eKtab
EN ع
هي قالت هذا
اقرأ عينة مجانية

هي قالت هذا

بقلم فهد العتيق

صفحة 1
أنفاس الليل
 
في هذا الليل البري، البارد، والهادئ، والمخيف، والممطر بهدوء، كنت أسمعه يأتي خفيفًا من بعيد، كأنه صوت طائر محبوس، أو صوت لكائن آخر لا أعرفه، لكنه صوت أنيس، يشبه الموسيقى أحيانًا، وأحيانًا يشبه الرنين البعيد ·
 
أسمعه الآن، وأنا أرتجف بردًا، بعد أن ترجلت من سيارتي التي هوت في منحدر صغير وسط براري المدينة القريبة، حين كنت أبحث عن مخيم غامض الملامح·
 
أغلقت أبواب السيارة بعد أن أضأت نورها القصير ثم مضيت، تجاه ضوء بعيد وشاحب، يظهر أحيانًا ويغيب فجأة، ظللت أسير وسط الظلام، على أرض مظلمة، ورطبة لازالت تستقبل مطرها الخفيف، وحولي ذلك الصوت الذي يأتي من كل الجهات موسيقيًا وعذبًا، يرن في أذني الآن بقوة، صوت أليف ومميز وسط هذا الضياع الغريب، حتى إنني لا أعرف اتجاه المدينة، رغم الأضواء البعيدة والباهتة التي أراها تنبعث أحيانا من كل اتجاه، و تختفي فجأة وكأنها شهب دخلت في لعبة مسرحية مع (خوفي) الذي لم يبلغ منتهاه، لكنه لازال ممتعا ومُنتظرًا أو متحفزًا أو مندهشًا·
 
مشيت مسافة نصف ساعة تقريبًا، حتى أضعت أنوار سيارتي، ولازال الصوت الخفي يتبعني، مع صوت المطر على الأرض الرطبة، والهواء البارد يضرب صدري ضربات متتالية، حتى بدأت أشعر أن حلقي صار أكثر جفافًا وخشونة، مع إحساسي بالدوار، وخطواتي أصبحت أقل اتزانا، وبدأت أتحدث مع نفسي وأنا اضرب الأرض الممطورة بقدمي الرخوتين، حتى عاد صوت الطائر المحبوس، قادمًا، ربما من البعد، يضيء ظلام الوقت والمكان والروح والأسئلة والخوف·
 
كنت أفكر، وسط هذه الحالة بأشياء صغيرة، أحيانًا أمشي، يأسا، وعيناي على الأرض، أسترجع شريط حياتي القريبة، وأخذت موقفًا من بعض الأشياء والممارسات، بدأت أحاكم الرجل الذي كنته قبل هذا الضياع، وكنت أتساءل : كيف تسنى لي، أنا المغرور بذاتي، أن أتجاهل أشياء مهمة، كيف أضعت الوقت والفرص و······
 
بدأت البحث في الكثير من الأفكار، وإعادة تصوير الكثير من المواقف، بدأت الأشياء والأفكار والصور واضحة وجلية أكثر من أي وقت مضى، ورأيت كيف تتداخل الصور المتناقضة والصحيحة بعضها مع بعض، وكيف في ظل الانشغالات نقبل بكل شيء، كنت أرى عالمنا مثل جزر معزولة، وأرى المسرحية بكامل فصولها، مع صوت ذلك الصفير البري أو الطائر المحبوس · كنت أعود إلى الطفل العظيم في داخلي، وأشعر أن هذا المكان النائي بدأ يترك فيَّ أثرًا من روحه، مضمخًا برائحة جديدة ونفاذة لم آلفها بعد، وكنت أحاول أن أتعايش مع هذا الألم بسرية ووقار، في حين تنفجر الذاكرة بلا إرادة فيَّ، مبتعدة هناك إلى الطفولة القصوى، وإلى تعرية الواقع الذي كان واقعًا ضخمًا، ومسيطرًا بضبابه، قبل هذا الموقف·
صفحة 2
لقد أحبب صوت الطائر الذي يسير معي الآن، لكني بدأت أشعر بمسؤولية أكبر، بعد أن فقدت إضاءة سيارتي، ثم تنبهت أنني قطعت الآن أكثر من ساعة، فآن للمحارب أن يستريح قليلاً على ظهر حصاة مبلولة، على إيقاع أنفاس الليل، وصفير ذلك الطائر، الذي ربما لا يكون طيرًا·
 
