eKtab
EN ع
حتى لو
اقرأ عينة مجانية

حتى لو

بقلم د. راشد علي عيسى

صفحة 1
عندئذٍ
 
لما تناهتْ للسُّدى
 
مكائدُ الزمانْ
 
وانهمدتْ بقهرهِا خينونَةُ المكانْ
 
وأصبحَ التاريخ جثةً تنوشها
 
النسورُ والضباعُ والنسيانْ
 
ولم يظلَّ في جنازة الأَزلْ
 
سوى زحلْ
 
ونملةٍ جريئةٍ تقدّم العزاءَ
 
للحقيقة المُرمَّلَة ْ
 
رأيتُهُ ...
 
أعني صديقي الشِّعرَ راكباً
 
على حصانْ
 
يجولُ في خرائبِ الكينونةِ الخرساءْ
 
يحذِّرُ الوجودَ من غوايةِ العماءْ
 
مُسَلْطِناً ... مُباهياً بالصهْللة
 
وفي يديه ضِحكتانْ
 
عندئذٍ...
صفحة 2
تبعتهُ ببسمةٍ مُسَنْبلةْ
 
بعنفوانْ
 
ورفقتي طفلٌ حزينٌ طيبٌ لعلّه الأملْ
 
وشيخةٌ جليلة مكلّلةْ
 
بوردة الخجلْ
 
قيلَ اسمها:
 
حريّة الإنســـــانْ
 
وعندما صدَّقتُ كذبةَ الحياةْ
 
لأشتري أنايْ
 
وأقتفي مُنايْ
 
تساقطتْ قصائدي منْ دمعتي المؤجّلةْ
 
ولـُذتُ بي،
 
مُزدهِياً بأنني
 
سأربحُ الخُـ سـْـــ ـــــــر ا نْ .
صفحة 3
ماذا عليك؟
 
ماذا عليكَ إذا غضبتَ بأن تحاورَ إصبَعَكْ،
 
وتَشُمَّ عطرَ قَرَنْفُلَةْ ؟
 
ماذا عليكَ إذا افْتَقرتَ ولم تجدْ قرشاً معكْ،
 
أن تكتفي بالخردلةْ ؟
 
ماذا عليكَ إذا عشقتَ وبيتُ قلبكَ لوَّعكْ،
 
أن تسْتَكِنَّ بدمعةٍ مُتَبَتِّلةْ ؟
 
ماذا عليكَ إذا الصديق غدا العدوَّ وأوجَعَكْ،
 
أن تَلْتَقيهِ بسُنبلة؟
 
ماذا عليكَ إذا صرختَ بأُمةٍ فقدتْ هويَّتها
 
ولم تنظرْ إليكَ لِتسْمَعَكْ،
 
أن تستْضيءَ بنجمةٍ مرتْ بليْلِ المرحلةْ؟
 
ماذا عليكَ إذا الطريقُ لوى خطاكَ وضَيَّعَكْ،
 
أن تحتفي بالبوصلة؟
ماذا عليكَ إذا نَبا بِكَ طائرُ الحلْمِ الجميلِ ليخدَعَكْ،
 
أن تنتشي وتُدَلِّلَهْ ؟
 
ماذا عليكَ إذا ضربتَ جذورَ حبِّكَ في الحياةِ،
 
وجاءك الموتُ الوفيُّ ليقْلَعَكْ،
 
أن تَتّقيهِ بضحكةٍ مُتَمهلةْ ؟
 
ماذا عليكَ! اصْبِرْ عليكَ! اضحَكْ عليكْ!
 
ماذا ستنفَعُكَ الإجابات السَّعيدةُ عند موتِ
 
الأسْئلة؟!
 
