eKtab
EN ع
حياة جديدة
اقرأ عينة مجانية

حياة جديدة

بقلم لطيفة الحاج قديح

صفحة 1

دبليو دبليو دبليو دوت كوم

قدتُطفُأالأضواء في الدروب كلها ،
ويبقى البصيص الأخير..
تعرّفت "شهد" إلى "عدنان" ، عن طريق المصادفة في بيت صديقتها شادية التي قدّمتها إليه، وابتسامة عريضة تعلو شفتيها، قائلة:
ـ إنها صديقة الطفولة، ولا تزال والحمد لله وَفِيّة لتلك الصداقة، ولم تخاصمني كما فعلت الأخريات، لأني تزوّجتُ قبلها..!
ُأحرجَتْ شهد من كلمات صديقتها، فاحمرَّ وجهها خجلاً، ولكنها تماسكتْ وهي تجيب بقليل من الانفعال:
ـ لا تنسي أني أصغر منك، ولم أُتمَّ العشرين بعد، وأشعر أني لا أزال صغيرة على الزواج، فلِمَ العجلة؟
لم تعلّقْ شادية على كلمات صديقتها، بل سكتتْ، وهي تبتسم ابتسامة لطيفة، فيها شيء من عدم الاقتناع، فهي تعرفُ رأي صديقتها جيداً، وتعلم أنَّه عندما يأتي الحبُّ، فلن تتردَّد شهد أو غيرها في الزواج بمن تحب، ثم التفَتَتْ، إلى شقيقها الذي بدا وكأنه يهمُّ بالانصراف، قائلة:
ـ ما رأيك يا أخي لو تبقى لتناول الشاي معنا؟
ولم يرفضْ عدنان، ولِمَ يرفض وقد أعجبته شهد، واستوقفه جمالها الآخاذ، ولباقة حديثِها، فَجَلَسَ، وطالتْ جلسته، إلى ما بعد خروجها، فعلَّقتْ شادية قائلة:
ـ أراكَ قد أُعجبتَ بها، حتى قبل أنْ تتعرف إليها جيداً، فما الأمر؟
ألم تسمعي قول الشاعر:
ـ لا تسأل المرءَ عن خلائقِة
في وجهِه شاهدٌ من الخَبَرِ
ضحكتْ شادية سروراً، واستبشرتْ خيراً. ومنذ ذلك اليوم أصبحتْ شهد شغل عدنان الشاغل، يسأل شقيقَتَه عنها، ويشجّعها على دعوتها للزيارة خلال تواجده في منزلها.
ولم تكن شهد لترفض تلك الدعوات، فقد بادلته إعجاباً بإعجاب؛ وما لبثت العلاقة أن توطدتْ بينهما ليصبحا صديقين، حميمين، يلتقيان، على انفراد في الأماكن العامة والمتنزّهات. وما لبثتْ تلك العلاقة أنْ انقلبتْ الى شيءٍ كالمدِّ لا يستطيعان إيقافه، عَرَفَا فيه حُبَّاً عاصفاً مجنوناً؛ فأصبحتْ شهد مركز الكون بالنسبة إلى عدنان الذي أصبح كل شيء في حياتها. وقد عبّرت لوالدتها عن حبّها قائلة: "إني لا أبحث عن جمال الرجل الذي أحبّ، ولا عن عمره، ولا عن حسبه أو نسبه أو ثروته، بل أبحث عن طباعه وتطلّعاته ومنطق حياته" . وقد وجدت في عدنان ضالتي، فهو أعظم بكثير مما توقّعت؛ فقد أسرني بسلوكه الإنساني، ومقدرته العلميّة، ورقيّه الخلقي، وسمو سجاياه؛ فبتّ لا أستطيع مقاومته، أو مغالبته؛ وقد اجتاحني كالنعاس، بلا صخب ولا ضجيج، ومن غير أن أشعر. سكتت قليلاً، ثم أردفت قائلة بشيء من المزاح: ومن يدري؟ لو أنّه تخصص بالتنويم المغناطيسي، لكان أبرع من قام بذلك !
صفحة 2
أما عدنان فقد عبّر هو أيضاً عن حبّه لها أمام شقيقته بقوله:
ـ أشكرك يا عزيزتي، لأنّك عرفتني بها، فقد أحدثت شهد في نفسي مذ رأيتها مسّاً سحرياً، هزّ كياني، وملك عقلي وقلبي ومشاعري، فجعلها أثيرة عندي. وقد باتت منتهى آمالي وتطلّعاتي.
أجابته شادية قائلة:
ـ يبدو أنها قد سحرتك فعلاً، ولا عجب في ذلك، فقد أودعها الله جمالاً في الخلق والخلقة، ودعة في النفس والخاطر..
ـ وقد وجدتُ فيها، ما يفوق أحلامي في شريكة العمر، ويزيد على ما يبتدعه الخيال في العشيقة والحبيبة، لدرجة الصدمة والانبهار..
ـ وماذا بعد؟
ـ لقد وقعت هي الأخرى في شبكة حبي وهيامي بها، لهذا أريد ان أخطبها في أقرب وقت ممكن!
ـ ألا تخشى يا عزيزي من الزواج المبكر ومسؤولياته الجسيمة ولا سيما أنك حديث العهد بالتخرج والعمل؟
أجاب عدنان ضاحكاً والسعادة تطفح من حناياه:
ـ أولم تسمعي قول سقراط: "تزوج يا بني، فإن وفّقت في زواجك عشت سعيداً، وإن لم توفّق أصبحت فيلسوفاً..؟".
