صفحة 1
طوشة وقايمة
انسل خيط رفيع من الدخان من تحت باب البيت، محدثاً رائحة مألوفة ما لبثت أن انتشرت في أرجاء المكان ووصلت إلى غرفة الجلوس الصغيرة حيث كان مستلقياً أمام التلفزيون. ما كاد أنفه يلتقط الرائحة حتى أجفل وقفز صائحاً: "آمال!!" وحين لم يسمع رداً بدأ يهرول في المنزل باحثاً عن مصدر الرائحة. تفقد جميع الغرف فلم يجد شيئاً. وحينئذ فتح باب البيت ليخرج ويرى، فإذا بالرائحة تدخل كغيمة كثيفة وتعبق بقوة في أنفاسه.يا إلهي! ما هذا!! خرج خائفاً ينظر حوله وفجأة توقف مبحلقاً.
كومة كبيرة تحترق أمام بيت أبي رمزي، وهو واقف يشرف على العملية ويزيد على الكومة من النفايات والأشياء التي يريد إتلافها. كأنّما قصد أبو رمزي أن يختار هذه الفسحة والوقت بالذات فسرعة الهواء واتجاهه في تلك الليلة كانا يدفعان بالدخان كله مباشرة إلى بيت خليل.
اكفهر وجه الأخير ومرت في ذهنه عدة خواطر منها أن يصيح به، ومنها أن يقيم الحارة ويقعدها ليشهدها على هذا الرجل المجنون، ثم امتد خياله فتصور نفسه يلقي بأبي رمزي في الكومة التي تحترق ويقهقه عالياً وهو يستمع إلى صياحه. شعر بارتياح غريب لهذه الفكرة ما لبث أن قطعه صوت آمال وهي تنادي: "فوت فوت عالبيت خلّينا نسكّر الباب! شو هالحالة هاي!!"
استدار وعاد إلى البيت صامتاً وطبق الباب في عنف، ثم عاود جلوسه أمام التلفزيون.
لقد أُعلنت الحرب.
*********
كانت جيرة أبي رمزي لخليل مضطربة بأحسن تعبير. فمذ سكنا جنباً إلى جنب قبل خمسة عشر عاماً والعلاقات بينهما تتراوح حسب عدة متغيرات منها الحالة الاقتصادية، والانتخابات المحلية (قلما صوّتا لنفس المرشح)، ومشاكل النسوة (وهذا بند هام يستحق الوقوف عنده مطوّلاً)، والخلاف الدائم على حدود الأرض بينهما، وعدة ثوابت منها عصبية أبي رمزي المفرطة، وتحشّر خليل فيما لا يعنيه، وكيد وكره زوجتيهما الواحدة للأخرى. أصبح أمرهما شائعاً حتى بات الناس يستغربون حين يرون أحدهما يحدث الآخر أو يزوره.
اندلع الخصام ثانية قبل أسبوعين بسبب تخلّف أم رمزي عن تنظيف سلة المهملات الكبيرة المشتركة بين العائلتين. وكانت قد تخلفت عن دورها لثلاثة أسابيع متتالية فوقفت آمال لها بجانب السور المنخفض الفاصل بين بيتيهما، واضعة يديها على خاصرتيها قائلة بنبرة فيها الكثير من التهكم: "بهمّش جارتنا... بدنا نغلّبك... إذا بتعملي معروف صار لك تلات جمع مش شاطفة سلة الزبالة..." فسارعت الأخرى بالرد: "لأني ما باوسّخها قدّكم." فقالت آمال بغيظ: "إحنا بنرمي فيها زبالة وانتوا بترموا زبالة – والا زبالتكم أنظف يا عيني؟!" فردت الأخرى أن الناس مقامات، وهناك أناس من بيئة معينة لا يعرفون حتى كيفية ربط أكياس المهملات حتى لا تحدث أوساخاً. استطردت آمال بأن مقامها أعلى من أم رمزي وكافة سلالتها، فنعتتها الأخرى بقليلة الأدب وانهالت عليها بالسباب والشتائم. حين عاد الزوجان إلى البيت لكّمتهما كل واحدة القصة من وجهة نظرها، فتأفف الرجلان اللذان بالكاد استراحا من آخر "طوشة" قبل أسبوعين. هدر خليل محذراً: "حكي كثير بدّيش أسمع – ما عدش إلي اخلاق اتقاتل مع حدا – اكسري الشر وفكّيني من دواوين النسوان هاي!" بينما صاح أبو رمزي بزوجته أن تنظف السلة و "تحلّ عن سماه".
يئست المرأتان من الرجلين فقررتا خوض المعركة منفردتين. تلا تلك الحادثة إلقاء بقايا طعام فاسد أمام بيت أبي رمزي ورمي مياه جردل المسح المتسخة على غسيل آمال، واختفاء غامض لدجاجتين من بيت أبي رمزي ثم اختفاء الديك أيضاً، وتقطيع حبال غسيل آمال المربوطة بزاوية بيت أبي رمزي (ويبدو أن لأم رمزي حقداً خاصاً على غسيل الأخرى). وسط الصياح والقتال والشتائم أُقحم الرجلان – رغم أنفهما – في القصة. قال أبو رمزي لخليل بأن عليه أن "يضبّ" زوجته ولم يحتمل الآخر فذهب واشترى سلة مهملات منفصلة لبيته ثم كسر سلة المهملات الأخرى حتى يلقن جاره درساً في الأدب، فنتج عن ذلك أن جمع أبو رمزي كل نفاياته وأحرقها في حادثة اليوم، ناشراً رائحة خانقة في بيت خليل لم ينم هو وعائلته بسببها تلك الليلة. قام في الصباح أحمر العينين يتميز غضباً ويهدر لنفسه. حين رأته زوجته على تلك الحالة علمت أنه من الأفضل عدم استفزازه إلى أنْ خرج من البيت صافقاً الباب وراءه في عنف، متجهاً إلى بيت المختار حيث قدم شكوى عالية ضد جاره وتشاجر مع نصف الذين رآهم في الطريق ذهاباً وإياباً. وعاد إلى بيته كي يفكر بطريقة تجعل هذه العائلة تتقي شره إلى الأبد!
*********
رشف أبو سعيد رشفة ساخنة من قهوته، متلذذاً بها وبقطعة حلوى سارع بالتهامها ليلحقها بأخرى من طبق موضوع أمامه. ثم فطن إلى الموضوع الذي جاء من أجله فاعتدل في مجلسه، مركزاً جسمه الضخم في وضعية مريحة، وتنحنح قائلاً: "يا أوادم... مسّيناكم بالخير..." فهمهم الجميع رادّين التحية، وكان في الحضور كلٌّ من أبي رمزي وخليل وجيرانهم الثلاثة، وسعيد الذي بدأ يتعلم الصنعة من أبيه مؤخراً. استطرد هذا: "أنا اليوم جاي مع الأوادم هذول..." وقاطعه الجيران قائلين: "الله يخليك!" ثم أكمل: "... حتى نوفق الأمور بين الجيران... والجار قبل الدار... واحنا بدنا نصلح الحال ونعيد الأمور لمجاريها..." وهنا بدت على وجهه سحابة من الكدر، وكأنه تذكر أن مجاري الأمور بين هذين الاثنين تكمن في العراك والمشاكل وأنّه لا بد سيأتي مرات كثيرة أخرى ويجلس هنا نفس الجلسة ويقول نفس الكلام... وهو يود أنْ يكسر رأس هذا وذاك ويرتاح منهما. ولكن، لا بأس، إنّه ينعم بعشاء لذيذ كلما أتى وما يعقبه من تضييفات، فتشريف المختار لا يمر ببساطة وله طقوس لا بد من تأديتها.
تنهد في شبع وارتياح وأخذ قطعة حلوى أخرى يتلذذ بها على مهل (شعاره المفضّل في الحياة: "الشبعان بوكل مية لقمة"). بعد أن أعطى الجالسين هذه الفرصة لاستيعاب جملته الأولى أردف: "يا أبو رمزي وخليل... إنتوا جيران وعيب عليكم كل يوم والتاني تبهدلوا حالكم هيك. يا أخي خلّصونا من قصصكم هاي وتصالحوا عاد!" وهنا دب الحماس في الجيران الثلاثة فسارعوا إلى التأكيد على كلمات المختار وحث الجارَين على الصلح، مستشهدين بأمثال وعبر وأقوال حكيمة.
تبادل أبو رمزي وخليل النظرات وهما محمرا الوجهين تنتابهما مشاعر الغضب ويحاولان جاهدين السيطرة عليها. تحت الضغط المستمر قام كل منهما بالاعتذار للآخر، ثم هدأت النفوس وهدآ تدريجياً شاعرين بالخجل مما قد حدث – وفكّر كل منهما بأنه يجب أن يجد حلاً لهذا الوضع، فلا يعقل أن يبقيا هكذا. ارتاح الجميع وانبسطت أساريرهم وتلت ذلك سهرة لطيفة ممتعة أتى خلالها المختار على بقية طبق الحلوى وصحن من الفاكهة ونصف كيلو من البذورات، إضافة إلى الشاي الذي تم تقديمه فيما بعد.
في تلك اللحظة، كانت أم رمزي قد فرغت لتوها من رش علبة من السكر أمام باب بيت خليل، وابتدأ هجوم ليلي على إثر ذلك للنمل والصراصير وسائر الحشرات التي أتت مهرولة، غير عابئة باتفاقيات السلام الطازجة التي لم يطلع عليها النهار.
صفحة 2
وبعدين مع عيشتنا؟
بعد يوم عمل طويل ومضنٍٍ، ابتدأ بعطل في الشاحنة وتخلّله تأخير في العمل وشجار مع المسؤولين في الورشة واختفاء مبلغ من المال وفتح تحقيق في الموضوع، وشغل مكثف ومرهق ثمّ ازدحام خانق في طريق العودة، دخل رامز إلى البيت وهو يكاد لا يرى أمامه من فرط الإعياء. لم يجلس فربما لن تعاونه قدماه على الوقوف ثانيةً. سأل زوجته بصوت مرهق: "في ميّ سخنة؟" أجابت بالإيماء وهي تحضر له ثياباً نظيفة. دخل الحمام واستطاع بالكاد خلع ملابسه والوقوف تحت الدش وفتحه بملء قوته عله يغسل التعب المتراكم في جسده.وضع شامبو على رأسه، وفجأة نزل الماء حاراً جداً ولسعه فقفز إلى الوراء وندت عنه صرخة غاضبة: "الميّ!!"
