eKtab
EN ع
هياج الاوز
اقرأ عينة مجانية

هياج الاوز

بقلم سليم بركات

صفحة 1
تصدير  
 
جرى توثيق أقوال الشخصيات، في هذه الرواية، على نحوٍ لايجعلنا مسؤولين عن أيِّ تحريف، أو اختلاق للوقائع، أو حتى كتمان ما لا يجعل المشهَد مكتملاً أحياناً· أسماءُ الشوارع، في مناطق العاصمة السويدية ستوكهولم، وضواحيها، دوِّنتْ كما أُعطيتْ شفهياً، ولم نحاول، نحن، التأكد من وجودها على الخريطة، باعتبارنا غير معنيين بتحقيق لايتصل بعملنا· أما كيفية اتصالنا بالشخصيات، وتسجيل أقوالها، فهما غير مُفْصَح عنهما، في النص، وذلك من مقتضيات الاحتراف، الذي لم يجاوز التسجيل إلاَّ إلى بعض الوصف التصويري، أو النفساني، وكذلك التعليق المتقشِّف مستوراً بشكل لا يُخلُّ بالتوثيق نفسه· وما قد يُفْهم منه أنه خروج على سياق التوثيق سنعتبره سوءَ تقدير، أو فهم، نُعْذَر عليه، ويُعْذر عليه من يعتبره كذلك· والآراء الواردة على ألسنة الشخصيات لايتحمل تبعتَها سواها· ومَنْ يُردِ التأكد من أمر التبس عليه، أو الاستفسار عن مُلْغزٍ، أو معطىً مرتبك، ففي مقدوره الاتصالُ بالشخصيات الرئيسة، الواردة أسماؤها في الفصول، والتي احتُجِبَتْ أسماؤها أيضاً، لأنها آثرت أن تكون لسان الرَّاوية، وتبقى محتجَبةً، على أرقـام هواتـف منازلهـا، لا غير، بعد ما رفضت إعطاء أرقام هواتفها المحمولــة:
 
تاسُوْ عارف مِيْرانْ بَكْ (46 سنة) 388436 
 
نازْلي راكانْ (41 سنة) 663178 
 
شيراز رحمانْ رحماني(39 سنة) 731116 
 
راوَتْ خليل (46 سنة) 332323 
 
زِنْتانا حسن (43 سنة) 615543 
 
شتولا جَبْري (27 سنة) 411988 
 
ريحاني محمد سِيْكَر(40 سنة) 378339 
 
دَرْخُو خلاص (50 سنة) 623484 
 
زليخا عبد القادر (44 سنة) 825577 
 
سَلام شيخ غَرْدَق(44 سنة) 466844 
صفحة 2
ثرثرات الأرواح في ثيابها الضيِّقة: نشأةُ العقل
 
ضربت تَاسُوْ رأس ابنها رَنْد بظاهر قبضتها اليسرى، المضمومة· سُمعَ رنينُ الضربة مرفرفاً حول أقحاف الجالسات في صدر البيت، فانكمشنَ استياءً· عظامك حجارة، ياتاسو، قالت نازْلي راكانْ· حدَّقت إلى ابن الرابعة عشرة: سيسيل دماغه من أنفه، بعد قليل ابتسم رَنْد: دماغي سِيْليْكون، يا أُم توفا 
 
تلقَّى رند ضربة جديدة من قبضة أمه على رأسه، وقد مطَّت جسدها الجالس على كرسي لصق الأريكة الخضراء في اتجاهه: اسم ابنها توفو، ياابن القحبة
 
نهض رَنْدْ عن الأريكة متحامياً منها: ابنها يشبه الممثلة السويدية توفا
 
أنا لستُ مستاءةً، ياتاسو، قالت نازْلي· رفعت وجهها إلى الشاب الصغير، الواقف: سمِّني أُمَّ كارولاَّ؛ أُمَّ هيلينا؛ أُمَّ مازولاَّ 
 
زيت مازولا؟، ساءلتها سلام، الملتصقة بها على الأريكة الرمادية، المواجهة للكنبة الخضراء·
 