**
ولم يتأخرْ عدنان، المتيَّم بشهد، عن طلب يدها من والديها، ولمَ لا؟ فهو يريد أن يدخلها قفص قلبه ويبقيها إلى الأبد! فلماذا لا يرتبط بها في أقرب وقت ممكن، وبأي ثمن من الأثمان؟ وقد تخرج في كلّية الهندسة، وراتبه لا بأس به، ويستطيع أن يؤمن لها منزلاً مقبولاً.
ولكن والدي شهد رفضا فكرة الزواج المُبكِر، وقد حاول الأب إقناع ابنته بتأجيل موضوع الخطوبة، وعبَّر عن رأيه قائلاً:
ـ لا تزالين صغيرة على الزواج يا شهد، فأنت في سنتك الجامعية الأولى، ومن الأفضل عدم الارتباط قبل تخرّجك في الجامعة!
ـ ولكني أحبُّه يا أبي، وهو يحبّني.
ـ وماذا في ذلك؟ إنَّ حبَّكُما لا شكَّ سينضج مع مرور الوقت، وسوف تتأكدان من صدق عواطفكما تجاه بعضكما بعضاً..!
ولكنَّ الأمور سارت على غير ما خطط الأبوان لمستقبل ابنتهما، فقد أصرّ الحبيبان على مبدأ الخطوبة، ما جعل والدا شهد يضطرّان للموافقة على إعلانها، وقد َعبَّرت الأم عن رأيها قائلة:
ـ نوافق، ولكن بشروط: أولها التريث في إتمام عقد الزواج لحين تخرّجك يا شهد، ثم ليدرس أحدكما طباع الآخر، فالحبُّ وحده لا يكفي كأساس لزواج ناجح متين. وأيضاً، أنتما لا تزالان في مقتبل العمر، ومن الأفضل الانتظار، على الأقل حتى تتمكنا من تأسيس منزل الزوجية عن سعة. ولن تستطيع يا عدنان براتبك الضئيل أن توفّر ما تحلمان به من رغد العيش وبحبوحته.
صفحة 3
وأمُّ شهد، أُمٌّ رؤوم، تحبُّ ابنتها كثيراً، تسهر على راحتها ليل نهار ولا تتعب. وقد سألها عدنان مرَّة ممازحاً، وهي أمام صورة ابنتها تناجيها:
ـ لماذا لم تنجبي يا "تانت" بنات أخريات مثل شهد، بدلاً من واحدة؟
فأجابتْ باعتزاز: "لقد ملأت شهد عليَّ حياتي، وشغلتني عن العالم بأسره، فلم أشعر بالحاجة للإنجاب مرّة أخرى".
ولم تكن الوالدة تخفي خوفها من زواج ابنتها من شاب حديث التخرُّج، وتؤكّد أمام الجميع على ضرورة إطالة فترة الخطوبة، كون الخطيب لن يستطيع تأمين الاستقرار الماديّ لمنزل الزوجية في فترة قصيرة، ما جعل عدنان يتوجس خيفة من ذلك الحبِّ الذي تكنُّه أم شهد لابنتها، ومن سعيها لتوفير فرص السعادة لها، حسب قاموسها.
وما إنْ مضى زمن قصير على الخطوبة، حتى بدأ عدنان يفكر بإتمام الزواج وبأي ثمن، ضارباً بعرض الحائط كلَّ تلك التعهدات التي قطعها لوالدَيها بمساعدة خطيبته على إنهاء دراستها، وبالتريُّثِ حتى تخرّجها في الجامعة. وقد خاف أن تضيعَ منه حبيبته الجميلة، التي يحسِدُه عليها الكثيرون، ولا سيما أنّ والدتها لا تخفي أنها كانت ترغب بتزويجها من رجلٍ غني يوفر لها العزَّ والجاه اللذين تعوَّدت عليهما. وكيف لا يخاف عدنان وكلُّ مَنْ حول شهد يبتسم لها، ويتمنى رضاها؛ فأصدقاء العائلة ُكثر، ومعظمهم يتبارون في خطب ودِّها، ويتمنّونها لأحدِ أولادهم أو لقريبٍ لهم، فضلاً عن وجود الأب الحنون الذي رضي من الدنيا أن يكون والد شهد وحسب، فكيَّف حياته ونشاطه بما يناسبها. كل ذلك جعل عدنان ينزعج من الاهتمام الشديد بخطيبته، فبات يغار عليها حتى من والديها، فعَمِلَ جاهداً على إقناعها بإتمام الزواج وبسرعة.
إقتنعتْ شهد بوجهة نظر عدنان، فالحبيب لا يرى سوى حسنات حبيبه، وقد يرى سيئاته حسنات، فانساقت خلف أهوائها، وخالفتْ رغبة والديها بتأخير الزواج، وتخلَّتْ عن دراستها الجامعية، لتلتحق بإحدى الدورات المكثَّفة لتعلّم المعلوماتية، التي سوف تؤهِّلها وبسرعة لتأمين وظيفة، تستطيع من خلالها مساعدته في تأسيس منزل الزوجية.
وقد عَمَدَ عدنان الى استئجار منزل صغير، اشترى أثاثه بالتقسيط، ما سوف يضطرّه إلى دفع معظم راتبه، في نهاية كلّ شهر، ولكنَّه لم يهتم لذلك، ظنّاً منه أن والده التاجر سوف يساعده بما يملك من مدّخرات على تسديدها. ولكن "حساب الحقل لم ينطبق مع حساب البيدر"، فما لبثت تجارة الوالد أن تعرَّضَتْ لانتكاسة لم يكن أحدٌ يتوقّعها، فبقيت الديون لتثقل كاهل الخطيب؛ ومع ذلك فقد صمَّم على المضي قدماً بما خطَّط له.
