eKtab
EN ع
حزب الله والدولة في لبنان
اقرأ عينة مجانية

حزب الله والدولة في لبنان

بقلم د. حسن فضل الله

صفحة 1

المقدّمة

تستمدُّ أيُّ جماعة بشريَّة فهمها للوطن والدَّولة من منابع ثقافتها وتراثها وحضارتها، ومن أصول فكرها وعقيدتها، وهما (الوطن والدَّولة) كانا ولا يزالان مقوِّمًا أساسيًّا لحياة الأفراد والجماعات، لارتباطهما المباشر بانتظام مسار هذه الحياة، وبتنميتها وتطوُّرها ورقيِّها. وهذا ما جعلهما محلَّ اهتمام دائم عند الشعوب والجماعات، ولدى المفكرين على مرِّ العصور.

يسري هذا الاهتمام بالوطن والدَّولة على البحث الفكري الإسلامي، فقد أولاهما عناية خاصَّة، وصارا موضع مواكبة فكريَّة وسياسيَّة مستمرَّة في أعقاب سقوط الدَّولة المركزيَّة، وتوزُّعها على أوطان ودول، وظهور أنماط متنوِّعة من الدُّول والنظم السياسيَّة. وتستند كلُّها إلى رؤى فكريَّة، وتعتمد مناهج متباينة في السياسة والاقتصاد والثقافة، ومنظومة القيم الخاصَّة بكلِّ مجتمع.

لقد أدَّت هذه التباينات في المناهج إلى بروز إشكاليَّات شائكة حول العلاقة بهذه الأنماط من زوايا وطنيَّة، وقوميَّة، ودينيَّة.

واجهت الحركات الإسلاميَّة السياسيَّة هذه الإشكاليَّات، وشغلت معالجتها وتفكيك تعقيداتها مفكريها ودراساتهم؛ لأنَّ كثيرًا منها ينتمي إلى منهج فكري مبناه المحوري إنشاء دولة تبسط سلطة الشريعة الإسلاميَّة على أرض المسلمين الواحدة، وهو المنهج الَّذي لا يقرُّ بالحدود الجغرافيَّة الَّتي قسَّمت هذه الأرض. فالوطن في فهم هذه الحركات هو مساحة الأرض الإسلاميَّة، والدَّولة هي الَّتي تُحَكِّم الإسلام في المجتمع. لكنَّ هذا المنهج، لم يستطع إيصال تلك الحركات إلى هدفها المنشود، فاصطدمت بموانع كثيرة، حالت بينها وبين تطبيق أفكارها في السُّلطة والمجتمع.

سلكت هذه الحركات سبلًا كثيرة بهدف تسييد فكرها، والوصول إلى السُّلطة، فمنها من لجأ إلى القوَّة العسكريَّة، واعتمد خيار العنف بأشكاله المتنوِّعة، ومنها من لجأ إلى الثورات الشعبيَّة، ومنها من عمل من داخل آليَّات الأنظمة نفسها. ولا تزال هذه الحركات تواجه أسئلة صعبة حول حدود العلاقة بالوطن، وفهمها للدَّولة في المجتمعات الَّتي لا تُطبَّق فيها الشريعة الإسلاميَّة، أو في المجتمعات المتنوِّعة دينيًّا وثقافيًّا، وقد ازدادت صعوبة هذه الأسئلة مع تفشِّي دور التيارات التكفيريَّة وتقديمها لنموذجها في السُّلطة، أو في محاولة فرض دولتها وأحكامها باسم الإسلام على من لا يؤمن بمنهجها سواءٌ كان من المسلمين، أم كان من غيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، وما جرَّه هذا النموذج من سلبيَّات كثيرة على صورة الإسلام وشريعته في الحياة.

تتنوَّع الرؤى الفكريَّة والسياسيَّة لهذه الحركات، فهي ليست على مسار واحد، ولا تنتمي إلى مدرسة فكريَّة واحدة، وإن جمعتها التَّسمية، أو جمعها العنوان المشترك وهو الإسلام، ومع ذلك فإنَّنا نجد أنَّ لكلٍّ منها تفسيره وفهمه لهذا العنوان، وقد تلتقي هذه الحركات تبعًا لمنابعها الفكريَّة، وأصولها العقائديَّة مع هذا العنوان، أو قد تتعارض معه إلى حدِّ التناقض، أو حتَّى حدِّ التصادم.

يبرز من بين هذه الحركات حزب الله، كحركة إيمانيَّة إسلاميَّة مقاومة، لها فكرها، وثقافتها، وتطلُّعاتها. وتعيش داخل وطن متنوِّع الطوائف، وفي ظلِّ دولة يحكمها نظام طائفي، ولا تُطبَّق فيها الشريعة الإسلاميَّة، وتتفاعل داخلها الصراعات والتناقضات.

سلك حزب الله سبلًا متنوِّعة لإيصال فكره، وتعميم نموذجه، سواءٌ من خلال ميدان المقاومة، أم من خلال أطروحته الفكريَّة/ السياسيَّة. ولم تنفصل هذه السبل بعضها عن بعض، بل يُكمل أحدها الآخر، وتهدف كلُّها وفق ما يَطرح في هذا الفكر إلى حماية حريَّة مجتمعه ورفعته، وعزَّته، وازدهاره، ورقيِّه، ليكون قادرًا على تحقيق ذاته، واختيار نظام حياته الأمثل.