تعال· اقتربْ نادت تاسو ابنَها الشاب الصغير· أشارت إليه بجمرة لفافة التبغ: سأكوي خصيتيك· أنت لم تخلع لوحَ اسم الشارع عن جدار العمارة
 
أُمي تهذي، رد الشاب مصحِّحاً وضْعَ نظارته ذات الإطار المعدني· كيف أخلع لوحَ اسم الشارع؟!! ظننتكِ تمزحين البارحة
 
هزَّت المرأة الضخمة، البدينة، رأسها أسَفاً· رفعت قميصَها الطويل عن نطاق بنطالها الجنز تحكُّ ثنيةً من الشحم على بطنها، أمام أعين زائراتها التسع· كيف لي أن أعتمد على هذا القديد المعفَّر بغبار قامشلوكي؟
 
رند وُلِد في السويد، ياتاسو، قالت راوَتْ خليل المتصبِّبةُ ذهباً من شعرها المُبالَغ في صباغه، فردت تاسو:
 
- خصيتا أبيه النَّكرة كانتا مليئتين بغبار قامشلوكي· تفو·
 
سأقتلكِ؛ ذات يوم، ياأمي، قال الشاب النحيل، المنسلِتُ البنطال عن ردفيه الممسوحين·
 
ياالله، تمتمت تاسو مستحسنةً كلماتِ ابنها· أدارت عينيها البُنيتين على صويحباتها: 
 
- سأغيِّر اسمَ هذا الشارع·
صفحة 3
غيِّري اسمك، ياتاسو، أولاً، قالت زليخا عبد القادر، العريضة الصدر·
 
سأغيِّر اسمي يوماً· سأغيِّر ديني، وفرْجي أيضاً· لكنني سأغير اسم شارع كاترينا باركِنْ هذا، أولاً· سأطلق عليه اسم الملا علي خابوتْ رسمتْ في الهواءِ حروفاً مقتطعةً من نشيدٍ ضائع: الملا علي خابوتْ، وليُّ القشدة في شتاءات قامشلوكي، قالت· عضَّت كُمَّ قميصها حَنَقاً· لو أكلتُ أمي قبل أن تلدني· لَو أكلتها من جوفها قبل أن تلدني
 
ماشأن أمك الراحلة، المسكينة، بأموركِ، ياتاسو؟· وزنُك هو الذي يقلق روحك· ادخلي الفرن ساعتين ليذوب عنك شحمُك، وفكرتُك عن تغيير اسم الشارع· والله، ياتاسو، تبقى مؤخرة السيدة كاترينا ـ وأنا لا أعرف من هي ـ أفضل للعالم من كرامات الملا خابوت، ولي القشدة، الذي نفخ بنطالك حتى يكاد ينفجر· هل تستطيعين أن تجلسي القرفصاء؟، قالت شيراز رحماني· ولولَتْ: فلتفتح إحداكن الشباكَ· فلتفتح الحائطَ· بدأت ثيابي تنكمش مختنقةً من دخان تبغكنَّ شمَّت طرفَ سترتها السوداء متقزِّزَةً· الأكراد لايتوقفون عن التدخين· أولادهم مدمنو تدخين من غير أن يدخنوا· روحُهم كانت تبغاً في الأصل· إذا دخلوا الجنة سيطالبون الله بحقول من التبغ، لابحوريات
 
قرفصت تاسو، ذات الستة والأربعين عاماً، وسط الأريكتين· نهضت بخفَّة· هزَّت مؤخرتها هزاً عنيفاً: لاتستطيع، حتى شْتُولا، أن تجاري رشاقتي، قالت المرأة الضخمة من بين شفتين مطبقتين على لفافة التبغ· توجهت بجسدها إلى شتولا الواسعة العينين· أمسكت بها وأنهضتْها عن الكرسي الواقع إلى جانب الأريكة الرمادية: تعالي راقصيني، ياابنتي، فتملَّصت المرأةُ الشابة من يدي تاسو العنيفتين: إبقي في موضوع تغيير اسم الشارع، ذلك أفضل من الرقص، قالت، واستطردت جالسةً على الكرسي، الذي خُطفتْ منه: خذي سلَّماً، ومِفَكَّ براغٍ تخلعين به اللوحَ عن مطرحه· وخُذي مِرَشَّة دِهَان تكتبين به اسمَ وليِّ القشدة
 