وقد كان قوس قزح الحبِّ قد لوَّن حياة الحبيبين بالسعادة، فظنَّا أنَّه سيدرأُ عنهما المخاطر، وسيحميهما من غدر الزمان، فلم يتريثا في الانتقال إلى عش الزوجية. وعاشا في فرح وهناء عدة شهور، زرعا فيها شوارع العاصمة بمطاعمها، ونواديها، لهواً وتسلية ولعباً، حتى لفظتهما تلك الأماكن، بعد أن أنفقا كلَّ ما بحوزتهما من مال.
وبدخول الفقر والديون إلى حياتهما، تعثّرت خطوات الحبّ، واهتزّ كيانه، ولم تعدْ شَجَرَته تجدُ من يرويها، فأصابها الجفاف، وفقدتْ براعمها وأوراقها. وما عاد النحلُ الذي صنع لهما الرحيقَ شهداً في الشهور الأولى لزواجهما، يجد عندهما المواد الأولية لصناعته!.
ووجدتْ "شهد" نفسها ُمجبَرةً على القبول بعيشة الضَّنْك، فرضيتْ بعمل متواضع، بأجر زهيد، لتستطيع مساعدة زوجها، والإنفاق على نفسها، بعد أنْ عجز عن تلبية طلباتها الكثيرة. وإلى جانب ذلك، بدأ بينهما صراعٌ خفيٌّ: فعدنان يعتقد أن من حقِّ الزوج أنْ يمارسَ ولايته على زوجه، هذا ما خَبِره من الحياة، وهكذا يفعل والده مع والدته، وصهره مع شقيقته شادية.. وهو محبٌّ غيورٌ، يضيق بالآخرين، فلا بأس إنْ منع حبيبته عن الخروج بمفردها أو استقبال أي زائرٍ من دون عِلْمِه، أو حتى زيارة عائلتها من دون إذنه، فـ"الباب اللي بيجي منو الريح سدّوا واستريح!". ولم يأخذ رأيها في ذلك، ولم يناقش الأمر معها، فهذا، بالنسبة إليه، أمرٌ بديهي لا يحتاج إلى مناقشة! وكذلك راح يطالِبها بواجباتها كزوجة، حسب مفهومه، من دون أن يسمح لها بالاعتراض أو الشكوى، أو إبداء الرأي: فعليها أنْ تقومَ بأعمالِ المنزلِ، وإعداد الطعام، وبات لا يرضى بأي تقصير في هذا الأمر..!
فوجئت العروس الشابّة بهذا الجانب من شخصية حبيبها الذي لم تطّلع عليه من قبل، ولم يعجبها ذلك، فبدأت تتذمَّر من معاملته لها، وتشتكي؛ صارحته: "أنا لا أقل عنك شأناً في الحياة، وقد تخليت عن دراستي الجامعية، ورضيتُ العمل بمرتَّب زهيد، لأساعد في تسديد ما علينا من ديون. وأنا مثلك أخرج في الصباح، وأعود وقد هدَّني التعب، فكيف أستطيع القيام بأعمال البيت الشّاقة، إن لم يمدَّ لي أحدٌ يده بالمساعدة؟ ولماذا لا تساعدني أنت؟ وما الضرر في ذلك، ما دام ليس بوسعنا الاستعانة بخادمة؟ ولماذا عليّ أنا أنْ أقوم بكل تلك الأعمال، بينما تُسلِّي نفسك بالمكث أمام شاشة التلفاز، أو بالخروج لرؤية الأصحاب؟".
صفحة 4
ولكنه لم يعلق بشيء، وكأن الأمر لا يعنيه! وقد وقع ذلك في نفسها موضع ألمٍ وحسرة، ما جعلها تشكو أمرها لشقيقته شادية، قائلة:
ـ لقد تربيتُ على الحريَّة، فلم يجبرني والداي يوماً على القيام بأمرٍ لم أقتنع به، ولم يرفضا لي طلباً، على الرغم من عدم قناعتهما أحياناً بما أطلبه. فلماذا إذن يحاول عدنان أن يفرض عليَّ آراءه وأسلوبه في العيش؟ لماذا لا يناقشني أو يحاورني لنجد معاً حلولاً لمشاكلنا الزوجية؟ ولماذا ينتظر مني أنْ أطيع أوامره من دون نقاش؟!
ولكن تدخّل شادية بينهما زاد الطين بلّة. وبدلاً من الإصغاء إلى حبيبته ومناقشة الأمر معها، أخذ عدنان يعيّرها بإفشاء أسرار حياتهما الزوجية للآخرين.
ومع الوقت وجد الحبيبان نَفْسيهما، مختلفين في أمور كثيرة، وأصبحا يتشاجران لأسباب تافهة،كلٌ يريد أنْ يفرض إرادته، فتكون له الكلمة الأخيرة. وقد تجاهلا قول الله تعالى:(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) وكأنهما لا يعرفان أن الزواج فعل تفاهم، ومحبَّة، ورحمة، وليس سلطة، وأوامر، وتنفيذ كلام..
ومع كثرة الخلافات والمشاحَنات في حياتهما الزوجية، تلبَّدتْ سماء علاقتهما بسحب كثيفة، اختفتْ خلفها معالم الحب. وبدأت جذوة الغرام تَخبُو، ويحلُّ مكانها التوتُّر والقلق..