على ظهر الحصاة الممطورة، مكثت نحو عشر دقائق، كأني أنتظر أحدًا، وسط هذا الضياع، في البراري المظلمة والممطرة، لا يمكن أن تحدد بماذا تفكر، لقد شعرت أنني لا أبحث عن حل، بقدر ما أنتظر دليلاً ما لاتجاه المدينة الصحيح، أو عابر سبيل، أو نور لا يبتعد حين أمشي إليه·
 
الخواطر والأفكار تأتي عشوائية على نحو مثير، وفي وسطها تبرز صور غير معقولة، تحاول الاقتراب من هذه الحالة الغامضة التي أمر بها، كنت أشعر أن قدمي المبلولتين أكثر ضعفًا، وبدأ وجع جديد عند المفصلين، أما ثيابي فقد أصبحت منذ فترة طويلة تقطر ماء السماء·
 
كان صفير الطائر المحبوس، لا يزال يرن في أذني بقوة، يحدثني عن أشياء كثيرة، يثير الكثير من الشجن، ويعيد ذكريات قديمة·
 
الآن بدأت أرى وجوها قديمة أعرفها، في عتمة خفيفة أمامي، بدأت أشعر بدوار ثقيل أيضًا، وأنا أتأمل وجوهًا اصطف بعضها بجانب بعض، بتعابير مختلفة، كل أصحاب هذه الوجوه ماتوا، وكلهم الآن يبدأون في الحركة، يتقدمهم وجه والدي الذي فقدته منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كان أكثرهم وضوحًا بشعر وجهه الأبيض، تقدم أكثر ويده اليمنى أمامه حتى لامست خدي، فصحوت من خدري اللذيذ، وبقي بعض الدوار الذي سمح لي بتوديعه وداعًا يليق بحجم الفقد، وفي كل وقت كانت تظهر وجوه متفرقة وتغيب، نساء ورجال فقدتهم منذ أزمنة بعيدة، في حوادث أو أمراض مختلفة، وجوه تظهر ووجوه تغيب وأنا في حال إرهاق شديد، أرى نفسي في وجه أبي، أرى أسئلتنا المعلقة وأحلامنا المنكسرة ومتاعب وجوهنا جميعًا، وكانت بين وقت وآخر تطل علي بوجهها الفاتن، تطل من البعد وأنا مشغول بوجوه كثيرة حولي، وكأنها تريد القول إنك دائما مشغول عني، تطل من البعد فأشعر بتأنيب ضمير وندم وبكاء، ثم في لحظات أخرى أشعر أنني أعيش حياة بائسة في عالم كبير الفوضى وكبير الآلام وكبير البؤس، وكثير الأحلام المؤجلة، عالم لم أشارك في صنعه وليس لي في واقعه رأي ·····
 
تركت ظهر الحصاة التي استرحت عليها قليلاً، واتجهت نحو ذلك اللون الفضي البعيد الذي يشبه قبة في نهاية الأفق، قلت : تلك هي إضاءة مدينة الرياض، أما سيارتي التي فَقدتُ إضاءة نورها القصير، فلم يعد بالإمكان العودة لها بأي طريقة، ظللت أمشي حتى وجدت أن الساعة قاربت الواحدة بعد منتصف الليل، ولم أصل بعد، إلى طريق يهديني إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى المدينة، السماء مازالت تمطر بهدوء، والليل يتنفس مطرها بهدوء أيضا·
صفحة 3
ظللت أسير باتجاه الضوء الفضي الواسع في قبة السماء، وفي رأسي تدور حكايات كثيرة عن أولئك الذين خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا ·· صاروا في عداد المفقودين، وبدأت أهذي بكلمات غير واضحة، صوت يخرج من داخلي يشعرني بالهزيمة واليأس · لو أن يدًا ضخمة تقلني الآن إلى حضن كفها الدافئ، ثم ترمي بي على سطح بيتنا، لو أن نهارًا يعجل بصباحه، الآن، لكي أعرف أين أنا، أين الطريق·
 