هذا بلدُ القانون، ياصغيرة· سأذهب إلى القانون بموجبات القانون، قالت تاسو· حكت بطنها·
 
كلامك ذهبٌ، ياأميرة القانون، قالت شيراز رحماني، ذات التسعة والثلاثين عاماً، العارمة الثديين كصهيل تحت القماش· أردفتْ: ما قطعة القانون، التي ستحملينها إلى أير القانون؟
 
تدخَّلت زَنْتَانا حسن، السمراء الصغيرة العينين:
 
- تعنين كُسَّ القانون، الذي ستحمله تاسو إلى ···
صفحة 4
قاطعتْها زليخا عبد القادر، ذات الأربعة والأربعين، الحمراء الشعر بفائضٍ من وهج الطلاء:
 
- عندنا صبيَّان هنا· اضبطْنَ ألسنتكنَّ·
 
التفتت تاسو إلى ابنها رند: خُذْ أخاك هُسّْ، وادخلا غرفتَك· لاتنسَ أن تحمل صحنين من الطعام· حين تنتهي من عشائك التهِمْ أخاك أيضاً، وكذلك الكومبيوتر، أيها المكعَّب المغناطيسي
 
من أين تزوَّدتِ بمكعَّبات مغناطيسية في رحمك، ياتاسو؟، ساءلتها زليخا·
 
خُصى الأكراد خُصى مغناطيسية، ردت تاسو·
 
أنا سأملأ لكما صحنيْ طعام، أيها الجميلان، قالت دَرْخُو خَلاصْ، امرأةُ الخمسين، المصبوغة الشعر أحمرَ فاتحاً· جمعت لرند، وأخيه هس ـ عن السِّماط المُتَّخذ من منضدتين متلاصقتين، صُفَّتْ عليهما قِصاعٌ من البطاطا المسلوقة، وأفخاذ الدجاج المقلية، والبرغل مع حَبِّ الحِمِّص، والباذنجان المشوي، والسَّلطة ـ بعضاً من كل شيءٍ، فاعترضا: نريد بطاطا وأفخاذ دجاج، لاغير ابتسمت المرأة القصيرة، الممتلئة· من عيني، ردَّت· نظرتْ إلى تاسو: أعَلى هُسّْ أن يقضي عمره تحت اسمنت اسمه؟ غيِّريه· بطلبٍ لايستغرق تسع دقائق تستطيعين تغيير اسمه، قالت متأسفةً، فردت تاسو:
 
- ثلاث سنين، وشهرين يادرخو، لم يتوقَّف هذا الكشتبان، ابن الكشتبان، عن البكاء، من ساعة ولادته· اهترأََ قلبي· ولو عرفتِ مقدار لوعتي من ذلك لسمَّيته هُسّْ· هُسّْ· هُسّْ، تسعاً وثلاثين مرةً مكروراً· صبَّ ببكائه اسمنتاً على دماغي لاتستطيع كسَّارات الحجر السويدية إحداثَ شقٍّ فيه· 
 
ضربت رأسَها براحة يدها ضرباً قوياً: لو صفعتُ رأسَ شْتولا الصغير هكذا لتفسَّخ· لكنْ، ليس في جمجمتي غير الأسمنت المصفَّح اقتربتْ من شْتولا حِبْري، ذات السبعة والعشرين عاماً· ضمَّت رأسَها بحنان قاسٍ، وهي جالسة على الكرسي، إلى بطنها: ماذا تفعل حلوة، صغيرة، مثلك، بين قُنَّبيطٍ مخلَّلٍ من أمثالنا، نحن التسعة، ياحبةَ الكرز؟
 
لأعرف أنني لم أزل كرزةً، ردت شتولا· حرَّرت رأسَها من ذراع تاسو· شربت جرعةً كبيرة من قدح جِعَتها· 
 