لم يسمع رداً لكن المياه عادت إلى حرارتها الطبيعية فزفر حانقاً وأكمل حمامه. كل يوم تقريباً تثور نفس المشكلة. أوصاهم ألف مرة ألا يفتحوا الماء وهو يستحم فذلك يجمده أو يلسعه بسبب اتصال كل أنابيب شبكة المياه في المنزل. لكنهم لا يفهمون شيئاً. فجأة نزل الماء بارداً مثلجاً فجنّ جنونه وقفز من الحمام والصابون يغطيه ووقف وراء الباب مزمجراً بصوت كاد أن يهد البيت: "الميّ!! وبعدين مع عيشتنا!!" فارتفع صياح في المنزل وزوجته تنهر ابنته، ثم عاد ليكمل حمامه وهو يلعن حظه في هذه العائلة الغبية ويقرر بينه وبين نفسه أنه يجب أن يفصل الأنابيب ويضع حداًً لهذه المشكلة. لكن هذا يتطلب نقوداً لا يملكها.
خرج متجهم الوجه وارتدى بيجاما فالساعة تجاوزت الثامنة ولن يقدر على السهر في حالته هذه. اتجه إلى المطبخ حيث تفوح رائحة الطعام وهو يتضور جوعاً ونسي غضبه وهو يجلس مسرعاً وزوجته تضع صحناً أمامه. باشر في الأكل بلهفة، لكنه قفز عن كرسيه بعد أول لقمة فالأكل ساخن جداً وقد حرق شفتيه ولسانه. رمى الملعقة ويداه تطيران إلى فمه لا إرادياً ثم انفجر بالصياح وزوجته تتلعثم وتحاول الاعتذار: "متأسفة... ما كنتش عارفة انو سخن هالقد..." وهو يصيح: "كام مرة قلتلك ما تسخّنيه كتير؟ بتقدريش تذوقيه؟!"
احمرَّ وجه المرأة وحاولت تهدئته بأن وضعت الصحن على حافة الشباك حتى يبرد، ما أغضبه أكثر فهو يكاد يموت جوعاً ولا يقوى على الانتظار. زفر حانقاً: "حرام عليكي، من الصبح وأنا على ساندويش، هاتيه لهون!" فناولته إياه ثانية في إشفاق وجلست بارتباك قبالته. ابتدأ بالأكل ثانية وهو لا يشعر بها بسبب جوعه. لكن سرعان ما رقّ قلبه وندم على صياحه فقال لها بهدوء: "بلاش تسخنيه هالقد..." وهزت رأسها علامة الإيجاب. ثم أكمل بصوت أرقّ: "ما بدك توكلي معي؟" فهو يعلم أنها تنتظره؛ حتى لو أكل الأولاد فهي لا تأكل معهم. ابتسمت ابتسامة كبيرة وصبّت لنفسها صحناً وأكملا أكلهما. لكن الهدوء انقطع حين دخل أولادهم الثلاثة وجلسوا حول الطاولة.
- "إيش يابا..." قال لهم بعقل شارد وهو يفكر فجأة في تأخير المعاش بسبب تعطل الشحن وتأخير العمل هذا الأسبوع وما سيفعلون في هذا الوقت.
بدأ الثلاثة بالتكلم سوية. ابنه الكبير تشاجر مع ابن الجيران: "كسّرت راسه يابا!" فغضب رامز وقال له بحدة: "مش ألف مرة قلتلك تمدّش إيدك ع حدا!" أما ابنه الثاني فقد طلب منه مالاً حتى يشتري حذاءً جديداً لكرة القدم. "وحياتك يابا – عنا مباراة كبيرة الأسبوع الجاي." ورأت ابنته أن تنضم إلى الموكب فقالت له: "آه يابا... بدهم منا مصاريف الرحلة في المدرسة..." نظر رامز إلى زوجته وقال: "الله بيعين... أففف." عاد الأولاد إلى حديثهم وضجيجهم الذي لا يتوقف حتى أخرجت الأم كعكة صغيرة من الثلاجة ضامنة بذلك إسكاتهم. شعر رامز بالامتنان ونظر إليها باسماً. إنها تعلم أنّه يحب الحلويات وميزانيتهم متواضعة جداً لذا فهي تفاجئه من حين إلى آخر بعمل حلويات بسيطة في البيت. ما إن وضع أوّل قطعة في فمه حتى تشاجر أولاده على شيء تافه وعلا الصياح فعلا صياحه هو أيضاً: "ما تفوت ع غرفتك انت واياه وتحلّوا عني شوي!! راسي قد البيت! أفففف!" فهرع الأولاد من أمامه. لم تعد له قابلية لشيء فهو متعب. طلب من زوجته كأساً من الشاي ودخل إلى الصالون ليستريح وهو ينادي: "أميرة يابا... جيبيلي كلسات." قدماه مثلجتان، إنّه الشتاء قد بدأ، واليوم وقف في البرد ما يقارب الساعتين وهو يحاول تصليح الشاحنة.
صفحة 3
فتح التلفزيون فقال المذيع: "قتل اليوم ستة أشخاص في حادث سير في..." فزفر قائلاً: "لا حول الله..." وأدار المحطة، ليجد شخصاً آخر يتكلم عن الارتفاع المترقب في الأسعار فتساءل رامز بانزعاج: "كمان مرّة؟ وبعدين معكم؟ نقعد بلا أكل يعني؟!" ثم علا صياحه: "وين الكلسات؟!!" فهرولت ابنته مسرعة والجوارب في يدها. "ساعة؟ لازم أقول كل إشي مرتين؟! شو هالعيشة هاي؟!!"
جاءت زوجته بالشاي. هي فقط التي تفهمه وتشعر به. إنّ حنانها وحبها هما ما يصبّره في الحياة. جلست بجانبه ورشف من الشاي وهو يتمتم: "يسلّم إيديكي..." ثم اقترب منها راغباً في لحظات من السلام والهدوء. أدارت محطة التلفزيون إلى أغنية قديمة لشادية وجلسا في سكون، وسخونة الشاي تسري في جسده. آه، إنّه بحاجة لهذه اللحظة... أمسك بيدها وسرت بينهما نظرة دافئة. بدأ يسترخي وعيناه تغمضان في شبه إغفاءة. لكن فجأة سمع صوت طرق عنيف على الباب وصراخًا من الخارج فهب مذعوراً وهرع إلى الباب ليفتحه، وإذ بجاره أبي أمين يستغيث: "أبو حاتم... إلحقني! الشرطة أجت توخد الولد - صاحب الشغل متهمه بسرقة مصاري!"
- "الله لا يعطيه العافية! ما لقى إلا أمين؟"
- "دخيلك الحقني – الولد مش قد الحبس!"
- "خمس دقايق بس أغيّر ثيابي وباكون عندك!" هرع إلى الداخل وزوجته تهرول وراءه حيث ارتدى ثيابه على عجل وخرج مسرعاً إلى بيت الرجل. هناك أبلغه الشرطي أن لديه أمراً بإلقاء القبض على أمين بتهمة سرقة مبلغ كبير من المال، فقال له رامز منزعجاً: "لا بد انه فيه خطأ... الولد بسيط وعلى نياته يا أخي ومش ممكن يعمل هيك عملة!" لكن الشرطي اضطر لتنفيذ الأمر وأمر الشاب أن يدخل السيارة وأمه تبكي وتصرخ والتمّ الجيران وحاول رامز استعطاف الشرطي الذي قال له: "إذا عندك شي تعال عالمخفر أعطي شهادتك والصبح بحلّها ألف حلال."
استقل رامز سيارة أبي أمين وقام بالقيادة وجاره بجانبه فالرجل متوتر جداً. حين وصلا إلى المخفر انتظرا أكثر من ساعة ثم أدلى رامز بشهادته قائلاً إنّ الشاب كان معه طيلة النهار وأشاد بحسن سلوكه وتأكده التام أنه ليس السارق. ثم أمضى طريق العودة محاولاً تهدئة أبي أمين الذي كاد أن يبكي بسبب تركه ابنه في الحجز، فالولد ذو قدرات عقلية محدودة ولا يفهم ما الذي يحدث بالضبط وهو بالتأكيد في حالة رعب وعدم استيعاب، لكن أحداً هناك لن يشفق عليه. حاول رامز تهدئة جاره قدر الإمكان قائلاً له إنّه سيذهب معه إلى المخفر في الصباح. ثم قفل عائداً إلى بيته في المطر وهو يرتجف ويتمتم: "وبعدين مع عيشتنا..."
حين أدار المفتاح في الباب كان يحسّ بشيء أقرب إلى الدوار. الساعة الآن تقارب منتصف الليل وهو مستيقظ منذ تسع عشرة ساعة. دخل بتثاقل وإعياء كامل وارتمى على الأريكة رافعاًً قدميه فاستيقظت زوجته التي كانت تغفو على الكرسي وقالت له بصوت متعب: "يعطيك العافية... شو عملتوا؟" تمتم: "خير إن شاء الله،" ثم لم يحسّ بشيء. لكنها أيقظته وقالت: "رامز... خرّب خزّان الميّ... فشّ ميّ سخنة، لازم نصلّحوا بكرا!"
أبقى عينيه مغلقتين. قبل أن يغط في سبات عميق سمعته يتمتم بصوت خافت...
"وبعدين..... مع... عي....شتنا"
جاءت زوجته بالشاي. هي فقط التي تفهمه وتشعر به. إنّ حنانها وحبها هما ما يصبّره في الحياة. جلست بجانبه ورشف من الشاي وهو يتمتم: "يسلّم إيديكي..." ثم اقترب منها راغباً في لحظات من السلام والهدوء. أدارت محطة التلفزيون إلى أغنية قديمة لشادية وجلسا في سكون، وسخونة الشاي تسري في جسده. آه، إنّه بحاجة لهذه اللحظة... أمسك بيدها وسرت بينهما نظرة دافئة. بدأ يسترخي وعيناه تغمضان في شبه إغفاءة. لكن فجأة سمع صوت طرق عنيف على الباب وصراخًا من الخارج فهب مذعوراً وهرع إلى الباب ليفتحه، وإذ بجاره أبي أمين يستغيث: "أبو حاتم... إلحقني! الشرطة أجت توخد الولد - صاحب الشغل متهمه بسرقة مصاري!"
