صفحة 1
حصة الرسم
الأيام تتشابه هنا··
لكن حصة المسرح أفضل من حصة الرسم··
ربما··
في حصة الرسم بالابتدائي، رسم وجهاً لبنت بجديلة قصيرة، وقف المدرس على رأسه، ثم وضع علامة ( ضرب ) على رقبة البنـت·
تلك البنت ذات الجديلة، هي سبب وخز ضميره المستمر، إنها التي ذات ليلة ظلماء ذهب إلى ظلامها، لا يحمل سوى عينيه وأصابعه، ليتلمس جسدها الصغير، كانت مستكينة وكان خائفاً، ولا يعرفان ماذا حدث، في تلك الليلة التي رقصت طفولتها طويلاً، على أعتاب شيء جديد، وفي ظلال موسيقى ليلة شبقة·
ومرة رسم شمساً وقمراً، في لوحة واحدة·
ضحك الأستاذ:
- هذا لا يحصل أبداً يا ولدي··
في مسرح الجامعة، مثل نصاً مُترجماً، مع زملائه، عن الذئاب الكبيرة التي تنهب الوطن، فأغلقوا المسرح للصيانة، وحين كتب عن وخز ضميره الذي أمرضه، وأرسلها للجريدة، قالوا لا تصلح للنشر لأنها خيالية·
الأيام تتشابه بالتأكيد··
والحقيقة تظل هاربة·
بالذات الآن، في هذا العصر، كل شيء في حالة هروب·
الأيام تتشابه في مللها ورتابتها، في هذه المدينة المتحجبة، منذ عصور قديمة وحتى الآن·
حتى الوجوه تتشابه، وكل يحدق في وجه الآخر بلا هدف· لكن ما خلف كل هذه النظرات، كل هذه الحجابات··
صفحة 2
كان على وشك النوم، حين أكمل خاله قصيدة أحمد مطر، وطني طفل كفيف· وفي الصباح، ساحة البيت ملونة بالطباشير، والوقت ضحى طازج، وأنفاس تتردد بين جدران قديمة، شمس حمراء دافئة مرسومة على الوجوه النائمة، طفلة تحبو بملابس واسعة·
كيف أحببت هذا المكان، كيف كرهت هذا المكان· لا يعرف·
يخرج من الغرفة الضيقة، يرى ساحة البيت الملونة بالطباشير و···، يستلقي بجانب طفلة الحبو بملابسها الواسعة· قطة، عفاف، بأظافر طويلة، وشعر رأس منكوش، وعيون تبحلق في المكان بحبور، ووجه يجيد الإلتفاف بسرعة·
في صباح كهذا، عالياً مثل نبض قلبه، يتجاهل وخز ضميره بالسهو، يحاول أن يضع رأسه على ظهرها، ينثر أغنية حزينة بجانبها، لكنها أعطته ظهرها، ومضت، يتذكر رائحة جسدها التي مضت هي أيضاً، كأنها رائحج استيقاظ، أو رائحة بول قديم، ويعود للسؤال، عن الفرق بين الروح والجسد·
- يا الله·· غير ملابسك، وأغسل وجهك·
يود أن يمرض من أجل أن يظل هكذا، شيء معلق بين السماء والأرض، فيبكي·· لماذا يبكي ؟·· لا يعرف·
خوف يولد شكوك من كل شيء··
لم الخوف·· ؟
عندما أنام اختنق بريقي فأصحو هلعاً بنفس يكاد ينقطع، أشرب كأس ماء ثم أنام·
حصل على وظيفة كانت حلماً، ثم صارت إلى واقع رتيب· منذ تلك اللحظة التي بدأ فيها العمل، مروراً بلحظات أخرى، رأى فيها مديره في العمل، ينظر في ساعته وقت الاجتماعات، بينما المسئول الأعلى منه، انشغل بالمكالمات الهاتفية، وكأنهم جميعاً، في حالة قلق، ورغبة في الهرب من هذه الارتباطات، بدأ يشعر أن العمل الذي كان حلماً، يتهاوى أمامه الآن، يرى نفسه، مثل شيء محبط، سقط ذلك الشيء الثمين الذي كان يحمله، تكسر إلى شظايا صغيرة·
مزق صفحة من حياته، كتبها ذات يوم في مسرح الجامعة، وخبأها في جيب أفضل ثيابه، كانت عن عمل يحقق به ذاته، فتحولت الورقة إلى شيء آخر، لا علاقة له بأحلامه القديمة·
