فقد كان يتعامل مع الفنانين بروح أخرى غير ما كان يتعامل بها معظم إسلاميي عصره ، وهي روح المقاطعة وعدم إقامة أي علاقة معهم ، ولا حتى الحرص على السلام عليهم ، بل السخرية أحيانا والتنقُّص من امتهانهم للتمثيل . فقد أقام البنا علاقات مع الفنانين ، تركت أثرا طيبا عن دعوة الإخوان في نفوسهم ، سواء كانت العلاقة بلقاء عابر لا يفوته فيه غرس معنى من معاني الإسـلام الحسنـة ، أو بإقامة علاقة تواد وتودد معه ، أو بظهور الدعوة أمامه بمظهر لا يدعوه للريبة من حملتها ، أذكر من هـؤلاء الفنـانيـن ثـلاثـة فقـط ، هـو مـا وصلت إليه من خلال بحثي وتنقيبي في هذا الأمر ، إضافة إلى أعضاء فرقة مسرح الإخوان المسلمين من الفنانين .

1- أنور وجدي

أما أولهم فهو الفنان أنور وجدي ، الذي كان له صيت ذائع في فترة الأربعينيات من القرن العشرين ، والذي كان يلقب بفتى الشاشة ، وله جمهوره المتابع لفنه ، يقول الدكتور محمود عساف :

(في يوم من أيام صيف عام 1945م ، وكان الجو صحوا ، ونسمة خفيفة تداعب الشجر في ميدان الحلمية الجديدة ، ذهبت إلى الأستاذ الإمام كعادتي كل يوم أتلقى تعليماته فيما يتصل بالمعلومات ، وكان في ذلك الوقت غير مشغول بضيوف أو أعمال لها صفة الاستعجال ، قال لي : =قم بنا نذهب إلى البنك العربي لنفتح حسابا للإخوان هناك+ إذ لم يكن للإخوان حساب بأي بنك حتى ذلك الوقت .

توجهنا إلى مكتب رئيس البنك وكان يتبع سياسة الباب المفتوح للعملاء ، ويستطيع أي عميل أن يدخل إليه بغير استئذان ، دخلنا وألقينا السلام ، وجلسنا على أريكة مواجهة للمكتب ، وكان هناك رجل جالس على مقعد مجاور للمكتب وظهره منحرف نحونا ، وكان يتحدث مع شومان بك (رئيس البنك) وفي انتظارنا صامتين إلى أن تنتهي تلك المقابلة ، فاجأنا شومان بك بقوله : =أهلا وسهلا+ بصوت عال جعل الجالس إلى مكتبه ينظر نحونا ، وإذ بذلك الجالس ينتفض واقفا ويهتف : =حسن بك؟ أهلا وسهلا يا حسن بك ، ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام ثم إياي . ثم جلس على مقعد مجاور للإمام وقال : =أنا أنور وجدي .. . المشخصاتي . . يعني الممثل .. . طبعا أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم ، في حين أني والله أقرأ القرآن وأصلي كلما كان ذلك مستطاعا+ .

كانت مفاجأة لي ، فلم نكن ننادي الإمام أو نشير إليه إلا بقولنا : فضيلة الأستاذ . أما حسن بك ، فقد كانت نشازا .

قال له الإمام : يا أخ أنور أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم ، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته ، ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراما . وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسـلام إذا عملتـم علـى إنتـاج أفـلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق ، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد .

إني أرحب بك وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة إلى الله+(21). فعندما سمع أنور وجدي هذا الرد الجميل من الإمام البنا بكى أنور وجدي وقبل يده ورأسه (22). بعدها رأينا لأنور وجدي (ليلى بنت الفقراء) (23).

صفحة 10

2- حسين صدقي

والفنان الآخر : هو حسين صدقي الذي يشير بعض معاصري البنا إلى علاقة بينهما في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي ، قبل وفاة البنا ببضع شهور ، وأكمل الأستاذ سيد قطب المشوار الدعوي معه ، إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي رحمه الله ، وقد ذهب إليه يخبره أنه ينوي اعتزال التمثيل ، وتركه نهائيا ، فقال له سيد قطب : إنني أكتب عشرات المقالات ، وأخطب عشرات الخطب ، وبفيلم واحد تستطيع أن تنهي على ما فعلته أنا ، أو تقويه ، أنصحك أن تستمر ولكن بأفلام هادفة .

وبالفعل قدم حسين صدقي بعد ذلك فيلمين : الأول ضاع عن ذهني اسمه ، وقد مثل فيه معه : حسن فايق وعزيزة حلمي ، وماجدة ، وكان يدور حول علاقة الأب بأبنائه ، وأسلوب التربية الخطأ ، وقد دخل هذه الأسرة المفككة فأقام علاقة جيدة بالأولاد ، مما كان سببا في تحسين علاقتهم بأبيهم وربهم .

أما الفيلم الآخر : فهو فيلـم : (الشيـخ حسـن) ولـم أره ، ولا يعرضه التلفزيون المصري ، فقد صادرته الرقابة آنذاك ، ولكني رأيت إعلانه في الجرائد القديمة ، وقد رأيت صورة حسين صدقي يرتدي الزي والعمامة الأزهرية ، وشاركه في البطولة ليلى فوزي ، وسألت أحد الذين شاهدوا الفيلم ، فحكى لي أنه يدور حول شيخ أزهري ، عرف فتاة مسيحية فدعاها للإسلام فأسلمت ، فأثار الفيلم ضجة ، واعتراضا من المسيحيين في مصر ، فآثرت الرقابة السلامة فمنعت عرضه