الإهداء
إلى أبي.. وهو يرفع يديه إلى السماء.. لكي يقترب منها أكثر...
إلى أمي.. وهي تخرّ ساجدةً على الأرض.. حتى تقترب منها السماء أكثر...
إلى نصفي الآخر.. وهي تعاجلني كلّما أُصِبْتُ بجرح من جروح الدنيا لتضمّده بما يجمع بيننا من رباطٍ مقدّس...
إلى ولدي.. وهو يمنحني فرصة النظر بعينيه إلى الآتي.. فأراه كما أحب وأتمنّى أن يكون...
إلى طفلتي.. وهي توقظني بضحكتها من خوفي عليها.. وما أن تأخذني منها.. حتى تعيدني ثانيةً إليها...
دائرة الوجود
(مثال):
هل يتقدَّم الزمن إلى الأمام.. أم أنه يعود إلى الوراء...؟!
أخالني طفلةً تفتّش عن الجواب.. بأصابعها الصغيرة.. في التراب...
يصعب على العقل، أن يتصوّر بأنّ الزمن يسير في طريقٍ مستدير...
انتبه يا أنت.. فالطريق إلى الحقيقة لا يمكن إلاّ أن يكون مستديراً...
ويبدو من المدهش حقاً، أن تنقص الأعمار - تماماً- بقدر ما تزيد...
وبالتأكيد؛ أنّ الإحساس بالزمن.. ليس هو الزمن.. فتلك خدعة ذاتيّة لا تنطلي إلاّ على الذين يعبدون أنفسهم تحت الشمس!
اعلم أيها الإنسان أن النفس ضالّتها الوقت الذي تخطىء فيه وتصيب.. أما الزمن، فهو ضالّة الروح المشدودة إلى جذورها العلويّة في السماء...
وبإمكانك أن تسابق حتى نفسك.. ولكنك لن تقوى على مسابقة الزمن.. فخسارتك محقّقة قبل أن يبدأ السباق.
وفي كلّ الأحوال.. ليس من العدل أن يولد الناس كباراً.
غير أن (الأطفال الكبار) عادة ما يدورون حول أنفسهم حتى الممات.. وهم يبحثون عن صورة الموت في مرآة الحياة.
في حين أنهم يعلمون جيّداً، بأنّ أقرب الساعات إليهم.. هي ساعة اليد.. أما أبعدها عنهم.. فهي ساعة الحظ...
لم أنسَ أن أعرّف بنفسي.. ولكنني كنت أبحث عن بابٍ كبيرٍ ومستديرٍ مثلي، كي أدخل منه إلى هنا.
أنا دائرة الوجود... وعين الحقيقة في رأس الكون...
أراني في كلّ شيء... ولكن، لا أحد من البشر يملك أن يعيش كلّ حالاته في آن واحد. مثلما أنّ أيّاً منهم.. لا يمكن أن يكون هو الآخر.
كلّهم أبنائي...
أتحدّب لأحدب عليهم.. وأنحني لأحنو عليهم.. وأنعطف لأعطف عليهم.
إحساسهم بي، هو إنعكاسٌ لإحساسي بهم، ولذلك، فهو إحساس مستدير.
ولا بدّ لأفهامهم أن تستدير.. حتى يستقيم المعنى...
على ذلك نستدلّ بصورة الناعورة المحفورة في جذوع الأشجار من قبل أن يتزوجها النهر.. وتدور.. فيعانق عنينُها عنانَ السماء.. وتحمل بمياهه.. ثم تنجب له طفلةً جميلةً تُدعى الساقية.
أنا الأم الأولى لكلّ الأشياء، ولذلك، فإنني أحتضنها لكي أحميها من قسوة المالانهاية.. وجبروت المطلق.
أنا السجن الأكبر، والحريّة المطلقة...
أنا أمّ الحقيقة.. وابنتها.. وأنا طريق من يبحث عنها.. إليها...
أنا هو أنا.. من بؤبؤ العين.. وحتى قرص الشمس... ومن آخر غدٍ على خطّ الزمن.. وحتى " أوّل أمس "...
صديقي "شاهد".. هذا جزءٌ من مقدّمة كتابي الجديد.. أرسله إليك كعادتي.. وكما أنّ قصدي منه كان هو الساعي.. فإني أرجو أن يكون استيعابك له هو البريد...