اهتزت الستارة من نفخ الهواء عبر النافذة المفتوحة، في المساء ذاك، المتدلِّي من عناقيد آخر الصيف السويدي· خشخشَ ورق الشجر، المتأهِّب للرحيل، خلف نافذة شقة تاسو، في الطبقة الأولى من المبنى ذي الطبقات الستِّ، المشرف بجهته الشمالية على شارع كاترينا باركنْ، في منطقة رِنْكبي من ضواحي ستوكهولم·
صفحة 5
املأنَ صحونكن، يابنات الخريف، قالت تاسو تحثُّ ضيفاتها التسع على بدء العشاء· من منكنَّ ظنَّت أننا سنهترىء سريعاً هكذا؟ أعمارنا تتهدَّل كأردافنا
 
بل تنمَسح كأردافنا، أضافت زليخا، وهي تتحسس عجيزتَها الضامرةَ تحت ثوب يشبه العباءة· 
 
خريف سنتنا 2008، هذا، سيكون طويلاً· ذلك ما تقوله قارئة الطالع السنوي في مجلة كليْكْ الشتاء سيكون قصيراً
 
كأير زوجي المطلَّق القتيل، انبرتْ شيراز مقتحمةً جملةَ زليخا، التي التقطت فخذ دجاجة بأصابعها، ثم أعادتها إلى القَصعة، كأنما غيرت رأيها:
 
- منذ متى قُتلَ زوجك المُطلَّق، ياشيراز؟
 
ألم يُقتلْ بعد؟، تساءلت شيراز بخفةٍ ملتبسةٍ، ساخرة· ملأت ملعقتَها من البرغل المطبوخ بالحمص· تذوَّقتْه: هذا طعام ينفخ العظامَ ريحاً فسارعت نازْلي راكانْ، الطويلة، إلى التعليق:
 
- إذن، هو طعام ينفع زليخا· ستمتلئ عجيزتك مثل أفريقية· يالأردافهنّ في رِنكبيْ وهي تتحاكُّ وتتساحق في البناطيل إذ يمشين· 
 
مؤخرات كهذه تجعل من العسير إقناعَ أحد بوجود مجاعات في أفريقيا، قالت رِيحانيْ محمد سِيْكَرْ، امرأة الأربعين، المزدحمةُ أصابع اليدين بالخواتم الفضة على أنواعٍ، وأديانٍ في الصناعة·
 
وسِّعْنَ لي قليلاً، قالت سلام شيخ غرْدَق، ابنة الأربعة والأربعين، الكبيرة الكفل، وهي  تلتقط من الصِّحاف بعضاً من كل صنفٍ مطبوخ· تراجعت حين ملأت صحنها: عندنا محقِّقة فنلندية في شؤون الهجرة، تسألني أن أسأل من يحضر من المهاجرين للتحقُّق من روايته، إن كان تناول ثوماً، قالت وهي تلقي كلماتها متسارعةً على الأسماع المنصتة إلى الملاعق·
 
ها؟؟، ساءلتها نازلي، ابنة الحادية والأربعين، المقضومة الأظافر قضْماً حتى اللحم· أردفتْ: فنلندية؟ أتعنين شولاَّ تاكينِنْ، الضئيلة الحجم كـ، وتفكَّرت برهةً في إيجاد شَبَهٍ، فعاجَلَتْها سلامْ: كالذي بين فخذيك
 
لابأس· مابها هذه الضرطة العابسة دائماً؟، قالت نازلي·
 
كيف لي أن أسأل الشخصَ المهاجر، طالبَ اللجوء، إنْ أكل ثوماً؟ وقاحة· قلت لها مرةً: اسمعي: السويديون، الذين احتلو فنلندا، لايحتقرون الثوم، فلماذا تحتقرينه أنتِ؟· نحن الغرباء نحب الثوم· نحبُّ القُبَلَ بنكهة الثوم، قالت سلام بصوتها المرتفع، فسارعت راوتْ، ذات التجاعيد الكثيرة في شفتها العليا، إلى استطرادٍ ساخرٍ:
 
- لماذا لم تُضيفي: نحبُّ الأيور مُدلَّكةً بالثوم·
صفحة 6
سأضيف ذلك إلى كلامي حين تستدعيني القحبة في المرة القادمة، قالت سلام راضيةً·
 
إن قلتِ لها ذلك، لن تتصل بك دائرة الهجرة للترجمة من جديد، نصحتْها زنتانا العابرةُ قربها إلى كرسي مسنود إلى الحائط·
 
