صفحة 1
المقــدمة
تشاء المصادفات أن توصلني «التغريبة الفلسطينية» إلى كندا الواقعة في أقصى المعمورة؛ بلاد بعيدة تترامى خلف المحيطات، هي الأطول في العالم، يتسع مداها وتتعاقب أراضيها المغطاة بالثلوج بلا نهاية في رحاب فضاء يمتد شمالاً في المحيط المتجمد الشمالي عند التقاء أطراف السماء بالمحيط.
ورغم بعد كندا عن بلادي وشتات المنافي فإني لاأزال أحتفظ في ذاكرتي بكل مشاهد حياتي الماضية، أسترجعها دائماً من خبايا ذلك الزمن البعيد وأنا أعيش هنا في مدينة مونتريال، أستعيدها بمتعة كبيرة، تتجسد أمام ناظري، وأتنقل فيها من مشهد إلى آخر على امتداد أيام طفولتي الباكرة التي لاتزال ذاكرتي تحتفظ بكثيرٍ منها؛ أعيد تشكيل أمكنة مدن وقرى وحقول كثيرة من بلادي تشع بالدفء، وأعيد تكوين وجوه أناس عرفتهم أيام سنواتي الأولى في مسقط رأسي حيفا وقريتي بُرقة، مشدود الأجفان أنظر إليهم، وأراهم تدب حركاتهم على شاطئ البحر وفي الحقول والأزقة وأفنية البيوت، ويتناهى إلى سمعي صدى أصواتهم.. تصل مقاطع أحاديثهم وأغانيهم وحتى همساتهم إلى أذني، تغور في داخلي، وتشق طريقها بهدوء حتى الأعماق، تتشابك وتتفاعل تلك الذكريات مع واقع حياتي في الشتات وتُكون حالة فكرية أحملها وأطوف بها على امتداد مدارات أيامي المتعاقبة.
تستحوذ عليّ تلك الذكريات وتشُدني إلى أتلام جذوري البعيدة، تلوح أمامي دوماً بأضواء متوهجة. وكلما أُقَرِب إلى نفسي أمراً منها بعد مضي عقود طويلة، تدغدغني رغبة عارمة لنقشه في سطوري.. وتجدني أمسك قلمي بين الحين والحين وأنثر على أوراقي حروفي الصغيرة، أكتبها في نظرة استرجاعية حرفاً حرفاً، أجمعها في مقالات متناثرة، أحْيي فيها بعض أيامي الماضية، كنت فيها غير أنا الآن.. كنت فيها في وطني، أنام فيه وأصحو على مقربة من أنفاس والديّ الدافئة.
ومع الأيام تعمقت لدي رغبة الكتابة عن جذور أيامي الماضية، وازدادت بكيفية سريعة متصاعدة في السنوات القليلة الماضية، عندما لفحني وهج ذكرى مرور ما يقرب من ستين عاما على النكبة، اهتممت بالبحث في ذلك الحدث الحزين.. إنها لحظة تاريخية فارقة تستدعي استحضار تداعيات سنين خلت لفها الذل والقهر والانكسار، ومرارة تداعيات الهزيمة في منافي الغربة والشتات.
وبينما كانت الأفكار تدور في رأسي سريعة متدفقة حول النكبة وذكراها، وتتماوج أمام ناظريّ صور من بلادي متزاحمة متلاحمة ؛ دهشت لاهتمام بعض وسائل الإعلام العربية المرئية بالبحث عن جذور تلك الأحداث، وتابعت برامجها بحلقات متتابعة على مدى أيام طويلة فوجدتها عامرة بفحوى أحداث كثيرة لم تحظ بالتدوين من قبل، استعاد فيها مئات الأشخاص، ممن أسعفتهم الذاكرة وهم في غسق العمر على استحضار أحداث من أيامهم الماضية، أشبه ما تكون بشهادات حية متنوعة في حلقات متتابعة، تكشف عن جوانب خفية من حياتهم في قراهم ومدنهم قبل النكبة، وعن إرهاصات نزوحهم، وهم يُخرجون قسراً من بيوتهم حفاة عراة، ويُلقى بهم في مخيمات قصية مظلمة أقيمت على عجل، لتبدأ حياتهم في خيام بالية في بلاد غريبة، قضوا فيها عمرهم على مدار سنوات الشتات الطويلة.
كانت مشاهد الماضي تتلاحق في أحاديثهم، تحدثوا بكل عفوية بألفاظ تجمع بين العمق والبساطة عن قراهم ومدنهم وأهلهم ونضالهم وعن آلام ومآسي تشردهم وهم يلوحون بمفاتيح بيوتهم التي هجروها في عام 1948، وبصور عائلاتهم وبيوتهم ومقتنيات كثيرة حملوها معهم وقت الرحيل.
بساطة اللغة والسرد وتتابع الأحداث بسلاسة ساعدت على شد السامع إلى أحداث قديمة ملفعة بحرارة الماضي، تبدو أشبه بواقع اليوم المعيش كما لو أنها جزءٌ حيٌّ منه مع أنّها ليست منه، حدثت قبل نيفٍ وستين عاماً مضت.
تشاء المصادفات أن توصلني «التغريبة الفلسطينية» إلى كندا الواقعة في أقصى المعمورة؛ بلاد بعيدة تترامى خلف المحيطات، هي الأطول في العالم، يتسع مداها وتتعاقب أراضيها المغطاة بالثلوج بلا نهاية في رحاب فضاء يمتد شمالاً في المحيط المتجمد الشمالي عند التقاء أطراف السماء بالمحيط.
ورغم بعد كندا عن بلادي وشتات المنافي فإني لاأزال أحتفظ في ذاكرتي بكل مشاهد حياتي الماضية، أسترجعها دائماً من خبايا ذلك الزمن البعيد وأنا أعيش هنا في مدينة مونتريال، أستعيدها بمتعة كبيرة، تتجسد أمام ناظري، وأتنقل فيها من مشهد إلى آخر على امتداد أيام طفولتي الباكرة التي لاتزال ذاكرتي تحتفظ بكثيرٍ منها؛ أعيد تشكيل أمكنة مدن وقرى وحقول كثيرة من بلادي تشع بالدفء، وأعيد تكوين وجوه أناس عرفتهم أيام سنواتي الأولى في مسقط رأسي حيفا وقريتي بُرقة، مشدود الأجفان أنظر إليهم، وأراهم تدب حركاتهم على شاطئ البحر وفي الحقول والأزقة وأفنية البيوت، ويتناهى إلى سمعي صدى أصواتهم.. تصل مقاطع أحاديثهم وأغانيهم وحتى همساتهم إلى أذني، تغور في داخلي، وتشق طريقها بهدوء حتى الأعماق، تتشابك وتتفاعل تلك الذكريات مع واقع حياتي في الشتات وتُكون حالة فكرية أحملها وأطوف بها على امتداد مدارات أيامي المتعاقبة.
تستحوذ عليّ تلك الذكريات وتشُدني إلى أتلام جذوري البعيدة، تلوح أمامي دوماً بأضواء متوهجة. وكلما أُقَرِب إلى نفسي أمراً منها بعد مضي عقود طويلة، تدغدغني رغبة عارمة لنقشه في سطوري.. وتجدني أمسك قلمي بين الحين والحين وأنثر على أوراقي حروفي الصغيرة، أكتبها في نظرة استرجاعية حرفاً حرفاً، أجمعها في مقالات متناثرة، أحْيي فيها بعض أيامي الماضية، كنت فيها غير أنا الآن.. كنت فيها في وطني، أنام فيه وأصحو على مقربة من أنفاس والديّ الدافئة.
ومع الأيام تعمقت لدي رغبة الكتابة عن جذور أيامي الماضية، وازدادت بكيفية سريعة متصاعدة في السنوات القليلة الماضية، عندما لفحني وهج ذكرى مرور ما يقرب من ستين عاما على النكبة، اهتممت بالبحث في ذلك الحدث الحزين.. إنها لحظة تاريخية فارقة تستدعي استحضار تداعيات سنين خلت لفها الذل والقهر والانكسار، ومرارة تداعيات الهزيمة في منافي الغربة والشتات.
وبينما كانت الأفكار تدور في رأسي سريعة متدفقة حول النكبة وذكراها، وتتماوج أمام ناظريّ صور من بلادي متزاحمة متلاحمة ؛ دهشت لاهتمام بعض وسائل الإعلام العربية المرئية بالبحث عن جذور تلك الأحداث، وتابعت برامجها بحلقات متتابعة على مدى أيام طويلة فوجدتها عامرة بفحوى أحداث كثيرة لم تحظ بالتدوين من قبل، استعاد فيها مئات الأشخاص، ممن أسعفتهم الذاكرة وهم في غسق العمر على استحضار أحداث من أيامهم الماضية، أشبه ما تكون بشهادات حية متنوعة في حلقات متتابعة، تكشف عن جوانب خفية من حياتهم في قراهم ومدنهم قبل النكبة، وعن إرهاصات نزوحهم، وهم يُخرجون قسراً من بيوتهم حفاة عراة، ويُلقى بهم في مخيمات قصية مظلمة أقيمت على عجل، لتبدأ حياتهم في خيام بالية في بلاد غريبة، قضوا فيها عمرهم على مدار سنوات الشتات الطويلة.
كانت مشاهد الماضي تتلاحق في أحاديثهم، تحدثوا بكل عفوية بألفاظ تجمع بين العمق والبساطة عن قراهم ومدنهم وأهلهم ونضالهم وعن آلام ومآسي تشردهم وهم يلوحون بمفاتيح بيوتهم التي هجروها في عام 1948، وبصور عائلاتهم وبيوتهم ومقتنيات كثيرة حملوها معهم وقت الرحيل.
بساطة اللغة والسرد وتتابع الأحداث بسلاسة ساعدت على شد السامع إلى أحداث قديمة ملفعة بحرارة الماضي، تبدو أشبه بواقع اليوم المعيش كما لو أنها جزءٌ حيٌّ منه مع أنّها ليست منه، حدثت قبل نيفٍ وستين عاماً مضت.
صفحة 2
لَقيتْ تلك الشهادات صدىً واسعاً، بدا منها أن للناس العاديين من اللاجئين صوتاً يفوق صوت التاريخ السياسي المفبرك، لأنها أقرب إلى الصدق والحقيقة من الرواية الرسمية، إنها بمثابة حبل سري يربط الفلسطيني بهويته الوطنية.
تابعتُ تلك الشهادات باهتمام زائد لما فيها من لوحات جاذبة تركت فيَّ أثراً كبيراً، وأيقظت في نفسي أحاسيس الطفولة الباكرة التي تَأبى أنْ تُنسى.
ارتبطت هاتيك الشهادات بطفولتي في معناها الواسع والعميق، مع أنها ليست عني، بل عن غيري، وأحالتني إلى معين لا ينضب من لحظات مشرقة بددت بها بعض ما يعتريني من كآبة تلاحقني في شتات المنافي البعيدة.
