eKtab
EN ع
كازانوفا في بولزانو
اقرأ عينة مجانية

كازانوفا في بولزانو

بقلم ساندور ماراي

صفحة 1

سيد محترم من البندقية

كازانوفا في بولزانو
كان في ميستر حين توقف عن التفكير، أوشك الراهب المتهتك بالبي أن يجعل رجال الشرطة يشمّون رائحتهما، ظل يبحث عنه عبثاً حين كانت عربة البريد على وشك الانطلاق ولم يجده سوى بعد بحث طويل، في مقهى، جالساً يحتسي مشروب شوكولاتة ويغازل النادلة بسرور. نفد ما لديهما من مال حين وصلا تريفيسو، فتسللا من بوابات كنيسة سانت توماس المؤدية للحقول، ثم زحفا بمحاذاة خلفيات الحدائق وحوافِّ الغابة حتى وصلا أطراف فالديبيادين عند الفجر، عندئذ أخرج جياكومو خنجره وغرز نصله تحت منخار رفيقه المقرف وطلب منه أن يقابله ثانيةً في بولزانو، ثم افترقا. تسلل الراهب واجماً إلى بستان زيتون وهو يزيح جذوع الأشجار العارية. قامة مزرية وقذرة تبتعد حتى تصير نقطة نائية، ينظر إلى ما يخلفه وراءه بنظرة كئيبة غريبة ككلب أجرب طرده سيده.
ما إن اختفى الراهب أخيراً، حتى انطلق جياكومو إلى وسط البلدة، وبغريزة عمياء يقينية، لجأ للمبيت بمنزل قائد القوة العسكرية. استقبلته زوجة القائد، امرأة دمثة الخلق، وأعدّت له عشاء، ونظفت له جروحه ـ كان دم متجلط قد التصق بركبتيه وكاحليه بسبب حكّهما بالرصاص وهو يقفز من أعلى السقف ـ أخبرته زوجة القائد قبل أن يسقط في النوم أن القائد خارج المنزل في مهمة بحث عن سجين هارب. تسلل خارج المنزل في اللحظات الأولى من الفجر، وقطع بضعة أميال أخرى. بات ليلة في بيرجين، وبعد ذلك بثلاثة أيام وصل إلى بولزانو ـ في عربة خاصة هذه المرة ـ إذ كان قد انتزع ستَّ قطع ذهبية غصباً من أحد معارفه.
كان بالبي هناك في انتظاره. نزلا بفندق الستاج. لم يكن لديه لا أمتعة ولا معطف، وكان شكله مزرياً. لم يتبق من بذلته الحريرية زاهية الألوان سوى أسمال، وكانت رياح نوفمبر القاسية تعصف بشوارع بولزانو الضيقة. تفحّص صاحب الفندق ضيفيه الرثّين وتمتم بعصبية:
ـ «أفضل الحجرات؟»
أجابه جياكومو بهدوء وحسم:
ـ «الأفضل. ونبِّه على العاملين في المطبخ عندك، أنتم في هذه الأنحاء تفضّلون طهو كل شيء بدهن زنخ بدلاً من الزيت، وأنا لم أحظَ بوجبة حقيقية منذ مغادرتي الجمهورية! أريد الليلة ديكًا ودجاجًا، ليس دجاجة واحدة، بل ثلاثًا، وبالبندق، واجلب بعضًا من نبيذ قبرص إلى أن يجهز الطعام. هل تحدّق في ملابسي؟ هل تستغرب وصولنا هكذا خاليي الوفاض بلا أمتعة؟ ألا تصلكم الأخبار هنا؟ ألا تقرأ اللايدين جازيت؟ أيها المغفل!» صاح بصوت أجش، فتحشرجت قصبته الهوائية بسعال مؤلم إثر أصابته بالبرد خلال رحلته. «ألم تسمع بأن سيداً محترماً من البندقية قد تعرّض وخَدَمَه للسطو على الحدود؟ ألم يظهر رجال الشرطة بعد؟»
ـ «لا، سيدي»، أجاب صاحب الفندق مذعوراً، فكتم بالبي ضحكته في طرف كمّه.