وقد كانت "شهد" معتادة على حياة الحرية والتَّرف، تقبعُ داخلها طفلة كبيرة، تحلُم بحميمية العلاقة بينها وبين شريكها، وتعتقد أنها ضحّت كثيراً لإنقاذ علاقتهما، وتنتظر منه أن يضحي بدوره لأجل حبهما، ولكنه لا يفعل، ما جعلها تُصاب بصدمة عنيفة، وبخيبة أمل، جرَّاء أسلوب معاملةٍ لم تكن تتوقعه منه أبداً. وهي ترفض أن تكون كالنعجة تطيع الأوامر فحسب، فله عليها حق الاحترام وليس الطاعة العمياء!
وقرّرت شهد أن لا تستسلم، بل دعته إلى الحوار، وأصرّت، فأجاب: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ).... والإسلام يطلب من المرأة أن تطيع زوجها، وتخدمه، وتهيّىء له كل ما يريد، هكذا تفعل والدتي مع والدي، وشادية مع زوجها، فلماذا تشذّين أنت عن القاعدة؟
لم يعجبها رأيه، ولم تقتنع، فاعترضت قائلة: إن والدي يساعد والدتي كثيراً في أعمال البيت، حتى من دون أن تطلب منه، مع أنها ليست موظفة، فما رأيك؟
أجابها بجفاء:
ـ لا يهمني ماذا يفعل والداك. فهذا شأنهما!
امتعضت من جوابه، فردّت محتجّة:
ـ إن تفسيرك للأمور يجافي العقل والمنطق، ولعلمي أن النظام في الإسلام قائم على مبدأ الشورى بين الرجال أنفسهم، وبين الرجال والنساء في الحياة الزوجية، فهو دين عدل ومساواة، والمرأة لا تملك طاقات خارقة لكي تستطيع العمل في الداخل والخارج؟ وأتساءل: كيف سيكون الحال عندما نرزق بأطفال؟
ولكنّ عدنان لم يهتم لرأيها، بل أصرّ على موقفه متذرّعاً بأنه صاحب حقّ. فقرّرت شهد أن تبحث عن الحقيقة بنفسها، حقيقة ما تفرضه الشريعة الإسلامية على الزوجة. فلجأت إلى الكتب المتخصّصة وإلى الأنترنت، فقرأت الكثير حول الموضوع، وأحبّت أن تؤكد على صحة ما تقرأه من خلال رأي العلامة المرجع الذي تسمع عنه الكثير وتثق به وتحترمه، فقامت بزيارة مكتبه، واستشارته في الأمر، فشرح لها قائلاً:
"إن الالتباس الحاصل حول مفهوم دور الرجل في السيطرة الكاملة والتصرف المطلق بشؤون المنزل والمرأة، إنما يعود إلى الخلط بين معنى القوامة ومعنى الولاية؛ فالولاية أثر من آثار نقص الأهلية في الشخص الذي تسري الولاية عليه، فلا تتأتّى له ممارسة حقوقه أو بعض منها إلا بإذن الولي. وقد ساوى الله تعالى بين الرجل والمرأة في حق الأهلية، وهو ما يعرف بالولاية المتبادلة، وهذا متعلق بمستوى الأهلية بين الطرفين، بدليل قوله تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ )، أما عندما يتمتع كل منهما بكامل الرشد، فليس لأحدهما ولاية على الآخر.
صفحة 5
سكت قليلاً، ثم استطرد قائلاً: "ولكن الله عز وجل، جعل القوامة للرجل على المرأة، فقال: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ )...! " والقوامة هنا تعني أن للرجل الحق في القيمومة داخل الحياة الزوجية، في ما تحتاجه الأسرة من شؤون الإدارة والرعاية؛ وذلك على أساس نقطتين: في الأولى: تفضيل الرجال على النساء من خلال بعض الخصائص الذاتية الكامنة في تكوينهما، فالرجل مكلّف بما له من قوة جسدية، واعتدال عاطفي، بصيانة الأسرة وحمايتها من الخطر. وقد فُرض عليه، مزاولة العمل طيلة حياته الصحية الطبيعية، لاستطاعته ذلك ، ولكن هذا لا يعني أبداً الاستفراد بالقرار الأسري ولا بالولاية على المرأة؛ وفي النقطة الثانية: إنفاق الرجال على البيت الزوجي وعلى النساء من أموالهم. وهكذا نرى أنّ الزواج الإسلامي لا يلغي شخصية المرأة في جميع الأمور التي لا يشملها العقد الزوجي، فهذا العقد له ـ في طبيعته ـ مفهوم محدود، من خلال ما يفرضه من التزامات، لا بدّ لكل منهما من الوقوف عندها؛ وهو المفهوم الذي يفرض على الزوجة الاستجابة لزوجها في نطاق حاجته الجنسية كلما رغب إليها في ذلك..
سألته شهد: وما حكم المرأة العاملة في هذا الموضوع؟
"لقد ميّز الله المرأة بالقوة النفسية وبالغنى العاطفي الضروريين لخدمة أمومتها، وترك لها حرية الاختيار بالعمل خارج المنزل، في ما يناسبها من فطرة وظروف قد تضطرها للقعود في فترات محدّدة. أما السبب في ذلك، فربما يكون مرتبطاً بما خطط له الإسلام من تنظيم الأسرة، في اعتبار دور الأمومة أساسياً في حياتها، مما يفقد المرأة الفرص الواسعة الكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي لنفسها ولأسرتها؛ لأن الإسلام يرى أن المكاسب التي تحصل عليها الأسرة من خلال رعاية المرأة للبيت، أكبر بكثير من تلك التي تحصل عليها من خلال عملها خارج المنزل...".