- "الله لا يعطيه العافية! ما لقى إلا أمين؟"
- "دخيلك الحقني – الولد مش قد الحبس!"
- "خمس دقايق بس أغيّر ثيابي وباكون عندك!" هرع إلى الداخل وزوجته تهرول وراءه حيث ارتدى ثيابه على عجل وخرج مسرعاً إلى بيت الرجل. هناك أبلغه الشرطي أن لديه أمراً بإلقاء القبض على أمين بتهمة سرقة مبلغ كبير من المال، فقال له رامز منزعجاً: "لا بد انه فيه خطأ... الولد بسيط وعلى نياته يا أخي ومش ممكن يعمل هيك عملة!" لكن الشرطي اضطر لتنفيذ الأمر وأمر الشاب أن يدخل السيارة وأمه تبكي وتصرخ والتمّ الجيران وحاول رامز استعطاف الشرطي الذي قال له: "إذا عندك شي تعال عالمخفر أعطي شهادتك والصبح بحلّها ألف حلال."
استقل رامز سيارة أبي أمين وقام بالقيادة وجاره بجانبه فالرجل متوتر جداً. حين وصلا إلى المخفر انتظرا أكثر من ساعة ثم أدلى رامز بشهادته قائلاً إنّ الشاب كان معه طيلة النهار وأشاد بحسن سلوكه وتأكده التام أنه ليس السارق. ثم أمضى طريق العودة محاولاً تهدئة أبي أمين الذي كاد أن يبكي بسبب تركه ابنه في الحجز، فالولد ذو قدرات عقلية محدودة ولا يفهم ما الذي يحدث بالضبط وهو بالتأكيد في حالة رعب وعدم استيعاب، لكن أحداً هناك لن يشفق عليه. حاول رامز تهدئة جاره قدر الإمكان قائلاً له إنّه سيذهب معه إلى المخفر في الصباح. ثم قفل عائداً إلى بيته في المطر وهو يرتجف ويتمتم: "وبعدين مع عيشتنا..."
حين أدار المفتاح في الباب كان يحسّ بشيء أقرب إلى الدوار. الساعة الآن تقارب منتصف الليل وهو مستيقظ منذ تسع عشرة ساعة. دخل بتثاقل وإعياء كامل وارتمى على الأريكة رافعاًً قدميه فاستيقظت زوجته التي كانت تغفو على الكرسي وقالت له بصوت متعب: "يعطيك العافية... شو عملتوا؟" تمتم: "خير إن شاء الله،" ثم لم يحسّ بشيء. لكنها أيقظته وقالت: "رامز... خرّب خزّان الميّ... فشّ ميّ سخنة، لازم نصلّحوا بكرا!"
أبقى عينيه مغلقتين. قبل أن يغط في سبات عميق سمعته يتمتم بصوت خافت...
"وبعدين..... مع... عي....شتنا"
صفحة 4
شبكة المعلومات
قبيل العصر بدأت وتيرة القرية تهدأ في استعدادها اليومي لليلة شتاء أخرى. الأبواب والشبابيك موصدة والعائلات تلتم حول الدفايات ووجبة العشاء على وشك أن تجهز.تنقلت أم رمزي بين الأواني في المطبخ تريد إنهاء مهمتها بسرعة. لم تطق صبراً على ابنتها المتكاسلة في تقشير البطاطا فاستلمت منها المهمة وطلبت منها ترتيب الصحون على الطاولة. منذ أن تزوجت لينا، ابنتها الكبرى، وغادرت البيت فقدت أم رمزي عنصراً هاماً من عناصر المساعدة المنزلية. لينا "حِركة" ونشيطة وتلف في المنزل كالزوبعة ("طالعة لأمها..." تفكر أم رمزي بفخر) منجزة الأعمال بسرعة ودأب ومفسحة المجال بذلك لأمها كي تتنقل في زياراتها بين الجيران و"توخذ نَفَس". أما هذه الصغيرة فكأنما في عالم آخر – تسمع الموسيقى طول النهار وتهتم بملابسها وشعرها وتستغرق ساعة لإنجاز أبسط المهام. وأم رمزي تصيح بلا فائدة.
"قوموا! العشا جاهز!" في ثوانٍ كان الجميع حول الطاولة. سُمعت طرقات خافتة مترددة على الباب فصاح أبو رمزي: "اتفضّل!" فُتح الباب ببطء وأطل منه وجه صغير. "أهلين نرمين... فوتي حبيبتي،" قالت أم رمزي للطفلة، فهي ابنة جيرانهم وتقضي الوقت عندهم كأنها في بيتها. "لا خالتي، أمي وصّتني أرجع... بدنا نوكل." ضحك أبو رمزي قائلاً: "طيب بنفعش توكلي معنا؟" فهزّت الصغيرة رأسها بالنفي ثم نظرت إلى أم رمزي قائلة: "لأ... بس أمي بتقوللك لما تخلصوا عشا تعي لعندها،" واختفت بالسرعة التي أتت فيها.
لمعت عينا أم رمزي وهي تفكر. ترى ماذا علمت شهيرة من جديد الأخبار؟ أما بقية العائلة فلم يبد عليهم الاكتراث وأكملوا الأكل والضجيج. في هذا المجتمع القروي الصغير يقضي الجيران وقتاً كثيراً لدى بعضهم البعض، خاصة النساء. وتتخذ العائلة شكلاً قبلياً تتضمن فيه الأقارب والجيران إضافة إلى الأهل والإخوة.
لم تصبر إلى نهاية العشاء فأكملت أكلها بسرعة ثم حدجت ابنتها بنظرة حادة وقالت بنبرة فيها الكثير من التهديد: "بدي أرجع ألاقي المطبخ نظيف والجلي خالص!" تدثرت بعباءتها مسرعة (وليس هناك وجه للاستغراب في خروجها من المنزل وهي ترتدي عباءة أو شال فوق الملابس البيتية فالجيران ليست بينهم تلك الكلفة) وخرجت على عجل متجاهلة زوجها الذي قال: "خير يا طير... الله يستر... طيب اقعدي معنا كمان خمس دقايق بس!" مدركاً وهو يتكلم أنه لا فائدة، ومن الأفضل أن يجد سهرة في مكان ما حتى لا يغفو أمام التلفزيون... على الأغلب يتبع زوجته ويسهر مع جاره.
في المنزل المجاور قالت شهيرة لابنتها صبحية بلهجة الجنرال العسكري الذي على أهبة مباشرة مهامه: "اعملي لنا قهوة!" وجلست هي وأم رمزي تتهامسان باستغراق شديد.
- "اليوم كانت صبحية عندهم. راحت تعمل وظايف مع البنت. وشافت فساتين جديدة معلقة واغراض في المطبخ."
- "أغراض شو؟"
- "صواني كبيرة. الهيئة بدها تخطب!"
- "وليه بِحكوش؟"
- "يمكن لأنها بطّلت عن زاهر قبل يومين بس وما بدهم يحكوا إنها كانت تعرف واحد تاني."
- "عزا! يا عيب الشوم. بنات آخر زمن!"
- "شو تعملي؟ ما عدش حدا يستحي. وبعدين سمعت من أم زاهر انو الشاب لسه بيحبها وبدو اياها والله يستر شو رح يعمل إذا دري بالموضوع!"
خلال الحديث كانتا مستغرقتين تماماً، وصبحية تعد القهوة وتحاول استراق السمع فهي رغم حداثة سنها قد تأثرت بأمها وأصبحت متمكنة في فن "الدواوين" الذي يتطلب موهبة خاصة في ملاحظة الأشياء وجمع المعلومات والتقصي الدؤوب.
مع انهماكهما في الحديث شربتا "ركوة" قهوة وأكلتا عدة قطع من البسكويت البسيط الرخيص الذي يباع في القرية. لا مكان هنا للطعام الفاخر... قوت الناس اليومي يتألف من عناصر بسيطة، لكن هذا البسكويت والقهوة يشكّلان عنصرين أساسيين في كل جلسة كهذه.
كانتا في أوج استمتاعهما. العينان تبرقان واللسان يتحرك بلا هوادة وتعابير الوجه تتغير بسرعة مبالغة في ردود الفعل لحث الطرف الآخر على الاسترسال في الحديث، وهن جالستان في ركن قريب من المدفأة تستمتعان بالدفء. أبو رمزي يجلس مع زوج شهيرة وهما يعلمان أن لا جدوى من محاولة المشاركة في الحديث، فللنساء عالم خاص لن يستطيعا اختراقه، لذا يتسلّيان بالبذورات وشرب الشاي (المرأتان تشربان القهوة لرفع درجة التركيز)، والحديث عن العمل والسياسة ومتابعة الأخبار في التلفزيون. وتمضي ليلة شتاء أخرى في هذا الدفء والحميمية.