حظيا في نهاية الأمر بأفضل الحجرات: قاعة صغيرة بنافذتين طويلتين كبيرتين تطلان على الساحة الرئيسية، أثاث بأقدام منحنية، زجاج بندقي أعلى المدفأة، وناموسية فرنسية في غرفة النوم. كانت حجرة بالبي في نهاية الرواق، أسفل سلم ضيق شديد الانحدار يفضي لمبيت الخدم. وكانت له تعويضاً أسعده كثيراً.
ـ «سكرتيري»، قال جياكومو لصاحب الفندق وهو يشير إلى بالبي».
ـ «إن الشرطة صارمة للغاية»، قال صاحب الفندق بنبرة اعتذار، «سيكونون هنا في أية لحظة. إنهم يسجلون كل الضيوف».
أجابه جياكومو بلا مبالاة:
ـ «قل لهم إن ضيفك رجل نبيل. سيد محترم...».
ـ «حقاً!» أجاب صاحب الفندق بحماسة، وانحنى بشدة الآن، ذليلاً وفضولياً، وقبعته المزركشة في يده. وكرر مؤكداً: «سيد محترم من البندقية».
نطق الكلمات كما لو كانت لقباً أو مكانة رفيعة. حتى بالبي انتصبت أذناه لوقعها. دوّن اسمه في سجل الزوار بخطِّ مُتقنٍ وخبير. كان وجه صاحب الفندق أحمر من الحماسة: ظل يمسح صدغيه بأصبعه الثخين عاجزاً عن تقرير ماذا يفعل. هل يهرع إلى قسم الشرطة أم يركع على ركبتيه ويُقبِّل يد الرجل. وإذ لم يقرر شيئاً، وقف ببساطة صامتاً.
صفحة 2
أشعل في النهاية فانوساً واصطحب ضيفيه إلى الطابق الأعلى. كان الخدم منهمكين في تجهيز المكان: جلبوا شمعدانات كبيرة مطلية بالذهب، وماءً ساخناً في آنية فضية، ومناشف كتان صناعة ليمبورج. خلع الضيف ملابسه ببطء مَلَكي، كملك في حمّامه، ناول ملابسه القذرة قطعة قطعة لصاحب الفندق وخدمه الذين اضطرُّوا لقص سرواله الحريري المُضرَّج بالدماء من كلا الجانبين لالتصاقه بجسده، غمر قدميه في الآنية الفضية المليئة بالماء وهو يميل بجلسته إلى الوراء في مقعد بذراعين. متلبد الشعر ومهيب، يكاد يفقد وعيه إجهاداً. غلبه النوم في لحظات قليلة وتمتم وصرخ، جاء بالبي وصاحب النُّزُل والخدم وحاموا حوله بأفواه فاغرة، أعدوا الفراش في غرفة النوم، وأسدلوا حوله الستائر، وأطفأوا الشموع كلها تقريباً. اضطروا لطرق الباب عدة مرات ليُدخلوا العشاء. سرعان ما سقط في النوم ثانيةً، ما إن فرغ من تناول العشاء، حتّى راح في النوم إلى ظُهر اليوم التالي بوجه منبسط ومرتاح ولا مبالٍ كوجه جثة عمرها يوم واحد.
ـ «سيد محترم»، قالت الفتيات وهن يضحكن ويهمسن ويغنين ويقمن بأعمالهن في المطبخ والقبو. يغسلن أدوات المائدة، يمسحن الأطباق، يقطعن الخشب للمدفأة، يخدمن في البار، يتحدثن تارة وأصابعهن تواري أفواههن، ويضحكن تارة أخرى، في النهاية يهدأن ويُذعن الخبر بفضول ثم يضحكن: سيد محترم، نعم، سيد محترم من البندقية.