صفحة 3
قال له مديره في العمل، وهو قريبه أيضاً:
- واظب على وظيفتك من أجل الترقية، وحتى تتقاعد براتب جيد·
صدمته النصحية··
لكن والده أكد له:
- هذه نصيحة من إنسان مجرب··
هنا بدأ الخوف··
بدأت الشكوك في كل شيء، أحياناً مجرد وخزة ضمير، لكنها تهز كيانه بالكامل·
ترك الوظيفة، ذهب إلى أخرى، وعرف فيما بعد أن مديره السابق صار رجلاً ثرياً، وفتح مدرسة خاصة، ثم صار مستشاراً في مكتب رجل مهم··
أخيراً استقر به الوضع في شركة، شركة جديدة مليئة بالمهندسين والعمال الهنود، لكن العمل بها مرتبك وغير واضح، وفوجئ ذات ظهيرة أن مدير الشركة أحضر غداءً للمهندسين والعمال، صحوناً كبيرة من الرز والدجاج، وضعوها على مفارش وسط صالة المبنى، أكلوا جميعاً وهم يتحدثون عن كل شيء، ويعصرون الليمون على كل شيء، ثم يشربون الكولا، وبعد الانتهاء انفرد مدير الشركة بالمهندس المسئول، وأوصاه خيراً بالشركة، لأنه يريد السفر خارج الوطن ( للاستجمام )، سأله المهندس عن رواتب العمال، قال بعجل: إذا عدت يا أخي، ثم ذهب إلى سيارته، فلحق به أحد العمال وهو يركض صائحاً: مدير·· مدير·· يا صديق، سأله المدير: ماذا تريد يا عظيم الزمان، قال عظيم: راتب يا شيخ، قال المدير بحدةٍ: أذهب للمهندس، ثم أطلق عجلات سيارته للريح·
واصل العمل في هذه الشركة الجديدة التي بلا مدير، عدة أشهر، لكنه لم يجد هذه الشركة، حين ذهب لها ذات صباح كئيب، كانت خاوية على عروشها، سأل حارس المبنى المجاور، قال له: لا أعرف، ومن الصحف عرف أن المهندس المسئول نهب كل شيء وهرب، وأن المدير ( المستجم ) حين عرف بالقصة أصيب بجلطة، في مكان (استجمامه)، فصارت رحلة علاج أيضاً، أما عظيم الزمان فقد عمل سائقاً، في البيت المقابل لمبنى الشركة سابقاً·
صفحة 4
عاد إلى الوظيفة الحكومية مرة أخرى، بعد أن تجاوز الكثير من أحلامه، يحضر صباحاً للعمل، يوقع الحضور، يقرأ الصحف، يتحدث مع زملائه، يضحكون، ثم يفكر كيف يخرج من العمل باكراً لكي ينام، أو يقرأ، أو يتابع المسلسلة اليومية·
لازالت الأيام تتشابه··
عندما مثـّل أول نصّ مسرحي على مسرح الجامعة، صفّق له الأساتذة والزملاء، لكن بعد التخرج، لم يجد خشبة مسرح، وجد مسرحاً عبثياً في تفاصيل حياته اليومية، ولهذا وجد من الأفضل، أن يكون أحد أعضاء هذا العبث، وليس مجرد شاهد·
هجر الكتابة بعد تلك الخاطرة الخيالية، بدأت حياته تدريجياً تدخل مناطق أخرى جديدة عليه، إذ تعرف على أصدقاء جدد، وحياة جديدة، وشيئاً فشيئاً بدأ يعيث في حياته فساداً، سفر وسهر على طول الطريق، حتى نزل بهدوء إلى العالم السفلي لهذه المدينة المتحجبة، وتعّرف على عالم الخيال الحقيقي، المليء بوجوه النساء وأنواع الخمور المحلية والمستوردة، أما تلك الأحلام العظيمة، فقد أغلق عليها في غرفة مؤجلة، داخل رأسه·
غرفة واسعة تستقبلهم مساء كل يوم حتى نهاية الليل، في إحدى شقق شارع الخزان، غرفة شهدت ركاماً هائلاً من الحكايات التي لا تـُنسى·