على امتداد أيام كثيرة أضافت تلك الشهادات وجوهاً جديدة، رجالاً ونساء أكدوا في بوحهم على شاشات فضائيات كثيرة على أهمية توثيق التاريخ الشفوي الفلسطيني في فصول نابضة متشابكة، بما يتفق مع الرواية الشعبية، وبما يساعد على حفظ ما تبقى من الذاكرة الجمعية على مدى الأيّام.
وأكدوا أيضاً على ضرورة جمع الشهادات الشفوية الحية من صدور الرواة ممن تبقى من جيل النكبة قبل أنْ تضيع مع مرور الزمن، وتدوين كل ما فيها من دلالات ومضامين منقوشة في ذاكرتهم ومتجذرة في داخلهم عن حياتهم الماضية في فلسطين، وحياة أسرهم، وصلة القرابة مع غيرهم من الأسر، لاستحضار جذورهم والتعرف على قراهم ومدنهم بكل حناياها ومداراتها وجزئياتها وما فيها من تفاصيل حتى لا تُنسى وتبقى وشماً في مآقي العيون.
يمكن بالشهادات الشفوية محاورة الذاكرة وإصدار إشارات وصور واقعية عن كل ما مضى، ويمكن بها ترديد نبرات أصوات مسموعة للآباء والأجداد، عند تتبع سير الاحداث التي شهدتها الساحة الفلسطينية قبل النكبة، والكشف عن تفاصيل معاناة الحرب والمجازر واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتشريده في منافي الشتات.. ويمكن بها أيضاً رسم ملامح بؤر نابضة ومتوهجة لغدٍ آتٍ تتلاشى فيه معاناة التشرد والتشتت الفلسطيني.
قد لا يعرف الكثيرون أن ما تمَّ تجميعه من شهادات في مجال البحث عن الجذور الفلسطينية حتى الآن لا يغطي إلا جزءاً يسيراً من الرواية الكاملة، ولايزال أمام الرواة الكثير لتدوين كل ما في صدورهم، من ذكريات عن المكان والزمان وعذاب الرحيل والشتات والهجرة القسرية، من أجل الخروج برواية تاريخية جماعية كاملة لما حدث قبل وخلال وبعد 1948.
الرواية المطلوبة مغايرة للتأويلات والروايات المتوافرة، التي هي مجرد تاريخ رسمي وبعض طروحاته غير متجانسة، بل حتى متضاربة ومتناقضة لا تجسد في كثير من جوانبها المفصلية حقيقة الأحداث.. تتعاقب بمختلف أشكال البلاغة الكلامية في سلسلة زمنية طويلة (متقطعة أحياناً) مفتقرة إلى المصداقية والوضوح، بحاجة إلى إعادة نظر حقيقية لما جاء فيها بتقصي حقائق الشهادات الشفوية الحية ومراجعتها وتحليلها للرد على الروايات السائدة.
استحوذت عليّ هذه المواضيع وجعلتني أفكر منذ أمد طويل في إصدار كتاب أضمنه جزءًا مما تختزنه ذاكرتي عن أيام مضت في فلسطين عشتها قبل النكبة والهزيمة.. أن أستل منها لحظات تدغدغني وتحرك مشاعري، تشكل جزءاً من حياتي، تطوف بي دوماً في مسقط رأسي حيفا وقريتي بُرقة، أريد من خلالها بتلهف زائد البحث عن فتات من جذوري، استحضار الطفولة بوعي حاضري الذي أحياه، وإعادة نصوص غائبة تراكمت في داخلي موشومة بخطوط متماوجة من جذور بلادي، أتلمس فيها مشاهدَ ما قبل النكبة، تتصل بالقرى والمدن الفلسطينية وما فيها من مآثر تراثية وعمرانية، وما فيها من حواكير وأشجار وحقول وحتى أتلام الأرض وأمواج البحر موجة موجة، ليس من أجل البكاء على الأطلال، بل من أجل التأكيد على عمق جذوري وجذور غيري من أبناء بلدي في فلسطين.
إن تسجيلي لتلك اللحظات على أوراقي بأحرف نافرة، لا يعني أنها على درجة من الأهمية والإثارة، وتحاكي ما لدى الآخرين الذين سبقوني في هذا المجال.. وإنما هي مجرد محاولة غريزية أريد بها أنْ أنثر بذور جذوري لأحفادي حتى لا يضيعوا في مضارب الشتات القصية، علِّي بهذا أدفعهم للتمتع بمخيلة عامرة عن فلسطين، ومقدرة فائقة على التعبير عن حبهم لها، واستحضارها ببؤر لاقطة، تعكس أرضها وسماءها وبحرها وترابها وكل ما فيها.
تابعتُ تلك الشهادات باهتمام زائد لما فيها من لوحات جاذبة تركت فيَّ أثراً كبيراً، وأيقظت في نفسي أحاسيس الطفولة الباكرة التي تَأبى أنْ تُنسى.
ارتبطت هاتيك الشهادات بطفولتي في معناها الواسع والعميق، مع أنها ليست عني، بل عن غيري، وأحالتني إلى معين لا ينضب من لحظات مشرقة بددت بها بعض ما يعتريني من كآبة تلاحقني في شتات المنافي البعيدة.
على امتداد أيام كثيرة أضافت تلك الشهادات وجوهاً جديدة، رجالاً ونساء أكدوا في بوحهم على شاشات فضائيات كثيرة على أهمية توثيق التاريخ الشفوي الفلسطيني في فصول نابضة متشابكة، بما يتفق مع الرواية الشعبية، وبما يساعد على حفظ ما تبقى من الذاكرة الجمعية على مدى الأيّام.
وأكدوا أيضاً على ضرورة جمع الشهادات الشفوية الحية من صدور الرواة ممن تبقى من جيل النكبة قبل أنْ تضيع مع مرور الزمن، وتدوين كل ما فيها من دلالات ومضامين منقوشة في ذاكرتهم ومتجذرة في داخلهم عن حياتهم الماضية في فلسطين، وحياة أسرهم، وصلة القرابة مع غيرهم من الأسر، لاستحضار جذورهم والتعرف على قراهم ومدنهم بكل حناياها ومداراتها وجزئياتها وما فيها من تفاصيل حتى لا تُنسى وتبقى وشماً في مآقي العيون.
يمكن بالشهادات الشفوية محاورة الذاكرة وإصدار إشارات وصور واقعية عن كل ما مضى، ويمكن بها ترديد نبرات أصوات مسموعة للآباء والأجداد، عند تتبع سير الاحداث التي شهدتها الساحة الفلسطينية قبل النكبة، والكشف عن تفاصيل معاناة الحرب والمجازر واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتشريده في منافي الشتات.. ويمكن بها أيضاً رسم ملامح بؤر نابضة ومتوهجة لغدٍ آتٍ تتلاشى فيه معاناة التشرد والتشتت الفلسطيني.
قد لا يعرف الكثيرون أن ما تمَّ تجميعه من شهادات في مجال البحث عن الجذور الفلسطينية حتى الآن لا يغطي إلا جزءاً يسيراً من الرواية الكاملة، ولايزال أمام الرواة الكثير لتدوين كل ما في صدورهم، من ذكريات عن المكان والزمان وعذاب الرحيل والشتات والهجرة القسرية، من أجل الخروج برواية تاريخية جماعية كاملة لما حدث قبل وخلال وبعد 1948.
الرواية المطلوبة مغايرة للتأويلات والروايات المتوافرة، التي هي مجرد تاريخ رسمي وبعض طروحاته غير متجانسة، بل حتى متضاربة ومتناقضة لا تجسد في كثير من جوانبها المفصلية حقيقة الأحداث.. تتعاقب بمختلف أشكال البلاغة الكلامية في سلسلة زمنية طويلة (متقطعة أحياناً) مفتقرة إلى المصداقية والوضوح، بحاجة إلى إعادة نظر حقيقية لما جاء فيها بتقصي حقائق الشهادات الشفوية الحية ومراجعتها وتحليلها للرد على الروايات السائدة.
استحوذت عليّ هذه المواضيع وجعلتني أفكر منذ أمد طويل في إصدار كتاب أضمنه جزءًا مما تختزنه ذاكرتي عن أيام مضت في فلسطين عشتها قبل النكبة والهزيمة.. أن أستل منها لحظات تدغدغني وتحرك مشاعري، تشكل جزءاً من حياتي، تطوف بي دوماً في مسقط رأسي حيفا وقريتي بُرقة، أريد من خلالها بتلهف زائد البحث عن فتات من جذوري، استحضار الطفولة بوعي حاضري الذي أحياه، وإعادة نصوص غائبة تراكمت في داخلي موشومة بخطوط متماوجة من جذور بلادي، أتلمس فيها مشاهدَ ما قبل النكبة، تتصل بالقرى والمدن الفلسطينية وما فيها من مآثر تراثية وعمرانية، وما فيها من حواكير وأشجار وحقول وحتى أتلام الأرض وأمواج البحر موجة موجة، ليس من أجل البكاء على الأطلال، بل من أجل التأكيد على عمق جذوري وجذور غيري من أبناء بلدي في فلسطين.
إن تسجيلي لتلك اللحظات على أوراقي بأحرف نافرة، لا يعني أنها على درجة من الأهمية والإثارة، وتحاكي ما لدى الآخرين الذين سبقوني في هذا المجال.. وإنما هي مجرد محاولة غريزية أريد بها أنْ أنثر بذور جذوري لأحفادي حتى لا يضيعوا في مضارب الشتات القصية، علِّي بهذا أدفعهم للتمتع بمخيلة عامرة عن فلسطين، ومقدرة فائقة على التعبير عن حبهم لها، واستحضارها ببؤر لاقطة، تعكس أرضها وسماءها وبحرها وترابها وكل ما فيها.
صفحة 3
طفت في أوراق كتابي هذا في مدارات كثيرة، أدخلت فيها الزمن الماضي بالحالي، واستحضرت وجوهاً عزيزة على قلبي رحلت قبل زمن طويل.. لاقيت الوجوه بالوجوه في سطوري، ولامست أياديها الدافئة خبايا حروفي، أعدت معها إحياء كلمات كنت أسمعها في أحاديثهم، كانت تدور بين أمي وأبي، وبين أبي وأصدقائه، أعدتها بتوصيل مرآتي بانعكاسات مرايا أيامهم.. شكلت لي قاعدة ذهنية تعج بصور وأحداث كثيرة، هي العتبة الأساسية في سطوري.
وأياً كان الأمر، فما تقرأه عزيزي القارئ في كتابي، ليس أكثر من خيوط رفيعة أستلها من أيامي الماضية، آمل أن ترضيك، وأن أساهم بها في رسم شظايا أجزاء موجزة من جذوري في بلدي، تمتد على اتساع المكان في مسقط رأسي حيفا، وفي قريتي بُرقة، تمتلئ بدفء الشمس وبما تزفره أتلام الأرض من أشجار وزهور رائعة، وتنطق بحبي وهيامي لوطني، وتعيد رسم صور كثيرة مختلطة ومتشابكة لوالديّ ولوجوه أناس معهم كانوا ذات يوم حولي.. عملت على حشدهم في سطوري مشكلين دائرة كبيرة، أعدت أحاديثهم فيها وما قالوه قبل سنوات طويلة على الرغم من تباعد الزمان والمكان، فارقتهم عندما كنت في العاشرة من عمري، وها أنذا الآن في الرابعة والسبعين من عمري، ألتقي بهم على صفحات كتابي، أعيدهم ثانية إلى حيفا وبُرقة في غمرة عاطفة لا حد لها.. أعيدهم إلى أرض لنا عشنا فيها أياماً تأبى النسيان.