صفحة 5
في صباح اليوم التالي زمجرت أم رمزي موقظة ابنتها: "الساعة عشرة! لإيمتا بدنا نظل نايمين؟! قومي انشري الغسيل! أنا راجعة!" ودلفت من البيت بمشيتها السريعة وكأنها في مهمة مستعجلة. طرقت باب شهيرة فاستقبلتها وهي تطبخ وجلستا معاً ريثما ينضج الطعام. شهيرة تريد التفرغ لمزاولة نشاطها اليومي وتفضّل أن يكون الأكل جاهزاً. تنهدت أم رمزي وهي تشرب القهوة: "أركنت على ياسمين عشان تجهز الغدا... يمكن بالآخر تقلي بطاطا وبيض. شو أعمل بهاي البنت؟" وابتسمت شهيرة قائلة: "ولا إشي. خليهم يتدللوا. هاي صبحية بعدها نايمة..." فاغتاظت الأخرى من برودة أعصابها وزفرت: "طيب وبس يتجوزوا شو بدهن يعملوا؟ هاي البلوة اللي عندي بدها تعرف تدير بيت؟! أنا عارفة شو رح يصير – كل خمس دقايق يمّه ويمّه... وخذي البهدلة ساعتها!" ثم أردفت بفخر: "اسم الله عليكي يا لينا... والله من أول يوم ما سألتني إشي – معدّلة وقوية العين تحميها!" ابتسمت شهيرة قائلة: "يا أختي... ما إحنا تجوزنا زي الهبل، وهاي مشي حالنا. بعدين جيل اليوم مش زيّنا – الشباب والبنات هالايام بيساعدوا بعض في البيت." فخبطت أم رمزي على صدرها: "هذا اللي ناقص!" وتساءلت الأخرى: "ليش لأ؟ حتى جوزي بيساعدني مرات – امبارح نقر الكوسا!" كتمت أم رمزي غيظها وقامت بتخزين المعلومة حتى تناقشها مع الجارات الأخريات في غياب شهيرة. إنّ للمعلومات التي تسمعها ترتيبًا دقيقًا في ذهنها يحدد كيفية وموعد استخراج كل منها ومع من.
جهز الطعام وقامت شهيرة بتغطيته حتى يظل دافئاً ثم خرجتا سوية تمشيان بسرعة. برودة لاسعة في الجو وسماء رمادية تنذر بالأمطار. وصلتا إلى وجهتهما داخلتين من باب خارجي عتيق إلى حوش كبير يقوم في طرفه منزل قديم. نادت شهيرة: "أم فارس..." وسمعت الرد: "أهلاً أهلاً! اتفضلوا!" آتياً من طرف البيت الغربي. اتجهتا إليه لتجدا المرأة قابعة على الأرض تخبز خبز الطابون وتلوح بالعجين بين ذراعيها في حركة ماهرة، وسميرة ابنتها تجلس بقربها وتدخله إلى فرن الحطب. قام السلام والتأهيل وجلست المرأتان على كرسيين صغيرين من القش.
أم فارس خبازة ماهرة تخبز وتتحدث وتضحك في آن واحد. اشترك النسوة في حديث شيق وأكلت أم رمزي وشهيرة من الخبز الساخن دون تكلّف. حين قالت أم فارس لابنتها: "قومي اعملي قهوة،" وقفت أم رمزي قائلة: "أنا باحطها عالنار... خليكي يا سميرة!" ودخلت إلى المطبخ. وضعت الماء على النار ناظرة إلى داخل البيت في فضول واتجهت كأنما لتدخل إلى الحمام، ملقية نظرة متفحصة على غرفة سميرة التي تعلم أنها بجانبه. لا وجود لأي فساتين كالتي تحدثت عنها شهيرة. لم ترد أن تغيبَ كثيراً فخرجت إليهن ثانية.
جلست حائرة تشعر بفضول شديد وتريد معرفة ما يجري. لم تستطع المراوغة أكثر، فبعد عدة دقائق أخرى من حديث عام قالت بنبرة حاولت ألا تشي بلهفتها: "شو أم فارس؟ شو صار مع سميرة اسم الله عليها؟" ألقت شهيرة إليها نظرة خاطفة كأنما لتقول: "والله برافو عليكي – أنا بدي أفتح الموضوع ومش عارفة كيف!"
ابتسمت أم فارس كالتي كانت تتوقع السؤال وقالت بنبرة هادئة: "ولا إشي – الدنيا قسمة ونصيب... ما صار نصيب مع الشاب وراح كل واحد لحاله بالمعروف... وهيك أحسن من المشاكل بعدين لا سمح الله!" قالت شهيرة: "بس والله سمعت انه بيحبها وبعد بدو اياها؟" فانزعجت المرأة وردّت: "يا أختي الدنيا نصيب... والبنت مش مرتاحة معه – أجوّزها بالقوة يعني؟! والله بزمانهم أهلي ما غصبوا عليّ إشي. تجوزت أبو فارس عن حب ورضا." وابتسمت كأنما تتذكر: "كان يوقف قبال بيتنا بالساعات... وما كسروا أهلنا بخاطرنا... وهيّانا اسم الله علينا مبسوطين. آجي اليوم أغصب البنت؟ متت وأنا أحكي معها..." (وكانت سميرة قد ذهبت لصنع القهوة) "...بس ما بدها!"
قطع حديثهن صوت ينادي: "يمّه! يمّه! إنت هون؟" فقالت أم رمزي: "ياسمين!" ثم نادت: "آه يمّه هون! فوتي!" وإذ بالفتاة تظهر وتسلم على النسوة وأمها تتساءل بانزعاج: "يا مقصوفة الرقبة! شو بتعملي هون؟!" ضحكت ياسمين وقالت: "زهقت... وعرفت انك هون قلت آجي أتسلى شوي مع سميرة ومنروّح سوا." فردت الأم: "يا عيني! والطبيخ؟!" في هذه الأثناء عادت سميرة بالقهوة وما أن رأت صديقتها حتى تضاحكتا وجرتا سوية إلى داخل المنزل. تنهدت أم رمزي بصوت عال وتمتمت دون أن تخاطب شخصاً محدداً: "يا ربي شو أعمل بهاي البنت؟" ضحكت شهيرة التي تتابع هذا المسلسل يومياً وابتسمت أم فارس قائلة: "ولا إشي – خليهن ينبسطوا..." أرادت أم رمزي الاسترسال في الشكوى لكن الموضوع السابق بقي أهم ولم ترد أن تفلت فرصة إكماله، فتنحنحت وقالت: "طيب وفي لسميرة عريس تاني؟"
كأنما عجبت المرأة لجرأتها وبغتت بالسؤال. سكتت لبضع ثوان كان النسوة ينظرن إليها خلالها في ترقب. ثم قالت وهي تنظر إلى الخبز: "لا يا أختي... على مهل... البنت صغيرة، خلّيها عندي شوي..." وضحكت.
عرفت المرأتان أنهن بصدد سياسة الإخفاء والكتمان ويجب أن تسلكا طرقاً أطول للوصول إلى المعلومات المنشودة.
استمر الحديث في مواضيع أخرى منها أخبار ثانوية تتعلق بجيران ومعارف آخرين، وأم رمزي تخزّن كلاً منها في خانات محددة في شبكة معلوماتها، وتحدد ما يجب أن يقال أمام من وتحلل الأحداث حيناً مع النسوة وحيناً بشكل صامت. انتهتا من شرب القهوة واستأذنتا وأم فارس تعترض بصوت عال: "والله ما قعدتوا! ع إيش مستعجلين؟ خلّيكن!" ووسط المجاملات والعتاب تمكنت المرأتان من الخروج بعد أن صممت أم فارس على إعطاء كل واحدة خمسة أرغفة. خلال بقية مشاويرهن ممكن أن تعدن بأشياء أخرى كثيرة... بضع حبات ليمون أو كوسا... صحن من الحلوى...
ما إن خرجتا وياسمين تهرول وراءهما حتى همست شهيرة: "بدهاش تحكي. بس أنا باقوللك إني متأكدة في إشي!" ردت أم رمزي بلهفة: "آه... هاتي نفوت على أم إخلاص... هاي اللي عندها كل الأخبار." ثم وجهت الحديث لياسمين: "ولي يا مقصوفة الرقبة اسبقيني بسرعة عالبيت – وإذا روّحت ما لقيت الطبيخ جاهز رح أمعط راسك!" وأكملت طريقها مع شهيرة إلى الوجهة الجديدة.
أما في بيت أم فارس فقد قالت تلك لابنتها: "جايين يشمشموا أخبار... ناقصني وجع راس أنا. هاي كلها غيرة! اسم الله عليكي يمّه!" ثم فكرت قليلاً وأردفت: "بس ما قالتلك ياسمين إشي عن أهله لزاهر؟" هزت الفتاة رأسها بالنفي، فقالت أمها بصوت حكيم: "لازم بعد ما أخلص الخبز أروح عند أم إخلاص... عندها بالاقي كل الأخبار."
جهز الطعام وقامت شهيرة بتغطيته حتى يظل دافئاً ثم خرجتا سوية تمشيان بسرعة. برودة لاسعة في الجو وسماء رمادية تنذر بالأمطار. وصلتا إلى وجهتهما داخلتين من باب خارجي عتيق إلى حوش كبير يقوم في طرفه منزل قديم. نادت شهيرة: "أم فارس..." وسمعت الرد: "أهلاً أهلاً! اتفضلوا!" آتياً من طرف البيت الغربي. اتجهتا إليه لتجدا المرأة قابعة على الأرض تخبز خبز الطابون وتلوح بالعجين بين ذراعيها في حركة ماهرة، وسميرة ابنتها تجلس بقربها وتدخله إلى فرن الحطب. قام السلام والتأهيل وجلست المرأتان على كرسيين صغيرين من القش.
أم فارس خبازة ماهرة تخبز وتتحدث وتضحك في آن واحد. اشترك النسوة في حديث شيق وأكلت أم رمزي وشهيرة من الخبز الساخن دون تكلّف. حين قالت أم فارس لابنتها: "قومي اعملي قهوة،" وقفت أم رمزي قائلة: "أنا باحطها عالنار... خليكي يا سميرة!" ودخلت إلى المطبخ. وضعت الماء على النار ناظرة إلى داخل البيت في فضول واتجهت كأنما لتدخل إلى الحمام، ملقية نظرة متفحصة على غرفة سميرة التي تعلم أنها بجانبه. لا وجود لأي فساتين كالتي تحدثت عنها شهيرة. لم ترد أن تغيبَ كثيراً فخرجت إليهن ثانية.
جلست حائرة تشعر بفضول شديد وتريد معرفة ما يجري. لم تستطع المراوغة أكثر، فبعد عدة دقائق أخرى من حديث عام قالت بنبرة حاولت ألا تشي بلهفتها: "شو أم فارس؟ شو صار مع سميرة اسم الله عليها؟" ألقت شهيرة إليها نظرة خاطفة كأنما لتقول: "والله برافو عليكي – أنا بدي أفتح الموضوع ومش عارفة كيف!"