**
فرحت شهد بما توصّلت إليه، وظنّت أن عدنان سوف يقتنع بما تقدمه له من معلومات، فينزاح عنها ذلك الكابوس الذي جعل حبيبها يخاصمها، فدعته إلى مناقشة الأمر، أو زيارة رجل الدين الذي قابلته، ولكنه رفض، بل إنه لامها على ما قامت به من دون إذنه، وأكد على صحة رأيه، وحذّرها من مغبة عصيان أمره؛ فتضايقت كثيراً، وحزنت، ولا سيما أنها لم تجد من يساعدها في الخروج من الورطة التي وقعت فيها، فتمثلت لها ذاتها، كموج البحر الهائج، تهدر وتثور، وترتفع بغضب، تدفعُها قوة عجيبة، ورغبة في تحقيق الذات والشعور بالحرية والمساواة، ولكنّ هذه القوة لا تلبثُ أنْ ترتَطم بصخور اليابسة الصلبة، لتسقط في بئرٍ عميقة لا تعرف لها قراراً. ووجدت نفسها أمام جدار منيع، عليها أن تخرقه لكي تستطيع الاستمرار في حياتها الزوجية.
ومرّت عليهما أيام خريفية كئيبة، وهما على خصام لا يكلم أحدهما الآخر. ولم تجد شهد بداً من دعوة حبيبها مجدّداً للحوار، فبه وحده يمكنهما التوصّل إلى تفاهم ينهي ذلك الإشكال، فاستغلت لحظات الهدوء بينهما، وقامت تكلمه وتعاتبه، "فالعتاب صابون القلوب" كما يقولون. ولكنّ الصابون الذي استخدمته كان نوعية رديئة، على ما يظهر، فبدل أن يجرّهما العتاب إلى الوئام جرَّهما إلى الشجار، وتأزم الموقف بينهما من جديد، فسألته أن يفسّر لها: "كيف انقلب من شخص محبّ إلى شخص أناني، لا همّ له سوى راحته؟ ولماذا بدأ يقمع حريتها ويحبط طموحها، ويسحق شخصيتها، وكأنها جزء من مقتنياته؟ ولماذا يسلب منها حقّها في التعبير عن رأيها، وفي الوقت نفسه يقتّر في نفقات البيت، مُتّكلاً على راتبها؟"، ولكنّه كعادته:"دار الأذن الطرشاء" ولم يعر لأسئلتها أية أهمية، ولم يرد عليها، بل سارع إلى الانسحاب من أمامها، وخرج من المنزل غاضباً وهو يسبّ ويشتم.
صفحة 6
وبدلاً من اللجوء إلى التفاهم معها، انسحب عدنان إلى كهفه، وأصبح يمضي معظم أوقاته إما خارج المنزل، أو أمام التلفاز لايحدِّثُها إلا نادراً؛ فوجدت شهد أنها بلغت حالة مزرية، أحسّت فيها بالتلاشي، وأوشكت حيويتها أن تتبدّد لتصير امرأة محطّمة تابعة، وهذا ما لا تقبله بتاتاً! وأُسقِط في يدها، وشعرت بالعجز عن معالجة الأمر، فهي لا تعرفُ ماذا حدث، وأين ذهب ذلك الانسجام بينهما، وما الذي عكَّر الأمور، فتدهورتْ إلى ذلك الحد؟
وبدا الأمر بالنسبة لتلك الصغيرة التي تعيش داخل شهد، أشبه ما يكون، بمَنْ يُقدِّم قطعة حلوى لطفلٍ ثم ينتزعها منه. فحزنَتْ كثيراً، ومَضَتْ أيام وهي في غاية الاستياء، تنتظر منه أنْ يعالج الأمرَ ويسترضيها!
ولكنّه هو الآخر، لم يفهمْ ما تشعر به حبيبته من حيرة وضياع، ولَّدا عندها الألم والعذاب. بل على العكس، فقد شَعَرَ أنها تدافع عن تقصيرها بالتفلسف عليه، وبالرغبة في إذلال رجولته وامتهان كرامته، فقابل تصرفاتها بالجفاء والقطيعة.
وبات الاثنان يعيشان كغريبين تحت سقف واحد، إنْ تحادثا، فإنما بالشتائم والإهانات، وكأن الحبَّ لم يجمعهما يوماً..!
ولم تشأ شهد إعلام والديها بما يجري بينها وبين شريك حياتها، ولا سيما أنها أرغمتهما على قبول زواجها منه. وقد فضّلت أن تحلّ مشاكلها بنفسها.
**
وكما تزوجتْ بسرعة، قرَّرتْ وبسرعة أيضاً، ومن دون تفكير عميق، أنْ تتركَ منزل الزوجية غاضبة، ظنَّاً منها أنَّ حبيبها سوف يُسارِع إلى استرضائها، إن هي فارقته، فغادرت إلى منزل عائلتها، التي استقبَلَتها وكأنها تنتظرُ تلك النتيجةَ الحتمية لزواج مُتسرِّع، لم تُنضجْهُ الظروف المحيطة به، لتساعدَ على إنجاحه.