وأخيراً يبقى عليّ واجب التقدم بالشكرإلى الأصدقاء الذين شجعوني على إنجاز هذا الكتاب وأخص بالذكر منهم: عبد الكريم أبو شنب وبطرس حجارة وصفوان البخاري وطارق قديس ومحمد حسين الأطرش ودعاء الدحلة وخضرة أحمد نعيم.
المؤلف
مونتريال، عمان، في أوقات متقطعة من
عامي 2011، 2012.
(1)
يتسع مدى الذاكرة، وتشتد وطأة حيفا فيها، أضواء جميلة تلوح من مدينتي الأثيرة، تحملني أفكاري وتطوف بي في كل أرجائها، أستدفئ بها، أشعر بأنفاس بحرها الدافئة، أعبر دروبها سيراً على الأقدام إلى ما بعد ساحة الحناطير (الخمرة) ووادي الصليب، أواصل التقدم صعوداً عبر درج طويل متعرج، أواصل الصعود وسرعان ما أجد نفسي في أعالي الكرمل.
أجلس عند قمته على مقربة من غلالة أشجار خضراء باسقة تزين المكان، أتبين منها بسهولة شجر الصنوبر والسرو والسنديان والبلوط والزعرور والكينا والخروب، وبراعم اللوز والعنب والخوخ والتفاح، أواصل التأمل فيها، أرى أغصانها بألوانها الرقيقة تتمايل بهدوء بفعل رياح خفيفة، وعلى امتداد الأرض أرى أزهار الدحنون والنرجس وشقائق النعمان، لم أرَ لألوانها مثيلاً في أي مكان.
أنصت لصدى أصوات تنبعث حول تلك الأشجار والزهور البرية، تأتيني من أيام أخرى بعيدة، أصوات هادئة مترعة بالسعادة تمتزج في ذهني.. أواصل التأمل، وتستيقظ الذاكرة على صور لبيوت حيفا الحجرية البيضاء ولشوارعها وأزقتها، أشكلها كما كانت عليه في أربعينيات القرن الماضي، أراها في مكانها بين البحر وجبل الكرمل، واستنشق منها شيئاً من أيامي الماضية.
وأياً كان الأمر، فما تقرأه عزيزي القارئ في كتابي، ليس أكثر من خيوط رفيعة أستلها من أيامي الماضية، آمل أن ترضيك، وأن أساهم بها في رسم شظايا أجزاء موجزة من جذوري في بلدي، تمتد على اتساع المكان في مسقط رأسي حيفا، وفي قريتي بُرقة، تمتلئ بدفء الشمس وبما تزفره أتلام الأرض من أشجار وزهور رائعة، وتنطق بحبي وهيامي لوطني، وتعيد رسم صور كثيرة مختلطة ومتشابكة لوالديّ ولوجوه أناس معهم كانوا ذات يوم حولي.. عملت على حشدهم في سطوري مشكلين دائرة كبيرة، أعدت أحاديثهم فيها وما قالوه قبل سنوات طويلة على الرغم من تباعد الزمان والمكان، فارقتهم عندما كنت في العاشرة من عمري، وها أنذا الآن في الرابعة والسبعين من عمري، ألتقي بهم على صفحات كتابي، أعيدهم ثانية إلى حيفا وبُرقة في غمرة عاطفة لا حد لها.. أعيدهم إلى أرض لنا عشنا فيها أياماً تأبى النسيان.
وأخيراً يبقى عليّ واجب التقدم بالشكرإلى الأصدقاء الذين شجعوني على إنجاز هذا الكتاب وأخص بالذكر منهم: عبد الكريم أبو شنب وبطرس حجارة وصفوان البخاري وطارق قديس ومحمد حسين الأطرش ودعاء الدحلة وخضرة أحمد نعيم.
المؤلف
مونتريال، عمان، في أوقات متقطعة من
عامي 2011، 2012.
(1)
يتسع مدى الذاكرة، وتشتد وطأة حيفا فيها، أضواء جميلة تلوح من مدينتي الأثيرة، تحملني أفكاري وتطوف بي في كل أرجائها، أستدفئ بها، أشعر بأنفاس بحرها الدافئة، أعبر دروبها سيراً على الأقدام إلى ما بعد ساحة الحناطير (الخمرة) ووادي الصليب، أواصل التقدم صعوداً عبر درج طويل متعرج، أواصل الصعود وسرعان ما أجد نفسي في أعالي الكرمل.
أجلس عند قمته على مقربة من غلالة أشجار خضراء باسقة تزين المكان، أتبين منها بسهولة شجر الصنوبر والسرو والسنديان والبلوط والزعرور والكينا والخروب، وبراعم اللوز والعنب والخوخ والتفاح، أواصل التأمل فيها، أرى أغصانها بألوانها الرقيقة تتمايل بهدوء بفعل رياح خفيفة، وعلى امتداد الأرض أرى أزهار الدحنون والنرجس وشقائق النعمان، لم أرَ لألوانها مثيلاً في أي مكان.
أنصت لصدى أصوات تنبعث حول تلك الأشجار والزهور البرية، تأتيني من أيام أخرى بعيدة، أصوات هادئة مترعة بالسعادة تمتزج في ذهني.. أواصل التأمل، وتستيقظ الذاكرة على صور لبيوت حيفا الحجرية البيضاء ولشوارعها وأزقتها، أشكلها كما كانت عليه في أربعينيات القرن الماضي، أراها في مكانها بين البحر وجبل الكرمل، واستنشق منها شيئاً من أيامي الماضية.
صفحة 4
أراها في عينيّ من جديد، أشد امتلاءً وصفاءً وأكثر قرباً.
أطوف فيها وأستشعر المزايا التي جعلت منها قبل قرابة سبعين سنة خلت مدينة فريدة.
نعم كانت حيفا في ذلك الزمن على امتداد سنين طويلة تضفي مزايا جديدة باستمرار على مشهدها العام الذي عُرفت به.. انفردت بمزايا اقتصادية وثقافية وعمرانية كثيرة جعلتها تعيش ازدهاراً منقطع النظير؛ متميزة عن كثير من المدن الأخرى القريبة منها.. حولتها إلى مدينة كوزموبوليتانية بكل معنى الكلمة ؛ صورة مصغرة لمجتمع متعدد المنابت والأصول، توفر سبل عمل كثيرة متشابكة لأهل فلسطين، ولغيرهم من سكان الدول العربية الأخرى المجاورة لها وغير المجاورة.
كان الكثيرون يلجأون إليها للعمل، ينضمون على التوالي إلى سكانها، تمتلئ بهم، كانوا يأتون إليها من شرقي الأردن وسوريا ولبنان ومصر حتى من دول المغرب العربي، ومن روسيا وألمانيا وإيران والبوسنة وكازاخستان وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
شبَّت فيها أجيال من منابت ومشارب مختلفة من الوافدين إليها بعلاقات اجتماعية مترابطة مع أهل البلاد ؛ يسودها جو من الاحترام والتعايش المشترك.. عملوا في كل مراكز حيفا وأنشطتها وعاشوا كأبنائها وساكَنوا أهلها في أجزاء منها هنا وهناك، في كل أحيائها وشوارعها والضواحي القريبة منها.
أستدرك الآن فيما أستغرق في حلم اليقظة، وأفتح قوساً مبيناً أنَّ لاجئي حيفا لا يُعاملون في كثير من الدول العربية بما يمليه واجب الضيافة العربية، كما كانوا يعاملون العرب في مدينتهم.. يعيشون في ظروف معيشية زريّة وغير إنسانية، حتى ولا يحق لهم ولغيرهم من لاجئي فلسطين العمل بحكم القانون اللبناني في أكثر من 70 وظيفة، ولا يحقّ لهم التملك حتى لو كان قبراً !
وأياً تكن الأسباب الحقيقية لما يجري لهم منذ ما يزيد على ستة عقود من الشتات، فإن الذي يقترف بحقهم من الكبائر.
أغلق القوس الآن وأنا أحاول تجاهل غصة في حلقي، وأعود لتبيان أسباب ازدهار حيفا وتألقها وامتلائها بالفرص الواعدة فيما مضى، تنجرف أفكاري الآن في مونتاج من الصور التي تلمع في ذهني مثل أفلام صامتة.
أقلبُ أوّل صورة منها، أجدها تجسد الخط الحديدي الحجازي، حيفا – درعا. فيها نُصب تذكاري شُيّد عام 1905على مقربة من مسجد الجرينه ؛ يظهر فيه رسم لقطار بخاري وشعار الدولة العثمانية، ويعتبر هذا الخط عتبة أولى في مسار ازدهار حيفا الاقتصادي، فقد ساهم في ربطها بدمشق والمدينة المنورة بأهمّ شبكة لنقل الركاب والسواح والحجاج والبضائع.
بفضل هذا المشروع الحيوي، وخط سكة حديد حيفا – القنطرة المصرية، الذي تم مده جنوباً نحو مدن فلسطينية كثيرة إلى مصر، تم زيادة حركة المسافرين والاستيراد والتصدير عبر حيفا، وزيادة الضغط على مينائها، مما أدى إلى بناء ميناء جديد قادر على استقبال أعداد كبيرة من السفن، له قدرة استيعابية تخزينية كبيرة لحفظ البضائع.
وفيما كان الدور الحيوي لشبكة الخطوط الحديدية وميناء حيفا الجديد يتصاعد في فلسطين وكل الدول المجاورة لها، سرعان ما زاد الطلب على الأيدي العاملة من داخل القرى والمدن الفلسطينية والدول المجاورة، وتحولت حيفا إلى بؤرة عمل هام في المنطقة العربية، حتى إنّه أطلق عليها لقب «أم العمل»، وأصبحت بهذا مركزاً اقتصادياً بلغ مدى كبيراً في أوائل سنوات الانتداب البريطاني لفلسطين، ميناء مزدهراً ومدينة نابضة تنتشر فيها مصانع الإسمنت والأسلاك الكهربائية والتبغ والغزل والنسيج وأعمال البناء والمحلات التجارية والأسواق والفنادق وكل الأنشطة المرتبطة بالسياحة، ويتجه فيها عدد السكان إلى تزايد مستمر بسبب الهجرة الداخلية والخارجية معاً، ويأتيها الزوار والسياح من كل مكان.
أطوف فيها وأستشعر المزايا التي جعلت منها قبل قرابة سبعين سنة خلت مدينة فريدة.