ابتسمت أم فارس كالتي كانت تتوقع السؤال وقالت بنبرة هادئة: "ولا إشي – الدنيا قسمة ونصيب... ما صار نصيب مع الشاب وراح كل واحد لحاله بالمعروف... وهيك أحسن من المشاكل بعدين لا سمح الله!" قالت شهيرة: "بس والله سمعت انه بيحبها وبعد بدو اياها؟" فانزعجت المرأة وردّت: "يا أختي الدنيا نصيب... والبنت مش مرتاحة معه – أجوّزها بالقوة يعني؟! والله بزمانهم أهلي ما غصبوا عليّ إشي. تجوزت أبو فارس عن حب ورضا." وابتسمت كأنما تتذكر: "كان يوقف قبال بيتنا بالساعات... وما كسروا أهلنا بخاطرنا... وهيّانا اسم الله علينا مبسوطين. آجي اليوم أغصب البنت؟ متت وأنا أحكي معها..." (وكانت سميرة قد ذهبت لصنع القهوة) "...بس ما بدها!"
قطع حديثهن صوت ينادي: "يمّه! يمّه! إنت هون؟" فقالت أم رمزي: "ياسمين!" ثم نادت: "آه يمّه هون! فوتي!" وإذ بالفتاة تظهر وتسلم على النسوة وأمها تتساءل بانزعاج: "يا مقصوفة الرقبة! شو بتعملي هون؟!" ضحكت ياسمين وقالت: "زهقت... وعرفت انك هون قلت آجي أتسلى شوي مع سميرة ومنروّح سوا." فردت الأم: "يا عيني! والطبيخ؟!" في هذه الأثناء عادت سميرة بالقهوة وما أن رأت صديقتها حتى تضاحكتا وجرتا سوية إلى داخل المنزل. تنهدت أم رمزي بصوت عال وتمتمت دون أن تخاطب شخصاً محدداً: "يا ربي شو أعمل بهاي البنت؟" ضحكت شهيرة التي تتابع هذا المسلسل يومياً وابتسمت أم فارس قائلة: "ولا إشي – خليهن ينبسطوا..." أرادت أم رمزي الاسترسال في الشكوى لكن الموضوع السابق بقي أهم ولم ترد أن تفلت فرصة إكماله، فتنحنحت وقالت: "طيب وفي لسميرة عريس تاني؟"
كأنما عجبت المرأة لجرأتها وبغتت بالسؤال. سكتت لبضع ثوان كان النسوة ينظرن إليها خلالها في ترقب. ثم قالت وهي تنظر إلى الخبز: "لا يا أختي... على مهل... البنت صغيرة، خلّيها عندي شوي..." وضحكت.
عرفت المرأتان أنهن بصدد سياسة الإخفاء والكتمان ويجب أن تسلكا طرقاً أطول للوصول إلى المعلومات المنشودة.
استمر الحديث في مواضيع أخرى منها أخبار ثانوية تتعلق بجيران ومعارف آخرين، وأم رمزي تخزّن كلاً منها في خانات محددة في شبكة معلوماتها، وتحدد ما يجب أن يقال أمام من وتحلل الأحداث حيناً مع النسوة وحيناً بشكل صامت. انتهتا من شرب القهوة واستأذنتا وأم فارس تعترض بصوت عال: "والله ما قعدتوا! ع إيش مستعجلين؟ خلّيكن!" ووسط المجاملات والعتاب تمكنت المرأتان من الخروج بعد أن صممت أم فارس على إعطاء كل واحدة خمسة أرغفة. خلال بقية مشاويرهن ممكن أن تعدن بأشياء أخرى كثيرة... بضع حبات ليمون أو كوسا... صحن من الحلوى...
ما إن خرجتا وياسمين تهرول وراءهما حتى همست شهيرة: "بدهاش تحكي. بس أنا باقوللك إني متأكدة في إشي!" ردت أم رمزي بلهفة: "آه... هاتي نفوت على أم إخلاص... هاي اللي عندها كل الأخبار." ثم وجهت الحديث لياسمين: "ولي يا مقصوفة الرقبة اسبقيني بسرعة عالبيت – وإذا روّحت ما لقيت الطبيخ جاهز رح أمعط راسك!" وأكملت طريقها مع شهيرة إلى الوجهة الجديدة.
أما في بيت أم فارس فقد قالت تلك لابنتها: "جايين يشمشموا أخبار... ناقصني وجع راس أنا. هاي كلها غيرة! اسم الله عليكي يمّه!" ثم فكرت قليلاً وأردفت: "بس ما قالتلك ياسمين إشي عن أهله لزاهر؟" هزت الفتاة رأسها بالنفي، فقالت أمها بصوت حكيم: "لازم بعد ما أخلص الخبز أروح عند أم إخلاص... عندها بالاقي كل الأخبار."
صفحة 6
اللعبة
جلس فوزي في بيته متربعاً على الأريكة يتفرج على التلفزيون وحركة المساء الاعتيادية حوله. زوجته في المطبخ تغسل أطباق العشاء والأولاد في غرفهم وصوتهم يعلو بالضجيج أحياناً. من وقت إلى آخر يمر أحد في الطريق أمام المنزل فيشرئب فوزي بعنقه ناظراً من الشباك ليحدد هوية المارّة. رأى جاره سليم وهو يدنو من الباب وسمع بعدها طرقاته الخفيفة فهتف: "اتفضّل!" دخل الرجل فدعاه فوزي للجلوس، وطرف ابتسامة يرتسم على شفتيه فهو يعلم ما يحدث. أكّد سليم ظنه ولم يتأخر في فتح الموضوع الذي جاء من أجله بمجرد ما انتهيا من الأسئلة الروتينية حول البيت والعمل والعائلة.- " فوزي، بدنا إيدك معنا هاي الجولة."
- "رقبتي!"
- "تسلم وتعيش... أنا كنت عارف انك من عظمنا، وما بتفشّلنا أبداً."
- "مش عيب يا زلمة؟ احنا أخوة!"
- "والله وهيك كان العشم!"
- "مية أهلين ومرحبا... بس يا جار..."
- "بس شو؟"
- "يعني كل سنة منطلع ومنصوّت وما حدا بيعبّرنا."
- "كيف يعني؟"
- "يعني سلامة فهمك... اللي بيتوظف... واللي بيوخذ له قرشين حلوين... واللي بتسامحه البلدية بفواتير الضريبة والميّ... يعني الذي منه. واحنا يا حسرتي، منعطي اصواتنا سنة ورا سنة وكأنه تحصيل حاصل. يعني لازم نطلع من المولد بلا حمص؟ ولا عشان ما بنخون العهد ما إلنا قيمة؟"
- "لا يا زلمة! شو هالحكي؟! ما عاش اللي ما بيعمل لك قيمة!"
- "طيب التفتوا لنا شوي..."
عبث سليم بشاربه مفكراً: "ولو يا أبو الفوز. انت على راسنا وعيننا. شو بتأمر حبيبي؟"
¬
- "أنا والله ما بدي إشي... وديروا بالكم هاي السنة عندي صوت زيادة ها! هاي بنتي فوزية اسم الله عليها طبقت التمانتعشر سنة، يعني صوتها إلكم كمان. بس لو تجبروا بخاطرها وتلاقولها شغلة بسيطة، في البلدية أو الحضانة أو دار المسنين، شو ما كان. لأنو ما باخبي عليك، البنت مش كتير في المدرسة، طالعة لأبوها وأمها يا حسرتي..." وقهقه ضاحكاً.
فكر سليم قليلاً ورشف من القهوة التي قدمتها زوجة فوزي وهي تنظر إلى زوجها بامتنان. والله انه فوزي شاطر! هي كانت ستموت خجلاً قبل أن تطلب شيئاً كهذا! بس هو اسم الله عليه ولا هامّه – شوفي كيف قاعد وجاعص مثل الملك وهم بييجوا لعنده! لازم أبخّره!
أتى الرد: "أبو الفوز، غالي والطلب رخيص! خلّيني احكي لك مع الجماعة."
أضاء وجه فوزي وشكره، وانصرف جاره بعد أن وعده بالرد عليه قريباً. تنهد فوزي بارتياح بعد خروج الرجل وتربع ثانية على الأريكة.
بعد يومين استوقفه أحد أقاربه وحثه على الدخول إلى بيته فدخل وهو يعلم تقريباً ما الموضوع. همس قريبه حين أصبحا على انفراد: "فوزي، أنا باعرف انك كل سنة بتصوّت مع حاتم ضوّ، بس ما بيصير. مرشحنا هاي السنة هو الدكتور كمال. زلمة متعلم وبيفهم ورح يعمل أشياء منيحة للبلد، وأنا قلت بدي أحكي معك!"
تململ فوزي في مقعده وهو يتظاهر بالدهشة والتفكير. سارع قريبه إلى الإكمال: "يعني شو ماخذ منهم؟ كل مرة بيطلعوا بيرجّعوا البلد عشر سنين لَوَرا!"
تساءل فوزي بمكر: "يعني انتو حاملين هم البلد؟"
- "طبعاً! شو لكن؟ ما في إشي فوق المصلحة العامة!"
- "مفهوم... مفهوم... بس انت عارف إني ما باقدر أغيّر صوتي هيك..."
- "فوزي، إحنا أملنا كبير وبدنا اياك. أنا باعرف انه عليك فاتورة كبيرة مستحقة للبلدية عشان ضريبة الأملاك. إذا صوّتت معنا، اعتبر الفاتورة واصلة!"
لمعت عينا فوزي. إحلوّت اللعبة...
- "خلّيني أفكر في الموضوع." بذكائه علم أنّه لا يجب أن يبدو متهافتاً، فسينكشف أمره.
- "بس ما تطوّل عليّ. ما عاد في وقت كتير، وبدنا نرتب حالنا الله يخلّيك!"
- "طيب. أعطيني يومين تلاتة."
صفحة 7
قفل راجعاً وظِلُّ ابتسامة يلعب على شفتيه. عرّج إلى الدكان واشترى علبتين من السجائر ومضى إلى بيته وهو يدخن متلذذاً.