وانتظر والدا شهد حضور عدنان للتفاهم والمصالحة، ولكنَّه بدلاً من الحضور لاسترضاء زوجته، صمَّمَ على معاقبتها، وتلقينها درساً لا تنساه: "فما دامتْ قد خرجتْ من المنزل بإرادتها ومن دون إذنه، فلتعد من تلقاء نفسها!". فلم يتَّصلْ بها، ولا سألها العودة، بل قابلَ غَضبها بالصَّدِ والهجران. وزاد على ذلك، بأن دفن حبّه لها في أعمق أعماقه، وحاول البناء فوقه، وليحصل ما يحصل! ولم يَعُدْ يسأل عنها، وكأنها ليست بزوجه، ولم تكنْ يوماً حبيبته!
جنَّ جنون شهد من تصرفات عدنان، وشعرتْ أنها أُصيبتْ في كرامتها وعزَّة نفسها، فبدلاً من وصالها ومصالحتها، هَجَرَها واستغنى عنها. فأسْرَعتْ إلى إقامة دعوى طلاق. ولكن القاضي رَفَضَ تطليقَها من دون موافقة الزوج، فاستدعاه، ليسأله عن الموضوع، فأجاب:
ـ لن أطلِّقها، ولن أسترضيها، فقد خرجتْ زوجي من منزل الزوجية من تلقاء نفسها، فلتعد إذن كما خَرَجَتْ!
احتارتْ شهد ماذا تفعل؟ وكيف تتصرف؟ فهي لن تعودَ إلى المنزل إذا لم يحضر عدنان لمراضاتها، فقد شَتَمَها وحاول ضربها، فعليه أن يأتي ليعتذر إليها، ومن ثم يصطحبها إلى منزل الزوجية إن كان يريدها، وإلا فلنْ تعود إليه، حتى ولو حُكِمَ عليها بالنشوز..!
صفحة 7
ثم أرعدت السماء، وهطل المطر بغزارة، ولكن قوس قزح الحبّ ظل متوارياً، كما ظلّ عدنان عند موقفه. فشعرتْ شهد، وكأنها وقعتْ في فَخِ تصرفاتها المتسرِّعة، فقد أصبحتْ "كالمعلقة" فلا هي زوجة، ولا هي مطلَّقة. وكأنها قد بَنَتْ منزلاً من دون سقف، ومن دون جدران. فَغَدَتْ حبيسة الهواجس والهموم، وأسيرة الحزن وخيبة الأمل.
وكان والداهَا يريان ما أصابها، فيتألمان لأجلها من دون أن يستطيعا مساعدتها. تسألها والدتها :" لماذا هذه الكآبة يا حبيبتي؟".
ـ لا أدري يا ماما ماذا أصابني، وأشعر كأني أقفزُ من طائرة ولا أعرف كيف أفتَحُ مظلَّة الهبوط..!
تهزُّ الأمُّ رأسها، وتتنهد بأسى، وكأنها كانت على علم بما سوف يحصل، ثم تجيبُ مُتحسِّرة:
ـ أشعر تماماً بمعاناتك يا حبيبتي، وأتمنى لو أستطيع أن أفعل شيئاً يريحك. وكما يقول الشاعر:
مما أضرَّ بأهلِ العِشْقِ أنّهُم
هَوُوا وما عَرَفُوا الدّنيا وما فَطِنوا
تَسكُتُ لبرهة ثم تُضيف محاولة التخفيف عن فلذة كبدها:
ـ الزمن كفيل يا شهد بحلِّ كلِّ المشاكل، فاصبري على ما أصابك، ولا شك بأن الله لن ينساك!
وقد شجَّعتها على العودة إلى العمل، وتحدّي المصاعب، بقولها:
ـ العمل، ثم العمل، يا ابنتي، فهو يعيد التوازن إلى الروح ويصقلها، فينزع عنها الصدأ ويزيل التعب، ويخفّف الألم.
فكان حديثها أعذب وقعاً من قطرات الندى على أزهار الصباح. فأذْعَنَتْ "شهد" للأمر، وفتّشتْ عن عمل مناسب، فالفراغ يكاد يقتلها. وما لبثت أنْ عَثَرَتْ على وظيفة في إحدى شركات "الكومبيوتر"، ملأتْ وقتها. وقد أَحَبَّتْ عملها على الحاسوب، الذي يصلها بالعالم من خلال "شبكة الأنترنت"، فكانت تقضي فيه من ثمان إلى عشر ساعات يومياً، تقطعها بساعة للراحة والغداء، ثم تعودُ بعدها إلى منزل والديها لتنام نوماً عميقاً من شِدَّة التعب، فلا يبقى من الوقت إلا القليل لتفكِّر في مشكلتها. وكثيراً ما كانت تحمِلُ طعامها إلى مكتبها، لتتناوله بمفردها أو مع بعض زميلاتها الموظفات، اللواتي اعتادتْ عليهنّ، واعتدْنَ عليها لدرجة أصبحن كأفراد عائلتها..
**
واشتدَّ البرد والصقيع، وعدنان لم يظهر، فلا هو أقدمَ على طلاقها، ولا على مصالحتها! وكذلك فعلتْ هي، فقد أَبَتْ أن تعود من تلقاء نفسها إلى بيت الزوجية: "فعودتها إليه إمتهانٌ لكرامتها، وخضوعٌ لشروط زوجها غير المحقّة ". لهذا فضَّلتْ أنْ ترمي مشكلتها على صدر الانتظار، وتُغمض عينيها عنها، وتمضي قُدُماً في عيشها....
ولكنها كانت واهمة، فإن كانت تتجاهل ما جرى، فذلك الهجْر، قد أثّر على حياتها تأثيراً كبيراً، وقلَبَها رأساً على عقب، فانطبق عليها القول:
" رُبَّ هجرانٍ طويلٍ أودَعَ القلبَ الحَزَن".