نعم كانت حيفا في ذلك الزمن على امتداد سنين طويلة تضفي مزايا جديدة باستمرار على مشهدها العام الذي عُرفت به.. انفردت بمزايا اقتصادية وثقافية وعمرانية كثيرة جعلتها تعيش ازدهاراً منقطع النظير؛ متميزة عن كثير من المدن الأخرى القريبة منها.. حولتها إلى مدينة كوزموبوليتانية بكل معنى الكلمة ؛ صورة مصغرة لمجتمع متعدد المنابت والأصول، توفر سبل عمل كثيرة متشابكة لأهل فلسطين، ولغيرهم من سكان الدول العربية الأخرى المجاورة لها وغير المجاورة.
كان الكثيرون يلجأون إليها للعمل، ينضمون على التوالي إلى سكانها، تمتلئ بهم، كانوا يأتون إليها من شرقي الأردن وسوريا ولبنان ومصر حتى من دول المغرب العربي، ومن روسيا وألمانيا وإيران والبوسنة وكازاخستان وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
شبَّت فيها أجيال من منابت ومشارب مختلفة من الوافدين إليها بعلاقات اجتماعية مترابطة مع أهل البلاد ؛ يسودها جو من الاحترام والتعايش المشترك.. عملوا في كل مراكز حيفا وأنشطتها وعاشوا كأبنائها وساكَنوا أهلها في أجزاء منها هنا وهناك، في كل أحيائها وشوارعها والضواحي القريبة منها.
أستدرك الآن فيما أستغرق في حلم اليقظة، وأفتح قوساً مبيناً أنَّ لاجئي حيفا لا يُعاملون في كثير من الدول العربية بما يمليه واجب الضيافة العربية، كما كانوا يعاملون العرب في مدينتهم.. يعيشون في ظروف معيشية زريّة وغير إنسانية، حتى ولا يحق لهم ولغيرهم من لاجئي فلسطين العمل بحكم القانون اللبناني في أكثر من 70 وظيفة، ولا يحقّ لهم التملك حتى لو كان قبراً !
وأياً تكن الأسباب الحقيقية لما يجري لهم منذ ما يزيد على ستة عقود من الشتات، فإن الذي يقترف بحقهم من الكبائر.
أغلق القوس الآن وأنا أحاول تجاهل غصة في حلقي، وأعود لتبيان أسباب ازدهار حيفا وتألقها وامتلائها بالفرص الواعدة فيما مضى، تنجرف أفكاري الآن في مونتاج من الصور التي تلمع في ذهني مثل أفلام صامتة.
أقلبُ أوّل صورة منها، أجدها تجسد الخط الحديدي الحجازي، حيفا – درعا. فيها نُصب تذكاري شُيّد عام 1905على مقربة من مسجد الجرينه ؛ يظهر فيه رسم لقطار بخاري وشعار الدولة العثمانية، ويعتبر هذا الخط عتبة أولى في مسار ازدهار حيفا الاقتصادي، فقد ساهم في ربطها بدمشق والمدينة المنورة بأهمّ شبكة لنقل الركاب والسواح والحجاج والبضائع.
بفضل هذا المشروع الحيوي، وخط سكة حديد حيفا – القنطرة المصرية، الذي تم مده جنوباً نحو مدن فلسطينية كثيرة إلى مصر، تم زيادة حركة المسافرين والاستيراد والتصدير عبر حيفا، وزيادة الضغط على مينائها، مما أدى إلى بناء ميناء جديد قادر على استقبال أعداد كبيرة من السفن، له قدرة استيعابية تخزينية كبيرة لحفظ البضائع.
وفيما كان الدور الحيوي لشبكة الخطوط الحديدية وميناء حيفا الجديد يتصاعد في فلسطين وكل الدول المجاورة لها، سرعان ما زاد الطلب على الأيدي العاملة من داخل القرى والمدن الفلسطينية والدول المجاورة، وتحولت حيفا إلى بؤرة عمل هام في المنطقة العربية، حتى إنّه أطلق عليها لقب «أم العمل»، وأصبحت بهذا مركزاً اقتصادياً بلغ مدى كبيراً في أوائل سنوات الانتداب البريطاني لفلسطين، ميناء مزدهراً ومدينة نابضة تنتشر فيها مصانع الإسمنت والأسلاك الكهربائية والتبغ والغزل والنسيج وأعمال البناء والمحلات التجارية والأسواق والفنادق وكل الأنشطة المرتبطة بالسياحة، ويتجه فيها عدد السكان إلى تزايد مستمر بسبب الهجرة الداخلية والخارجية معاً، ويأتيها الزوار والسياح من كل مكان.
صفحة 5
ونظراً لأهمية موقع حيفا الجغرافي كبوابة لشرقي الأردن والعراق وسوريا عبر البحر الأبيض المتوسط، اختيرت من قبل حكومة الانتداب البريطانية كمقر لإدارة خطوطها الحديدية، وكنقطة جغرافية بحرية ينتهي عندها خط أنابيب نفط العراق القادم من كركوك، لنقل النفط العراقي منها إلى الدول الأجنبية المستوردة للنفط.. كما وتم فيها أيضاً إقامة إدارة ضخمة لشركة نفط العراق (أي بي سي)، وإنشاء مصفاة لتكرير النفط في عام 1933على مقربة من تخومها الشرقية مَدت جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بالنفط المكرر.
أعود إلى مونتاج الصور من جديد، وأرى صوراً كثيرة تطاردني تجسد الجوانب العمرانية في حيفا، تحرك مشاعري بيوتٌ بالغة الأناقة مبنية بحجر أبيض مدقوق بعناية كبيرة متناثرة في كل الجهات، تعلو أغلبها شرفات مطلة على مناظر رائعة لشاطئ البحر، وتتميز بحدائق واسعة تحيط بها مزروعة بأجمل الورود وتستخدم أحدث وسائل الري برشاشة متحركة على شكل مروحة.
تردُ على ذاكرتي تلك البيوت أراها كما كانت من قبل، أغدو وأروح حولها.. أدور ببصري يسرة ويمنة في كل جوانبها، أتنقل فيها من بيت إلى بيت بين أحياء حيفا الممتدة من أسفل المدينة على مقربة من الشاطئ حتى قمة جبل الكرمل وانعطافات سفوحه ببساتينها الساحرة المدهشة.
وأسترجع من أيام حيفا الماضية صوراً تعيها ذاكرتي، تلازمت مع انتعاشها الاقتصادي تنبض بمظاهر انتعاشات اجتماعية وإعلامية وفنية، تتجسد بعشرات المدارس الحكومية والخاصة والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية والفرق المسرحية والصحف.. كان فيها ثلاث فرق بارزة لكرة القدم من أهم الفرق الرياضية، لثلاثة أندية من الدرجة الأولى، «نادي شباب العرب» و«نادي الترسانة» و«النادي الإسلامي»، ومن أهم نجوم هذه الأندية جبرا الزرقا وميشيل الطويل وجورج مارديني(*).
وبينما كنت أقلب في ذاكرتي بقايا جذورٍ من موروث حيفا الرياضي، اطلعت على مقالة قيمة للدكتور مصطفى كبها، تواردت في بعض المواقع الإلكترونية بعنوان «من وحي المونديال.. أندية فلسطين الرياضية قبل النكبة» يشير فيها إلى أن «نادي شباب العرب» قد تأسس في عام 1934، وحصل على درع بلدية حيفا أربع مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرتين، وأن «النادي الإسلامي» قد تأسس في العام 1929 وحصل على درع مدينة حيفا ثلاث مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرة واحدة.
وكان هناك في حيفا نهضة إعلامية بدأت مبكراً مع بداية القرن الماضي، مجلات وجرائد كثيرة بلغ عددها منذ عام 1908 وحتى النكبة 31 مجلة وجريدة، ظهرت منها مبكراً في أواخر العهد العثماني مجلة «النفائس العصرية» الثقافية لخليل بيدس (1908)، وجريدة «الكرمل» لنجيب نصار الملقب بشيخ الصحفيين الفلسطينيين (1907)، وجريدة «النفير» لإيليا زكا (1924)، ومجلة «الزهرة» لجميل البحري (1922) وجريدة «الزهور» لجميل البحري (1927) وجريدة «الاتحاد» التي أصدرها إميل توما وإميل حبيبي وتوفيق طوبي كجريدة أسبوعية عام 1944، صدرت عن «اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب»، وكان إميل توما أول رئيس تحرير لها، ولاتزال تصدر حتى الآن كجريدة يومية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.
يهمني هنا استحضار جانب من الأنشطة الفنية التي تدل على رغد عيش أهل حيفا السابقين، تحمل الذاكرة منها صوراً كثيرة لمسارح ودور سينما ومتنزهات.. وبينما كنت أخط هذه السطور توقف ناظري عند خبايا الأرشيف الفلسطيني في الناصرة، وجدت فيه ما يؤكد على أن أم كلثوم زارت حيفا بالقطار في زمن مضى، وأحيت حفلتين غنائيتين، إحداهما في شارع الملوك وثانيتهما في مسرح متنزّه الانشراح الشهير، غنت فيه بعد أن أرخى الليل أستاره الرقيقة على حيفا في تلك الأمسية، أغنية «أفديه إن حفظ الهوى».. تحمست سيدة حيفاوية ساعتئذ وصرخت ضاغطة على حبالها الصوتية من شدة طربها قائلة لأم كلثوم: «أنت كوكب الشرق»
وهكذا نالت أم كلثوم لقب كوكب الشرق في حيفا. أطلقته عليها سيدة مجهولة اسمها أم فؤاد، والتصق هذا اللقب بأم كلثوم طوال حياتها.
وغنى في حيفا محمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وفريد الأطرش وأسمهان وسهام رفقي وحليم الرومي (الذي عاش فيها مع أسرته وعمل وأنهى دراسته في المعهد الموسيقي العربي) وغيرهم.
وقدم يوسف وهبي على مسارح حيفا عروضاً مسرحية مع فرقة رمسيس، كما قدّم مثله عروضاً فيها المسرحي المشهور جورج أبيض وزوجته دولت أبيض، وقَدّمت عروضاً أيضاً فرقة عكاشة الكوميدية وغيرها من الفرق التمثيلية الأخرى.
أعود إلى مونتاج الصور من جديد، وأرى صوراً كثيرة تطاردني تجسد الجوانب العمرانية في حيفا، تحرك مشاعري بيوتٌ بالغة الأناقة مبنية بحجر أبيض مدقوق بعناية كبيرة متناثرة في كل الجهات، تعلو أغلبها شرفات مطلة على مناظر رائعة لشاطئ البحر، وتتميز بحدائق واسعة تحيط بها مزروعة بأجمل الورود وتستخدم أحدث وسائل الري برشاشة متحركة على شكل مروحة.
تردُ على ذاكرتي تلك البيوت أراها كما كانت من قبل، أغدو وأروح حولها.. أدور ببصري يسرة ويمنة في كل جوانبها، أتنقل فيها من بيت إلى بيت بين أحياء حيفا الممتدة من أسفل المدينة على مقربة من الشاطئ حتى قمة جبل الكرمل وانعطافات سفوحه ببساتينها الساحرة المدهشة.