فوجئ بوجود سيارة غريبة أمام البيت. من هذا؟ هرول مسرعاً إلى الداخل وإذ بشكري، محاسب البلدية، وأخيه يجلسان لديه. رحب فوزي بهما بحرارة: "يا أهلاً! أهلاً أهلاً بالأفاضل! هيّاكم اجيتوا والعشا في الوجه! بدكم تتعشوا معنا!" حاول الرجلان الرفض لكنه لم يعطهما أي مجال، فقام الجميع إلى مائدة العشاء وفوزي مستمتع بالموقف وعالم أنّهما يريدان الانتهاء من الأكل بسرعة حتى يفتحا الموضوع الذي جاءا من أجله. تمالك ابتسامته الخفية ثانية وهو يفكر: "شو هذا؟ الخير جاي ورا بعضه!" ورحب ثانية بالرجلين اللذين انفرجت أساريرهما حين انتهت الوجبة وعادوا جميعاً إلى الصالون. تحدث فوزي في مواضيع عامة وكأنه لا يفهم شيئاً عن سبب الزيارة. فجأة تنحنح شكري قائلاً: "فوزي، لمين رح تصوّت هاي السنة؟"
بدا عليه الاستغراب للسؤال وقال بصوت خفيض: "هه؟ ما انتو عارفين يا شباب."
وإذ بشكري يتكلم "من الآخر": "بس أنا نازل لرئاسة البلدية وبدي اياك معي."
تظاهر فوزي بالدهشة الشديدة، رغم أنّه كان يعرف هذه الأخبار بدقة وحتى عدد الأصوات المتوقعة إلى الآن لكل مرشح. لكنه فتح عينيه باتساع سائلاً: "والله؟!"
- "آه. شو رأيك؟"
مرة أخرى بدا صامتاً متفكراً. العبها منيح يا فوزي، هذا مليان. أخذ نفساً عميقاً بينما أعين الاثنين متعلقة به.
- "والله يا شكري انت فاجأتني..."
- "ول يا زلمة كيف بتعرفش؟ كل البلد عارفة!"
- "الحقيقة أنا ما باتدخّل بالانتخابات كتير... ولا حتى باعرف مين مرشح بالضبط. بالعادة كل جولة باعطي صوتي أنا وعيلتي لحاتم ضوّ متل ما بتعرفوا..."
- "حاتم صار أخبار قديمة. الجديد عنّا."
تعجبه ثقة شكري بنفسه. هذا الرجل يوحي بأنه إذا صمم على شيء فاستحالة ألا ينفذه. فتحت لك طاقة الفرج يا فوزي.
¬
- "يا جماعة، والله مش عارف شو أقول لكم. انت قدها وقدود يا شكري. بس أنا متل ما قلت..."
بدا على شكري أنّه ليس لديه الوقت ليضيعه. نظر حوله بسرعة وحين اطمأن إلى عدم وجود أحد معهم (فقد أعطى فوزي تعليمات صارمة لزوجته والأولاد بالاختفاء الكامل، ووقفت زوجته وراء الباب الموصد تسترق السمع) مال على فوزي بسرعة هامساً: "عشرة آلاف."
- "شو؟!"
- "عشرة آلاف، أصواتكم انت ومرتك وولادك. وإذا جبت حدا من إخوتك بيصيروا عشرين."
اتسعت عينا فوزي في ذهول. تدارك نفسه بسرعة وتدخل الشيطان المتيقظ أبداً بداخله. تمتم بصوت خفيض: "خمستاعشر ألف."
- "فوزي!"
- "بدي أغيّر كل مساري! كمان مش سهل أتخلى عن قائمة صار لي عمر معها!"
نظر إليه الآخر بتفحص. رسم فوزي على وجهه سحابة من القلق المتوتر ليوحي بخطورة الشيء المطلوب منه. نظر شكري وأخوه إلى بعضهما ثم إلى فوزي الذي بقي عابساً وسادت بضع ثوان من الصمت قبل أن يقول شكري بما يشبه الحنق: "ماشي."
أراد فوزي القفز عن كرسيه. لكنه تمالك نفسه بصعوبة وابتلع ريقه حتى لا يحس الرجلان باشتعال عواطفه. خمسة عشر ألفاً! سيقلب البيت! سيقتني أثاثاً جديداً! سيبدأ في بناء طابق لابنه حتى يزوجه! س...
أفاق على صوت شكري: "يعني اعتبر هذا وعد؟"
أضاء وجهه وهتف: "على رقبتي!"
لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح عينيه محدقاً في السقف ثم تقلب في الفراش إلى أن استيقظت زوجته وسألته عما به، فتمتم إنّه لا يستطيع النوم. سألته إن كان يريد شاياً، وحين بدا مشغول الفكر وتمتم بإجابة مبهمة قامت من تلقاء نفسها وأعدت الشاي. جلسا في الصالة يتحادثان وقص عليها فوزي ما حدث. إنّه يأتمنها على كل شيء، فزوجته أصيلة وكاتمة لسرّه وهو يحمد الله أنّه أهداه امرأة مثلها. هي من طرفها تكنّ له كل الحب والتقدير فهي ترى فيه الرجل الذكي قوي الشخصية القادر على انتهاز الفرص. لمعت عيناها وهي تقول: "والله لازم أبخّرك!" فانفجر ضاحكاً: "هذا هو تعليقك على كل اللي حكيت لك اياه؟ والله إنكن ناقصات عقل!" فابتسمت في عتاب قائلة: "اسم الله عليك يا أبو الفوز... الله يوفقك!"
حين أشرقت الشمس وبدأ فوزي يهيئ نفسه للذهاب إلى العمل سمع طرقاً على الباب. من الآتي في هذه الساعة؟! فتح الباب وإذا بجاره يقف في الخارج. "صباح الخير!" فرد دهشاً: "صباح النور سليم! اتفضّل!"
- "ما بدي أزعجك. بس قلت إذا عم تشرب قهوة باشرب معك قبل ما نتسهّل عالشغل..."
فوجئ بوجود سيارة غريبة أمام البيت. من هذا؟ هرول مسرعاً إلى الداخل وإذ بشكري، محاسب البلدية، وأخيه يجلسان لديه. رحب فوزي بهما بحرارة: "يا أهلاً! أهلاً أهلاً بالأفاضل! هيّاكم اجيتوا والعشا في الوجه! بدكم تتعشوا معنا!" حاول الرجلان الرفض لكنه لم يعطهما أي مجال، فقام الجميع إلى مائدة العشاء وفوزي مستمتع بالموقف وعالم أنّهما يريدان الانتهاء من الأكل بسرعة حتى يفتحا الموضوع الذي جاءا من أجله. تمالك ابتسامته الخفية ثانية وهو يفكر: "شو هذا؟ الخير جاي ورا بعضه!" ورحب ثانية بالرجلين اللذين انفرجت أساريرهما حين انتهت الوجبة وعادوا جميعاً إلى الصالون. تحدث فوزي في مواضيع عامة وكأنه لا يفهم شيئاً عن سبب الزيارة. فجأة تنحنح شكري قائلاً: "فوزي، لمين رح تصوّت هاي السنة؟"
بدا عليه الاستغراب للسؤال وقال بصوت خفيض: "هه؟ ما انتو عارفين يا شباب."
وإذ بشكري يتكلم "من الآخر": "بس أنا نازل لرئاسة البلدية وبدي اياك معي."
تظاهر فوزي بالدهشة الشديدة، رغم أنّه كان يعرف هذه الأخبار بدقة وحتى عدد الأصوات المتوقعة إلى الآن لكل مرشح. لكنه فتح عينيه باتساع سائلاً: "والله؟!"
- "آه. شو رأيك؟"
مرة أخرى بدا صامتاً متفكراً. العبها منيح يا فوزي، هذا مليان. أخذ نفساً عميقاً بينما أعين الاثنين متعلقة به.
- "والله يا شكري انت فاجأتني..."
- "ول يا زلمة كيف بتعرفش؟ كل البلد عارفة!"
- "الحقيقة أنا ما باتدخّل بالانتخابات كتير... ولا حتى باعرف مين مرشح بالضبط. بالعادة كل جولة باعطي صوتي أنا وعيلتي لحاتم ضوّ متل ما بتعرفوا..."
- "حاتم صار أخبار قديمة. الجديد عنّا."
تعجبه ثقة شكري بنفسه. هذا الرجل يوحي بأنه إذا صمم على شيء فاستحالة ألا ينفذه. فتحت لك طاقة الفرج يا فوزي.
¬
- "يا جماعة، والله مش عارف شو أقول لكم. انت قدها وقدود يا شكري. بس أنا متل ما قلت..."
بدا على شكري أنّه ليس لديه الوقت ليضيعه. نظر حوله بسرعة وحين اطمأن إلى عدم وجود أحد معهم (فقد أعطى فوزي تعليمات صارمة لزوجته والأولاد بالاختفاء الكامل، ووقفت زوجته وراء الباب الموصد تسترق السمع) مال على فوزي بسرعة هامساً: "عشرة آلاف."
- "شو؟!"
- "عشرة آلاف، أصواتكم انت ومرتك وولادك. وإذا جبت حدا من إخوتك بيصيروا عشرين."
اتسعت عينا فوزي في ذهول. تدارك نفسه بسرعة وتدخل الشيطان المتيقظ أبداً بداخله. تمتم بصوت خفيض: "خمستاعشر ألف."
- "فوزي!"
- "بدي أغيّر كل مساري! كمان مش سهل أتخلى عن قائمة صار لي عمر معها!"
نظر إليه الآخر بتفحص. رسم فوزي على وجهه سحابة من القلق المتوتر ليوحي بخطورة الشيء المطلوب منه. نظر شكري وأخوه إلى بعضهما ثم إلى فوزي الذي بقي عابساً وسادت بضع ثوان من الصمت قبل أن يقول شكري بما يشبه الحنق: "ماشي."
أراد فوزي القفز عن كرسيه. لكنه تمالك نفسه بصعوبة وابتلع ريقه حتى لا يحس الرجلان باشتعال عواطفه. خمسة عشر ألفاً! سيقلب البيت! سيقتني أثاثاً جديداً! سيبدأ في بناء طابق لابنه حتى يزوجه! س...
أفاق على صوت شكري: "يعني اعتبر هذا وعد؟"
أضاء وجهه وهتف: "على رقبتي!"
لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح عينيه محدقاً في السقف ثم تقلب في الفراش إلى أن استيقظت زوجته وسألته عما به، فتمتم إنّه لا يستطيع النوم. سألته إن كان يريد شاياً، وحين بدا مشغول الفكر وتمتم بإجابة مبهمة قامت من تلقاء نفسها وأعدت الشاي. جلسا في الصالة يتحادثان وقص عليها فوزي ما حدث. إنّه يأتمنها على كل شيء، فزوجته أصيلة وكاتمة لسرّه وهو يحمد الله أنّه أهداه امرأة مثلها. هي من طرفها تكنّ له كل الحب والتقدير فهي ترى فيه الرجل الذكي قوي الشخصية القادر على انتهاز الفرص. لمعت عيناها وهي تقول: "والله لازم أبخّرك!" فانفجر ضاحكاً: "هذا هو تعليقك على كل اللي حكيت لك اياه؟ والله إنكن ناقصات عقل!" فابتسمت في عتاب قائلة: "اسم الله عليك يا أبو الفوز... الله يوفقك!"
حين أشرقت الشمس وبدأ فوزي يهيئ نفسه للذهاب إلى العمل سمع طرقاً على الباب. من الآتي في هذه الساعة؟! فتح الباب وإذا بجاره يقف في الخارج. "صباح الخير!" فرد دهشاً: "صباح النور سليم! اتفضّل!"
- "ما بدي أزعجك. بس قلت إذا عم تشرب قهوة باشرب معك قبل ما نتسهّل عالشغل..."
صفحة 8
- "ولو! اتفضّل!"
- "فوزي، شو كان شكري وأخوه يعملوا عندك ليلة امبارح؟"
حسناً. لقد فهم.
- "أبداً. جايين بدهم اصواتنا."
- "وشو قلتلهم؟!"
- "ما فشروا!"
تنهد جاره بارتياح. لكن القلق عاود وجهه ثانية. "بس طوّلوا عندك!"
- "ما هو لأني ما قبلت. ظلوا يعيدوا ويرغوا لحد ما بالآخر قلتلهم بالمشبرح – يا جماعة الحكي ما في منه فايدة. شو هذا يا جار؟ ما بيحلّوا!"
وافقه سليم: "آه والله. شكري مفكّر حاله قدّ الرئاسة!"
- "مزبوط. شو هاي الناس؟ مش طالع من البيضة وبدو يصير زعيم!"
ضحك سليم ومضى خارجاً إلى عمله وهو يهمس لفوزي: "على فكرة سألتلك الجماعة، وقالوا لي طلبك عنّا."
- "من دون طلب يا جار! انتو على عيني وراسي! الله معك!" ثم حين خرج سليم، أطرق مفكراً وهز رأسه مغتبطاً: "هاي واحدة ضمنناها."
لكنه لم يستطع التركيز في عمله ذلك اليوم. كان في دوامة من التفكير. لقد عرض عليه شكري نفس المبلغ إذا استطاع فوزي إقناع أي من إخوته بالتصويت معه. أي أنه إذا أحضر إخوته الثلاثة ممكن أن يحصل على ما يقارب التسعين ألفاً! زاغت عيناه لمجرد الفكرة. لكنه... لا يستطيع فعل ذلك فسينكشف أمره. إذ سينقل إخوته لحاتم (إذا رفضوا) عدم نيته التصويت معه، وبالتالي سيخسر حاتم. تساءل وهو في حيرة شديدة: وماذا إذا خسرته؟ ثم تمتم لنفسه: "شوي شوي يا فوزي... إذا سقط شكري وجماعته رح تطلع فاشوش... والمرة الجاي ما حدا رح يصدقك. خلّيك العب ع صغير وما تطمع. بيكفيك اللي أخذته لحد الآن!" لكنه لم يتمالك نفسه من أن يزفر: "بس آخ... لو أضمنهم هذول الكلاب!" مشيراً إلى إخوته!
ظل في هذا الحال من الحيرة والتقلب إلى أن وصل البيت. كان مرهقاً مشدود الأعصاب، فهو يشعر بإغراء شديد تجاه المبلغ من جهة وبحرصه على حماية نفسه وعدم كشف أوراقه من جهة. استلقى على الكنبة ونام إعياءً وهو مقتنع بوجوب السكوت للحفاظ على مصلحته.
حين أغمضت عيناه أحس بيد توقظه، وإذ بقريبه يقف فوق رأسه بما يشبه الاعتذار بينما زوجته تقول: "اتفضّل صبحي، اتفضّل!" نظر فوزي إليها في حنق قائلاً في سره: "يعني ما كنتي تعرفي تصرفيه وتخلّيني أرتاح؟" لكنه اجتر ابتسامة معتدلاً في مجلسه ومرحّباً بقريبه الذي جلس سائلاً إياه على الفور: "شو أبو الفوز؟ فكرت بالموضوع؟"
- "أكيد. ولا يهمك. قررت أصوّت معكم هاي الجولة!"
تهللت أسارير الرجل وهو يقول فرحاً: "واحنا عند وعدنا! بارك الله فيك! بس رح تقدر توقف قدام حاتم ضوّ وجماعته؟ خاصة انه أخوتك كلهم مصوّتين معه!"
- "لا ضوّ ولا عتمة! عيب يا زلمة!"
فقال له الآخر: "قدّها وقدود يا أبو الفوز. رح تنبسط كثير معنا. الدكتور كمال فشّ زيه! لازم أروح، عن إذنك. ورانا شغل كثير مثل ما بتعرف."
- "آه طبعاً! الله يوفقكم! رح ننجح بهمّتكم إن شاء الله!"
بعد يومين كان متربعاً على الأريكة ثانيةً يتفرج على مسلسل مع زوجته ويرقب الشارع من حين لآخر حين عاد شكري لزيارته. هب فوزي واقفاً وهو يؤهّل بحماس: "يا أهلاً وسهلاً! زارتنا البركة!" ثم لزوجته: "حضّري العشا بسرعة!" فضحك شكري قائلاً: "لا يا فوزي مش كل مرة! فنجان قهوة ومنكون ممنونين!"
جلسا وكعادته دخل شكري مباشرة في الموضوع.
- "فوزي، أنا زلمة واضح وصريح وباحب الناس الواضحين معي."
- "فوزي، شو كان شكري وأخوه يعملوا عندك ليلة امبارح؟"
حسناً. لقد فهم.
- "أبداً. جايين بدهم اصواتنا."
- "وشو قلتلهم؟!"
- "ما فشروا!"
تنهد جاره بارتياح. لكن القلق عاود وجهه ثانية. "بس طوّلوا عندك!"
- "ما هو لأني ما قبلت. ظلوا يعيدوا ويرغوا لحد ما بالآخر قلتلهم بالمشبرح – يا جماعة الحكي ما في منه فايدة. شو هذا يا جار؟ ما بيحلّوا!"
وافقه سليم: "آه والله. شكري مفكّر حاله قدّ الرئاسة!"
- "مزبوط. شو هاي الناس؟ مش طالع من البيضة وبدو يصير زعيم!"
ضحك سليم ومضى خارجاً إلى عمله وهو يهمس لفوزي: "على فكرة سألتلك الجماعة، وقالوا لي طلبك عنّا."
- "من دون طلب يا جار! انتو على عيني وراسي! الله معك!" ثم حين خرج سليم، أطرق مفكراً وهز رأسه مغتبطاً: "هاي واحدة ضمنناها."
لكنه لم يستطع التركيز في عمله ذلك اليوم. كان في دوامة من التفكير. لقد عرض عليه شكري نفس المبلغ إذا استطاع فوزي إقناع أي من إخوته بالتصويت معه. أي أنه إذا أحضر إخوته الثلاثة ممكن أن يحصل على ما يقارب التسعين ألفاً! زاغت عيناه لمجرد الفكرة. لكنه... لا يستطيع فعل ذلك فسينكشف أمره. إذ سينقل إخوته لحاتم (إذا رفضوا) عدم نيته التصويت معه، وبالتالي سيخسر حاتم. تساءل وهو في حيرة شديدة: وماذا إذا خسرته؟ ثم تمتم لنفسه: "شوي شوي يا فوزي... إذا سقط شكري وجماعته رح تطلع فاشوش... والمرة الجاي ما حدا رح يصدقك. خلّيك العب ع صغير وما تطمع. بيكفيك اللي أخذته لحد الآن!" لكنه لم يتمالك نفسه من أن يزفر: "بس آخ... لو أضمنهم هذول الكلاب!" مشيراً إلى إخوته!
ظل في هذا الحال من الحيرة والتقلب إلى أن وصل البيت. كان مرهقاً مشدود الأعصاب، فهو يشعر بإغراء شديد تجاه المبلغ من جهة وبحرصه على حماية نفسه وعدم كشف أوراقه من جهة. استلقى على الكنبة ونام إعياءً وهو مقتنع بوجوب السكوت للحفاظ على مصلحته.
حين أغمضت عيناه أحس بيد توقظه، وإذ بقريبه يقف فوق رأسه بما يشبه الاعتذار بينما زوجته تقول: "اتفضّل صبحي، اتفضّل!" نظر فوزي إليها في حنق قائلاً في سره: "يعني ما كنتي تعرفي تصرفيه وتخلّيني أرتاح؟" لكنه اجتر ابتسامة معتدلاً في مجلسه ومرحّباً بقريبه الذي جلس سائلاً إياه على الفور: "شو أبو الفوز؟ فكرت بالموضوع؟"
- "أكيد. ولا يهمك. قررت أصوّت معكم هاي الجولة!"
تهللت أسارير الرجل وهو يقول فرحاً: "واحنا عند وعدنا! بارك الله فيك! بس رح تقدر توقف قدام حاتم ضوّ وجماعته؟ خاصة انه أخوتك كلهم مصوّتين معه!"
- "لا ضوّ ولا عتمة! عيب يا زلمة!"
فقال له الآخر: "قدّها وقدود يا أبو الفوز. رح تنبسط كثير معنا. الدكتور كمال فشّ زيه! لازم أروح، عن إذنك. ورانا شغل كثير مثل ما بتعرف."
- "آه طبعاً! الله يوفقكم! رح ننجح بهمّتكم إن شاء الله!"