يمتلك حزب الله رؤية فكريَّة/سياسيَّة لقضايا المجتمع والدَّولة، ويقدّم هذه الرؤية تارةً في قالب فكري نظري من خلال دراسات ووثائق سياسيَّة، وطورًا من خلال برامج عمل وأداءٍ ميداني. وهذا ما سنعمل على معالجته في هذا الكتاب، فما نحن بصدده هو هذه الرؤية للبنان الوطن والدَّولة، وحدود علاقته بهما، وتطوُّر خطابه اتّجاههما، وما استتبعه ذلك من شراكته في منظوماتهما السياسيَّة والإداريَّة.

صفحة 2

نحاول سبر أغوار علاقة حزب الله بالوطن والدَّولة، وذلك من خلال تحديد الأصول الَّتي يستقي منها رؤيته لهما. وتبيان المسار التاريخي للعلاقة بهما منذ نشأته إلى تاريخ وضع هذا الكتاب.

ما هي هذه الأصول؟ وهل تتيح له التعايش مع دولة لا تطبّق فكره الدّيني والسياسي؟ وكيف يمكن المزاوجة بين الإيمان بفكرة قيام دولة تحكم بالشريعة الإسلاميَّة، والانتظام داخل مجتمع متنوّع؟

إذا كانت هذه الإشكاليَّة تطال البعد الفكري، فإنَّها من جانب آخر تُطل على السلوك التاريخي للجماعة الَّتي ينتمي إليها حزب الله. فما هي العوامل الَّتي أسهمت في تشكُّل الوعي السياسي والثقافي لهذه الجماعة حيال البقعة الجغرافيَّة الَّتي تقيم عليها، والدَّولة الَّتي تعيش في ظلّها؟ وكيف يمكن التوفيق بين الهويَّتين الدّينيَّة والوطنيَّة في بلد مثل لبنان، يمتاز بتنوُّعه الدّيني، وعماد نظامه السياسي هو الحفاظ على هذا التنوُّع؟

إنَّ معالجة مثل هذه الإشكاليَّة، تُشرّع أبواب البحث عن نشأة الوطن والدَّولة في لبنان، فهل كانت هذه النشأة سويَّة؟ وكيف كانت الولادة الأولى؟ وماهي العوامل الَّتي أسهمت فيها؟

لقد تصدَّر مصطلح بناء الدَّولة الأدبيَّات السياسيَّة اللبنانيَّة منذ ولادة فكرتها على مساحة الوطن الواحد، واحتلَّ موقعًا مرموقًا في خطاب القوى المشكّلة للمجتمع السياسي اللبناني، كتعبير عن موقفها الإيجابي من هذا البناء، وهو المصطلح الثابت الَّذي رافق مسار الأزمات اللبنانيَّة المتتالية، ولكنَّ دلالته الأساسيَّة، هي أنَّ هذه الدَّولة لم يتم بناؤها بعد، ولم تنضج إلى الحدّ المطلوب، رغم مرور كلّ هذا الزمن الطويل على ولادتها، وإلَّا لما احتاج اللبنانيون إلى الاستمرار وبعد عقود على نشأة الدَّولة في البحث عن أسُس هذا البناء.

لماذا لم يتم هذا البناء وما هي العوامل المعرقلة؟ وأين هو موقع حزب الله منها؟ وكيف تعامل مع هذه العوامل؟

تقودنا مثل هذه المقاربة إلى تعميق الإشكاليَّة الَّتي تواجه حزبًا مقاومًا مثل حزب الله. إذ كيف يمكن له الجمع بين توليه بنفسه مسؤوليَّات من اختصاص الدَّولة (الدفاع عن الوطن وحمايته) من خلال ما يمتلكه من سلاح، وإيمانه بمفهوم الدَّولة؛ بما هي الكيان المسؤول حصريًّا عن الدفاع عن سيادة الوطن وحماية استقلاله؟

ألا يُعدُّ هذا انتقاصًا من دور الدَّولة؟ بل كيف يمكن لمقاومة أن تُحدّد المدى الحيوي للأمن القومي للدَّولة، وتقوم بنفسها بالدفاع عنه خارج حدودها؟

إنَّ هذه التساؤلات وغيرها، ستقودنا إلى تحديد المرتكزات الَّتي يبني عليها حزب الله رؤيته لهذه الدَّولة، وإلى عرض الوقائع التاريخيَّة للاستدلال بها على الرؤية السياسيَّة وعلى الأطروحة الفكريَّة. لكن هذا العرض ليس من زاوية التوثيق للأحداث، أو البحث عن المستور منها لإماطة اللّثام عنه، بل يأتي في سياق تبيان مسار الدَّولة خلال عقود من الزمن ومسار علاقة حزب الله بها. فالهدف من سرد بعض المعطيات هو توضيح الفكرة، وتقديم الأدلَّة والشواهد عليها، وقد يكون كثير منها وَرَدَ في سياقات متنوّعة، أو يُكشف عنه لأوَّل مرَّة. لكنَّها توضع في المتن، أو في الهوامش في سياق متسلسل مرتبط بالفكرة الجوهريَّة، ألا وهي قصَّة حزب الله مع الدَّولة في لبنان، وقصَّة الدَّولة بسلطاتها المتعاقبة معه كمقاومة ضدَّ الاحتلال، أو كحزب سياسي له دوره في الشأن العام.

المنهج العلمي المُعتَمد هو تقديم الطرح الفكري، وتحليل عناصره، وصياغة المقاربات التاريخيَّة في قالب تحليلي؛ لاستكشاف عناصر تلك العلاقة الَّتي ربطت تيارًا شعبيًّا مقاومًا بسلطات الدَّولة الَّتي يعيش فيها، وقد صادمته أحيانًا، وصادقته في أحيان أخرى، وصولًا إلى مرحلة مشاركته في مؤسَّساتها.