صديقك "مثال"
مرايا متقابلة
(شاهد):
لَمْ أكن أبحث عن ذلك النوع الشائع من الأصدقاء الذين لا يستطيعون أن يمضوا معي إلاّ على أقدامهم، أو يصغوا إليّ إلاّ إذا تكلّمْت.. أو يروا ما أرى إلاّ بأعينهم التي في رؤوسهم.
كنتُ أجلس وحيداً كعادتي في مكتبة الجامعة الأردنية.. بينما - أشعر وليس على غير العادة - بأني أجلس في مكانٍ آخر.
لَمْلَمْتُ أوراقي، ووضعت قلمي في جيبي، ثم نهضْتُ متجهاً إلى الباب الرئيسي للمكتبة.
في حلْق الباب تماماً.. تواجهنا لأول مرّة.
ليس ببساطة كما في ظاهر الأمر، أراد كلٌّ منا أن يُفسح الطريق للآخر..
فاصطدمنا ببعضنا بقوّة.. ولكن.. دون أن يمسَّ أحدنا الآخر!
قلْتُ بلا مقدّمات: اسمي "شاهد".
فقال دون تردّد: أنا "مثال".
كأنّنا كائنان مجرّدان يسيران على رصيفٍ افتراضيّ، بعد أن يَخلع كلٌّ منهما حذاءه، ويُلقي به خلف ظهره، فيرتطم برأس الواقع النائم تحت الأشجار القريبة، فيستيقظ من نومه.. دون أن يراه أحدٌ غيرنا.. ويصرخ بأعلى صوته.. فلا يسمعه أحدٌ سوانا.
تذكّرتُ أنني رأيته من قبل.. وتخيّل أنه سيراني لاحقاً...
كلانا كان يدرس في كليّة التربية بتخصص "علم النفس".
لقد بدا لنا في ذلك الوقت أننا أشبه ما نكون بمرآتين متقابلتين.. تتناسل فيهما الصور إلى ما لا نهاية...
تماماً كما في صالونات الحلاقة.
تصافحنا، وكأنّنا نعتذر سلفاً عن لقاءٍ منْتَظَر.. ثم افترقنا على أمل أن نلتقي مرّةً أخرى.. ولو في حلْق بابٍ آخر.
كان يظنُّ بأنه يصافح شخصاً ثالثاً.. أما أنا، فلقد كنت أشعر أنني أصافح نفسي.
السجن المفتوح
(هو):
: "الدوّار الأول" من جديد...!
قالت وهي تبتسم.. وأشاحت بوجهها عنه.. إمعاناً منها في النظر إلى وجهه من زاويةٍ أخرى.
ثم تساءلتْ بدهشةٍ: كيف وجدتني؟
فأجاب متروّياً:
- عندما كنتُ طفلاً صغيراً.. كنت أحياناً أغمض عينيّ لكي لا يراني أحد. وكلّ ما في الأمر؛ أنّكِ لم تفعلي ذلك الآن حتى لا أعثر عليكِ!
وبعد أن واءمت ببراعةٍ بين أحاسيسها وأفكارها.. ردّتْ بصوتٍ خفيض:
- أشعر أنني أحمل في حقيبتي الصغيرة هذه مجموعةً نادرةً من الصُدَف.. فأُخرِج منها ما أشاء.. وقتما أشاء.
نظر إلى السحب الرماديّة وهي تندفع نحو الأفق.. وتنزع وشاحه المصبوغ بحمرة الشفق.. وهو يردّد كلماته المموسَقة:
- كم هو جميل هذا اللقاء العابر.. في مثل هذا الجوّ الماطر...!
كنسمةٍ دافئةٍ أطلَقَتْ أنفاسها في الفضاء البارد.. وبصوتٍ أنثويٍّ رقيقٍ متناغمٍ مع الإيقاع الخافت لرذاذ المطر قالت:
- إنه طقسٌ ساحر.. أتدري.. بقدْر ما تدفعني رغبةٌ جامحةٌ إلى معرفة اسمك.. هنالك رغبةٌ أخرى ليست أقل جموحاً، تحفزني على النظر إلى ما وراء الأسماء...
- حسناً.. دعينا إذاً نختبر أنفسنا فيما تشدو به "سفيرة النجوم".. في أغنيتها الرائعة: "أسامينا"...
وبحركةٍ لا إراديّةٍ منها أغمضتْ عينيها وهي تهزّ رأسها.. وكأنها طربت لتلك الأغنية دون أن تسمعها...