قال وهو يريد النوم بعد يوم مليء بالآثام: أشعر أني شيء مؤجل·· ثم نام·
نام ليوم كامل أخاف أهله، يختنق بريقه، يصحو هلعاً، يشرب كأس ماء ثم يعود للنوم، تملؤه رائحة الغرفة العالقة منذ زمن بالوسادة، بينما ترتفع من رأسه أصوات خافتة تئن متوازية مع أزيز غامض يدور في رأسه فيؤلمه حتى البكاء· أو الموت، مع فقدان خفيف للذاكرة···
كان يسأل نفسه وهو يزور هذه الأماكن الجديدة، والمظلمة، والواطئة، ما الذي أتى بي إلى هنا، وفي مساء الغد، ينسى أسئلته، ويذهب لها من جديد، تدوخه السجائر الغامقة اللون التي تخدر رأسه، فيضحك ملء روحه، ويسمع من الجالسين أخبار السياسة، ونتائج مباريات كرة القدم التي يعشقها، دون أن يشاهدها، كما كان يحرص طالباً·
ظهر كل خميس، كان يذهب مع أهله إلى الأقارب، يتناولون الغداء، ويعودون في المساء· أحياناً كثيرة لا يذهب معهم، يظل نائماً حتى العصر، يوقظه والده بعد عودته: أنهض يا عدو الله، ليبدأ الموعد مع عراك طويل، ينتهي بهربه المؤقت من البيت·
صفحة 5
بعد انتقالهم إلى الفيلا الجديدة، انقطعت عادات الغداء بين الأقارب كل خميس، وظلت علاقته بوالده مثل درجة حرارة مدينة الرياض، غير مستقرة على الإطلاق، أحياناً تكون في ذروة مجدها، بسبب تنازل من الطرفين، وأحياناً تسقط إلى أسفل سافلين، بينما أخذت والدته المسالمة موقفاً محايداً من كل ما يحدث، لكن علاقته بأخته عفاف ظلت علاقة حب صافية وحميمة ورفيعة من الطرفين، فهو خادمها المطيع، رغم أنه أكبر منها، لهذا ظلت تراه أفضل الشباب مهما فعل، ويراها أفضل البنات·
الأيام متشابهة بلا جديد، والحقيقة تظل هاربة دائماً·
خوف مدمر من كل شيء··
خوف يتناسل عدم ثقة في كل شيء··
وجهه يحّمر حين يقابلهم· بتعليقاتهم الفضولية··
عيونهم صارمة··
يضحكون·· بلا عفوية، ضحك مقصود، للإساءة·
وهو يأكل في روحه، وحين ينام يختنق بريقه·
أو ينام مملوءاً بالهواجس والوساوس والأصوات المتداخلة، التي تملأ رأسه الضاج، فتحيل نومه إلى شيء مقلق يكرهه:
هل هذا هو المستقبل الحلم الذي كنت أنتظره··؟ ثم يغير وضع رأسه على الوسادة الساخنة: أريد أن أظل هكذا لكي أنزل إلى متكأها الحالم، وأكتب عن أحلامنا معاً، وجنوننا معاً، وموتنا معاً موتاً جماعياً·
يفكر الآن في جسده، وفي روحه التي كادت أن تخرج من جسده ذات ليلة، قبل أن يشرب كأس الماء:
أين كانت روحي قبل جسدي؟·· هناك في السماء·
هل يمنع كأس الماء روحي من الخروج··
ثم دخل في هلوس، ما يشعره وما يعيشه، بين واقعه وما يتوهم دائماً آنه واقعة، في أحلام اليقظة، وفي أحلام النوم القلقة· ودائماً مشكلة الروح والجسد، علامة هذا الضجر، الذي يحاول أن يقرأه في عيون الناس، فيرتاح قليلاً·
صفحة 6
صمت الأشياء
في الصباح أكل جبنة مثلثة مع قطعة خبز، وشرب كأس الشاهي واقفاً، ثم خرج، كان يفكر في أشياء كثيرة، وخلفه تتساقط أشياء كثيرة، يفكر في أسئلة الطبيب في الزيارة الأولى، وماذا سوف يسأله بعد قليل· في الطريق كان أقل انتباهاً وأقل تركيزاً، لا يرى سوى هذا الثعبان الأسود الممتد أمامه، حتى وصل مقر العمل، وقع الحضور متأخراً، ثم انطلق نحو العيادة، لكن حديث صديقه الأسبـوع المـاضي لا زال يرّن في أذنه·