وأسترجع من أيام حيفا الماضية صوراً تعيها ذاكرتي، تلازمت مع انتعاشها الاقتصادي تنبض بمظاهر انتعاشات اجتماعية وإعلامية وفنية، تتجسد بعشرات المدارس الحكومية والخاصة والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية والفرق المسرحية والصحف.. كان فيها ثلاث فرق بارزة لكرة القدم من أهم الفرق الرياضية، لثلاثة أندية من الدرجة الأولى، «نادي شباب العرب» و«نادي الترسانة» و«النادي الإسلامي»، ومن أهم نجوم هذه الأندية جبرا الزرقا وميشيل الطويل وجورج مارديني(*).
وبينما كنت أقلب في ذاكرتي بقايا جذورٍ من موروث حيفا الرياضي، اطلعت على مقالة قيمة للدكتور مصطفى كبها، تواردت في بعض المواقع الإلكترونية بعنوان «من وحي المونديال.. أندية فلسطين الرياضية قبل النكبة» يشير فيها إلى أن «نادي شباب العرب» قد تأسس في عام 1934، وحصل على درع بلدية حيفا أربع مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرتين، وأن «النادي الإسلامي» قد تأسس في العام 1929 وحصل على درع مدينة حيفا ثلاث مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرة واحدة.
وكان هناك في حيفا نهضة إعلامية بدأت مبكراً مع بداية القرن الماضي، مجلات وجرائد كثيرة بلغ عددها منذ عام 1908 وحتى النكبة 31 مجلة وجريدة، ظهرت منها مبكراً في أواخر العهد العثماني مجلة «النفائس العصرية» الثقافية لخليل بيدس (1908)، وجريدة «الكرمل» لنجيب نصار الملقب بشيخ الصحفيين الفلسطينيين (1907)، وجريدة «النفير» لإيليا زكا (1924)، ومجلة «الزهرة» لجميل البحري (1922) وجريدة «الزهور» لجميل البحري (1927) وجريدة «الاتحاد» التي أصدرها إميل توما وإميل حبيبي وتوفيق طوبي كجريدة أسبوعية عام 1944، صدرت عن «اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب»، وكان إميل توما أول رئيس تحرير لها، ولاتزال تصدر حتى الآن كجريدة يومية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.
يهمني هنا استحضار جانب من الأنشطة الفنية التي تدل على رغد عيش أهل حيفا السابقين، تحمل الذاكرة منها صوراً كثيرة لمسارح ودور سينما ومتنزهات.. وبينما كنت أخط هذه السطور توقف ناظري عند خبايا الأرشيف الفلسطيني في الناصرة، وجدت فيه ما يؤكد على أن أم كلثوم زارت حيفا بالقطار في زمن مضى، وأحيت حفلتين غنائيتين، إحداهما في شارع الملوك وثانيتهما في مسرح متنزّه الانشراح الشهير، غنت فيه بعد أن أرخى الليل أستاره الرقيقة على حيفا في تلك الأمسية، أغنية «أفديه إن حفظ الهوى».. تحمست سيدة حيفاوية ساعتئذ وصرخت ضاغطة على حبالها الصوتية من شدة طربها قائلة لأم كلثوم: «أنت كوكب الشرق»
وهكذا نالت أم كلثوم لقب كوكب الشرق في حيفا. أطلقته عليها سيدة مجهولة اسمها أم فؤاد، والتصق هذا اللقب بأم كلثوم طوال حياتها.
وغنى في حيفا محمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وفريد الأطرش وأسمهان وسهام رفقي وحليم الرومي (الذي عاش فيها مع أسرته وعمل وأنهى دراسته في المعهد الموسيقي العربي) وغيرهم.
وقدم يوسف وهبي على مسارح حيفا عروضاً مسرحية مع فرقة رمسيس، كما قدّم مثله عروضاً فيها المسرحي المشهور جورج أبيض وزوجته دولت أبيض، وقَدّمت عروضاً أيضاً فرقة عكاشة الكوميدية وغيرها من الفرق التمثيلية الأخرى.
صفحة 6
هذا الجانب من حيفا الذي أتحدث عنه هو الجزء العربي الذي كان يمتد ما بين الشاطئ وجبل الكرمل متفرعاً في أحياء كثيرة منها: وادي الصليب والكنائس ووادي النسْناس والحليصة ووادي رشميا والغزازوة والبرج والزيتون وعباس والمحطة والشوام ووادي الجمال والألمانية، وغيرها من الأحياء الأخرى، كانت من الجمال بحيث لا يستطيع أي رسام مهما حاول أن يتخيلها، تميزت بحفاظها على الأصالة والحداثة معاً ؛ موروث تاريخي معماري من زمن مضى، وإضافات معمارية تتلاءم مع روح العصر.
وهناك الجانب اليهودي من حيفا الذي يتميز بمواقعه العالية الحصينة ؛ من محلة النبي شعنان إلى فرش الحلقة ثم إلى الهدار فالكرمل نفسه ؛ يُشرف منها إشرافاً كلياً على الأحياء العربية من جسر شل إلى وادي الجمال ومن الجبل إلى الشاطئ، وقد ساهمت سيطرة الإنجليز أثناء فترة الانتداب في منح اليهود أولويات التطوير في أحيائهم ومساعدتهم وتسهيل أمورهم، كما تم ذلك في مدن فلسطين الاخرى.
وثمة جانب آخر من حيفا، كانت تقع فيه ثكنات جيش الانتداب البريطاني، كان جنوده يعيشون فيه في راحة وترف، ويقيمون الاستعراضات العسكرية ويطوفون بها في الشوارع الرئيسة. وكان أهل حيفا وكل أهل فلسطين ينقمون على الإنجليز، على وجودهم، وعلى تحكمهم في مقاليد الأمور، وكانت هذه النقمة مكبوتة حيناً وظاهرة حيناً، وثورة عارمة كما جرى في ثورة «36» بسبب أعمالهم الغادرة ضدّ المصالح العربية، ووقوفهم المنحاز مع اليهود لتنفيذ وعد بلفور وإقامة دولة يهودية في فلسطين.
***
أستأنفُ الآن الحديث عن الوضع الجغرافي لحيفا، عن موقعها الطبيعي الجميل على الشاطئ الجنوبي لخليج عكا.. أعود إلى ذاكرة المكان، وأجدها تمتاز بموقعها الطبيعي الجميل.. تعانق أمواج البحر الأبيض المتوسط، تترامى على امتداد شاطئ تكمن فيه أيقونة تسلب الألباب، ويمتد عمرانها جنوباً إلى أعلى دون انقطاع حتى يبلغ جبل الكرمل بمناظره الطبيعية الساحرة، ويتسع نطاق عمرانها في طرفيها الغربي والشرقي عبر أرضٍ منبسطة ومفتوحة تصل من جهة الغرب الى أراضي قرية الطيرة، ومن جهة الشرق إلى أراضي قرية بلد الشيخ.
أواصل السير في تقاطعات ذاكرة المكان، في الأماكن ذاتها التي كنت أعرفها أيام طفولتي، أجول ببصري حولي، وأجد نفسي على مقربة من مدخلين رئيسيين لحيفا: أولهما شارع حيفا - يافا الساحلي الذي يمتد في الجهة الغربية من المدينة بموازاة البحر، ويتجه نحو السوق القديم والبلدة القديمة مروراً بمناطقها الغربية، وثانيهما شارع من الجهة الشرقية يتجه في خط مستقيم إلى جسر شل، وعند هذا الجسر يتفرع إلى شارعين، أحدهما يتجه إلى شارع صلاح الدين، فجسر رشميا ثم الهدار، والآخر يتجه بتفرعاته إلى البوابة الشرقية.
وهناك الجانب اليهودي من حيفا الذي يتميز بمواقعه العالية الحصينة ؛ من محلة النبي شعنان إلى فرش الحلقة ثم إلى الهدار فالكرمل نفسه ؛ يُشرف منها إشرافاً كلياً على الأحياء العربية من جسر شل إلى وادي الجمال ومن الجبل إلى الشاطئ، وقد ساهمت سيطرة الإنجليز أثناء فترة الانتداب في منح اليهود أولويات التطوير في أحيائهم ومساعدتهم وتسهيل أمورهم، كما تم ذلك في مدن فلسطين الاخرى.
وثمة جانب آخر من حيفا، كانت تقع فيه ثكنات جيش الانتداب البريطاني، كان جنوده يعيشون فيه في راحة وترف، ويقيمون الاستعراضات العسكرية ويطوفون بها في الشوارع الرئيسة. وكان أهل حيفا وكل أهل فلسطين ينقمون على الإنجليز، على وجودهم، وعلى تحكمهم في مقاليد الأمور، وكانت هذه النقمة مكبوتة حيناً وظاهرة حيناً، وثورة عارمة كما جرى في ثورة «36» بسبب أعمالهم الغادرة ضدّ المصالح العربية، ووقوفهم المنحاز مع اليهود لتنفيذ وعد بلفور وإقامة دولة يهودية في فلسطين.
***
أستأنفُ الآن الحديث عن الوضع الجغرافي لحيفا، عن موقعها الطبيعي الجميل على الشاطئ الجنوبي لخليج عكا.. أعود إلى ذاكرة المكان، وأجدها تمتاز بموقعها الطبيعي الجميل.. تعانق أمواج البحر الأبيض المتوسط، تترامى على امتداد شاطئ تكمن فيه أيقونة تسلب الألباب، ويمتد عمرانها جنوباً إلى أعلى دون انقطاع حتى يبلغ جبل الكرمل بمناظره الطبيعية الساحرة، ويتسع نطاق عمرانها في طرفيها الغربي والشرقي عبر أرضٍ منبسطة ومفتوحة تصل من جهة الغرب الى أراضي قرية الطيرة، ومن جهة الشرق إلى أراضي قرية بلد الشيخ.
أواصل السير في تقاطعات ذاكرة المكان، في الأماكن ذاتها التي كنت أعرفها أيام طفولتي، أجول ببصري حولي، وأجد نفسي على مقربة من مدخلين رئيسيين لحيفا: أولهما شارع حيفا - يافا الساحلي الذي يمتد في الجهة الغربية من المدينة بموازاة البحر، ويتجه نحو السوق القديم والبلدة القديمة مروراً بمناطقها الغربية، وثانيهما شارع من الجهة الشرقية يتجه في خط مستقيم إلى جسر شل، وعند هذا الجسر يتفرع إلى شارعين، أحدهما يتجه إلى شارع صلاح الدين، فجسر رشميا ثم الهدار، والآخر يتجه بتفرعاته إلى البوابة الشرقية.