مازال المطر خفيفًا، ومازالت الأصوات المختلفة القادمة من بعيد تتداخل، ومن دون أسباب بدأت أشعر، بعد عشر دقائق من المشي السريع المتواصل، أشعر أنني قريب من مكان ما، كانت هناك مناظر سود بعيدة كأنها جبال، وأحيانًا تبدو كأنها جدران عالية مظلمة، وحين أقترب منها تبتعد، حتى بدأت أسمع أصوات سيارات شحن بعيدة، بالتأكيد أنها تسير على الخط السريع لطريق الرياض القصيم، وبعد لحظات قليلة من المشي والانتباه المركز، اصطدمت بجدار حقيقي، درت حول المبنى الصامت فوجدت به بابًا مغلقًا، ركضت إلى الطريق الترابي المؤدي إلى الطريق العام، مكثت دقائق حتى توقفت شاحنة، ركبت بجوار السائق الهندي وأنا ألهث، ولم أفق إلا وأنا مدثر بغطاء ثقيل في بيتي، وقبل أن أتطامن في نومي العميق، تذكرت حواري مع الطائر المحبوس، حين كنت ضائعًا وسط البراري :
 
- قال الطائر المحبوس : عد إلى سيارتك ··
 
- قلت : كيف وأنا فقدتها منذ وقت طويل ·
 
- قال : من خلال الطريق الذي سلكته سوف تصل إليها·
 
- قلت : هل أسير ساعة أخرى ؟
 
- قال : أفضل من المجهول الذي تذهب إليه، الآن، بقدميك·
 
- قلت : وماذا أفعل بسيارة في حفرة ممطورة ؟
 
- قال : تنام بداخلها حتى الصباح·
 
- قلت : بلا غطاء ولا ماء ؟
 
- قال : أفضل من المجهول الذي تذهب اليه·
 
كانت أنفاس ليل البراري تضيئ بصخب في نومي المتطامن قليلا·
صفحة 4
هي قالت هذا
 
عندما كنت أسير في الشوارع وحيدًا، تلك الشوارع الترابية المثيرة للمخيلة ولكل المشاعر، كنت أرسم بقدمي لوحات كأنها موسيقى، أسير ببطء وعيناي على الأرض، أرسم خطًا واضحًا أقطعه بخط آخر، ثم دائرة ثم نقاطًا مبعثرة، تعزف على وتر الإحساس الحاد بوطأة الوقت، والوعي الحاد تجاه الكثير من الصور الاجتماعية المحيطة والمثيرة، لم أكن أفهم معنى لكثير من القصص التي أسمعها، كنت أظن أنها قصص من نسيج خيال جامح، فهل يعُقل أن هذا الشارع الطويل الذي أمر به كل يوم راسمًا الكثير من اللوحات بقدمي المتربتين، ينطوي على هذه الحكايات المثيرة للخوف والحزن والألم، والشفقة أيضًا، يتحدثون عن أشياء كثيرة مثيرة وغريبة، يتحدثون عن علاقة بين ذلك الشاب الوسيم الذي يعمل مدرسا وابنة مؤذن المسجد، وعن شباب من الحارة يمارسون اللواط في (خرابة) قريبة، ويتحدثون عن ذلك الشاب (منصور)، الذي نسمعه كثيرًا ولا نراه كأنــه أسطــورة مـن الزمن القديم، يقولون إنه في مساء الجمعة الماضية أشعل النار في جسده، وإن بيتهم تحول إلى كومة رماد، وإن (الولد) نقلـوه إلى المستشفى بين الحياة والموت، ثم أخيرًا فارق الحياة هنــاك·
 