هذي حيَاتُكَ يا بنيَّ فراشةٌ في موقدٍ
 
أو وردةٌ في قنبلةْ!!
صفحة 4
رسالة إلى اللغة العربية
 
قلبي عليكِ! فماذا بَعْدُ يا لُغَتي
 
قَدْ مَلَّ من سفُني ميناءُ أَجْوبتي
 
قلبي عليَّ! فَمِرْآتي مُغَبِّشَةٌ
 
ولم تكُنْ قَدَّ هذا التّيهِ بوصلتي
 
حُرّيَتي أنتِ، لن أسلوكِ ذاتَ مدى
 
مهما تحامَتْ على عَينيَّ أَسْيجَتي
 
آنسْتُ فيكِ كراماتٍ سَمَوْتُ بها
 
كأنّما قَمَرٌ يَسْري بِناصِيَتي
 
سالتْ شمائِلُكِ السّمحاءُ في عُمُري
 
وأضرمتْ ماءَها في أرضِ عافيتي
 
ما أَغْرَبَنَّكِ من أنثى مُلاوِعةٍ
 
سمَّيْتُها دون خلقِ الله سيّدتي
صفحة 5
فكنْتِ لي وطناً يحنو على طرُقي
 
لمّا حَسِبْتُ شظايا القهر عائلتي
 
لي في مزاجكِ أقداحٌ مُشَعْشِعَةٌ
 
تذوبُ فيها سماواتي وأَرْوِقَتي
 
لو مرَّني حجرُ الرؤيا وأنتِ معي
 
لصار طيراً يُغنّي عند نافذتي
 
تُؤكْسِجينَ نوايا المفرداتِ شذا
 
صلَّى الظهيرةَ قبل الصبحِ في رِئَتي
 
وتُنْقِذين المعاني من مغاوِرِها
 
فأَسْتفيقُ على جاهي وسَلْطَنتي
 
***
 
كم كنتُ قبلكِ طفلاً ضائعاً هَرِماً
 
وحين هِمْتُكِ لم أهرمْ ولم أَمُتِ
 
طوبى لعينيكِ لمّا عشتُ بينَهُما
 
وربَّةُ الشِّعْرِ أَدَّتْ دورَ مُرْضِعَتي
صفحة 6
فالجاهليُّ أنا والبحتريُّ أنا
 
أنا الحداثيُّ، لم تُعْجِزْكِ تسْمِيَتي
 
أنتِ التي وحدها أشكو لها شَرَري
 
وأَتَّقيني بها من ليلِ رَهْبنتي
 
أنا مِزاجُ هواءٍ عاصفٍ نَزِقٍ
 
فكلُّ ريحٍ إذا أسكرتُها جهتي
 
أموتُ فيكِ وأحيا لستُ مُرْتجياً
 
إلا رضاكِ فَمَنْ إِلاّكِ أمنيتي
 
فكم لأجلي تَحَدَّيْتِ الحياةَ وكم
 
على يديكِ زَهَتْ آفاقُ أَحْصِنَتي
 
***
 
أطوفُ بين بحورِ الشِّعرِ أصْهَلُها
 
وَيَسْتَفِزُّ ضَميرُ الماءِ أَشْرِعَتي
 
فكلُّ تفعيلةٍ زَوَّجْتُها وَتَراً
صفحة 7
صارت رنيماً يناغي دمع أُغْنِيَتي
 
دَوْزَنْتُ قلبي على لحنِ (الصَّبا) فبكى
 
وشَعْوَذَتْني بموسيقايَ دَوْزَنتي
 
ومنذُ ساكنتُ بيتَ الشِّعر بعتُ غَدي
 
ولم يَحُزْ مَنزلٌ يوماً على ثقتي
 
تركتُ جسمي بظِلّي باكياً أبداً
 
والريحُ تعسفُ رملَ الوهمِ ناحيتي
 
وَغِبْتُ عني أُنَحّي الكونَ عن قدمي
 
حتى تحاشى فؤادُ الغيبِ أُبَّهتي
 
ومرَّ عني ربيعُ العمرِ في خجلٍ
 
مُسْتَغْرباً كيف لم آبَهْ بأَنْسَنَتي
 
بكى عليَّ قليلا ثمَّ أيقظَ بي
 
فراشةً رتَّلَتْ بَدْئي وآخِرتي
 
***
 
كم مَرْحَلوني وصَدُّوا عنكِ هِمَّتَهمْ
 
فما رضيتُ سوى عينيكِ مَرْحلتي
صفحة 8
ما أَرْحَبَنَّكِ من صدرٍ تعوذُ به
 
أيقونةُ الفكْرِ من لاهوبِ أسئلتي
 
فَصُنْتُ بابَ لساني عن ملاكَنَةٍ
 
تُسَمِّمُ العَسلَ الصافي بمفردتي
 
أَرْجَعْتِني لصوابي حين فَرْنَجَني
 
سيفُ اللغاتِ ولم تَنْصُرْهُ فَرْنجتي
 
لولاكِ ما رَيْحَنَ الصّبّارُ في كتفي
 
ولا ازْدهتْ بحليبِ النّورِ أَقْبِيَتي
 
ولا نَمَتْ بتلالِ الحزنِ زنبقةٌ
 
ولا اطمأنَّت على الأمواجِ صاريتي
 
مُدّي أياديكِ نحوي حَسْبُني ألماً
 
أنّي ظَنَنْتُ يدي في لَحْظَةٍ شَفتي
 
فكلُّ نقطةِ حرفٍ فيكِ نهْرُ منى
 
يَرْوي الورودَ التي شاخَتْ بأوردتي
 
لُمّي شتاتي أَحِيليني إلى حُلُمٍ
 
أنجو بعزّتِهِ من دمعةٍ أَمَةِ
صفحة 9
ما غيرُ حبّكِ حبٌّ أستجيرُ بهِ
 
وتحتمي بمداه الرحْبِ أَزْمنتي
 
فالْيَعْرُبِيّونَ مدّوا جسْرَ شَهْقَتِهم
 
إلى جبينكِ من بشرى وتَهْنِئَةِ
 
للوردِ ثورتُهُ في طولِ شَوْكَتِهِ
 
وللنهارِ طلوعٌ من يَدِ اللغةِ
 
يا أُمَّ يَعْرُبَ من حقي أذوب هوى
 
فَمَنْ سواكِ بهذا التّيهِ مُلهِمَتي
 
رُدّي إلى أُمّتي ناموسَ عِزَّتِها
 
من قبلِ أن يُحْسِنَ التاريخُ تَعْزِيَتي
 
هُوِيَّتي أنتِ مهما العصرُ (دَبْلَجَني)
 
وحاولَ الصمتُ تَدْجيني وحَوْسَبَتي
 
فما تَصحَّرْتُ إلا كنتِ لي شجراً
 
وما تَعَوْلَمتُ إلا كنتِ خَصْخَصَتي
صفحة 10
سأَنتحي بتفاعيلي إلى جبلٍ
 
يُؤَوِّبُ الطيرُ في أعلاهُ قافيتي
 
وأَرْتَقي غيمةً تُرْخي جدائِلها
 
على ظُنوني وكُثْباني وأَوْدِيَتي
 
يا مَنْ يهيمُ جنوني في مفاتنها
 
ويَنْتَشي بهواها بالُ سُنْبُلَتي
 
ما أَجْمَلَنَّكِ مِنْ عَذْراءَ أَرْمَلَةٍ
 
أَغرَتْ أُنوثَتُها شُبَّانَ أَخْيلَتي
 
كأنني وعميدُ الجِنِّ يشهدُ لي
 
زَوْجُ اثْنتينِ يقيناً: أنتِ وامْرأتي