ظهر في المساء رجلان من شرطة التحرّي السرية اجتذبهما اسمه، ذلك الاسم المشين الذي لا سبيل لمقاومته، خَطر وفاتن، اسم يفوح بروائح المغامرات والهروب، اسم يجذب شرطة التحرّي السرية في أي بلدة يحل فيها. أرادا أن يعرفا كل شيء عنه:
ـ أهو نائم؟.. أليس لديه متاع؟
أجابهما صاحب الفندق:
ـ «خنجر، وصل وليس معه سوى خنجر».
ـ «خنجر»، كررا وهما يومئان برأسيهما بحماسة ومغالاة. سأل أحدهما: «خنجر من أي نوع؟»
ـ «خنجر بندقي» أجاب صاحب الفندق بأسى.
ـ ألحّا في السؤال: «لا شيء آخر؟»
ـ فقال صاحب الفندق: «لا شيء آخر، ليس معه سوى خنجر».
أدهشت تلك المعلومة التحرّيين. لم يكن ليدهشهما لو كان وصل حاملاً غنيمة: أحجارًا نفيسة، مُسكرات، قلادات، أو خواتم خلعها من أصابع نساء بريئات قابلهن في أسفاره. كانت سمعته تسبقه كرسول يُعلن عن اسمه. كان الأسقف قد بعث بالفعل صباح هذا اليوم برسالة لمأمور قسم الشرطة يطلب منه طرد الضيف صاحب السمعة المشينة بالقوة، وظلت حانات تيرول ولومباردي منذ الصباح، وحتى في المساء بعد العشاء، تعجّ بالحكايات عن هروبه.
قال التحرّيان وهما يهمسان في أذن صاحب الفندق ويكوّران أيديهما:
ـ «راقِبه، راقبه بحرص وسجّل كل كلمة يتفوه بها. يجب أن تأخذ حذرك منه جيداً. إن وصلته خطابات يجب أن تعرف مرسليها، وإن أرسلها هو يجب أن تعرف إلى من يرسلها. راقب كل حركة من حركاته! يبدو...أن لديه من يحميه. ليس بإمكان حتى قداسة الأسقف أن يلمسه».
ـ «حتى الآن»، أضاف صاحب الفندق بحكمة.
ـ «حتى الآن»، ردد التحريان السرّيان بوجوم.
غادرا على أطراف أصابعهما بوجهين كئيبين تثقلهما الهموم. جلس صاحب الفندق في الحانة وتنهّد. لم يكن يحب الضيوف سيئي السمعة ممن يثيرون شكوك الأسقف أو الشرطة. فكر في الضيف نفسه، في النيران والجذوات المتقدة التي تتراقص في عينيه الناعستين، فانتابه الخوف. تذكر الخنجر، الخنجر البندقي، متاع ضيفه الأوحد، فزاد خوفه. فكّر في الأخبار التي تلاحق خطواته فبدأ يسبّ في سرّه ثم زمجر صارخاً بغضب:
ـ «تيريزا!»
دخلت فتاة في ملابس النوم، في السادسة عشرة من عمرها، تحمل بإحدى يديها شمعة مشتعلة وبالأخرى تشد طرفي قميص نومها عند صدرها.
همس وهو يدعوها للجلوس على ركبتيه:
ـ «أصغي إلي يا تيريزا، أنا لا أثق في أحد غيرك، لدينا ضيوف خطرون، هذا السيد المحترم..».
ـ «من البندقية؟» سألت الفتاة بنبرة غنائية لتلميذة.
ـ «البندقية، نعم، البندقية»، تمتم بعصبية. «من السجن رأساً. حيث الفئران والمشنقة. اِسمعي تيريزا، سجلي كل كلمة من كلامه، اجعلي عينيكِ وأذنيكِ على ثقب مفتاح بابه طوال الوقت. بالطبع أنا أحبك كابنتي، لقد رعيتك كما لو كنتِ ابنتي، لكن إن دعاكِ لحجرته فلا تترددي. ادخلي. ستأخذين له الفطور. احترسي لنفسك وراقبيه».