قبل العصر بقليل أذهب بمشيتي البطيئة، قاصدًا بيت هذا الولد المتمرد، الذي قالت عنه أختي (مسكين)، وقالت عنه والدتي (مجرم)، رأسي إلى الأرض وقدماي ترسمان الخطوة على لوحة التـراب، هـذا هـو بيتهـم، ولكـن أيـن (كومـة الرمـاد) التـي يتحدثون عنها، لم يتغير في بيتهم شيء، أظل أمام باب البيت وقتًا ربما يخرج أحد منهم، قد أرى كومة الرماد في الداخل، أنتظر أن يفتح الباب حتى وصل والدهم وفي يديه كيسان من الخبز والبرتقال، يفتح باب بيت يدخل ويترك الباب مواربًا بانتظار ابنه، أطل على مدخل البيت وأرى فوق الستارة من الخلف علامات سودًا في أعلى الجدار كأنها آثار حريق (مثلاً) أو كأنها ···· لا أدري، الآن بدأت أمسك أول الخيوط، كومة الرماد تحولت إلى خيوط سود فقط، نعم كان هناك حريق ولكن ربما ليس مقصودًا، أعود وأنا غير قادر على الربط بين ما سمعت وما رأيت، أسمع حركة خلفي فألتفت، أرى ابنتهم الصغيرة تطل برأسها، كانت بجديلتيها المعهودتين وعينيها اللامعتين مثل عيني عصفور، وأنفها الأحمر الصغير والسن الكبيرة البارزة، تلاقت عيوننا، ابتسمت لها، كانت على وشك الدخول إلى بيتهم قبل أن تُخرج لي لسانها الأحمر ثم تبتسم وتختفي، وأنا عدت إلى شارعنا أحدث نفسي بأن الصورة الأخيرة لوجهها أفضل للمخيلة من كومة الرمــاد·
 
وصلت شارعنا الصغير الهادىء وأنا أفكر بأشياء كثيرة، لماذا يحاولون أن يقتلوا أنفسهم ؟ وتذكرت أن منصور كان مريضًا نفسيًا وأنه عانى كثيرًا قبل أن يموت، ولكن هل مات حقًا ؟ هل كان هناك حريق بالفعل ؟ كيف يحدث هذا وأخت منصور لا زالت تمارس عادتها بإخراج لسانها الصغير للمارة وتضحك ؟
 
رأيت صديقي خالد يجلس على عتبة الباب الخلفي للجيران وقد شمر عن ساعديه ورفع ثوبه إلى ما فوق ركبتيه، وبين يديه وفمه قطعة كبيرة من البطيخ يسيل ماؤها على وجهه، جلست بجواره حائرًا قلت له الحكاية كاملة، وأضفت عليها مخاوفي وأسئلتي··· لكن (خالد) سألني:
 
ــ من أخبرك بموت منصور؟
 
ــ قلت له: هي قالت هذا·
 
ــ سألني: من هــي ؟
 
ــ أجبت: أخـتـي·
 
ــ قال لي: أسكت، منصور مات في حادث آخر (ثم تلفت حوله)، سوف أخبرك فيما بعد·
 
كان خالد مرتبكًا، وأنا بدأت أشك في أشياء كثيرة حولي، وبدأت أيضًا أنسج حكاية جديدة لموت الولد الشهير والمتمرد منصور، تذكرت، لكنها بالتأكيد سوف تكون بعيدة عن بيتهم الذي لم يتحول بعد إلى كومة رماد، وقريبة من وجه طفل لأخته، يبدو أنني أحببته كثيرًا وهذا يكفيني ·
صفحة 5
في مديح الرقص الجميل
 