طالبو اللجوء الأكراد يتناقصون· ساعات الترجمة للمحقِّقيْن تتراجع· يستدعون المترجمة مِنَّا مرة، أو مرتين كل أسبوع· لم يعد مهمًّا عندي هذا العملُ السخامُ· يكفيني ماأحصِّلهُ من نقود في ترتيب أَسِرَّةِ دار العَجَزة، في منطقة آلفيك، قالت سلام الصغيرة الثديين· أردفت: سأخبر المحققة الفنلندية عن الأيور مُدَلَّكةً بالثوم تجرَّعت قليلاً من الجعة: من اختار فنلندية للتحقيق مع طالبي اللجوء في السويد؟· فهمتُ الآن: صقيعيَّة تجمِّد لسانَ طالب اللجوء
 
سأذهب إلى القانون بموجبات القانون، قالت تاسو، راجعةً بخيال المحاورات، وسط الصحون المُترفة، إلى ذبابة خيالها الساكنة فوق حرف من اسم الشارع، فاستنكرت درخو بصوتها الخشن ذلك الإلحاحَ من صاحبتها:
 
- لماذا أنت غاضبة، إلى هذا الحد، من اسم الشارع؟·
 
أخاف البقاء بقية عمري، في هذا الشارع، ردت تاسو وهي تمضغ ماتلقَّمته من صحنها·
 
ماالذي سيتغير إنْ حمل الشارعُ اسمَ وليِّ القِشدة؟، ساءلتها درخو·
 
سألتهم بقيةَ عمري بسرعة، ردت تاسو·
 
لاتغيِّريه، والتهمي نفْسَك ببطء· نحتاج أن تشيخ فروجُنا معاً، قالت درخو·
 
لقد شاخت ياعديمة الذاكرة· لم تعد نافعةً إلاَّ في أنشطة مشبوهة، ردت تاسو·
 
ماالأنشطة المشبوهة لفرجك ياتاسو؟، ساءلتها زنتانا·
 
البول، ردت تاسو·
 
نقرت شتولا الفتيَّةُ طرف صحنها، واقفةً، بالملعقة: مابالكنَّ تتكلَّمن يائساتٍ؟ ألا تتصَيَّدنَ أحداً، يامطلَّقات السويد، الكرديات؟
 
بمَ نتصيَّد زُبًّا؟ بالشوارب، التي ظهرت تحت أنوفنا؟، قالت كبرى الصديقات درخو خلاص· تقدمت حتى لامست بصدرها صدرَ شتولا:
 
- إذا ضاجعتِ رجلاً، ياشتولا، تعالي إليَّ لأشمَّكِ· قد اتذكَّر رائحةَ النَّيك·
 
ألا تشمِّين شيئاً، الآن، يادرخو؟، ساءلتها شتولا غامزةً بعينها· ضحكت·
 
أفعلْتِها منذ عهد قريب؟، ردت درخو· تشمَّمتْها·
صفحة 7
منذ خَمسة أسابيع، قالت شتولا· تنهَّدت· عِلْمُ جسدي بالنيك يضمحلُّ، يادرخو· صار فرْجي أُميًّا
 
سأُحْيي فَرْجَ هذا الشارع، قالت تاسو· وضعتْ صحنَها على المنضدة وسط الأريكتين· استدارت تصحِّح المَيْل في إطارٍ معلَّق بسلك قصير إلى عقفةٍ من البلاستيك مثبَّتة إلى الحائط بِلاصقٍ· صححتِ الميلَ، لكن العقفة انكسرت، بغتة، فسقط الإطار بالصورة السوداء والبيضاء فيه· تهشم الزجاج على حافةِ كرسيٍّ· جمدت النساءُ برهةً، ثم ضحكن· دفعت تاسو الزجاجَ الهشيم، والإطارَ، بقدمها الحافية إلاَّ من جوربها، أسفلَ الأريكة الرمادية: اختبئا، ياأمي وأبي هنا، الآن· سأعود إليكما صباحاً تأوَّهتْ· عضت على أسنانها· جلست على الأرض تتحسس قدمها· أخرجت شظية زجاج صغيرة من إبهام القدم: ياقحبة، تمتمت· وضعت الشظية في منفضة الرماد، على المنضدة· سأدعوكنَّ إلى التظاهر في ساحة رِنْكبيْ لتغيير اسم الشارع· هذا يحفظه القانون· سأذهب إلى القانون بجورب القانون، قالت وهي تخلع جورَبها، فوجدت الجرحَ هيِّناً· أعادت لبسَ الجورب: سأدعو أكراد ستوكهولم، وأُبْسَالا إلى التظاهر
 