صفحة 3

احتاجت تلك المقاربات إلى مجموعة من المصادر والمراجع، وقد حاولتُ قدر الإمكان أن أعود إلى المصادر الأساسيَّة حسب المراحل الَّتي أعالجها، ولئن كان بعض هذه المصادر مدوَّنًا، كتلك الَّتي تتناول نشأة الكيان والدَّولة في لبنان، أو كتلك الَّتي سبق وكتبتها عن تاريخ حزب الله وأدواره في ميداني المقاومة والسياسة، فإنَّ بعضها الآخر لا يزال غير متداول، وليس في متناول الجميع، ومنها محاضر الجلسات التأسيسيَّة لحزب الله، ومداولات اللّقاءات والاجتماعات خلال حقبات زمنيَّة متنوّعة، ومنها ما اطَّلعت عليه بحكم طبيعة عملي في الميدانين الإعلامي والسياسي، وكنائب في مجلس النواب اللبناني، ومنها ما عُدتُ فيه إلى المستندات والوثائق والرسائل واللّقاءات كما هي الحال في الفصل الَّذي يتناول حرب تموز 2006 ومن بينها محاضر جلسات مجلس الوزراء فضلًا عن المعايشة المباشرةَ لأيَّام الحرب ولياليها.

انطلاقًا مما طرحناه من تساؤلات، وبناءً على المنهج المعتمد جاء تقسيم فصول الكتاب، بالانتقال من العام إلى الخاص، أي من الأصول الكليَّة إلى التطبيقات العمليَّة في ميداني المقاومة والسياسة.

الفصل الأوَّل حدَّد معاني الوطن والدَّولة في الفهم الإسلامي الَّذي يستقي منه حزب الله ثقافته، وعالج موضوع العلاقة البينيَّة في مجتمع متنوّع انطلاقًا من إيمان حزب الله بمبدأ ولاية الفقيه. واستقرأ الفصل الثَّاني التاريخ الحديث للدَّولة في لبنان، ومدى انتظام نشأتها وعلاقتها بالجماعات التاريخيَّة المشكّلة للشعب اللبناني. وعالج الفصل الثَّالث إشكاليَّة تلك العلاقة وصولًا إلى نشأة حزب الله ورؤيتة لدولة ما قبل »الطائف« وما بعده. وعالج الفصلان الرَّابع والخامس أداء الدَّولة نفسها في محطَّات تاريخيَّة كثيرة، وعلاقة حزب الله بسلطاتها المتعاقبة. وتناول الفصل السَّادس حرب تموز العام 2006، وقد وجدت من الضروري إفراد فصل خاص لمعاركها السياسيَّة. ومن ثمَّ جاء الفصل الأخير لمعالجة المرحلة الَّتي تلت الحرب، وبخاصَّة بعد اندلاع الأزمة في سورية ودور حزب الله فيها. وجاءت الخاتمة النهائيَّة لتقدّم ما توصَّل إليه هذا الكتاب من نتائج.

إنَّ هذا التقسيم يراعي التسلسل الزمني لتطوُّر عمل حزب الله وخطابه، وعلاقته بمنظومة الدَّولة. ولذلك سيجد القارئ أنَّه تسلسل موازٍ للوقائع التاريخيَّة، وهذا أمر طبيعي في سياق عرض ما اصطلحنا عليه قصَّة حزب الله مع الدَّولة. ولأنَّه يعتمد على هذه المنهجيَّة، جاءت الصياغات متناسبة مع السياق العام للكتاب، فلم أتَّبع أُسلوبًا معقدًا في عباراته، ولا عرضًا مستعصيًا للمصطلحات، لأنَّه كتاب وُضِع ليكون في متناول الجميع.

لا تدَّعي فصول هذا الكتاب أنَّها أحاطت بالموضوع من جوانبه كلّها، ولا أوفته حقَّه الكامل، فالكمال لله وحده عزَّ وجل، إنَّما حاولت المساهمة في موضوع حيوي، لفتح الباب أمام مزيدٍ من الدراسات والأبحاث في هذا الميدان.

آمل أن تكون هذه المساهمة مفيدة لتبيان بعض الحقائق والإجابة عن إشكاليَّات تُطرح في وجه المقاومة، ولقد حاولتُ قدر المستطاع أن أعالج هذه الإشكاليَّات بموضوعيَّة وعدم تحيُّز، وفي الوقت ذاته عرض الوقائع كما هي ثابتة لديَّ، ومن موقع المطَّلع على تفاصيل الموضوعات المرتبطة بمادَّة هذا الكتاب.

أرجو من الله التوفيق في الوصول إلى ما أبتغيه، ليكون ما أقدّمه معينًا لي حيث لا معين إلَّا الله عزَّ وجل.

حسن فضل الله

محرَّم 1436 هـ.

تشرين الثاني/نوفمبر 2014م.

صفحة 4

الفصل الأول : الوطن والدَّولة

تحتاج مقاربة فهم حزب الله للوطن والدَّولة إلى البحث في الجذور الفكريَّة المؤسّسة لهذا الحزب، المستندة إلى مدرسة اعتقاديَّة لها قواعدها ومبانيها وأصولها. فهذه المدرسة ليست نتاج مرحلة زمنيَّة، أو رؤية سياسيَّة مفصولة عن سياقها التاريخي المرتبط بهذه القواعد والأصول، وهي أيضًا مدرسة، لها ولادتها الطبيعيَّة من رحم جماعتها التاريخيَّة.

نستكشف في هذا الفصل، الأصول والقيم الَّتي يستقي منها حزب الله ثقافته حيال الوطن والدَّولة. ونؤسّس لذلك بتحديد معانيهما، ونُطِل على العلاقة الدّينيَّة بهما من خلال المفهوم الإسلامي العام، وما يقرّه الفقه الإسلامي وبالخصوص الشيعي منه، ومن ثمَّ التزام حزب الله بهذا الفقه، انطلاقًا من إيمانه بمبدأ ولاية الفقيه.