أزوركم الآن في بيتكم الجديد،
 
بعد تغير الوقت والأحوال،
 
وبعد هبوب رياح صغيرة اقتلعتنا جميعا،
 
ورمتنا في متعة جديدة بلا روح،
 
أمك ليست أمك،
 
وأنت لست أنت،
 
أراك سارحا وحزينا،
 
لكنك لا زلت طويلا ونحيلا وجميلا،
 
ولازلت تحكي لي بنبرة هادئة وعميقة،
 
عن الذين رحلوا ولم يعودوا،
 
وعن حلمك الذي أحببت ومات،
 
وعن وجوه النساء التي أحببناها،
 
وعن حالات فصام،
 
وإذعانات صغيرة،
 
وكائنات لا زالت مؤجلة،
 
وعن أظافر صغيرة لا تعي ما يدور حولها،
 
وعن فساد عشش في أوقات الوطن ·
 
قلت لي إنك زرت ذلك المكان،
 
لكنك وجدت جدار غرفتك،
صفحة 6
قد وقع على طاولتك المدرسية،
 
وإنك رأيت ثقبا صغيرا في بقايا الجدار المهدوم،
 
كنت تخبئ فيه قرشك الأبيض ليومك الأسود،
 
وفي مكان آخر وجدت بقايا وجهك الخائف دائما،
 
منزوية تحت صندوق أمك الحديدي ·
 
الآن أتذكر ضحكات وأسئلة دارت بيننا طويلاً،
 
عندما كنا نسهر في بيتكم القديم،
 
ذي الغرف الصغيرة المظلمة ··
 
هل تذكر ؟
 
كنا نقرأ قصصا وأشعارا ساذجة،
 
وكانت أمك ترتق لنا ثيابنا الممزقة،
 
كانت أوقاتًا رائعة ··
 
لكنك بالأمس قلت لي : إن رؤساءنا وملوكنا ومدراءنا وعمداء حاراتنا، لا يمزحون معنا مزحا ثقيلا، حين يأخذون رؤوسنا وأموالنا ويستثمرونها في المصارف، من أجل مستقبل أولادنا
 
ثم قلت: أريد أن أحصل منهم الان على حقي لأني بلا أولاد ·
 
قلت لك: هل أنت تمزح
 
قلت لي: أنا لا ألعب
 
ثم صدحت بالصوت العالي: إني أرى رؤوسا قد حان قطافها···· إلى آخره·
 
وحين انتهيت من خطبتك وقعت الكأس من يدك، فنهضت ترقص على إيقاع موسيقا، قلت لك: الآن أنت تلعب يا صديقي القديم ·
 
لم تجب، وظللت في حالة رقص جميل·
صفحة 7
أبواب وطرقات حائرة
 
خرج في صباح هذا اليوم البارد، وضع في جيبه ضحكته المحايدة، وقاد سيارته بهدوء···
 
يتأمل ناس الصباح، يتأمل شمسًا قوية على عينه المخدّرتين، ليظل أقل انتباها، وأقل حذرا، وأقل رغبة أن يصل إلى ما يريد، لا يعرف ماذا يريد، له ما يريد ولهم ما يريدون، والمسافة بينه وبينهم صباح وضحكة محايدة، ونور ساطع لشمس قديمة وعينين مخدرتين، ووله عظيم ·
 
يتأمل عيونا مجاورة مليئة بالنعاس، يحدق في الفراغات، يتأمل إشارات المرور، وعمال النظافة، وتلاميذ وتلميذات المدارس، يقول سوف أمر على تلك الحديقة المهملة التي تحولت إلى (كيس قمامة)، وسوف أمر بجوار مدرسة البنات، سوف أرى الشيخ الكبير الجالس أمام باب المدرسة بعصاه الطويلة، وبنصف رقدة يراقب احتشام البنات الداخلات، ثم أمر بعد ذلك في طريقي، على سيارات كثيرة تصطف أمام ذلك المطعم الصغير المشهور، كل صباح ·
 
خرج في صباح هذا اليوم البارد يضع في جيبه ضحكته المحايدة، خرج من بيته تعبا أو فرحا أو حزينا أو طائرا مثل عصفور، خرج وهو يخبئ في جيوب ثوبه أشياء كثيرة، وخلفه ترك أشياء كثيرة، أبواب الغرف المفتوحة ورائحة الرتابة والملل، ومقاطع من أغان متقطعة ومبعثرة في الفضاءات الصغيرة المسقوفة، ونوافذ نصف مغلقة، تحدّق فيها عدة أبواب صامتة أو مفتوحة أو مواربة ···
 