قال له: هذا الطبيب النفسي سيء السمعة··
- كيف ؟
- تحرش ببعض مريضاته وحصلت مشاكل··
- يمكن هذا الطبيب بحاجة إلى طبيب·
يتذكر أسئلة الطبيب السابق·
لماذا تشرب، هل تمارس العادة السريـة، هـل تحب الله، هـل تحـب والديـك، هل تحب الناس، هل تحب الحياة، ما علاقتك بالنساء، هل تحب وطنك، كم ساعة تنام في اليوم، هل تدخن، هل تداوم على الصلاة·
يذكر سأل الطبيب: وما دخل الصلاة·
قال الطبيب: أنت أجب فقط، أقول لك من أنت ( يضحك )·
في غرفة الانتظار صحف كثيرة قديمة، تناول واحدة، قرأ عناوين متكررة دائماً عن أمريكا وإسرائيل والقمة العربية، وعن مظاهرات القاهرة ضد إسرائيل وأمريكا، رمى بالجريدة، ودخل على الطبيب بعد أن سمع أسمه، وهو يفكر إننا في هذا الوطن نعيش في صندوق مغلق بعيداً عن العالم، كأنه يرى هذا الصندوق يعوم في بحر كبير تتلاطمه الأمواج، بلا بوصلة تهديه·
كان الطبيب يسأله بسرعة، كأنه يحفظ هذا الكلام بالحرف الواحد، وفي أغلب الأحيان هو نفسه من يجيب على أسئلته، وحين ينطق هو بكلمة، يتدخل الطبيب، يلتقط هذه الكلمة، يعلق عليها بثرثرة طويلة·
صفحة 7
قال للطبيب: أختنق بريقي وأنا نائم·· وأحيانا أفقد الذاكرة·
قال الطبيب··· وكأنه جهاز تسجيل:
- في الذاكرة شوارع مثل شوارع المدن التي مررت بها في حياتك، هذه الشوارع لها شبيه في رأسك، وهي في النهاية شوارع الذاكرة، لكنها أحياناً تشبه الشوارع المسدودة·
ثم بحماس:
- حاول استعادة الذاكرة حين تأتيك الحالة، حاول أن تعد من الواحد إلى العشرة، سوف تعود الذاكرة سريعاً، وهذا يعني أن حالتك طبيعية، لكن لا تستسلم ولا تضعف، حاول أن تسجل كل شيء مرّ في حياتك على شكل نقاط مثلاً، لتنشيط الذاكرة·
ثم·· استدعى المريض الآخر··
خرج من العيادة محبطاً، وقد عقد العزم على عدم العودة للاطباء ثانية·
كانت المسافة بين العيادة والبيت غريبة وجديدة، كأن الرياض تحولت إلى شيء آخر، شيء يشبه المنزل الخرساني الصلد الذي سكنوه حديثاً، يسمونه ( فيلا)، شيء كأنه يريد أن يلمس روحه الشرسة، ويقول له: أنا لست أنا، وأنت لست أنت· مساحات عميقة من الصمت في هذه المدينة، بينما العالم يغلي في الخارج، صمت ضاج يمنحك فرصة الإنصات إلى قلبها، هواجسها· أيام متشابهة في هذه المدينة التي لا تعرف هل هي متدينة أم منحلة، مدينة كاتمة صوت، مثل (قدر) مكتوم على وشك الانفجار·
يشعر بغربة عميقة ورغبة في البكاء، بينما الرياض تدور معه، من شارع العليا، إلى شارع مكة، إلى شارع الخزان، مروراً بأحياء الطفولة، حتى حي الشميسي، ثم حي البديعة الجديد الذي احتضن قبل أشهر أحلامهم الجديدة، في بيت واسع وموحش، مشوار كأنه عمر من العيادة للبيت، الآن·· سيارة بجانبه قبل المنعطف الأخير لحارتهم، ترفع صوت موسيقى يعرفها، وامرأة بكامل لبسها الأسود بجانب رجل يدخن ويضحك كأنه يرقص، وهي توميء برأسها فقط، وربما كانت تضحك، وإلى اليمين محل للتسجيلات الإسلامية، التي انتشرت في كل الشوارع، ثم صف من المطاعم والخياطين والبقالات التي لا تنتهي، ثم السوق المركزي الذي بُني حديثاً وصار مكاناً لالتقاء العشاق، وأخيراً هاهو المنعطف الأخير، ثم تتوقف سيارته أمام باب بيتهم مباشرة، نزل فوجد والده يجلس على عتبة باب ( الفيلا ) الجديدة التي سكنوها حديثاً·