صفحة 8
فما عادتْ ترغبُ في مخالطة الناس، أو معاشرتهم، بل عَزَفَتْ حتى عن أصدقائها القدامى، فهم ما انفكّوا يحدِّثونها عن علاقتها بحبيبها الذي هجرها، وكأن لم يَعُدْ هناك من أحاديث أخرى؟ وقد كانت تكره أنْ يسألها أو يحدّثها أحدٌ عنه. ولكن ذلك لم يمنعها من استحضار طيفه كلّ ليلة، ومعاتبته والتحدث إليه، والشكوى منه؛ كتبت في دفتر مذكراتها:
"أيها الحبيب الذي أطال الغياب..
قل لي: أين أنت؟
هل أبحرتَ بعيداً إلى ما وراء الأفق؟
أم لفّتك سحبُ الضباب؟
لا تزال صورتك مزروعة في خاطري "كما هي"،
كأول يوم عرفتك فيه.
ولا تزال "كما أنت":ممتزجاً بالهواء الذي أتنشقه..
جارياً كمجرى الدمّ في عروقي،
شادياً أنغاماً خالدة،
أسمعها مع كلّ ترنيمة عذبة،
ومع كلّ همسة بوح من حبيب إلى حبيبته.
ولا أزال أرنو إليك
كلوحة من لوحات الطبيعة الرائعة،
تصادفني في مشاهداتي وتأملاتي التي صرت أحيا لها وبها...
أفقي في غيابك أمسى شديد الظلمة،
ولكن خاطراً يوشوشني قائلاً :
"كوني على يقين،
أنّ شيئاً ما يشبه الموجة العالية،
لا بد سيأتي، ليتخذ حيِّزاً في المكان،
ويخرج الماضي من قوقعة النسيان
وقد يكون أنقى وأنصع،
مما كان عليه وهو في بريقه القديم..!
وقد تُطْفَأُ الأضواءُ في الدروبِ كلّها،
ويبقى البصيصُ الأخير..".
صفحة 9
ويوغل الشتاء في رحلته باتجاه الربيع، وتتباهى الطبيعة بحلّتها المزركشة، وتكتشف شهد أنَّ قوة تعلّقها بالطبيعة، لا يضاهيها سوى قوة تعلقها بعدنان، فذلك الحبّ، كان ولايزال متمكِّناً منها، متشبثاً بها بجذوره العميقة التي يصعب اقتلاعها، فلم تستطعْ نسيانه، أو تجاهله أو البناء عليه. تصارح والدتها قائلة:
ـ لقد أحببته يا ماما، لحظة تَفتُّحِ بَتَلاتِ قلبي، فاشتعل عِشقُه في روحي، ولا يزال، ويظهر أنّ هذا العشق لا يريد أن ينطفىء أبداً! فكيف لي أنْ أنساه؟
تسكت قليلاً لتمسح دمعات ساخنات، ثم تتابع قائلة:
ـ أشعر أن دربي إلى المستقبل باتت مظلمة..!
ـ لا تكوني متشائمة يا حبيبتي، فبما أنّه لم يطلقك بعد، فلا يزال هناك أمل في عودته.
ـ ليته يعود! فلن أخفي عنك، أنني أعيش صراعاً بين قلبي وعقلي. فكلّما فكّرت أنه قد تخلّى عني بهذه البساطة، مع أني صاحبة حقّ، أشعر بالأسف، وأصاب بخيبة الأمل؛ ولكني لست على استعداد لرمي أسلحتي، والتسليم بالأمر الواقع. بل على العكس، فقد بتُّ مقتنعة بأن عليَّ التماسك والاستماتة في الدفاع عن موقفي، لكي أترك له فرصة اختياري من جديد! لهذا فأنا أرفض إقامة أيَّة علاقة بأحدٍ من زملاء العمل، أو مع غيرهم، لأني لا أزال مرتبطة به، وعليَّ أنْ أصونَ اسمه وشرفه.
فكانت الأم تصغي لكلام ابنتها، وتحاول أن تجد من الكلام ما يخفف عنها لوثة الحبّ وجنونه. وكثيراً ما كانت شهد تعود إلى البيت حزينة، فتبكي هجرَ حبيبها لها، وتلوم نفسها على تسرُّعها في ترك منزل الزوجية. ولكن ما حصل قد حصل، ولا يمكن لها التراجع الآن، فكرامتها فوق كل اعتبار..!
**
وفي يوم فكَّرتْ شهد أنْ تشغّل نفسها، أثناء فترة الاستراحة،كي تُبْعِد زميلات العمل عنها. فقد ملَّت أحاديثهن التي تُفْرَضُ عليها يومياً، فقرَّرتْ أنْ تتسلَّى عن طريق ذلك "الجهاز العبقري" الذي يمدُّها من خلال "شبكة الأنترنت" بأصدقاء لا حصر لهم، ولا يطالبونها بشيء، وتستطيعُ محادثتهم ساعة تشاء. فأصبحتْ تُقفلُ باب مكتَبِها من الداخل مُعتَذرة لصديقاتها عن مجالستهن، متذرِّعة بحاجتها إلى الراحة، فتخلعُ حذاءها ثم تختار وضعية مريحة، للجلوس إلى الجهاز، فتجعلُ وَجْهَها باتجاه الشاشة البلورية، وأصابعها النحيلة على لوحة المفاتيح، ومن ثم تسارع إلى كتابة العنوان الإلكتروني المطلوب الذي لا يلبث أنْ يربُطها بأسماء وعناوين كثيرة، تُعْلِن حضورها إلى الشبكة.