صفحة 7
(2)
يجتاحني إحساس أن أكرر هنا ثانية ما ذكرته في مستهل سطوري، وهو أنني لا أكتب سيرة حياتي الذاتية.. أموري الشخصية هذه لا تعنيني من قريب أو بعيد، الذي يهمني هو الحديث عن علاقتي بالمكان.. الوطن، الذي يحيا في داخلي ويحاصرني في أعماقي، وأراه دوماً أمامي في كل لحظات حياتي بكل ما فيه من تراب وأشجار وحجارة وحتى أمواج البحر ورذاذ الندى.
تدغدغني رغبة جارفة في الكتابة عما في ذاكرتي من توهجات جذوري وماضي حياتي في حيفا وبُرقة وأجزاء أخرى من وطني، أسترجع فيها على أوراقي تفاصيل أيّام طفولتي التي عشتها في فلسطين بدون إثارة وبدون أي مؤثر خارجي.
وفي كل الأحوال، يتضح لي هنا ضرورة تعريف صلة الوصل بيني وبين حيفا.. صلتي بها توغل عميقاً في داخلي، بدأت مع الأيام الأولى من طفولتي الباكرة.. إنها مسقط رأسي ومهد صباي، فيها تفتحت عيوني وبدأت حياتي.. علاقتي بها أقوى من كل شيء يمكن للإنسان أن يحسه، فيها أشعر بالسعادة وأعرف من أنا ومن أكون.
ولدتُ في حيفا في منزل يقع تحت منحدر هضبة منخفضة في الجهة الشرقية من المدينة، تتسع أمامه ساحة كبيرة فارغة متاخمة لشارع الناصرة، يمتد على جانبها الأيمن شارع يتجه صعوداً إلى جبل الكرمل، وعلى جانبها الأيسر توجد بناية من طابقين يمتلكها الحاج محمد أبو حوا تعرف باسم عمارة أبو حوا، تقع على مقربة من عمارة الكرنك ومقهى العجمي وعدد كبير من المحلات التجارية المقامة على امتداد جانبي شارع الناصرة باتجاه مركز المدينة.
أخبرني والداي أنني ولدت في صبيحة آخر يوم من أيام عام 1938، كانت أسرتي تعيش في حيفا وقتذاك. حيث كان يعمل أبي موظفاً في القسم الفني في دائرة البريد والتلفون والتلغراف (البوسطة). لم يكن والداي من حيفا في الأصل، فقد ولدا في قرية بُرقة التي تنحدر منها عائلتاهما، ويمتلك فيها جدي الأكبر أراضيَ بمساحات شاسعة.
تقع بُرقة(**) على جزء من امتدادات جبل النار إلى جانب الطريق الواصل ما بين نابلس وجنين في الشمال الغربي من مدينة نابلس، على مسافة تقارب 18 كيلومتراً منها، وهي بلدة كبيرة كانت تعد في الفترة العثمانية من قرى الكراسي المسؤولة إدارياً عن عدد من القرى الصغيرة المجاورة لها التي ارتبطت معها ارتباطاً حياتياً في سهل وادي الشعير الشرقي المنبسط على امتداد مساحة واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، منها: سبسطية والناقورة واجنسنيا وبيت امرين ونص جبيل ودير شرف وبزاريا.
فيما أمد أمامي أوراقي الآن، وتتحرك أيامي الماضية في صور تلمع في ذهني، تطوف بي في كل مكان، أتذكر أحاديث أمي وأبي عن وقت ولادتي، كانا يتحدثان بحماس بأنني بدأت حياتي وأبصرت النور مع أحداث العام الثاني لثورة «36» التي اندلعت ضد قوات الانتداب البريطاني.
كثيراً ما كرر والدي أمامي في أحاديثه بأنني ولدت يوم انفجار عدة قنابل يدوية في إحدى أسواق حيفا المكتظة بالناس، ما أدى إلى استشهاد عشرات المواطنين من سكان المدينة، وأنّه في أيّامي الأولى زُرعت لأول مرة ألغام موقوتة كهربائياً في سوق مكتظ في حيفا.
كان يتابع أحاديثه في هذا الشأن ضمن مجراها العام، قائلاً وتعابير الحزن تطل من عينيه: «في عامك الأول ازدادت الثورة انتشاراً في كل أنحاء فلسطين، وأيامك الأولى كانت مثقلة بأحداث كثيرة مجبولة بأصوات متفجرات وأصوات زخات طلقات في أحياء البلدة التحتا من حيفا، ومع انتصاف عامك الأول تراجعت بريطانيا عن مشروع تقسيم فلسطين الذي اقترحته لجنة بيل من قبل، وقبل أن تكمل عامك الأوّل توقفت الثورة في أيلول 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية».
برغم يفاعة سني استطعت أنْ أتفهم أحاديث أبي وأتحسس ما يجري في حيفا من أحداث. ساعدت أحاديثه على تدافع أسئلة كثيرة في رأسي، كنت أطرحها عليه بين الحين والحين، وأسمع منه أجوبة رسخت في نفسي فرط اهتمام زائد بأحداث بلدي.
يجتاحني إحساس أن أكرر هنا ثانية ما ذكرته في مستهل سطوري، وهو أنني لا أكتب سيرة حياتي الذاتية.. أموري الشخصية هذه لا تعنيني من قريب أو بعيد، الذي يهمني هو الحديث عن علاقتي بالمكان.. الوطن، الذي يحيا في داخلي ويحاصرني في أعماقي، وأراه دوماً أمامي في كل لحظات حياتي بكل ما فيه من تراب وأشجار وحجارة وحتى أمواج البحر ورذاذ الندى.
تدغدغني رغبة جارفة في الكتابة عما في ذاكرتي من توهجات جذوري وماضي حياتي في حيفا وبُرقة وأجزاء أخرى من وطني، أسترجع فيها على أوراقي تفاصيل أيّام طفولتي التي عشتها في فلسطين بدون إثارة وبدون أي مؤثر خارجي.
وفي كل الأحوال، يتضح لي هنا ضرورة تعريف صلة الوصل بيني وبين حيفا.. صلتي بها توغل عميقاً في داخلي، بدأت مع الأيام الأولى من طفولتي الباكرة.. إنها مسقط رأسي ومهد صباي، فيها تفتحت عيوني وبدأت حياتي.. علاقتي بها أقوى من كل شيء يمكن للإنسان أن يحسه، فيها أشعر بالسعادة وأعرف من أنا ومن أكون.
ولدتُ في حيفا في منزل يقع تحت منحدر هضبة منخفضة في الجهة الشرقية من المدينة، تتسع أمامه ساحة كبيرة فارغة متاخمة لشارع الناصرة، يمتد على جانبها الأيمن شارع يتجه صعوداً إلى جبل الكرمل، وعلى جانبها الأيسر توجد بناية من طابقين يمتلكها الحاج محمد أبو حوا تعرف باسم عمارة أبو حوا، تقع على مقربة من عمارة الكرنك ومقهى العجمي وعدد كبير من المحلات التجارية المقامة على امتداد جانبي شارع الناصرة باتجاه مركز المدينة.
أخبرني والداي أنني ولدت في صبيحة آخر يوم من أيام عام 1938، كانت أسرتي تعيش في حيفا وقتذاك. حيث كان يعمل أبي موظفاً في القسم الفني في دائرة البريد والتلفون والتلغراف (البوسطة). لم يكن والداي من حيفا في الأصل، فقد ولدا في قرية بُرقة التي تنحدر منها عائلتاهما، ويمتلك فيها جدي الأكبر أراضيَ بمساحات شاسعة.
تقع بُرقة(**) على جزء من امتدادات جبل النار إلى جانب الطريق الواصل ما بين نابلس وجنين في الشمال الغربي من مدينة نابلس، على مسافة تقارب 18 كيلومتراً منها، وهي بلدة كبيرة كانت تعد في الفترة العثمانية من قرى الكراسي المسؤولة إدارياً عن عدد من القرى الصغيرة المجاورة لها التي ارتبطت معها ارتباطاً حياتياً في سهل وادي الشعير الشرقي المنبسط على امتداد مساحة واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، منها: سبسطية والناقورة واجنسنيا وبيت امرين ونص جبيل ودير شرف وبزاريا.
فيما أمد أمامي أوراقي الآن، وتتحرك أيامي الماضية في صور تلمع في ذهني، تطوف بي في كل مكان، أتذكر أحاديث أمي وأبي عن وقت ولادتي، كانا يتحدثان بحماس بأنني بدأت حياتي وأبصرت النور مع أحداث العام الثاني لثورة «36» التي اندلعت ضد قوات الانتداب البريطاني.
كثيراً ما كرر والدي أمامي في أحاديثه بأنني ولدت يوم انفجار عدة قنابل يدوية في إحدى أسواق حيفا المكتظة بالناس، ما أدى إلى استشهاد عشرات المواطنين من سكان المدينة، وأنّه في أيّامي الأولى زُرعت لأول مرة ألغام موقوتة كهربائياً في سوق مكتظ في حيفا.
كان يتابع أحاديثه في هذا الشأن ضمن مجراها العام، قائلاً وتعابير الحزن تطل من عينيه: «في عامك الأول ازدادت الثورة انتشاراً في كل أنحاء فلسطين، وأيامك الأولى كانت مثقلة بأحداث كثيرة مجبولة بأصوات متفجرات وأصوات زخات طلقات في أحياء البلدة التحتا من حيفا، ومع انتصاف عامك الأول تراجعت بريطانيا عن مشروع تقسيم فلسطين الذي اقترحته لجنة بيل من قبل، وقبل أن تكمل عامك الأوّل توقفت الثورة في أيلول 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية».
برغم يفاعة سني استطعت أنْ أتفهم أحاديث أبي وأتحسس ما يجري في حيفا من أحداث. ساعدت أحاديثه على تدافع أسئلة كثيرة في رأسي، كنت أطرحها عليه بين الحين والحين، وأسمع منه أجوبة رسخت في نفسي فرط اهتمام زائد بأحداث بلدي.
صفحة 8
كانت أمي منذ نعومة أظفاري تدعم أحاديث أبي بتفاصيل منها تتألف من أحداث كثيرة تكشف عنها بتعبيرات خاصة بها، وحين أعود الآن بذاكرتي إلى لقطات أحاديثها عن وقت ولادتي بالذات، تبرز أمامي فجأة صورتها وهي تختصر الأمور في أحاديثها بحكاية واحدة كانت متجذرة في داخلها، ردّدتها على مسمعي كثيراً بحزن شديد وبصوت تخنقه الغصة.. كانت تقول لي وهي رافعة ذقني براحة يدها: «في شهورك الأولى استشهد أحد أبناء عمومتي ؛ قائد الثورة العام عبد الرحيم الحاج محمد آل سيف «أبو كمال»».
كنت أنظر إليها محدّقاً في وجهها وهي تردد تلك الكلمات، وأزداد تعلقاً بها كلما رأيت الدموع تنحدر من عينيها على إيقاع حديثها عن أهوال أحداث استشهاد قريبها.
كرّرت أمي هذه الكلمات على مسمعي مئات المرات، كانت تارة تضيف إليها بعض الأوصاف لابن عمومتها الراحل، مثل: المجاهد والقائد وزينة الرجال. كانت تكسر في داخلي ظلال الحاجز القائم بين الصحو والحلم.. بين الواقع الخارجي المعيش، وداخل الطفل الصغير، وتصوير الواقع له بجوانبه المتعددة المعقدة المختلفة والمتنوعة.