صفحة 5

معنى الوطن

الوطن في اللُّغة هو دار الإقامة، ويرتبط بعنصرين متلازمين هما:

- المُقيم: أي الإنسان.

- المقام: أي المكان.

يرتكز معنى الوطن على مجموعة من المحدّدات من بينها:

- المجموعة السكانيَّة؛ بما هي الشعب الواحد.

- البقعة الجغرافيَّة؛ بما هي الأرض الواحدة.

- العلاقات الإنسانيَّة بين أفراد المجموعة السكانيَّة المقيمين على البقعة الجغرافيَّة الواحدة، (سواءٌ كانت علاقات عائليَّة، أم ثقافيَّة، أم دينيَّة... إلخ)، ويؤدّي ترابط هذه العلاقات إلى تماسك هؤلاء الأفراد داخل الحيّز الجغرافي نفسه.

- اللُّغة الواحدة.

- التاريخ والتراث المشترك.

- القيم والعادات والتقاليد المتقاربة.

- المصالح المشتركة.

يتلازم العنصران الأساسيَّان المشكّلان للوطن أي الإنسان والمكان، وتقوم بينهما علاقة وطيدة، فينجذب الفرد بطبيعته إلى التعلُّق بالمكان؛ ليس كمساحة جغرافيَّة فحسب، بل كمساحة تختزن المعاني الإنسانيَّة، ويصبح هذا الفرد منتميًا إليها، ومواليًا لها. فتنشأ نتيجة هذا التلازم مجموعة ولاءات للجغرافية؛ بما هي مكان الولادة، وموطن الآباء والأجداد، وللنَّاس من حوله؛ بما هم أفراد تربطه بهم صلات متنوّعة، وللتراث الَّذي تختزنه هذه الجغرافية، وللمصالح الَّتي تراكمت مع مرور الزمن.

صفحة 6

تُعتبر العاطفة المحرّك الأساسي لهذا الولاء، لكنَّه يُنمَّى أيضًا من خلال التربية داخل الأسرة، وفي المجتمع الأوسع الَّذي يعيش فيه الفرد.

تستند هذه الولاءات إلى مجموعة قواعد ثابتة، تُعطي للوطن معنى وجوده، ومنها:

- السيادة على المكان وعلى النَّاس الَّذين يعيشون فيه.

- الاستقلال الكامل.

- القدرة على حماية السيادة والاستقلال؛ بما فيها القدرة على حماية المكان، والدفاع عن مصالح الشعب وحقوقه.

- وجود الناظم للعلاقة الداخليَّة بين أفراد الشعب.

- العدالة الاجتماعيَّة، والَّتي تتطلَّب وجود القوانين العادلة، والمُنظّمة للعلاقة بين أفراد الشعب، وبينهم وبين من يوكل إليه إدارة شؤونه.

لم يعد مفهوم الوطن يرتكز على القواعد التقليديَّة، أي المكان والأفراد، ووجود الناظم الاجتماعي فحسب، بل على قواعد أساسيَّة أخرى لا يعيش وطن من دونها، ومن بينها القدرة على الدفاع عن المكان والأفراد، وحماية مصالح الشعب. وكلاهما (الدفاع والحماية)، يوفّران المظلَّة الآمنة لاستقلال المكان؛ كوطن للأفراد، وسيادة هؤلاء الأفراد من خلال النظام الاجتماعي على شؤونهم كافَّة. ومن دون الدفاع والحماية، يصبح الاستقلال والسيادة عرضة للانتهاك الدائم، ولذلك جرى اعتماد مبدأين أساسيين لا غنى عنهما لتوفير تلك المظلَّة، وهما: حماية الأمن الوطني، وحماية الأمن القومي.

إنَّ أي خلل في حماية كلا الأمنين، يجعل الوطن فاقدًا لأحد مرتكزاته، ويعرضه مع مرور الزمن إلى التفكُّك والتلاشي.

صفحة 7

الوطن في الفهم الإسلامي

أقرَّ الدّين الإسلامي هذه المفاهيم المفسّرة لمعنى الوطن، وجعلها في صلب الثقافة الدّينيَّة. إذ تُعتبر الروابط مع الوطن: حبًّا، وتعلقًا، وتفانيًا في سبيله، من القيَم الإنسانيَّة الَّتي شجَّع الدّين الإسلامي على المحافظة عليها، بل إنَّ العاطفة اتِّجاه الوطن، هي فطرة طبيعيَّة في الإنسان نفسه، فأي فرد سويّ ينتمي إلى بقعة جغرافيَّة ولد عليها، وعاش بين جنباتها، وترعرع في أحضان أهلها، يشعر بالحُبّ اتّجاهها، والتعلُّق بها، والاستعداد لحمايتها.