أليس الأجدى رفْعُ طلبٍ بتغيير اسم الشارع إلى البلدية، ياملكة السويد؟، ساءلتها زليخا الممسوحة الردفين، بسخرية لايحجبها صوتُها الرقيق، الجاد·
 
بلدية؟!· أية بلدية؟، ساءلت تاسو نفسَها باستغرابٍ مُلفَّقٍ· تلفتت بوجهها، من مجلسها على الأرض المغلفة بقشرٍ من الخشب الصقيل: إلى أية بلدية تتبع رنكبي، في السويد؟
 
بلدية مَقديشو، ردت ذات الأظافر المقضومة، الدعجاء العينين، نازلي·
 
يامقديشو ياقلبي، ترنَّمت شيراز رحماني، المحتفظة برشاقة ملحوظة، فاستثارت خُبثاً في لسان زنتانا حسن، التي تظن أن لها نَسَباً إيرانياً:
 
- الواضح، يانازلي، أنك تذوَّقتِ قضيباً أسودَ، طويلاً، تستطيع درخو أن تدون عليه تسعة عشر سطراً من شِِعرها الكردي·
 
خشخشت أساورُ الخرز في معصم درخو وهي تدفع بصحنها في ظهر زنتانا: الواضح أنك تذوَّقت قضيباً أسود دوَّنت عليه، بفمك الواسع، تسع عشرة قُبلة، من كمرته إلى خصيتيه، يامخلَّلة الفرج، في تلميح إلى كرديَّيْن تزوجاها تباعاً، كانا يستوردان مخللات من تركيا·
 
أوقِفْنَ قليلاً كلامَ القِحَاب هذا· ظننتُ الصغيراتِ، فقط، يتحدثن هكذا، قالت شتولا، وهي تفتح علبةَ جعةٍ صفيحية·
صفحة 8
منذ متى تعاشريننا، ياشتولا؟، ساءلتها شيراز، التي لاتتبرَّج إلاَّ بكحل على أجفانها· ثلاث سنين، قالت مستطردةً· ألم تلحظي أننا كلَّما خذلتنْا أجسادُنا باتت السنتُنا أكثر طلاقة في التعويض على هذه الفروج المخذولة بين أفخاذنا؟ ضحكت· نتحدث مثل قحاب· نعم· جسدُكِ الفتيُّ يتصرَّف كقحبة في السرير· أما أجسادنا فلها الوحدة الطاهرة· أسِرَّتنا للنوم الطاهر· فروجُنا للنوم الطاهر ضربت براحتها على صدرها العارم الشرس: أسعفيني بقضيبٍ مجاهدٍ، ياشتولا، وخذي مني لساناً عفيفاً كلسانِ وليٍّ
 
لاتوجد قحبة في هذه الحياة، قالت تاسو· رفعت طرف قميصها عن شحم كشحها الأيمن، المنفلت من نطاق البنطال· حكَّت الشحمَ: لم يخلق الله قحبةً، في هذه الحياة، بعدُ
 
في أية حياة ستوجدُ القحبةُ، إذاً؟، ساءلتها نازلي·
 
في الآخرة، ردت تاسو·
 
سقط بعضُ الأسطوانات المدمجة، الصغيرة، من رفٍّ في المستطيل الخشبي، الثابت على قاعدته، حين سحبت راوَتْ خليل، المتصبِّبة ذهباً من شَعر المبالَغ في صباغه، قُرصاً· سأسكتكنَّ بموسيقى تخطف البظرَ من عريْن الأسد بين أفخاذكنَّ وضعت القُرصَ في الآلة الرقيقة الجسم، المسطحة، المتقشِّفة الأحشاء·
 