بدأت بسماع هذه الأحاديث مبكراً، ومع مرور السنين، بدأت أتفهم مكنون تلك الأحاديث. كانت يقظتي مبكرة ومحتشدة على إرهاصات ما يحصل حولي من أحداث سياسية وصدامات كثيرة تقافزت مع الأيام، رسخت في نفسي فرط عشق زائد بمسقط رأسي، كما نسجت علاقات حميمية بكل ما يتصل ببلدي على إيقاع مؤثرات وانفعالات مفعمة بالأحلام والتأمل.
مع الأيام، استوعبت مكانة قريب أمي «أبو كمال» في ثورة «36»، بعد أن قرأت الكثير عن مسيرته النضالية على صفحات المجلات والجرائد، تعرفت على حقائق هامة عنه كقائد تاريخي كبير تعج بها كتب التاريخ.. أضربت القرى والمدن الفلسطينية يوم استشهاده ورفعت الأعلام السوداء.
قرأت في كتب التاريخ أنَّ أحد الخونة المنضمين إلى «فصائل السلام» ساعد القوات البريطانية على الظفر بقريب أمي، وهي الفصائل العميلة التي كان وراءَها سيئ الذكر فخري النشاشيبي الذي كان يتعاون مع البريطانيين كعميل رخيص لهم ضد الثورة، هو نفسه الذي جلس أيضاً مع عمه راغب النشاشيبي بجانب بلفور ساعة افتتاح الجامعة العبرية في القدس في عشرينيات القرن الماضي.. لاحقت الثورة فخري النشاشيبي بعد أنْ حكمت عليه بالإعدام، وتم قتله بعد عامين في بغداد وألقي كأمثاله من العملاء في مزابل التاريخ.
***
شاءت المصادفات أنْ أمر قبل أعوام في شارع يتفرع من الدوار السادس في عمان باتجاه حي الصويفية أحد أحياء عمان الحديثة، وجدت نفسي فجأة أمام شارع كبير يحمل اسم «الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد «أبو كمال»، يمتد من أعلى نقطة في حي الصويفية على مقربة من الدوار السادس إلى أدنى نقطة من هذا الحي عند شارع الوكالات.
كلما أمر من هذا الشارع أتذكر أحاديث أمي عن قريبها، التي كانت تحدثني بها في عز اليفاعة، في أيام خوال قبل سـنوات طويلة، في لحظات عشتها معها في ذاك الزمن البعيد.
كنت أنظر إليها محدّقاً في وجهها وهي تردد تلك الكلمات، وأزداد تعلقاً بها كلما رأيت الدموع تنحدر من عينيها على إيقاع حديثها عن أهوال أحداث استشهاد قريبها.
كرّرت أمي هذه الكلمات على مسمعي مئات المرات، كانت تارة تضيف إليها بعض الأوصاف لابن عمومتها الراحل، مثل: المجاهد والقائد وزينة الرجال. كانت تكسر في داخلي ظلال الحاجز القائم بين الصحو والحلم.. بين الواقع الخارجي المعيش، وداخل الطفل الصغير، وتصوير الواقع له بجوانبه المتعددة المعقدة المختلفة والمتنوعة.
بدأت بسماع هذه الأحاديث مبكراً، ومع مرور السنين، بدأت أتفهم مكنون تلك الأحاديث. كانت يقظتي مبكرة ومحتشدة على إرهاصات ما يحصل حولي من أحداث سياسية وصدامات كثيرة تقافزت مع الأيام، رسخت في نفسي فرط عشق زائد بمسقط رأسي، كما نسجت علاقات حميمية بكل ما يتصل ببلدي على إيقاع مؤثرات وانفعالات مفعمة بالأحلام والتأمل.
مع الأيام، استوعبت مكانة قريب أمي «أبو كمال» في ثورة «36»، بعد أن قرأت الكثير عن مسيرته النضالية على صفحات المجلات والجرائد، تعرفت على حقائق هامة عنه كقائد تاريخي كبير تعج بها كتب التاريخ.. أضربت القرى والمدن الفلسطينية يوم استشهاده ورفعت الأعلام السوداء.
قرأت في كتب التاريخ أنَّ أحد الخونة المنضمين إلى «فصائل السلام» ساعد القوات البريطانية على الظفر بقريب أمي، وهي الفصائل العميلة التي كان وراءَها سيئ الذكر فخري النشاشيبي الذي كان يتعاون مع البريطانيين كعميل رخيص لهم ضد الثورة، هو نفسه الذي جلس أيضاً مع عمه راغب النشاشيبي بجانب بلفور ساعة افتتاح الجامعة العبرية في القدس في عشرينيات القرن الماضي.. لاحقت الثورة فخري النشاشيبي بعد أنْ حكمت عليه بالإعدام، وتم قتله بعد عامين في بغداد وألقي كأمثاله من العملاء في مزابل التاريخ.
***
شاءت المصادفات أنْ أمر قبل أعوام في شارع يتفرع من الدوار السادس في عمان باتجاه حي الصويفية أحد أحياء عمان الحديثة، وجدت نفسي فجأة أمام شارع كبير يحمل اسم «الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد «أبو كمال»، يمتد من أعلى نقطة في حي الصويفية على مقربة من الدوار السادس إلى أدنى نقطة من هذا الحي عند شارع الوكالات.
كلما أمر من هذا الشارع أتذكر أحاديث أمي عن قريبها، التي كانت تحدثني بها في عز اليفاعة، في أيام خوال قبل سـنوات طويلة، في لحظات عشتها معها في ذاك الزمن البعيد.
صفحة 9
(3)
تُضيء ذاكرتي بصور كثيرة من أيام الطفولة الباكرة، أجد واحدة منها بؤرة لاقطة لا تختفي أبداً، تتسرب في أعماقي وتستوطن ثنايا الذاكرة موشومة بكثير من الأحزان، تتصل بمرض شلل مفزع أصابني منذ ولادتي، أقعدني طوال سنواتي الخمس الأولى، وبذل والداي تضحيات جسيمة طوال تلك السنوات، بمنحي الوقت الكافي عند الأطباء، بالتنقل معي من طبيب إلى طبيب في حيفا وغيرها من المدن الأخرى.
عشت في ثنائية وجدانية في سنوات يقظتي المبكرة، محاطاً بصعوبات مرضية عميقة الوقع من ناحية، وحياة حلوة هنيئة مليئة بالحب والعطف في حمى أب رؤوف وأم رؤوم من ناحية أخرى.
ونظراً لأن والدي كان يمارس عمله بدوام منتظم على مدار الأيام الجارية، فقد كانت أمي تتحمل العبء الأكبر في أمور علاجي وأخذي إلى الأطباء، والتنقل بين العيادات الطبية والمستشفيات، وبخاصة مستشفى حمزة والمستشفى الإنجليزي والمستشفى الإيطالي.. كنت أرى الحزن في عينيها وهي تحملني، وتبكي بكاء مضاعفاً عندما ترى الأولاد من أبناء جيلي يلعبون في الساحة الواسعة المتاخمة لمنزلنا، كنت أسمعها وهي تبتهل إلى الله بكل ما في الابتهال من ضراعة، كانت تنذر النذور طوال الوقت وتقدم المساعدات للمحتاجين من أجل شفائي.
مضت أيام طفولتي الباكرة في حيفا بطيئة. التفكير بها الآن يرفع من آماد خيالي، أحلق فيها أبعد وأبعد، وأفتح آفاقاً واسعة للعلاج وللأطباء والمستشفيات.
كنت طوال سنواتي الخمس الأولى مقعداً أجر ساقيّ جراً، لا أستطيع المشي واللعب مع الأطفال.
وذات يوم عند عودة والدي من عمله، كانت أمي بانتظاره عند الباب الخارجي، وفيما اجتازا ممشى ساحة البيت، أخذ يحدثها بنبرة حالمة عن طبيب ألماني جديد انضم إلى مستشفى «حمزة». كنت أجلس على كرسيي المتحرك. اتجهت نحوهما وتجلى لي أكثر وأكثر اهتمام والدي بالطبيب الأجنبي الجديد.
في وقت لاحق بعد ظهيرة ذلك اليوم الدافئ، اصطحبني والداي إلى مستشفي حمزة لمقابلة الطبيب الجديد.. كان هذا المستشفى أهم مستشفيات حيفا في ذلك الوقت، تم تأسيسه في عام 1938، واعتبر كمستشفى حكومي للانتداب، كان يديره الدكتور نايف حمزة، ويعمل فيه أطباء بتخصصات مختلفة عرب وأجانب، منهم الدكتور شفيق حداد والدكتور سيمون بطيش والدكتور عبد اللطيف اليشرطي(***) من حي المجادلة في عكا، وهو لايزال حياً حتى الآن جاوز التسعين من عمره يقيم في سكوتلندا.
بعد برهة وجيزة من وصولنا المستشفى دخلنا عيادة الدكتور هانس، وسرعان ما أخذ يتجاذب أطراف أحاديث روتينية مع والديّ من خلال مترجم عربي يتقن اللغة الألمانية.. بعد كل هذا العمر لاأزال أتذكره بصلعته الواسعة ونظارته الطبية الصغيرة المستديرة، شخص محبب في أواخر الأربعينيات من العمر عريض المنكبين، ترتسم دوماً على وجهه ابتسامة هادئة، ويفيض حيوية ونشاطاً وصحة.
حملني والدي إلى غرفة معاينة صغيرة في العيادة مضاءة بأنوار ساطعة.. تمرُّ الدقائق مثل ساعات فيما أراقب الدكتور هانس وهو يعاينني بعناية بطريقة مختلفة لم أتعود عليها من قبل مع غيره من الأطباء؛ ركز على معاينة الأعصاب بتحريك ساقيّ نحو اليمين واليسار، ومن ثم رفعهما إلى أعلى وأنزلهما إلى أسفل، وضرب الركبتين بأداة صلبة أشبه ما تكون بالمطرقة، كما وكرر غرس إبرة في أماكن مختلفة من الجزء السفلي من جسدي.
بعد معاينتي، قال لوالديّ عبر مترجمه: «ابنكم أعصابه سليمة ومرضه قابل للشفاء.. كل ما يحتاجه تقوية عضلات رجليه، بتناول الأدوية بانتظام، والدوام على جلسات للعلاج الطبيعي لمدة عام كامل لتقوية عضلات رجليه، ولا بد أنْ أراه كل أسبوع مرة للتأكد من تحسن أحواله».
تُضيء ذاكرتي بصور كثيرة من أيام الطفولة الباكرة، أجد واحدة منها بؤرة لاقطة لا تختفي أبداً، تتسرب في أعماقي وتستوطن ثنايا الذاكرة موشومة بكثير من الأحزان، تتصل بمرض شلل مفزع أصابني منذ ولادتي، أقعدني طوال سنواتي الخمس الأولى، وبذل والداي تضحيات جسيمة طوال تلك السنوات، بمنحي الوقت الكافي عند الأطباء، بالتنقل معي من طبيب إلى طبيب في حيفا وغيرها من المدن الأخرى.