الباب الكبير الذي أمامه يفضي إلى باب آخر، والباب الثاني من بعده، سوف يقوده إلى أبواب مفتوحة، وممرات كثيرة مغلقة ؟، وهو يقف هناك بعيدا، يرقب أناسا يدخلون الباب الكبير أو يخرجون منه، يقف بعيدا ينتظر الوقت الذي يمضي، والناس يركضون هناك بلا هدف واضح، يدخلون ويخرجون من أبواب كثيرة أخرى، وبأيديهم أوراق كثيرة، وبابه الكبير ينتظره، لكنه يقف بعيدا هناك، يخاف الدخول، يخاف الخروج ·
 
يقف مترددا وخائفا ومتلصصا، يبحث عن رائحة أقدام تقوده، يقف هناك والناس تدخل وتخرج من أبواب كثيرة لكي تفضي بها الى طرقات مغلقة، يقف بعيدا ويتذكر أشياء كثيرة ويحلم بأشياء كثيرة·
صفحة 8
كل الأبواب تفضي إلى أبواب أخرى ··
 
كل الأبواب تفضي الى طرقات مغلقة ··
 
ليس هناك باب يأتي من فراغ ويذهب بك إلى فراغ ·
 
ليس هناك باب يذهب بك الى هناك، حيث حياة أخرى مفتوحة الرحاب ·
 
لكنه يقف متوترًا يقرأ ماضيه، يقرأ وقوفه الأول أمام العالم والناس والأصوات والحياة، والدروب المغلقة، التي أحبطت روحه منذ الصغر، يقف أمام كل باب مسحورا ومبهورا، خائفا مترددا ومتلصصا، يتأمل قدميه الصغيرتين اللتين هدهما تعب قديم، فأصبحتا لا تقويان على الحركة، يحاول تحريكهما فلا يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة، يحاول أن يتكلم فلا يقوى على الكلام، يراقب خطوات البشر في الطرقات المغلقة، بصوت معبأ بالمرارة والبكاء، يراقب حياة تتحرك حوله ويستمع لأصوات متداخلة تأتي من هوة سحيقة في داخله، يظل هناك حذرا وبعيدا ومرتاعا، لا يقوى على الدخول، في انتظار باب يأتي من الفراغ ويدخله، ثم يفضي به إلى فراغات·
 
***
 
يدخل المطعم الصغير المجاور لبيته المتطامن، يجلس في مكانه المفضل جوار الباب الزجاجي المطل على رصيف الشارع، لكي يتمكن من رؤية المطر الخفيف الذي ينزل الآن من السماء الملبدة بالغيوم بعد صلاة الفجر مباشرة ·
 
المطر يغطي زجاج باب المطعم فيبدو مثل لوحة مائية رائعة··
 
عامل المطعم يضع الشاي بالحليب الذي طلبه أمامه، وهو يتأمل العالم الهادئ من حوله، العالم الذي سوف ينطلق بعد قليل لا يدري إلى أين، وفي رأسه أسئلة كثيرة عن الصباح وعن الأبواب المخاتلة الكثيرة في هذا العالم، يسأل وقد ترك خلفه أشياء كثيرة، أبواب الغرف المفتوحة في بيته الصغير، ورائحة الرتابة والملل، ومقاطع حزينة من أغان متقطعة ومبعثرة في الفضاءات الصغيرة المسقوفة، ونوافذ نصف مغلقة ·
 
وبعد قليل سوف يعود لشوارع الصباح من جديد وأبوابها الكثيرة التي تقود، أيضا، إلى محض فراغ مكشوف، ظل يضلل حياته الطويلة، وفي ذهنه باب قديم ظل يطاردة ولا زال يشعر الآن أنه يقف فوق رأسه، مثل رجل، يراقب أحلامه الصغيرة ·
صفحة 9
أماكن
 
عندما دخلت الشقة الصغيرة التي سوف تكون بيتي الجديد شعرت بغربة عميقة ثم حزن ثم رغبة في البكاء أو الهرب·
 
عمارة زجاجية أغلب شققها مكاتب تجارية تفوح منها رائحة الأرقام والحسابات، والناس هنا وجوههم رسمية ولا يحدث بعضهم بعضا·
 
كان العمال يفرشون أرضية الشقة ويدخلون الأثاث، ولا أدري لماذا شعرت في تلك اللحظة برغبة في الهرب، الهرب من الشقة ومن العمال ومن صاحب العمارة التعيسة·
 