لقد أرادتْ، ومنذ اللحظة الأولى، أن تغلق أمامه كلّ السبل، حتى يظلّ محبوساً في قلبها...
أمّا هو، فلقد أدرك منذ البداية، أنها تمتلك القدرة الكافية، على ألا تفرق بين الحبّ.. والحياة.. والحريّة...
وأن قلبها أشبه بسجن مفتوح...
ما إن باعدت بين أجفانها بعد لحظات.. حتّى لم تعد تجده أمامها.. فتذكّرتْ ما قاله لها في بداية اللقاء.
أدركها الندم الذي لم تكن يوماً تحبّ الالتفات إليه.. فاستدارتْ إلى الخلف، وشعرت كأنها استيقظت للتوّ من النوم.. وهي واقفة على الرصيف.
لم يسمح لنفسه أن يتصوّر بأنها لم تعد تراه.
همسَتْ إحدى عينيه للأخرى: يا الله كم هو رائع مشهد هذه الفتاه الجميلة والحزينة.. تحت المطر...!
هبطَتْ وهي ساهمة، وقد لفّها الوجوم، إلى وسط البلد. أما هو، فلقد مضى في حال سبيله.. دون أن يعرف ما هو اسمها...
ولكن..
ليس دون أن يراها تقف بانتظاره من جديد.. وكأنها لم تذهب بعد إلى حيث لا يتوقع.. ولا تريد.
البندق الفارغ
(هو):
سوف يَهْرب "شاهد" من نشرة الأخبار بعد قليل.. فإلى أين يذهب وهو يشعر بالمزيد من الوحدة.. التي أمستْ في نظره وكأنها ازدحامٌ ذاتيٌّ خانق.
لقد بات يرتدّ إلى داخله أكثر.. فأكثر.. وكأنَّ حياته قد تحوّلتْ إلى بياتٍ عفويٍّ مستديم...
إنّ شعوره بالاغتراب، يتنامى حينما يكون في الزّحام.. وهو يوقن أنّ أبعد النقاط عنه تكمن في داخله.
وليس أدلّ على ذلك من مقولته التي يردّدها دائماً:
"شعوري وأنا أنظر إلى البعيد.. هو شعور من يقترب من نفسه أكثر... وكلّما نظرْتُ إلى النجوم وهي تتلألأ في السماء.. أخال بأنني أقف على رأسي"!
بإمكانه إقناع الوقت، أن يبقى بصحبته لبعض الوقت، في شرفة البيت الناهدة كعينٍ تجحظ من محجرها في وجه السفح الغربي "لجبل التاج".. ولا تملّ التحديق في"شارع المحطّة" بوسط عمّان.. ذلك الوريد النابض في ذراع المدينة القديمة.. الذي يجسّه بعينيه مع كلّ إطلالةٍ من هناك.. حتى يقيس بهما نبض "البلد"...
بينما تتداعى إليه في تلك الشرفة، خيالاتٌ محمّلةٌ بالصور والأصوات.. ربما تعينه على الإفلات من لعنة يومٍ جديدٍ يمرّ به كسابقه دون جدوى.
لكنه سرعان ما يوجّه سؤاله مباشرةً إلى الوقت الذي يجالسه.. ويطلّ وإيّاه على مشاهد بانوراميّةٍ من ذلك المكان الذي يضجّ بالحياة.. ويعجّ بالتفاصيل:
- ترى.. ما هي الجدوى...؟!
كان يحلم دائماً بأن يلتقط أنصاف الحقائق.. ثم يجمع فيما بينها.. ويوزّعها على كلّ من يحتاج إليها ممّن يَشْقون بنظرتهم القاصرة إلى الأشياء.
وهو الذي طالما تمنّى أن يكون هذا هو عمله الوحيد.
كأنَّ عين حاله ترى ما لا يقوله لسانها...!
فيما هو يقف متسائلاً بمرارةٍ، وبحسرةٍ يخالطها الشعور بالإحباط:
- ما جدوى أن ألعب دور البطولة المطلقة في مسلسلٍ طويل.. عنوانه: "البندق الفارغ" ؟!
لمْ يعد يحتمل، أو يدري، كيف يمكنه أن ينتزع من ذاكرته القريبة، ذلك المشهد المروّع، الذي اقتحم عليه وحدته عبر شاشة التلفاز قبل عدّة ساعات:
"رجلٌ معفّرٌ بالتراب.. وكأنه وُلِد من رحم زوبعة.. يقف أمام ركام بيته المهدَّم.. ويحمل بين ذراعيه طفلته الصغيرة.. بلا رأس"
"يا إلهي".. قال في نفسه، وهي تكاد تتخارج عنه.. كما لو أنه في حالة احتضار.. وقد استحال صدره إلى موقدٍ متوهّج.. وقلبه إلى كرةٍ من نار...