سأله مباشرة: أين كنت·
قال له: في العمل·
صفحة 8
قال: أريدك في مشوار·
سأل: الآن·· ؟
قال: بعد العصر·
دخل البيت الذي حلمت به العائلة ثلاثون عاماً، وهاهو يتحقق أمامهم الآن، لكن بلا روح· يدخل الحمام، يضع رأسه تحت حنفية الماء، ربما تخف وطأة هذا القيظ العظيم، كان يسأل نفسه عن هذا الملل الذي غرقت فيه العائلة جميعها، منذ وطأت أقدامهم، هذا الحي الجديد، وهذا البيت الخرساني الثقيل، قبل عدة أشهر، منذ تركوا بيت الطين الذي مازالت رائحته عالقة في جسده·
كان يظن أن حياتهم سوف تنطلق إلى فضاءات جديدة، لكن لا سبب واضح لهذا الإحساس الحاد بالملل والغربة والفراغ، هل يعود لتشتت الأهل والأقرباء في عدة أحياء متباعدة، بعد أن كان الجميع في أحياء صغيرة متجاورة، أو يعود لتشتتهم داخل هذا البيت الواسع الموحش، وانفراد كل واحد بغرفته وحياته الخاصة، لا يعرف، أغلق حنفية الماء، وضع فوطة على رأسه، وهو يسمع صدى موسيقى خفيفة، تأتي من إحدى الغرف، ربما غرفة أخته، خرج من الحمام، دخل غرفته، قال لن أنزل للغداء ولن أخلع ملابسي، اتجه رأساً إلى السرير، رمى جسده، وفتح جهاز التسجيل، كما لم يكن معتاداً، وآثر هذا اليوم أن ينام على ظهره، ويا الله، راحة تكشف عنها هذه الطريقة في النوم ؟!، كان يحدق في سقف الغرفة كأنه يراه لأول مرة، وعندما نظر إلى أرضية الغرفة شمله دوار عظيم، حتى أن سلطان النوم، دهمه فجأة، على غير عادة، فهل كان بحاجة إلى مثل هذا التغيير كي ينام بسرعة ؟!· أفاق أول العصر، بعد ساعة من نوم قلق، رأى فيها، أن هذا البيت الجديد مليء بالمياه حتى الأسقف، وهم يعومون داخله، كما لو أنهم أسماك حزينة·
نــزل الـدرج في أربـع وثبات سريعة، حتى دخل في ظلمة الدور الأرضي، ثم خرج إلى الشارع مروراً بأمه النائمة في الصالة، بينما يصدح من ( الرادو ) الصغير بجانبها صوت المقريء، وهو يرتل سورة يوسف من إذاعة القرآن، ومروراً بالحديقة الصغيرة المؤدية للشارع· وجد والده ينتظره بعد أن أدى صلاة العصر، ركب معه في سيارتــه·
سأل الابن: إلى أين·
صفحة 9
قال الأب: إلى بيتنا القديم·
انطلق إلى هناك وهو يفكر، هل يشعر والدي بالغربة أيضاً في هذا الحارة الجديدة، وفي هذا البيت الواسع الذي طال انتظارنا له، شعر بكآبة عابرة وهو يفكر بحالهم، التي تشبه شمعة على وشكل الانطفاء، شمعة تقاتل هذه الريح التي تهب عليها من كل الجهات لكي تبقى، كان يحس أن الزمن، مثل نهر قوي يريد أن يجرفهم جميعاً، إلى أماكن لا يعرفونها، ووجوه لا يعرفونها، وفكر إنه زمن الطفرة الاقتصادية، زمن الأغنياء والأقوياء وأبناء الذوات، وليس زمن الفقراء والمرضى والحالمين، زمن الانتقال نحو عالم غامض لا يعرفون عنه شيئاً· يشعر فيه كأنه كائن ضائع ومعطل· كان والده صامتاً في السيارة، وكان يشعر أن قسوته الدائمة تمنعه الآن من تقبيل يده اليسرى، التي وضعها بجانبه، وقد اتكأ على صندوق القماش الذي بينهما·