عشت في ثنائية وجدانية في سنوات يقظتي المبكرة، محاطاً بصعوبات مرضية عميقة الوقع من ناحية، وحياة حلوة هنيئة مليئة بالحب والعطف في حمى أب رؤوف وأم رؤوم من ناحية أخرى.
ونظراً لأن والدي كان يمارس عمله بدوام منتظم على مدار الأيام الجارية، فقد كانت أمي تتحمل العبء الأكبر في أمور علاجي وأخذي إلى الأطباء، والتنقل بين العيادات الطبية والمستشفيات، وبخاصة مستشفى حمزة والمستشفى الإنجليزي والمستشفى الإيطالي.. كنت أرى الحزن في عينيها وهي تحملني، وتبكي بكاء مضاعفاً عندما ترى الأولاد من أبناء جيلي يلعبون في الساحة الواسعة المتاخمة لمنزلنا، كنت أسمعها وهي تبتهل إلى الله بكل ما في الابتهال من ضراعة، كانت تنذر النذور طوال الوقت وتقدم المساعدات للمحتاجين من أجل شفائي.
مضت أيام طفولتي الباكرة في حيفا بطيئة. التفكير بها الآن يرفع من آماد خيالي، أحلق فيها أبعد وأبعد، وأفتح آفاقاً واسعة للعلاج وللأطباء والمستشفيات.
كنت طوال سنواتي الخمس الأولى مقعداً أجر ساقيّ جراً، لا أستطيع المشي واللعب مع الأطفال.
وذات يوم عند عودة والدي من عمله، كانت أمي بانتظاره عند الباب الخارجي، وفيما اجتازا ممشى ساحة البيت، أخذ يحدثها بنبرة حالمة عن طبيب ألماني جديد انضم إلى مستشفى «حمزة». كنت أجلس على كرسيي المتحرك. اتجهت نحوهما وتجلى لي أكثر وأكثر اهتمام والدي بالطبيب الأجنبي الجديد.
في وقت لاحق بعد ظهيرة ذلك اليوم الدافئ، اصطحبني والداي إلى مستشفي حمزة لمقابلة الطبيب الجديد.. كان هذا المستشفى أهم مستشفيات حيفا في ذلك الوقت، تم تأسيسه في عام 1938، واعتبر كمستشفى حكومي للانتداب، كان يديره الدكتور نايف حمزة، ويعمل فيه أطباء بتخصصات مختلفة عرب وأجانب، منهم الدكتور شفيق حداد والدكتور سيمون بطيش والدكتور عبد اللطيف اليشرطي(***) من حي المجادلة في عكا، وهو لايزال حياً حتى الآن جاوز التسعين من عمره يقيم في سكوتلندا.
بعد برهة وجيزة من وصولنا المستشفى دخلنا عيادة الدكتور هانس، وسرعان ما أخذ يتجاذب أطراف أحاديث روتينية مع والديّ من خلال مترجم عربي يتقن اللغة الألمانية.. بعد كل هذا العمر لاأزال أتذكره بصلعته الواسعة ونظارته الطبية الصغيرة المستديرة، شخص محبب في أواخر الأربعينيات من العمر عريض المنكبين، ترتسم دوماً على وجهه ابتسامة هادئة، ويفيض حيوية ونشاطاً وصحة.
حملني والدي إلى غرفة معاينة صغيرة في العيادة مضاءة بأنوار ساطعة.. تمرُّ الدقائق مثل ساعات فيما أراقب الدكتور هانس وهو يعاينني بعناية بطريقة مختلفة لم أتعود عليها من قبل مع غيره من الأطباء؛ ركز على معاينة الأعصاب بتحريك ساقيّ نحو اليمين واليسار، ومن ثم رفعهما إلى أعلى وأنزلهما إلى أسفل، وضرب الركبتين بأداة صلبة أشبه ما تكون بالمطرقة، كما وكرر غرس إبرة في أماكن مختلفة من الجزء السفلي من جسدي.
بعد معاينتي، قال لوالديّ عبر مترجمه: «ابنكم أعصابه سليمة ومرضه قابل للشفاء.. كل ما يحتاجه تقوية عضلات رجليه، بتناول الأدوية بانتظام، والدوام على جلسات للعلاج الطبيعي لمدة عام كامل لتقوية عضلات رجليه، ولا بد أنْ أراه كل أسبوع مرة للتأكد من تحسن أحواله».
صفحة 10
كانت أمّي على وشك الإغماء من شدة السعادة، فركت يديها بحسرة ومرارة وقالت: «إنه الآن في الرابعة من عمره، هل حقاً سيسير على قدميه بعد عام من العلاج؟»
أكد لها الدكتور هانس أنني بعد انتهاء فترة العلاج سأسير على قدمي وألعب كبقية الأولاد! وهذا ما تمَّ فعلاً، فقد بدأت صحتي بالتحسن رويداً رويداً، وما من كلمات تصف شعوري عندما بدأت المشي بشكل طبيعي في نهاية العلاج، أخذت أخطو خطوات الأصحاء خطوة تلو أخرى، اتسعت خطواتي إلى دائرة أوسع من الخطوات كشفت لي عن حقيقة كثير من المعاني الطبيعية الرحبة في حياة الأصحاء كنت أجهلها.
(4)
في ليلة صيفية كانت السماء فيها صافيةً والقمر يرسل ضوءه الحريري في كل اتجاه، أقام والدي حفلة ساهرة بمناسبة شفائي، دعا لها الدكتور هانس ومترجمه وممرضة من قرية جبع اسمها عائشة، امرأة في منتصف العمر نحيفة الجسم ذات عينين تتسمان باللطف، كانت تهتم بي اهتماماً خاصاً أثناء علاجي وعلى مدى أيام زيارتي للمستشفى توثقت علاقتها بأمّي فتوطدت صداقة متينة استمرت طوال حياتهما. ودعا أيضاً جميع جيراننا وعدداً من أصدقائه المقربين.
أقيمت الحفلة في ساحة قريبة من منزلنا مليئة بالورود والياسمين والفل، ونباتات نجيلية خرجت من باطن الأرض بخضرتها الزاهية. جلس الضيوف مشكلين دائرة غير منتظمة يقف في وسطها حدّاء طويل القامة بعينين ثاقبتين، يرتدي قمبازاً مخططاً وبيده عصا يلوح بها تتسق حركاتها مع إيقاع أغانيه بكل ما فيها من انفعالات وعواطف جياشة. خيمت على الحفلة أجواء مشحونة بالإثارة.. دبكة وأغانٍ شعبية على أنغام شبابة، أوف وميجنا ودلعونا وجفرة وزريف الطول، إضافة إلى الزجل وأغانٍ وطنية وحماسية للشاعر الشعبي نوح إبراهيم، غناها الحدّاء من الأعماق تفيض بالبطولات وتحرك الأمل في النفوس.
من الأغاني التي سمعتها في تلك الليلة:
يا ميجنا، يا ميجنا، وياميجنا
يا حسرتي تاه الدلول وتهت أنا
كان لويح الدبكة متميزاً، وقد ردّد له الكلّ بأعلى صوتهم:
نزل ع الدبكة اللويح الشاطر
لوحة يمينه بتُجبر الخاطر
كان حوله أصدقاء والدي يدبكون في دائرة واسعة بأذرعهم المتشابكة.
ومن الأغاني الأخرى التي أذكرها من تلك الليلة:
جفرا ويا ها الربع ابتخبز ع الصاجة
مدقوق ع صدرها خرفان ونعاجي
وأذكر أغنية أخرى وطنية:
وَعد بلفور هالمشؤوم جائر
على الإسلام والنصارى جائر
تناسى العدل وأضحى الظلم جائر
ملوك العرب ما فيها رجا
أكد لها الدكتور هانس أنني بعد انتهاء فترة العلاج سأسير على قدمي وألعب كبقية الأولاد! وهذا ما تمَّ فعلاً، فقد بدأت صحتي بالتحسن رويداً رويداً، وما من كلمات تصف شعوري عندما بدأت المشي بشكل طبيعي في نهاية العلاج، أخذت أخطو خطوات الأصحاء خطوة تلو أخرى، اتسعت خطواتي إلى دائرة أوسع من الخطوات كشفت لي عن حقيقة كثير من المعاني الطبيعية الرحبة في حياة الأصحاء كنت أجهلها.
(4)
في ليلة صيفية كانت السماء فيها صافيةً والقمر يرسل ضوءه الحريري في كل اتجاه، أقام والدي حفلة ساهرة بمناسبة شفائي، دعا لها الدكتور هانس ومترجمه وممرضة من قرية جبع اسمها عائشة، امرأة في منتصف العمر نحيفة الجسم ذات عينين تتسمان باللطف، كانت تهتم بي اهتماماً خاصاً أثناء علاجي وعلى مدى أيام زيارتي للمستشفى توثقت علاقتها بأمّي فتوطدت صداقة متينة استمرت طوال حياتهما. ودعا أيضاً جميع جيراننا وعدداً من أصدقائه المقربين.
أقيمت الحفلة في ساحة قريبة من منزلنا مليئة بالورود والياسمين والفل، ونباتات نجيلية خرجت من باطن الأرض بخضرتها الزاهية. جلس الضيوف مشكلين دائرة غير منتظمة يقف في وسطها حدّاء طويل القامة بعينين ثاقبتين، يرتدي قمبازاً مخططاً وبيده عصا يلوح بها تتسق حركاتها مع إيقاع أغانيه بكل ما فيها من انفعالات وعواطف جياشة. خيمت على الحفلة أجواء مشحونة بالإثارة.. دبكة وأغانٍ شعبية على أنغام شبابة، أوف وميجنا ودلعونا وجفرة وزريف الطول، إضافة إلى الزجل وأغانٍ وطنية وحماسية للشاعر الشعبي نوح إبراهيم، غناها الحدّاء من الأعماق تفيض بالبطولات وتحرك الأمل في النفوس.
من الأغاني التي سمعتها في تلك الليلة:
يا ميجنا، يا ميجنا، وياميجنا
يا حسرتي تاه الدلول وتهت أنا
كان لويح الدبكة متميزاً، وقد ردّد له الكلّ بأعلى صوتهم:
نزل ع الدبكة اللويح الشاطر
لوحة يمينه بتُجبر الخاطر
كان حوله أصدقاء والدي يدبكون في دائرة واسعة بأذرعهم المتشابكة.
ومن الأغاني الأخرى التي أذكرها من تلك الليلة:
جفرا ويا ها الربع ابتخبز ع الصاجة
مدقوق ع صدرها خرفان ونعاجي
وأذكر أغنية أخرى وطنية:
وَعد بلفور هالمشؤوم جائر
على الإسلام والنصارى جائر
تناسى العدل وأضحى الظلم جائر
ملوك العرب ما فيها رجا