يمكن الاستدلال على هذه الفطرة الإنسانيَّة من خلال ما ورد في القرآن الكريم حول الأمكنة بما هي دار الإقامة والعيش والعلاقات الإنسانيَّة، والَّتي أطلق عليها مفردات مثل الديار والأرض والقرية والمدينة. وتعني هذه المفردات الوطن كحيّز جغرافي محدَّد بنطاق معيَّن، يقيم الإنسان فيه روابطه العائليَّة والاجتماعيَّة، ويتمسَّك بالعيش بين ربوعه. ولذلك عدَّ القرآن الكريم التهديد بالنفي عن الوطن من الابتلاءات الَّتي أُصيب بها الرسل وأتباعهم خلال مواجهتهم لأعدائهم، والَّتي بلغت تخيير الرسل بين أمرين، هما: الإخراج من الوطن، أو الخروج من الرسالة والعودة إلى ملَّة الكفر، وكلاهما تحدٍّ صعب بالنسبة لهؤلاء الرسل، كما أورد القرآن الكريم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) [1]. وقد واجه أغلب الأنبياء هذا التهديد لردعهم عن المضي في دعوتهم، وهم كانوا يتحمَّلون الأذى جرَّاء تبليغ الرسالة، وتمسُّكهم بأوطانهم، وأحيانًا كانوا يضطرّون إلى الهجرة لبناء القوَّة، ومن ثمَّ العودة لنشر رسالتهم داخل وطنهم الأصلي، ومن الشواهد القرآنيَّة على ذلك: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)[2]، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ )[3]، (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)[4]. نرى في سياق موازٍ محاولة التنفير من الدعوة الإلهيَّة بذريعة تسبُّبها بالإخراج من الوطن. وقد أشار القرآن الكريم إلى اللَّعب على الوتر العاطفي اتّجاه الوطن للتحريض على رفض الاستجابة لدعوة النبي موسى ﷷ (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ)[5]، وورد في تفسيرها أنَّها محاولة من فرعون »للتنفير عنه لئلَّا يقبلوا قوله، ومعلوم أنَّ مفارقة الوطن من أصعب الأمور«[6]، واستخدم فرعون الأسلوب نفسه حين آمن السحرة: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)[7].

تساوى الخروج من الوطن وخروج الروح من الجسد، وفق التفسيرات الَّتي أُعطيت لقول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)[8]، وقد وردت هذه المساواة خلال حثّ القرآن الكريم المسلمين على الالتزام بالتكاليف الَّتي هي أقل من فرض قتل النفس والخروج من الوطن، وهما تكليفان صعبان، فلو فرضهما الله تعالى لما التزم بهما إلَّا قليل.

لو تتبَّعنا الخطاب القرآني للنبي محمد ﷺ وأتباعه(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[9]، لرأينا آياتٍ كثيرةً تحدَّثت عن أهميَّة الصبر على مفارقة الوطن وترك الأهل، وحتَّى حين الحث على الهجرة من الوطن للحفاظ على الدّين أو للجهاد في سبيل الله كما ورد في القرآن الكريم (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [10] فإنَّ ذلك الخطاب كان يَعِد بالثواب الكبير، لما لترك الوطن من صعوبة.

برزت هذه الصعوبة حين هجرة النبي محمد ﷺ من مكة المكرمة، فقد كان ﷺ يستطلع أخبار مسقط رأسه، ويسأل عنه القادمين منه، كما في سؤاله »لأبَّان بن سعد« »كيف تركت أهل مكَّة، وعندما أخبره أغرورقت عينا رسول الله ﷺ«[11]. وكان ﷺ يقول: »لولا أنَّ قومك (مكَّة) أخرجوني منك لما خرجت«[12]. وسيرة النبي محمد ﷺ، وسلوكه الشخصي يدلُّان على حبّه لوطنه. فقد رُوي أنَّ النبي ﷺ »إذا قَدِم من سفر نظر إلى جدران المدينة، وإن كان على ناقته حرَّكها من حبّه للمدينة«[13]. وورد عن الإمام علي ﷷ: »عُمّرت البلاد بحبِّ الأوطان«[14]، وعنه ﷷ: »من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه وحنينه إلى أوطانه«[15]. وفي إشارة إلى أهل القبور وحالهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا وقد حُرِموا الاستئناس بالوطن قال ﷷ : »لا يستأنسون بالأوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران«[16].

تُعطي هذه الإشارات صورة عن الفهم الإسلامي لمعنى الوطن؛ بما هو مسقط الرأس وموطن الآباء والأجداد. وقد جرت مقاربته من خلال التشريعات الفقهيَّة الَّتي تُعطي هذه الإشارات معانيها العمليَّة.

دخل مفهوم الوطن في هذه التشريعات؛ باعتباره جزءًا أساسيًّا من حياة الإنسان حتَّى في عباداته. فلا يصح له أن يتَّخذ موطنًا، تجري عليه أحكام عباداته (الصلاة والصوم) من دون ضوابط محدَّدة، ولذلك جرى التمييز بين ثلاثة أنواع من الأوطان وهي:

- الوطن الأصلي: وهو موطن الولادة الأولى، ومسقط الرأس. وقد نشأ فيه الإنسان وترعرع، وأقام داخله روابطه الاجتماعيَّة والمعيشيَّة، وحافظ فيه على استمراريَّة حياته، ولم يتخلَّ عنه.

- الوطن المُتَّخذ: وهو الوطن الَّذي اتَّخذه الإنسان دار إقامة دائمة حتَّى لو لم يكن مسقط رأسه. لكنَّه انتقل إليه للعيش الدائم.

صفحة 8

- الوطن الشرعي: وهو الوطن الَّذي أقام الإنسان فيه مدَّة ستة أشهر في السنة، مع ثبوت ملك له في هذا المكان[17].

لقد ذهب التشريع الفقهي عند المسلمين الشيعة إلى تفصيلات دقيقة بما فيها الروابط داخل العائلة من لحظة إنشائها في عقد الزواج. إذ ألزم الزوج بالإيفاء بشرطه، إذا شرط في العقد، أن لا يُخرج المرأة من بلدها. »لأنَّ خصوصيَّات الوطن أمر مطلوب للعقلاء بواسطة النشوء والأهل والأنس وغيرها[18].«

صحيح أنَّ الأمر يتعلَّق هنا بالمعنى الضيّق للوطن، أي مكان الإقامة في القرية أو المدينة المتعارفة اليوم، وأنَّ الحدود الجغرافيَّة لهذا المكان لها ضوابطها أيضًا. لكنَّ هذا المستوى من الاهتمام، يُعطي صورة واضحة عن مدى أهميَّة الوطن في الفهم الدّيني؛ بما هو دار إقامة، وعيش، وتفاعل اجتماعي، وحيّز للعمران البشري.