لماذا لا أخبرة بتعبي، هل سوف يهتم، ربما أنه يخفي وراء قسوته طفلاً لا يبوح بأسراره·
وصلوا حارتهم القديمة، كان الهدوء وعتمة خفيفة ورطوبة، تلف شوارعها الضيقة في هذه العصرية الحزينة، بينما لا زالت جدرانها تحفظ كتاباتهم القديمة، وترابها يحفظ وقع أقدامهم القديمة، أوقف السيارة في الشارع أمام الباب مباشرة، نزل والده، ونزل وراءه، فتح الباب ودخلا، توقف الأب وسط ساحة البيت، بعد أن هرب عصفوران من الفتحة الواسعة في السقف، ثم أخذ يتلفت حوله كأنه يبحث عن شيء، وسط أكوام التراب·
سأله ابنه: ماذا ستفعل ؟
قال الأب: من هنا··· نحفر هنا··· أسفل هذه الجدران الطينية·· ثم نضع أحجاراً قوية تحمي البيت·
مشى وسط البيت الصغير بتثاقل، وكان صامتاً، ثم طلب من ابنه أن يُحضر أدوات الحفر من الغرفة الصغيرة، أحضرها له، فبدأ الأب يضرب أسفل الجدار الطيني المتهالك وسط الدار، والابن يحمل التراب خارج الحفرة·
حفر كثيراً حتى التعب، توقف، أخذ في يده حفنة من التراب الطيني، شمّها··
سأله: ماذا ؟
صفحة 10
قال الأب: هذه الرطوبة تأتي من (البيارة)·
قال الابن: هل نشفط (البيارة)·
لم يرد عليه، وواصل الحفر···
- هل أحفر عنك··
- أنت لا تعرف الطريقة، يجب أن لا يختل توازن البيت·
استمر الأب يحفر حتى تعب، جلس على المرتفع الترابي·
قال: سأستريح قليلاً·
قال الابن: يكفي هذا اليوم ونحضر عاملاً في الغد·
قال: لا··، ثم استلقى على ظهره·
لاحظ الابن، بعد قليل، أن والده نام على التراب، في لحظة كان أذان المغرب على وشك الارتفاع، والوقت يدخل في ظلام، بينما كان الابن يشعر بالآلام في أطراف جسمه، وجسده يرتعش كأنه ضوء يهتز، ووخزة خفيفة في رأسه تأتي وتروح، أسند ظهره على الجدار، وهو يحس أن يداً ملوثة بالدم، تتحرك داخل صدره، كأنها تريد أن تقبض على قلبه، عرق بارد ينضح من جسده، جلس على الأرض، ولاحت له رغبة في إشعال سيجارة، لم يفعل احتراماً أو خوفاً من هذا الشيخ النائم أمامه· والده الآن يرقد بسلام ومتعة، بينما هو في منطقة وسطى ما بين بيت طيني فقد الاهتمام به، وبيت جديد لم يكّن له مودة بعد·
يتأمل نوم والده، يتذكر، تلك الحيرة أو المطب الذي وقع فيه والده، قبل الانتقال إلى الحارة الجديدة بأشهر، حيرة من نوع عميق لم يستطع أن يخرج منها بسهولة، حين تقدم لأخته عفاف شابان، الأول ملتحي قصير الثوب ومتوسط التعليم، ويتحدث بطريقة جماعة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخر جامعي لكنه يدخن، الاثنان من عائلتين طيبتين كما يقال لكن···، هو ووالدته وقفا مع الشاب الثاني، ومعهم أخته صاحبة الشأن، أما والده وشقيقه الذي يصغره فقد كانا مع الأول، وهكذا أسابيع طويلة من المشاورات والمشادات والخلافات، حتى وصل الأمر بوالده، إلى رفض الاثنــــين·
ظل يفكر بصورة أخرى تجاه هذه المسألة··