ـ «سأفعل»، قالت الفتاة ثم نهضت لتذهب إلى حجرتها، برِقّة كظِل. توقفت عند الباب وتذمَّرت بصوت طفولي رفيع:
ـ «أنا خائفة».
ـ «أنا أيضاً»، قال صاحب الفندق ثم أضاف: «اذهبي للنوم الآن، لكن احضري لي قبل ذلك كأس نبيذ أحمر».
لكل هذا وذاك، لم ينم أحد منهم جميعاً جيداً في تلك الليلة الأولى.
صفحة 3

أخبار

ناموا مضطربين، يشخرون ويلهثون وينفخون، يعلمون أن شيئاً ما يحدث لهم، ينتابهم إحساس بأن أحدهم يسير في أرجاء الفندق، يناديهم، وأن عليهم تلبية ندائه بطريقة لم يلبوا بها نداءً من قبل. كان ما يطلبه الضيف وقحاً وسفيهاً وعدوانياً، وقبل كل شيء مخيفاً وحزيناً. لكنهم عند استيقاظهم في الصباح التالي، كانوا قد نسوه تماماً.
انتشرت الأخبار سريعاً وهم نائمون: لقد وصل، لقد هرب من الليدز، استطاع أن يجذّف هارباً من موطنه في وضح النهار، حكّ أنفه بإبهامه لفخامة لوردات المحكمة التفتيشية المرعبين، احتال على لورنس قائد القوة العسكرية، وأطلق سراح القس المشلوح، استطاع بطريقة ما أن يسير بخطوات متمهّلة ويخرج من حصن الدوقات، شوهد في ميستر وهو يساوم سائق عربة البريد، وهو يرشف فيرمونت بمقهى بتريفيزو، وأقسم أحد الفلاحين أنه شاهده على الحدود يلقي تعويذة على أبقاره.
انتشرت الأخبار في قصور البندقية وحانات الضواحي حيث كان الكاردينالات، وفخامة أعضاء مجلس الشيوخ، ورجال المشانق، ورجال شرطة التحرّيات السرّية، والجواسيس، ومحتالو القمار، والعاشقون، والأزواج، وفتيات الأسواق، والنساء في سرائرهن الدافئة، لدى سماعها، يقهقون: «هوو هوو!»ـ أو يضحكون بملء أفواههم برضا بالغ «هااا هاا!»، أو يكتمون ضحكهم في وسائدهم أو مناديلهم «تيي هيي!». كانوا جميعاً سعداء لهروبه من السجن. في الصباح التالي وصلت الأخبار للبابا الذي تذكره وتذكر أنه رشحه من قبل لنيل مكافأة بابوية صغيرة. وهو الآخر لم يستطع منع نفسه من الضحك. انتشرت الأخبار في البندقية: استند الغناديليون على مجاديفهم الطويلة بسعادة وظلوا يدققون في كافة تفاصيل هروبه. كانوا سعداء لأنه من البندقية، لأنه أكثر مكراً من السلطات، ولأن ثمة من هو أقوى من الطاغية والأحجار والأغلال، أقوى حتى من الليدز. كانوا يتحدثون بهدوء ويبصقون في الماء ويفركون أيديهم برضا. كانت الأخبار تثلج صدر من يسمعها فيسأل: «وماذا كانت جريمته مع ذلك؟»، «كان يقامر، وبحق السماء، لعله لم يكن شريفاً تماماً، وبالطبع كانت له موائده في حانات وضيعة، وكان يلعب مع المقامرين المحترفين وهو يرتدي قناعاً! لكن تلك هي البندقية! من ذا الذي لا يفعل هذا؟... ونعم، تعامل بخشونة مع القليلين ممن خانوه، وأغوى نساء زرنه في شقته المستأجرة بمورانو، بعيداً قليلاً عن المدينة. ولكن بأي طريقة أخرى تقضي شبابك في البندقية؟ وبالطبع كان عربيداً، ولسانه فالتاً، ويتحدث كثيراً. لكن هل من أحد يسكت في البندقية؟..». هكذا كانوا يتمتمون، ومن حين لآخر يضحكون، لأن الأخبار كانت تحمل شيئاً ما طيباً، شيئاً ما يُطيِّب الخاطر ويشفي الصدر. إذ كانوا جميعاً يدركون أن لمحاكم التفتيش ناباً مغروساً في قطعة ما من لحمهم هم أنفسهم، وأن جزءاً منهم مسجون في الليدز بالفعل، وها قد أثبت أحدهم الآن أن باستطاعة الرجل أن يهزم الطاغية والسقف الرصاص والشرطة. أن يكون أقوى من القاضي ومن مبعوث المشنقة ومن نذير الشؤم. انتشرت الأخبار في قسم الشرطة: كان الضباط يخبطون الملفات على أسطح المكاتب، يذرعون المكان وهم يصيحون. استمع قضاة التحقيق للمتهمين بأذن متحرّقة وأرسلوهم بغضب إلى السجن أو إلى المنفى أو العمل في القراقير أو إلى المقصلة. تحدثوا عنه في الكنائس، ووعظوا ضده بعد السوق لأنه يجمع الخطايا السبع في جسد واحد لعين سيُسلق في مرجل خاص به، حسبما قال القس، ثم يُشوى في نار أُشعلت له خصيصاً في الجحيم، إلى الأبد. ذُكر اسمه أيضاً في سقيفة الاعتراف، ذكرته نساء برءوس مطأطأة ممن يخبطن على صدورهن بأيديهن وهن يتقبلن وصفة التوبة. كان الجميع سعداء لأن شيئاً ما جيداً قد حدث في البندقية، وفي كل قرى الجمهورية وبلداتها التي مرّ بها.
ناموا، وابتسموا وهم يحلمون. وحيثما ذهب، كانوا يزيدون حذرهم في إغلاق النوافذ والأبواب ليلاً. وخلف الأبواب المغلقة، كان الرجال يقضون أوقاتاً أطول في الحديث مع زوجاتهم. بدا الأمر كأن المشاعر التي باتت رماداً وجمرات أصبحت تبعث دخاناً وتنبجس منها ألسنة لهب. لم يُلقِ بتعاويذ على الأبقار، لكن رعاة الأبقار أقسموا أن العجول التي ولدت هذا العام كانت أجمل وأوفر عدداً. النسوة كن يستيقظن، يجلبن الماء من البئر في دلاء خشبية، يشعلن النار في مطابخهن، يسخّنّ طاسات اللبن، يضعن الفاكهة في صواني لامعة، يُرضعن أطفالهن، يُطعمن الرجال، يكنسن غرف النوم، يُغيّرن ملاءات السرير، ويبتسمن وهن يقمن بكل هذا. ابتسامة ظلت وقتاً لا بأس به قبل أن تختفي من البندقية وتيرول ولومباردي. انتشرت الابتسامة كعدوى متفشية لا ضرر منها، حتى عبرت الحدود، فسمعوا بها في ميونيخ وانتظروها وهم يبتسمون استعداداً لها. وفي باريس، حيث وصلت حكاية هروبه لمسامع الملك وهو يصطاد في متنزّه الغزلان، وابتسم هو الآخر. شوهدت الابتسامة في بارما أيضاً، وتروين، وفيينا، وموسكو. كانوا في كل مكان يبتسمون، بينما كان رجال الشرطة وقضاة التحقيق والقوات العسكرية والجواسيس ـ كل من يتعلق عمله بإبقاء الناس في قبضة الخوف من السلطات ـ يواصلون عملهم بريبة وكدر. لأنه لا شيء أخطر من رجل لا يخضع للطاغية.