انطلقت حنجرةُ المغني، بزعيقٍ لاتمهيد له· ارتعشت أوتار الطنبور هلعاً من حنجرة المغني، الشعبي، ملك أناشيد الغربة، واللوعة، والهجران، والغرام الطاحن كالمثقاب الكهربيِّ الرَّجراج في حَفْرِ الإسفلت· تقوَّض الصوتُ في الآلة مطحوناً بعضهُ على بعض· التحم الصوتُ· تجانسَ ثم انخلع كعصبٍ· صراخُ المغني، حارسُ الروح الكردية الشعبية، زلزلَ فراغَ الآلة الهَلعة· صوتُه الهياجُ بلغ بذبذباته اللاسِعة حديدَ الأساسات في العمارة· اتَّسع الطربُ وَهَجاً· 
 
ردَّد بعضُ النساء تأوُّهاتٍ متزحلقةً على زيت قلوبهنَّ· مزِّقْ أكبادَنا، هتفْنَ بالمغني، الذي كاد يفتِّتُ الآلةَ بانتفاخ حوصلة غنائه· مزِّقِ اللوحَ، الذي يحمل اسمَ الشارع، صاحتْ تاسو·
 
 إذا غيِّرتِِ اسم هذا الشارع، سيطالب الصوماليون بتغيير أسماء الشوارع كلها في رِنْكبي، ياتاسو· ستظهر جمهورية صومالية في رِنكبي، قالت ريحاني، وهي تشعل لفافة تبغ من أُخرى، بفمها نصف الممتلئ طعاماً·
 
سمعت أن الصوماليين يطالبون بمراحيض إسلامية في أماكن عملهم، قالت زليخا·
 
أماكن عملهم؟· أين يعملون؟، ساءلتها تاسو·
صفحة 9
ليس الصوماليون من يطالبون بهذا· أنتِ تخلطين، يازليخا· في بريطانيا يطالب الباكستانيون المتدينون، والمغاربة المتدينون، وأشقاؤهم، وأخواتهم، بمراحيض إسلامية في المعامل، والمصانع، قالت ريحاني· 
 
ماالمراحيض الإسلامية؟، تساءلت راوَت·
 
لاأعرف، ردت ريحاني·
 
هل ستصل عدوى بريطانيا إلى رنكبي؟، تساءلت راوت·
 
ربما· قد يصل الأمر إلى مطالبة البعض بمساجد في مدارس السويد، ودور الحضانة، قالت ريحاني·
 
مطَّت شيراز رحماني قميصَها القطني على جانبي صدرها كي يتنفَّس ثدياها العارمان: كم مسجداً في رنكبي؟ ثمانية وثلاثون؟، تساءلت·
 
ثمانية وثلاثون؟ أأنتِ جادة؟، ساءلتها راوت·
 
أقل بقليل من ذلك· رنكبي هي مكَّةُ الدول الإسكندنافية، وثلاثة أرباع أوروبا، قالت تاسو· رفعت إلى فمها كأسَ النبيذ الأبيض، الذي لايشربه غير درخو· تذوَّقته ممتعضة من مذاقه· خطفت درخو الكأس من يدها: لاتلوِّثي ماءَ الفردوس· لايليق بك إلاَّ شراب نُقِعَ فيه التبغ
 
سيصل قراصنة الصومال إلى بحيرات ستوكهولم، قريباً، قالت ريحاني، ذات الشال المنسدل عن كتفيها·
 
وصل الأكراد، فلماذا لايصل الصوماليون؟، ساءلتها سلام، ذات الشعر البنيِّ المصبوغ بعض خُصله فضَّةً·
 
وصل أكراد، لكن ليس قراصنة أكراد، ردت ريحاني·
 
الأكراد قراصنة، أبداً· ألم يكن نابليون قرصاناً؟، ساءلتها سلام·
 
ضيَّقت ريحاني بين أجفانها استغراباً· مسحت فمها بمنديل ورقيٍّ عليه نجوم ذهبية مخذولةُ الرسوم·
 
نابليون؟ كيف خطر لك نابليون؟ صديقاتك يشربن نبيذي القاتل، وأنتِ تسكريْن، قالت ريحاني·
 