يندرج حبُّ الوطن في سياق هذا الفهم الدّيني للعلاقة بالبقعة الجغرافيَّة؛ كمساحة إنسانيَّة. وهذا ما نجد له مصاديق في السلوك التاريخي الجماعي أو الفردي لأصحاب هذا الفهم. ومن بينهم الجماعة التاريخيَّة الَّتي ينتمي إليها حزب الله، فقد ظلَّت نظرتها للوطن محكومة بالأبعاد الإنسانيَّة والدّينيَّة، وتبيّن سيرتها التاريخيَّة في وطنها، (المناطق الَّتي تشكَّل منها لبنان) أنَّها كانت شديدة التعلُّق به، ولم تحل الحروب والنزاعات والصّعاب بينها وبينه، وحين كان أحد علمائها يضطر إلى الهجرة القسريَّة؛ بسبب النزاعات، فإنَّه كان يتحيَّن الفرصة للعودة، متخلّيًا عن المغريات الكثيرة في مقر الإقامة في بلد المهجر.

وجد هذا الحبُّ للوطن، والتعلُّق به، تطبيقات عمليَّة، على مستوى الجماعة ككل، وعلى مستوى علماء الدّين. فأحد كبار فقهاء الشيعة الإماميَّة، الشهيد الأوَّل[19]، فضَّل البقاء في وطنه الأصلي جبل عامل، وعدم قبول دعوة أحد أمراء خراسان، لتوليته منصب إمام البلاد فيها، واكتفى بإرسال كتاب ليهتدي به النَّاس في تلك البلاد. وأمثال الشهيد الأوَّل كُـثُر، رفضوا الإغراءات، لترك الجبل، والاستيطان خارجه. ومن اضطرَّته الظروف، كان يسارع إلى العودة عندما تخفُّ وطأة الملاحقات الَّتي كانت تُنفّذها السلطات الحاكمة، بخاصَّة في عهدي المماليك والعثمانيين.

كان الشهيد الثَّاني[20] لا يحلو له التعبير عن مسقط رأسه وبلاده إلا بالوطن، »ورجعت إلى وطني الأوَّل بعد قضاء الواجب من الحجّ والعمرة«[21]، وبعد عودته من أحد سفراته كتب» ثمَّ رجعت إلى الوطن الأوَّل المتقدّم (جبل عامل) «[22].

أشار الحُرُّ العاملي[23]، وهو من كبار فقهاء الإماميَّة أيضًا إلى طبيعة العلاقة بالوطن حين تقديمه لكتابه أمل الآمل بقوله: »عزمنا على تقديم ذكر علماء جبل عامل على باقي علمائنا المتأخرين لوجوه: أحدها قضاء حقّ الوطن، لما رُوي عن حبّ الوطن من الإيمان، ورُوي من إيمان المرء حبُّه لقومه«[24].

بموازاة هذا التعلُّق بالوطن، فإنَّ الرابطة الوطنيَّة لا تقلُّ شأنًا عن الروابط الأخرى، بل تتفوَّق على بعضها أحيانًا، وقد جمعت بين أبناء الوطن الواحد في زمن الهجرات القديمة العاطفة الوطنيَّة، فحين اضطرَّ الشيخ حسين بن عبد الصمد[25] منتصف القرن العاشر الهجري إلى الهجرة إلى أصفهان احتضنه شيخ الإسلام فيها »وعطفته عليه عاطفة الوطن، لأنَّ كلًّا منهما كان عامليًّا[26].«

كانت عاطفة العلماء الجيَّاشة اتّجاه وطنهم، تدفعهم إلى الصّمود فيه وتحمُّل المخاطر، أو لركوب هذه المخاطر والعودة إليه، إذا ما اضطرَّتهم الظروف القاهرة إلى الابتعاد عنه بعض الوقت. ومن لم يستطع يظلُّ على مسافة قريبة منه، »فالشيخ إبراهيم بن يحيى خرج من الوطن هاربًا إلى دمشق وكان يتشوَّق إلى وطنه«[27]، وقد حافظ هذا التشوُّق على قوَّة دلالته في الحقبات التاريخيَّة اللَّاحقة، وصولًا إلى مطلع القرن العشرين. فالسيد محسن الأمين بعد نزوحه من دمشق، »عاد إلى الوطن في جبل عامل«[28]. والسيد عبد الحسين شرف الدّين كان »أوَّل ما نزل في بيروت على ثغور الوطن«[29].

لا تعني هذه المفردات توصيف البقعة الجغرافيَّة؛ كوطن للإقامة والسكن فحسب، بقدر ما هي مفهوم أكثر عمقًا، يرتبط بالثقافة الدّينيَّة للفرد أو للجماعة حيال مجموع العناصر الَّتي يتشكَّل منها هذا الوطن. فتبدأ التربية على التعلُّق بهذه العناصر داخل الأسرة من خلال التربية البيتيَّة، وهو ما كانت تحثُّ عليه الإرشادات التربويَّة كما هي حال الأدبيَّات العامليَّة في الوصايا لربَّات المنازل: »اعلمي لولا حبُّ الوطن، لخرب البلد. فلقّني أولادك حبَّ وطنهم، والذود عنه بنفوسهم وأموالهم، وفداءه بمهجهم وأرواحهم. فالوطن عشُّ المرء الَّذي فيه درج ومنه خرج. فإذا لم يتلقَّن الطفل الوطنيَّة من أمّه، يوشك أن ينشأ، ولا وطنيَّة له«[30].