يوماً ما، سوف يجلس في شرفة منزله برفقة "توأمه المفقود": "مثال".. وسيُخْفِقُ حينها للمرّة الألف، في نسيان تلك الصورة المفزعة.. فيا لها من ذاكرةٍ شرسة!
حينذاك، سيقول "مثال" وهو يطلق بصره إلى البعيد:
- الأمس كلبٌ.. والغد ذئبٌ.. واليوم ثعلب...!
فيما سيعقّب صاحبه - مستنكراً - بسؤالٍ تكتنفه اللوعة.. ويرين عليه الأسى:
- لماذا يكون رأس تلك الطفلة البريئة ثمناً لصراعٍ مريرٍ بين باطلٍ يرتدي ثوب الحقّ، وحقٍّ يرتدي ثوب الباطل...؟!
في صبيحة أحد الأيام الخالية، استيقظ "شاهد" من نومه على نباح كلبٍ آتٍ من بعيد... فاستلهم مسبقاً ما سيقوله "مثال" لاحقاً عن الأمس.
قال في نفسه وهو يفرك ظاهر عينيه بباطن يديه:
- كنت أتمنّى على صاحبي بأن يساعدني في أن لا أفقد كلّ ما أجد.
ولكن، يبدو أنه بات كمن يسرع في المسير.. حتى يبتعد عن نفسه أكثر...!
نهض من فراشه وذهبَ مسرعاً إلى صنبور المياه. وضع رأسه تحت الماء المتدفّق منه بغزارة، ثم عاد إلى حيث كان، وارتدى ثيابه بحركاتٍ آليّةٍ سريعة، قبل أن يدسَّ قدميه في حذائه.. بعد أن أخرجه من تحت السرير.
ثم اتجه إلى باب المنزل.. وأمسك بمقبضه الصدىء.. وشدّه إلى الأسفل بقوّةٍ.. وعلى عجل.. فانفتح البابُ.. وهمَّ بالخروج...
لكنه لم يجد الخارج!
التفاحة الحمراء
(مثال):
: لقد أمستْ ذاكرتي أشبه بمخيّلة أعمى...
فقرها.. هو مصدر غناها...!
حاولتُ مراراً وتكراراً الوقوف أمام عينيّ.. لكي أنظر بهما إلى نفسي...
وأخيراً أفلحْتُ في ذلك.. فاكتشفْتُ بأنني لست مجرّد "مثال" عليها...
ربما كانت المخيّلة هي التي تصنع الفرق بين الإنسان ونفسه...
ولكنها سرعان ما تستحيل إلى ذاكرة...
تُرى، لماذا يصعب علينا أحياناً نسيان ما كان يمكن أن يحدث، رغم أنه لم يحدث بالفعل؟!
بالنسبة لي.. فإنني أوقن بأن المخيّلة هي الابنة الشرعيّة للذاكرة...
لذلك، فإنّ أكثر ما أخشاه وأحذره، هو عقوقها.
لأن (العقوق) هنا غالباً ما يؤدي إلى (العقم).
"شاهد" يعلم جيداً أنني أتذكّره كما أتخيّله... وأتخيّله كما أشاء...
كنت وإياه، نأتلف بقدر ما نختلف.. وكنّا نتكامل كنصفي دائرة دون أن نغرق في دوّامة المنافع المتبادلة.
إنه يكره "ميكافيللي" جداً.. وأنا لا أحبّه أبداً.
فالوسيلة في عُرْفنا، هي غايةٌ أخرى. والغاية لا تبرّر نفسها، بل تفسّرها.
أما التبرير، فما هو إلاّ نقيصةٌ بشريّة.
كان لدينا قناعة مشتركة.. وتامة، بأن الحياة، كالرياضيات المعاصرة.. قائمةٌ على قانون: "التفاضل والتكامل"...
فالأقطاب الحسيّة تشحن الذهن.. والتفاعلات النفسية تولّد الشعور...
وكم أكون محبطاً، عندما أواجه المعادلة الأصعب في حياتي، وهي:
تزايد رغبتي في القيام بعمل ما.. مقابل تناقص قدرتي على إنجازه.