أترك أثاثي وأشيائي والإيجار المدفوع وأهرب إلى أي مكان؟
 
مكثت مع العمال وقتًا أحاور أسئلة كثيرة وهمومًا منوعة وروحًا مجروحة، ولكن في لحظة من تلك اللحظات النادرة تركت كل هذا العالم الغريب وخرجت· خرجت لا أعرف إلى أين، وكنت أهجس أن مصيري هو العودة إلى هذه الشقة الملعونة التي تورطت بها·
 
درت في الشوارع، دخلت محلات متجاورة، طالعت مجلات وجرائد كثيرة، وكنت أتساءل: أي جريمة اقترفتها حتى أقع في هذه الحفرة المريبة·
 
كانت الشوارع تبدو أكثر أتساعا وأكثر حميمية والناس تشي وجوههم بالبهجة والرضا، كنت أحسدهم جميعًا على راحة بالهم التي لا يراها إلا أنا·
 
ثم عدت أخيرًا·
 
لا أدري لماذا هربت ولا أدري لماذا عدت، كان كل شيء مرتبًا في الشقة الصغيرة المكتومة الأنفاس، أغلقت الباب وأعدت بعض الأشياء إلى أماكنها، دخلت المطبخ الذي لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار، شربت كأس ماء بارد في الثلاجة البنية الصغيرة التي تصطحبني دائما، ثم استلقيت على ظهري في الغرفة وأنا أفكر في إيجار ستة أشهر دفعته بالكامل وجعلني حبيسًا في مكان لا أكن له أي نوع من أنواع المودة·
 
فهل عليَّ أن أكمل هذه الأشهر من أجل أنني دفعت قيمتها؟
 
أم أنني بحاجة فعلا إلى الهرب؟
صفحة 10
هل سوف أستطيع التكيف مع هذا المكان الغريب المكتئب·
 
لا أعرف·
 
وفي لحظة مترددة نزلت إلى مكتب العمارة، وجدت ناسًا يتحدثون مع بعضهم وآخرين يضربون بأصابعهم على آلات كاتبة، ونزلاء جدداً يوقعون عقودًا، حتى تنبه لي أحدهم، وعرفت حين اقترب مني أنه الرجل الذي أخذ نقودي مقابل ورقة صغيرة لا أعرف أين هي!
 
تلعثمت أمامه بادىء الأمر· ثم سألته:
 
ـ هل مدة الإيجار ستة أشهر؟
 
ـ لا، بل عام كامل· ولكنك دفعت نصف الإيجار فقط·
 
في هذه اللحظة كنت أود له البوح بالرغبة في التراجع عن العقد، ولكن لا أعرف لماذا شكرته وخرجت، ولا أعرف على ماذا شكرته أيضا·
 
وهكذا، ثمانية عشر شهرًا قضيتها في صندوق أسود بدت لي مثل كابوس طويل، كان عليَّ -بفعل قوى أجهلها- أن أعيشه من أجل تنفيذ حكم لا أعرف ذنبي فيه·
 
وفي آخر هذه المدة التي كانت تجربة ثقيلة ومثيرة، بدأت الطائرات تهز سكون هذه الشقة السوداء·
 
طائرات ضخمة جدًا تهز بصوتها كل العمارات المجاورة·
 
كانت تسير في خط واحد وثابت فوق العمارة· كل ثلاث دقائق طائرة لا أراها، ولعدة أيام متواصلة·
 
حتى عرفت أن العراق بقضه وقضيضه دخل الكويت، فهربت من طريق الطائرات إلى طريق آخر أحاول فهم معالمه الأولى·
 
أفقت من غيبوبة تلك الشقة، وذلك العمر الصغير، ودخلت عالمًا آخر·
 
لهذا بدأت أفكر في حفظ الذكريات؛ أضعها في حوض ماء، كما يفعل المصورون بصورهم قبل ظهورها، أفكر بترويض الأيام وأرسم تحت كل يوم لونه واسمه وطول قامته· ربما في يوم من هذه الأيام أكون أكثر مرحًا وجمالاً فأروي حكاياتي لشهرزاد قبل أن تنام·