صفحة 4
كانوا يعلمون أنه لا يملك سوى خنجر، لكنهم ضاعفوا قوات حرس الحدود لعدة أسابيع. ويعلمون أنه ليس له حلفاء ولا يبالي بالسياسة، مع ذلك وضع رئيس محكمة التفتيش استراتيجية حملة شاملة لإعادة القبض عليه والزج به في السجن مجدداً، حياً أو ميتاً، بالذهب أو بالعنف، ومهما تكلّف هذا. شرحوا تفاصيل هروبه للدوج (القاضي الأول في جمهوريتي البندقية وجنوا)، هذا المخلوق المكتنز ذو العينين الثاقبتين الذي خبط المائدة بأصابعه الممهورة بالخواتم وأقسم أن يرسل رجال القوة العسكرية للعمل بالقراقير. قبض أعضاء مجلس الشيوخ على طيات معاطفهم الحريرية وأبقوا أياديهم الصفراء الواهنة في حجورهم بينما يجلسون صامتين على مقاعدهم ذات الأذرع في القاعة الكبرى، يتشمّمون الهواء بأنوف أصفرها السكّري، ووجوه خالية من التعبير، يلقون بنظرات سريعة من حين لآخر على لوحات السقف أو نحو الروافد الرئيسية للمجلس عبر جفون ناعسة ويصوّتون موافقة على إجراءات وحشية، ويرفعون أكتافهم وهم صامتون.
لكن الابتسامة انتشرت كإنفلونزا تصيب الجميع بلا تمييز: زوجة الخبّاز وشقيقة الحدّاد وابنة الدوج، كلهن التقطنها. كان الناس في حجراتهم الموصدة بعناية يربّتون على بطونهم بسعادة وينفجرون بالضحك. كان ثمة عزاءٌ مذهلٌ في الأخبار عن شخص استطاع أن ينفذ من جدران بسُمك ياردة، ويتجاوز حشداً من الحراس الواقفين برماحهم وحرابهم، ويكسر أغلالاً بسُمك ذراع طفل.
انطلقوا جميعاً بعد ذلك لأماكن عملهم، وقفوا في السوق أو في الحانة، رشفوا القليل من نبيذ فيرونيز، وزن المرابون تراب الذهب بموازينهم الدقيقة. وأعد الصيادلة المُليّنات وجرعات الحب والسموم المميتة التي يمكن طحنها إلى أن تصير مسحوقاً أبيض يمكن حفظه في خاتم إصبع. قامت نسوة بكروش وفيرة بتزيين أكشاك بيع السمك والفواكه واللحوم بالأعشاب العطرية، ورتب تجار الملابس الجاهزة الجوارب التي وصلت حديثاً من ليون، والبلوزات الكروشيه صنع براج، على صناديق من جلد العجل وعطّروها بخليط من أوراق الورود المجففة. ومع كل هذا العمل والثرثرة والتجارة والإدارة، كان كلّ منهم يجد وقتاً ليرفع يده ويواري بها فمه ويحظى بقهقهة جيدة.