باختصار؛ لقد كنّا نتعاقب كالليل والنهار...
فأنا ليله الذي يستيقظ فيه والناس نيام.. ثمّ يذهب لكي يتمشّى في شوارع وأحياء عمّان القديمة التي تبدو له من شرفة عينيه، كآيةٍ من الجمال.. أنزلها الله على سبعةٍ من الجبال...
فيتأملها بدهشة طفلٍ كبير في الجامعة...!
أما هو.. فنهاري الذي أذهب فيه إلى العمل، وقلبي ممتلىءٌ بمزيجٍ عجيبٍ من مشاعر اليأس والأمل...
لقد كنا نتسابق معاً مندفعين بتسارعٍ كبيرٍ على المنحدرات.. ثم نرى أيّنا يستطيع أن يتوقّف قبل الآخر...!
يوماً ما، سوف نذهب معاً لنحتكم إلى "أدهم المر" الذي سيمسك بيده تفاحةً حمراء، ثم يقسمها إلى نصفين.. فيعطي "شاهد" نصفها الأخضر.. ويعطيني نصفها الأصفر!
ثلاث ابتسامات على وجوهنا.. ستضيء مجتمعةً طريقنا الواحد إلى ما بعد ذلك بكثير...
منذ بداية مشوارنا معاً، خاطبني "شاهد" ناصحاً:
اسمع يا صديقي.. إذا أردْتَ أن تقول أيَّ شيء.. فتكلّم... أما إذا أردْتَ أن تقول كلَّ شيء.. فما عليك إلاّ أن تصمت.
صوت الحياة.. صدى الموت...
(هو):
للمرّة الأولى في حياته، أحسّ "شاهد" بأنَّ الموت يقترب من أطراف أصابعه.. حتى يكاد يلمسه دون أن يراه.
قالت إحدى يديه للأخرى: الميت لا يتذكّر.
ردّت الثانية معقّبةً: وهو أيضاً لا ينسى.
كان ذلك إثر خبرٍ صاعقٍ جاءه عبر الهاتف، فاخترق أذنه اليسرى.. دون أن يخرج من الأخرى.
لقد مات والده واقفاً على رأس عمله، كما تموت النسور على قمم الجبال.
بيد أنه لم يعمّر مثلها فيبلغ المائة عام.. ولم يفعل كما تفعل حين تشيخ.. فتطير إلى أقصى ارتفاع يمكن أن تصل إليه.. ثم تتوقف عن التحليق.. وتفقد عامدةً الإحساس بأجنحتها.. فتهوي على قمم الجبال مرتطمةً بها بقوّة!
إنها تنتحر بهذه الطريقة لشدّة اعتزازها بنفسها.
فالعزّة التي لم يكسرها الضعف.. هي التي أفضت إلى الموت الذي لم يمنعه الخوف.
لكن "سميح" والد "شاهد"، كان يملك من الإيمان ما يملك عليه قلبه.. ويمدّه بالرضى عن مصيره.. ويحول بينه وبين مثل تلك النهاية المأساوية المحبوكة بأنفة النسور وكبريائها.
تحت شجرة صنوبرٍ باكية، وأمام البوابة الخارجية لمقبرة سحاب في الجنوب الشرقي للعاصمة، وقف مطأطأ الرأس.. عابساً.. محزوناً.. ومستهيلاً وقع الصدمة ووجع الفقدان.
في تلك الأثناء، رأى حارس المقبرة الذي يقف هناك، مترقّباً وصول المزيد من الجثامين إلى مثواها الأخير.
طال صمته المشبع بأحاسيسه الرماديّة.. قبل أن يخاطب ذلك الحارس بعينيه الدامعتين.. ودون أن يتفوّه بكلمةٍ واحدة:
- مسكين أنت أيّها الرجل.. تحرس الموتى.. كما لو أنك تطرد عنهم شبح الحياة.. وتدافع عن حقّهم في ألاّ يختاروا موعد رحيلهم عن هذا العالم.. إلى العالم الآخر.. والأخير... دون موافقة أحدٍ من ذويهم، أو إذنٍ من أيٍّ من رؤسائهم في العمل. وبلا تأشيرةٍ للغياب.. أو تذكرةٍ للسفر إلى المجهول...
إنَّ الموت.. ذلك الأب الشرعيّ لكلّ المجاهيل.. هو الذي يحرسك أيها الحارس.. ويطرد عنك وساوس الشياطين الذين ليس لهم عمل يقومون به هنا.