أأنت تقتليننا بالنبيذ الذي تصنعينه في بيتك، ياريحاني؟، ساءلتها نازلي، فردت ريحاني: أنت تشربين الجعة· لم تجربي نبيذي بعد· يُسْكِر من لايشرب وهو على بُعد مترين من كأسٍ منه، مثل سلام، التي جاءتنا بنابليون
 
أمُّه كردية، قالت سلام·
صفحة 10
أمُّ نابليون؟، ساءلتها زنتانا وهي تبعج في قبضتها علبةَ الجعة المعدنية الفارغة·
 
ربما تعني أمَّ الإسكندر الكبير· أمُّ الآسكندر كردية، ياسلام، وليست أم نابليون، قالت درخو مصحِّحةً نوافلَ التاريخ الصغيرة·
 
والله، كل شيء كان كردياً في هذا العالم قبل انقلاب الأكراد على الله، قالت تاسو·
 
أيُّ انقلاب، أيتها العالِمة الإلهية؟، ساءلتها درخو، وهي تملأ كأساً من نبيذ ريحاني معبَّأً في حاوية 7up بلاستيكية·
 
أن يحافظوا على أنفسهم بلا تاريخ· كل من لاتاريخ له يُعِدُّ انقلاباً على الله، قالت تاسو·
 
التبغ التركيُّ المهرَّبُ إلى السويد يُلهمكِ الفلسفةَ، ياتاسو هزَّت درخو رأسها مع كلماتها·
 
فكَّت تاسو زرَّيْن في نطاق بنطالها، فوق البطن: لاتاريخ لنا، لذلك يحقُّ أن نسرق أمَّ نابليون، وأم الإسكندر، وأمَّ البشرية، قالت·
 
لماذا تكتَفين بالأمهات؟، ساءلتها زليخا، ذات القبعة المخمل السوداء، الأيرلندية، الممسوحة الردفين، فردت تاسو:
 
- إن ذكرتُ آباءَ البشرية، فلن يضيف ذلك شيئاً إلى عظمة الكرد· الأكراد آباءٌ دائماً· ولدوا آباءً·
 
وماذا عن الأمهات الكرديات؟، ساءلتها ريحاني·
 
الكردياتُ آباءٌ· ولدن آباءً· تخرج الكردية من فرج أُمها أباً، لاأُماً، ردت تاسو·
 
أريْنا زُبَّكِ، ياتاسو، قالت درخو·
 
فكَّت تاسو زرين آخرين في بنطالها فانكشف طوقُ سروالها الداخلي· تحسَّستْ ملتقى فخذيها· هزَّت رأسها أسفاَ: أنتنَّ غيرُ مثيرات· لم ينتصب زبي بعد
 
رن هاتف تاسو المحمول، في جيب بنطالها· رنَّةُ الصوت مضبوطةٌ على الإيقاع ذاته لترنيمة بوق سيارة بيع الآيس كريم الجوَّالة· صوت تعرفه مملكة السويد في أركانها الظاهرة والباطنة، كل يوم من أيام السنة· القشدةُ المجلَّدةُ، بنكهتها الملتزمة والعدمية، تلطِّف من خيارات الجليد في الذهاب بعيداً إلى الفوضى، وتلطِّف من خيارات الصيفِ الرطب، الممطر ثُلُثُه، في الذهاب بعيداً إلى العصيان· تاسو تأنسُ إلى الرَّنَمَة القصيرة، المكرورة، في النشيد المُعْلِن نداءَ النكهات الباردة الجوَّالة· أسمعُ قامشلو، تقول· لايعنيها تدبير مايؤكِّد رقمَ المصادفةِ الجامعَ بين أرقام مَوْلِد سيارة القشدةِ الحلوى المجلَّدة في السويد، وبين أرقام ينتسب إليها تاريخُ ظهور قامشلو كصوتٍ، بعد ظهورها أرضاً عُمراناً غادرتها تاسو قبل أربع وعشرين سنة· أسمع قامشلو
 
- ماذا يشبه صوتُ قامشلو؟
 
- يشبه مأفكر به من غير أن أفكِّر·