أول ما أرادتْ شهد الاهتمام به هو التفتيش عن شخص مناسب من حيث العمر والثقافة، والحالة الاجتماعية، والصفات. فهي لا تريدُ أنْ تُضيع وقتها من دون طائل، فتتحادث مع شبان صغار،كتلاميذ المدارس، أو عجائز بعمر جدِّها. وقد فكَّرت أنْ تستعمل اسماً مستعاراً: "مي زيادة"، ولمَ لا ؟ فهي ليست مضطرَّة أنْ تُصرِّح عن شخصيتها الحقيقية، فمن الأفضل أن تظلَّ تلك العلاقة سرية.
ـ مي زيادة. لماذا اختارتْ هذه الشخصية بالذات؟!
صفحة 10
سألت نفسها، ثم أجابتْها قائلة:
ـ ربما لأن هذا الاسم يغري الشبَّان العرب بأن صاحبته، وهي الرائدة النسائية التي عاشت في القرن الماضي، شخصية نسائية، مميّزة. فهي تمثل المأساة والنبوغ في آن معاً! وهي في الوقت نفسه، متحرِّرة، ورومانسية، فلماذا لا تستخدمه؟
كتبت: اسمي "مي زيادة" ، في بداية العقد الثالث من العمر، أعمل طابعة على الحاسوب، وأعتقد أني جميلة! وانتظرتْ الردَّ، الذي جاءها في غضون دقائق قليلة، فقد كانت تلك الصفات كافية ليلقي إليها المتحادثون برسائل عديدة، أولها من امرأة تبحثُ عن صديقة، ولكنها لم تُعِرْها اهتماماً. وثانيها من شاب في العشرين، أهملَتْ رسالته، فهو أصغر من أنْ تَرُدَّ عليه، فهي تفضّل محادثة من هم أكبر منها سنّاً. أما الثالثة، فقد لفَتَتْ نَظَرها بسرعة بديهة صاحبها وتجاوبه مع رسالتها، من خلال الإشارة التي استعارها: "جبران خليل جبران". تساءلت: "لماذا استرعى هذا الشخص بالذات اهتمامها؟ هل لأنَّه يحملُ اسم ذلك الأديب الكبير الذي تحبُّ أَدَبَه وتحفظ بعض كلِمَاته عن ظهر قلب؟ إنه في الخامسة والعشرين، يكبرها فقط بسنوات قليلة، هذا كافٍ! وعدنان أيضاً كان يكبرها بسنوات قليلة، ومع ذلك فقد دَبَّتْ بينهما الخلافات بعد انقضاء أشهرٍ على شهر العسل. ولكنَّ أصابع اليد الواحدة لا تتشابه، فمن البديهي أنْ يختلِفَ البَشَرُ، حتى ولو كانوا في أعمار متقاربة". وسرعان ما جاءها الرد على الشاشة البلّورية:
"مي" ومنْ في الناس يجهلها فالطيب لا يَخفى إذا نشرا!
فهل تراكِ تحملين بعض صفاتها ؟
أجابت:"أنا لا أدعي بأني مميزة مثلها. فقصّتها في الحياة لا مثيل لها، فهي قصة الريادة في عطائها السخي، قصة نبوغ امرأة في شرقنا العربي وحتميَّة استشهادها في سبيل إثبات وجودها، كاتبة وشاعرة وأديبة لامعة، ومُصلِحَة وخطيبة، متحرِّرة الفكر، في عصرٍ فرض عليها قيوداً تحمَّلتها وعالجتها بحكمة. ولكن هذه القيود والضغوط تضافرتْ لتتهمها بأنها مختلَّة عقلياً، وعاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها".
ـ تلك هي "مي زيادة"، ولكن ماذا عنكِ أنتِ؟
ـ في حياتي جوانب مماثلة، وكما مرَّتْ ظروفٌ قاهرة في حياة "مي"، كذلك حياتي معرَّضة للدمار بسبب ظروفٍ قاسية. وأنا أيضاً أسعى لردّ الاعتبار في معركتي مع الحياة، مع الفارق بين الحالتين .
وضعت النقطة، ثم عادت إلى السطر، فكتبتْ تسأله:
ـ هلَّا حدثتني لماذا اخترت أنتَ "جبران" بالذات لتتمثَّل به، ومن هو في نظرك؟
ـ جبران؟ إنه ليس عظيماً من عظماء لبنان فقط، بل من عظماء العالم، فهو قائد ثورة، ومُصلح اجتماعي وسياسي وديني، فيلسوف وشاعر رومانسي، ورسام. وهو فوق ذلك كلّه حبيب مي.
ـ أعرف أنه كاتب وفيلسوف، ولكني لا أعلم أنَّه قائد ثورة ؟
ـ أستغرب منك وأنت تحملين اسم "مي زيادة"، حبيبة جبران، أن لا تعلمي ذلك. وإليك البرهان من عنده: فهو مثلاً في نص "لكم لبنانكم ولي لبناني" يتحدث عن اللبنانيين النفعيين، وينعتهم بالعبيد الذين يعجبهم لمعان قيودهم، يأتون ويرحلون من دون أن يمدّوا عروق لبنان بقطرة من دمهم، بنقطة من عَرَقِهم، بدمعة من أجفانهم، كما يقارن بين هؤلاء الأبناء، وبين أبناء لبنان الحقيقيين..!
ـ ومن هم أبناء لبنان الحقيقيّون؟