بعد يومين كان متربعاً على الأريكة ثانيةً يتفرج على مسلسل مع زوجته ويرقب الشارع من حين لآخر حين عاد شكري لزيارته. هب فوزي واقفاً وهو يؤهّل بحماس: "يا أهلاً وسهلاً! زارتنا البركة!" ثم لزوجته: "حضّري العشا بسرعة!" فضحك شكري قائلاً: "لا يا فوزي مش كل مرة! فنجان قهوة ومنكون ممنونين!"
جلسا وكعادته دخل شكري مباشرة في الموضوع.
- "فوزي، أنا زلمة واضح وصريح وباحب الناس الواضحين معي."
صفحة 9
- "طبعاً! مفهوم!"
- "في ناس قالولي إنه زلام حاتم وكمان جماعة كمال كانوا عندك. شو القصة؟ على علمي أعطيتنا كلمة؟"
- "طبعاً! وأنا عند كلمتي! بس هم متل ما بتعرف، بيدوروا عالبلد كلها حتى يجيبوا اصوات، وإجوا لعندي قلتلهم أهلا وسهلا وسقيتهم قهوة، بس قلتلهم انه ما في نصيب وانه صوتي رايح. ما حبّيت حتى أجيب سيرتك – بلاش يعرفوا قوتنا وعدد الناخبين عنّا!"
نظر إليه الرجل بإمعان. لكن فوزي كان بارعاً في اختلاق الأكاذيب لدرجة أنّه يعيش الدور كاملاً. حتى زوجته تساءلت إن كان ما يقوله صحيحاً!
خلال نصف ساعة كان شكري يحتسي القهوة باطمئنان كامل ويأكل الحلوى ويتبادل النوادر ويضحك مع فوزي، ثم خرج بعد أن همس له: "رح تنبسط معنا يا أبو الفوز."
تربع فوزي ثانية على الأريكة يفرك يديه في سعادة. لكن هناءه لم يدم طويلاً، فقد أتى إخوته الثلاثة لزيارته بعد ساعة وعلى وجوههم الحنق والغضب.
- "فوزي، إحنا كل عمرنا ماشيين في هذا الطريق وما بيصير تتخلى عنا!"
- "ومين متخلّي عنكم؟!"
- "لكن شو بيعمل شكري فايت طالع لعندك كل يومين؟"
- "بيحاول. الزلمة إجا ع بيتي – أطرده يعني؟! استقبال الضيف واجب! هيّاني مستقبلكم وانتو نازلين فيّ!"
- "بس ضيافة؟! لو انت مش واعده بإشي ما بييجي هالقد!"
- "بالعكس يا أفاضل يا شاطرين – لو انه ضامن صوتي ما كان في حاجة يظل يروح وييجي!"
أراد أحد أخوته أن يستمر في النقاش فنفد صبر فوزي وقرر أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. علا صوته بحدة: "انت واياه من إيمتا بترفعوا صوتكم عليّ؟ أنا أخوكم الكبير! وأنا ماشي معكم ومع حاتم – مش كل ما حدا إجا ع بيتي بتيجوا وتعملوا لي موال! يا غيّروا هاي السيرة يا تفضلوا!"
تراجع إخوته ناظرين إليه بحرج. وهنا تدخلت زوجته لتهدئة الموقف: "فوزي، فكها خلص، شوف ما أحلى هالقعدة، كل إخوتك حواليك! يا جماعة بدنا نشوي لحمة – شو رايكم تتعشوا معنا؟" وصوبت إلى فوزي نظرة ذات معنى فتنهد قائلاً: "أمري لله – هاتوا نوكل مع بعض يا جماعة، والله ما في إشي محرز، انتو إخوتي..." وببراعته قلب الموقف تماماً، وبات إخوته في حال من الحرج زاد عليها استضافته لهم وشواء كميات من اللحوم وإطعام الجميع. ساد البيت جو احتفالي وقضوا ليلة جميلة أكلوا وشربوا فيها الكثير وانصرف الجميع سعداء هانئين. وابتسامة فوزي الخفية تظهر من حين إلى آخر ولا يلحظها أحد.
أتى يوم الانتخابات. القرية في حالة غليان. المناورات تسير بشدة لكسب الأصوات والوعود تُنثر يميناً وشمالاً والعدّ التنازلي يرفع حدة التوتر والترقب. ذهب فوزي إلى مركز الاقتراع وعائلته وهو يختال كالطاووس وابتسامته الخفية تعبث بشفتيه. إنّه رابح في أي حال وأية نتيجة.
فاز الائتلاف بين حاتم وشكري الذي عُقد في الأيام الأخيرة حين أيقن كل منهما أنّه لن يستطيع الفوز بمفرده.
توظفت ابنة فوزي في البلدية، وقبض أبوها خمسة عشر ألفاً. ولا يجرؤ أحد من الأطراف على الاعتراف بالرشاوي التي دفعها حتى لا يحال للمحاكمة. إنهم حريصون على عدم إفشاء سره... أكثر من حرصه!
فكر وهو يهز رأسه: "معلش. خسرنا فاتورة البلدية، بس المبلغ اللي قبضته بيسددها وبيبقى منه كثير."
ضحك طويلاً وهو عائد إلى البيت. الآن يبدأ الجزء الأخير من خطته: الاختفاء الكامل لبضعة أسابيع وعدم الحديث في سيرة الانتخابات حتى لا يثير الشبهات. جميل أن يكون كل طرف على يقين أن فوزي في صفه. وحقيقة، هذا ليس بعيداً عن الصدق... ففوزي يحب الجميع!
- "في ناس قالولي إنه زلام حاتم وكمان جماعة كمال كانوا عندك. شو القصة؟ على علمي أعطيتنا كلمة؟"
- "طبعاً! وأنا عند كلمتي! بس هم متل ما بتعرف، بيدوروا عالبلد كلها حتى يجيبوا اصوات، وإجوا لعندي قلتلهم أهلا وسهلا وسقيتهم قهوة، بس قلتلهم انه ما في نصيب وانه صوتي رايح. ما حبّيت حتى أجيب سيرتك – بلاش يعرفوا قوتنا وعدد الناخبين عنّا!"
نظر إليه الرجل بإمعان. لكن فوزي كان بارعاً في اختلاق الأكاذيب لدرجة أنّه يعيش الدور كاملاً. حتى زوجته تساءلت إن كان ما يقوله صحيحاً!
خلال نصف ساعة كان شكري يحتسي القهوة باطمئنان كامل ويأكل الحلوى ويتبادل النوادر ويضحك مع فوزي، ثم خرج بعد أن همس له: "رح تنبسط معنا يا أبو الفوز."
تربع فوزي ثانية على الأريكة يفرك يديه في سعادة. لكن هناءه لم يدم طويلاً، فقد أتى إخوته الثلاثة لزيارته بعد ساعة وعلى وجوههم الحنق والغضب.
- "فوزي، إحنا كل عمرنا ماشيين في هذا الطريق وما بيصير تتخلى عنا!"
- "ومين متخلّي عنكم؟!"
- "لكن شو بيعمل شكري فايت طالع لعندك كل يومين؟"
- "بيحاول. الزلمة إجا ع بيتي – أطرده يعني؟! استقبال الضيف واجب! هيّاني مستقبلكم وانتو نازلين فيّ!"
- "بس ضيافة؟! لو انت مش واعده بإشي ما بييجي هالقد!"
- "بالعكس يا أفاضل يا شاطرين – لو انه ضامن صوتي ما كان في حاجة يظل يروح وييجي!"
أراد أحد أخوته أن يستمر في النقاش فنفد صبر فوزي وقرر أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. علا صوته بحدة: "انت واياه من إيمتا بترفعوا صوتكم عليّ؟ أنا أخوكم الكبير! وأنا ماشي معكم ومع حاتم – مش كل ما حدا إجا ع بيتي بتيجوا وتعملوا لي موال! يا غيّروا هاي السيرة يا تفضلوا!"
تراجع إخوته ناظرين إليه بحرج. وهنا تدخلت زوجته لتهدئة الموقف: "فوزي، فكها خلص، شوف ما أحلى هالقعدة، كل إخوتك حواليك! يا جماعة بدنا نشوي لحمة – شو رايكم تتعشوا معنا؟" وصوبت إلى فوزي نظرة ذات معنى فتنهد قائلاً: "أمري لله – هاتوا نوكل مع بعض يا جماعة، والله ما في إشي محرز، انتو إخوتي..." وببراعته قلب الموقف تماماً، وبات إخوته في حال من الحرج زاد عليها استضافته لهم وشواء كميات من اللحوم وإطعام الجميع. ساد البيت جو احتفالي وقضوا ليلة جميلة أكلوا وشربوا فيها الكثير وانصرف الجميع سعداء هانئين. وابتسامة فوزي الخفية تظهر من حين إلى آخر ولا يلحظها أحد.
أتى يوم الانتخابات. القرية في حالة غليان. المناورات تسير بشدة لكسب الأصوات والوعود تُنثر يميناً وشمالاً والعدّ التنازلي يرفع حدة التوتر والترقب. ذهب فوزي إلى مركز الاقتراع وعائلته وهو يختال كالطاووس وابتسامته الخفية تعبث بشفتيه. إنّه رابح في أي حال وأية نتيجة.
فاز الائتلاف بين حاتم وشكري الذي عُقد في الأيام الأخيرة حين أيقن كل منهما أنّه لن يستطيع الفوز بمفرده.
توظفت ابنة فوزي في البلدية، وقبض أبوها خمسة عشر ألفاً. ولا يجرؤ أحد من الأطراف على الاعتراف بالرشاوي التي دفعها حتى لا يحال للمحاكمة. إنهم حريصون على عدم إفشاء سره... أكثر من حرصه!
فكر وهو يهز رأسه: "معلش. خسرنا فاتورة البلدية، بس المبلغ اللي قبضته بيسددها وبيبقى منه كثير."
ضحك طويلاً وهو عائد إلى البيت. الآن يبدأ الجزء الأخير من خطته: الاختفاء الكامل لبضعة أسابيع وعدم الحديث في سيرة الانتخابات حتى لا يثير الشبهات. جميل أن يكون كل طرف على يقين أن فوزي في صفه. وحقيقة، هذا ليس بعيداً عن الصدق... ففوزي يحب الجميع!