يرتبط هذا الفهم بالأبعاد الدّينيَّة والإنسانيَّة للوطن، بحيث يساوي الإنسان نفسه وكرامته. »فالوطن هو الإنسان نفسه وكرامته، ومن استهان بوطنه، فقد استهان بنفسه وكرامته، بل بدينه وعقيدته، لأنَّ حبَّ الوطن من الإيمان«[31].

يمكن سرد شواهد كثيرة عن هذه الروابط الَّتي تجمع بين أصحاب هذه الثقافة الدّينيَّة ووطنهم، وما يسري على العلماء يسري على النَّاس العاديين، حيث تُظهر وقائع التاريخ هذه الصلة القويَّة مع الوطن - بما يشمله من أبعاد كثيرة بما فيها البقعة الجغرافية الَّتي يقيمون عليها - أيًّا تكن طبيعة السُّلطة الَّتي تحكمه. فالوطن بما هو منزل الإقامة الإنسانيَّة، وضمن الحيّز الجغرافي الواحد ظلَّ على الأغلب هو ذاته، لكنَّ إلحاقه بالتقسيمات الإداريَّة، وبأنواع الدُّول والممالك، هو المتغيّر مع الزمن. فقد بقي الوطن كمفهوم ثابتًا على مدى الحقبات التاريخيَّة، لكنَّ شكل الدَّولة هو الَّذي تغيَّر.

صفحة 9

حاجة الوطن إلى دولة

إذا كان الإنسان بما هو كائن اجتماعي له حاجات لديمومة حياته، فإنَّه لا يستطيع الحصول عليها من دون التعاون مع الإنسان الآخر، وهذا التعاون يؤدّي إلى تشكيل جماعة واحدة، يحتاج تنظيم العلاقة بين أفرادها إلى ناظم. وقد تطوَّر مع الزمن، وصولًا إلى تحوُّله إلى ما يُعرف بالعقد الاجتماعي. هذا العقد احتاج بدوره إلى من يسهر على احترامه والالتزام به.

صار هذا العقد عبارة عن رابط قوي بين أفراد هذه الجماعة الواحدة، وله قواعده الَّتي جعلت منه كيانًا سياسيًّا، عُرف باسم الدَّولة. وهو الكيان المسؤول عن سيادة هذه الجماعة على بقعتها الجغرافيَّة، وحماية مصالح أفرادها، واستقلال قرارها، وسيادة قانونها.

تُعتبر الدَّولة في حياتنا المعاصرة، مكوّنًا مترابطًا مع الوطن. فلا وطن بلا دولة تديره، ولا دولة بلا وطن تقيم عليه سلطاتها. مثل هذا الارتباط، فرض على الجماعات البشريَّة تعاطيًا مختلفًا عمَّا كان سائدًا في العصور الماضية. فقد تغيَّرت التقسيمات الجغرافيَّة، وتطوَّرت حياة المجتمعات، ولم تعد الروابط مقتصرة على علاقات فرديَّة، أو على ضوابط محدودة؛ وفق الحاجات الخاصَّة بكل جماعة في إطار حيّزها الزماني والمكاني، بل تعدَّتها لتصبح روابط بين الدُّول والأوطان على امتداد المعمورة.

بناءً على هذا التطوُّر في حياة الجماعة البشريَّة، فإنَّ وجود الناظم داخلها، بأيّ صورة من الصور، هو ضرورة لا غنى عنها، و إلَّا دبَّت الفوضى وعمَّ الخراب وتلاشت هذه الجماعة، وانتهت البشريَّة مع الزمن. وهذا الناظم - الَّذي تنبثق عنه سلطة بدءًا من العائلة الصغيرة، فالعائلة الكبيرة داخل أي جماعة بشريَّة - تطوَّر مع الزمن، وصولًا إلى مفهوم الدَّولة المعاصرة.

يقرُّ الإسلام مثل هذه الضرورة، ويعتبرها من الحاجات الَّتي لا غنى عنها، لتنظيم الحياة على الأرض، وتوفير مقوّمات رقيّها، ليصل الإنسان إلى مرحلة التكامل. فوجود الناظم للعلاقة بين النَّاس، هو في صلب الشريعة الَّتي جاء بها النبيُّ محمد ﷺ، وقد باشر بنفسه تثبيت قواعده من خلال وضع نواة الدَّولة الأولى الَّتي أسَّسها في المدينة المنوَّرة، وطبَّق فيها القانون الإسلامي على الأفراد وعلى الجماعة المسلمة، وعقد المعاهدات مع الجماعات غير المسلمة الَّتي عاشت باطمئنان وسلام في ربوع تلك الدَّولة. وقد قدَّم النبي ﷺ في تطبيقاته لهذا القانون النموذج الرائد في كيفيَّة التعامل مع المجتمع أفرادًا وجماعات، فهو عندما طبَّق الشريعة الإسلاميَّة لم يلغِ التنوُّع في المجتمع، ولم يحرم أصحاب الديانات الأخرى من حقوقهم.