والموتى هم الذين يتناوبون على حراسة ما في داخلك من رضى وتسليم.. وقبولٍ بهذه المهنة التي تشرف فيها دائماً على الموت دون أن تموت...
كأنَّ الدنيا بالنسبة إليك، تبدأ وتنتهي عند هذه البوابة، التي يدخل الموتى منها إلى خارج الدنيا...
هكذا نحيا في هذا العالم.. باحثين عن مدخلٍ لكل مخرج...
وعندما يداهمنا موت سوانا.. فإننا نصغي مرغمين إلى صوت حياتنا الذي لا يعدو على أن يكون صدىً للحنٍ جنائزيٍّ حزين...
مرّةً أخرى.. يعود إلى صمته.. فلا يبدّد ذلك الصمت.. إلاّ سحب الغبار المتطاير من حيث ووري والده الثرى.. فتذرف عيناه دمعتين ملتهبتين.. سرعان ما تنزلقان عن شاهد القبر الحجريّ.. وتنسربان تباعاً إلى باطن التراب.
قرأ الفاتحة مع جمعٍ غفيرٍ من المشيّعين، وظلّ وحده بصحبة الموت، بعد أن عاد الجميع إلى الحياة.
وفي جملةٍ شديدة الاعتراض.. استحضر مقولة معلّم الكيمياء في المرحلة الثانوية "بكليّة الحسين":
- "إن الموت ليس تجربة.. حتى لا تكون الأخيرة"
السوسنة السوداء
(وعد):
تُرى.. كيف يمكنني أن أقدّم له العزاء؟
وأين أنتَ منّي الآن يا ربيع بلادي.. حتّى أهدي إليه "سوسنةً سوداء"؟
كنتُ أقلّب صفحات الجريدة.. فيما بين اهتمامي الشديد ببعض العناوين..
وقلّة اكتراثي ببعضها الآخر، حينما وقعت عيني فجأةً على أحد المربّعات في صفحة الأموات.
شعرت بأن عيني-بالفعل- سقطت في ذلك المربّع...!
تحت كلمة " نعي" البارزة بخطٍّ أسود عريض، قرأت التعزية المقدّمة من"صِدّيق" والد "مثال" إلى "شاهد" في والده.
أكثر من لقاء جمع بيننا.. دون أن يعرف أحدنا ما هو اسم الآخر...
عندما عرفت مؤخراً بأن اسمه: "شاهد" أحسست بأني سأشاهد وإيّاه فصولاً جديدةً مختلفةً.. ومنفصلةً عمّا مضي من حياتي...
وما أن عرف بدوره أن اسمي هو: "وعد" حتى قال مبتسماً:
- إن في ذلك دعوة مفتوحة للأمل...
لقد أنفقْتُ على لقاءاته العابرة.. كلّ ما في حوزتي من صُدَفٍ نادرة... فماذا أفعل الآن حتّى لا أسمح لحركة الواقع من حولي بأن تحول دون لقاءٍ جديد..
يجمعنا.. ويتيح لي أن أشاركه الحزن ولو على قارعة الطريق.
فكّرتُ أن أهاتفه مواسيةً، لكنّي سرعان ما أدركتُ بأنني لن أستطيع رؤية وجهه عبر الهاتف، كي أحاول أن أمسح عنه الحزن.. وأنفض عن قسماته غبار الدَّفْن.
لطالما كان أبي يردّدُ أمامي:
- لقد كُتِبَ علينا أن نحتاج إلى الحزن أكثر من حاجتنا إلى الفرح.. والموت وحده هو الذي يمنحنا الفرصة الأخيرة.. كي نتوقف عن احتياجنا إلى أيّ شيء.
لماذا ندور حول أنفسنا.. حتّى ونحن نقرُّ بأنَّ الموت يمنحنا فرصة الاستغناء عن خدمات الحياة؟!
لم أعدْ أعرف أين أنا.. ولم يعدْ هنالك فرق بين هناك.. وهنا...!
يمكنني أن أصغي بقلبي إلى نصيحة الغياب الصادقة:
"حينما يعثر أحدكم على نصفه الآخر.. عليه التأكّد من أنه لم يفقد نصفه الأوّل".
أكاد أشتمُّ رائحة الموت..
إنها تزكم روحي.. التي لا بدّ وأن يحين ذلك الوقت.. الذي سوف تتعرقل فيه بحبل الأجل...
فتهوي إلى الأعلى.. باتجاه السماء...