جرت ترجمة ضرورة وجود هذا الناظم من خلال العمل على إنشاء الدَّولة الإسلاميَّة، حيث يمكن لمجتمع المسلمين أن يؤسِّس دولته. لكنَّ هذه الإمكانيَّة تتفاوت بين مكان وآخر، حسب طبيعة كلّ مجتمع وظروفه. وحين تضعُف هذه الإمكانيَّة إلى حدّ عدم القدرة؛ لأسباب مختلفة من بينها عدم وجود غالبية إسلاميَّة عظمى في المجتمع، فإنَّ وجود القانون الناظم لعلاقة النَّاس فيما بينهم، ووجود الحكومة الَّتي تطبِّق هذا القانون يصبحان من الضرورات الإنسانيَّة، وهو ما أشار إليه الإمام علي ﷷ بقوله» :لا بدَّ للنَّاس من أمير برٍّ أو فاجر. يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع الفيء، ويقاتل بها العدو، وتؤمن بها السبل، ويؤخذ بها للضعيف من القوي«[32].

صفحة 10

عدم توفُّر الإمرة على النَّاس للمؤمن الَّذي يطبّق الأحكام الإلهيَّة، لا يعني تركهم من دون سلطة تدير شوؤنهم، وتنظّم العلاقة فيما بينهم، ولا يعني التخلي عن المسؤوليَّات اتّجاههم بانتظار توفُّر الظروف المناسبة لتطبيق تلك الأحكام، أو بفرض الإرادة القهريَّة عليهم بالإكراه والعنف. وقد حُمل حديث الإمام علي ﷷ على ضرورة وجود هذه السُّلطة حتَّى لو كان على رأسها غير المؤمن، لكن من دون أن يؤدّي ذلك إلى إسباغ الشرعيَّة على سلطته. فلو كان الخيار بين سلطة غير إسلاميَّة والفوضى، لوقع خيار الضرورة على وجود هذه السُّلطة الَّتي لها فوائد في تنظيم العلاقة بين النَّاس، ودفع الضرر عنهم، وجلب المنافع (جمع المال العام، مقاتلة العدو والدفاع عن البلاد.. إلخ). فالقاعدة هنا هي أنَّ »فرض النظام أولى من الفوضى«.

وجود الوطن عادةً متلازم مع وجود القانون الَّذي ينظّم العلاقة داخله، و إلَّا فالأوطان الَّتي تعصف فيها الفتن، وتعمُّها الفوضى عقودًا من الزمن، لا تبقى أوطانًا.

يحتاج القانون إلى دولة تطبّقه، لتُحقّق الأمن، وتفشي العدالة بين النَّاس، فلا خير في وطن لا أمن وسلامة فيه، كما ورد عن النبيّ محمد ﷺ في وصيّته للإمام علي ﷷ: »يا علي لا خير في الوطن إلَّا مع الأمن والسرور«[33]. وفي الدعاء عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينﷷ: »اللَّهم أعطني السعة في الرّزق، والأمن في الوطن«[34].

إذًا يتطلَّب توفير هذه الحاجات الإنسانيَّة؛ كالأمن، والسلامة، والاطمئنان، والعيش الكريم، وجود الدَّولة الراعية للقوانين الَّتي تُنظّم حياة النَّاس. وهذه القوانين هي محلُّ اهتمام الفقه الإسلامي، لأنَّها تتعلَّق بحاجات النَّاس، وقد عالجها داخل الأوطان الَّتي لا تُطبَّق فيها أحكام الشريعة الإسلاميَّة، وحاول هذا الفقه المواءمة بين إيمان الأفراد والجماعات بالعقائد الدّينيَّة، وضرورات الالتزام بما تقرّره الدَّولة للصالح العام.

تختلف العلاقة بالدَّولة من المنظار الإسلامي عمَّا هي الحال مع الوطن، إذ لكلٍّ منهما خصائصه وميزاته. فمفهوم الوطن يظلُّ واحدًا؛ مهما تقلَّبت الظروف، لارتباطه بعناصر ثابتة؛ كالجغرافية، والعلاقات الإنسانيَّة، والرَّوابط الاجتماعيَّة، والتغيُّر الَّذي يطرأ عليه هو حركة السكَّان في فترات متفاوتة؛ كالهجرات التاريخيَّة الإراديَّة أو القسريَّة. ويحتاج التبديل في الانتماء إليه إلى فواصل زمنيَّة طويلة. أمَّا مفهوم الدَّولة، فإنَّه يتغيَّر من زمن لآخر، تبعًا للتغيُّرات الَّتي تفرضها الأحداث. فالدَّولة أكثر ارتباطًا بالسياسة، والسياسة تتغيَّر بشكل دائم، ولذلك تقع الدَّولة في دائرة التغيُّرات المستمرَّة، سواءٌ في طبيعة تقسيماتها الإداريَّة، أم في شكل نظامها السياسي. صحيح أنَّ مفهوم الدَّولة في إطاره العام ينحو لدى بعض الشعوب إلى نوع من الاستقرار، فهو أصبح مفهومًا شبه ثابت، لكنَّ هيكلها وآليَّاتها غير ثابتة.

يمكن رصد حالة الاضطراب في مفهوم الدَّولة عند شعوب العالم الإسلامي، بعد سقوط الدَّولة المركزيَّة، والَّتي كانت تُسند نفسها إلى مفهوم الخلافة. فقد ظهرت فكرة نظام الدَّولة المدنيَّة على طريقة النظم الغربيَّة، فضلًا عن الأشكال الأخرى كدولة الإمارة الفرديَّة، أو الدَّولة المَلكيَّة الخاضعة لسيطرة العائلة الحاكمة، أو الدَّولة الحزبيَّة الخاضعة لسلطة الحزب الواحد.

ترتبط حالة الاضطراب بطبيعة المجتمعات الإسلاميَّة وتشكُّلات الوعي لديها، وبالظروف الَّتي أحاطت بمرحلة ما بعد الحقبة العثمانيَّة، وما تبعها من سيطرة استعماريَّة منعت تطوُّر الشعوب وتحقيق تطلُّعاتها.