شعرت النساء أن الهروب وكل ما يتبعه في صالحهن إلى حد ما. لم يكن بمقدورهن توضيح هذا بدقة، لكن، لكونهن نساء بندقيات، فلم يكن الوضوح من طبعهن يوماً حين يتعلق الأمر بالمشاعر، وقد اكتفين بالمنطق الغريزي نصف المهموس للقلب والدم والعاطفة. كن سعيدات لهروبه كأن قوة ما، كمُنت منذ أزمنة طويلة في الأساطير والأمثال الشعبية والكتب والسير والأحلام والرغبات، قد وجدت طريقها إلى العالم من أوسع الأبواب. أو كأن الحقيقة الخفيّة، الماجنة قليلاً، والمخيفة مع ذلك، عن الحياة الأخرى للرجال والنساء، قد تصدرت المشهد بلا أقنعة ولا باروكات مرشوشة بالبودرة، بل عارية كسجين فرّ من حجرة التعذيب الرهيبة. كن يرفعن أيديهن أو مراوحهن ليوارين أفواههن وأعينهن، ورءوسهنّ مائلة قليلاً لأحد الجانبين، ودون أن يتفوهن بشيء، تقول أعينهن السديمية المغطاة وهي تسترق النظر للهارب: «نعم»،، وثانيةً، «نعم». لهذا كن يبتسمن، ولعدة أيام أخرى، بدا لهن أن العالم الذي يعشن فيه يموج بالحنان. كن في المساء يقفن في نوافذهن وشرفاتهن، البحيرة أسفلهن، وأغطية رءوسهنّ من النسيج الناعم المخرّم مثبتة بشعورهن بالأمشاط، وأوشحتهن الحريرية تنسدل على أكتافهن، يحدقن في المياه الزيتية القذرة بالأسفل، تحمل القوارب بلامبالاة، ويستجبن بنظرة خاطفة لم يكن باستطاعتهن الرد بها قبل يوم واحد، ويلقين بمناديل تتلقفها بالأسفل بعيداً، في الضوء المنعكس على صفحة المياه، أيادٍ سمراء رشيقة، فيرفعن زهرة لشفاههن ويبتسمن، ثم يوصدن النوافذ، وينطفئ ضوء الحجرة. مع ذلك يبقى شيء ما في قلوبهم وحركاتهم، شيء ما يضيء في أعين النساء ونظرات الرجال. كأن أحدهم بعث بإشارة سرية تخبرهم أن الحياة ببساطة ليست قواعد ومحظورات وقيودًا، بل عواطف أقل عقلانية وأقل رشداً وأكثر حرية مما ظلوا يعتقدونه حتى هذه اللحظة. وفي لحظة، كانوا قد فهموا الإشارة وابتسم أحدهم للآخر.
لكن هذا التواطؤ لم يستمر طويلاً، فقد تكفّلت كتب القانون بقواعدها المكتوبة وغير المكتوبة، بمحو ذكرى السجين الهارب من قلوبهم. نسوا أمره في البندقية خلال أسابيع قليلة، فقط سنيور براجادين، راعيه اللطيف الكريم، ظل يتذكره، وعدة نساء ممن وعدهن بالإخلاص الأبدي، والمرابي أو المقامر الغريب الذي يدين له بالمال.
صفحة 5

رجل

هكذا إذاً كيف هرب، وكيف انتشرت الأخبار، وكيف تذكروه في البندقية، لوقت على الأقل، فسرعان ما وجدت المدينة شيئاً آخر تقلق بشأنه ونسيت ابنها المارق. في منتصف موسم الكارنفال كان الجميع يتحدثون عن كونت شهير يُدعى الكونت ب، الذي وجدوا جثته فجراً تتدلَّى مشنوقة أمام منزل السفير الفرنسي، وكان يرتدي قناعاً وعباءة الدومينو. لأنه علينا ألا ننسى: البندقية مدينة قاسية.
لكن هو ينام الآن في بولزانو، في حجرة بفندق الستاج، خلف أبواب موصدة، ولأنها المرة الأولى له منذ ستة أشهر يأوي للنوم في فراش لائق وآمن ونظيف ومريح، فقد سلّم نفسه تماماً لعالم الأحلام السفلي المبارك. نام كالمصلوب، يستحمّ رأسه بالعرق، وذراعاه وساقاه مبسوطتان كنسر، مُولَّهٍ بالنوم، بلا أفكار، فقط ابتسامة ازدراء منهكة تطوف حول شفتيه، كأنه يعلم أنه تحت المراقبة من ثقب المفتاح.
وقد كان بالفعل تحت المراقبة: تيريزا على سبيل البدء، الفتاة التي يعتبرها صاحب الفندق كابنته، والتي تخدم في بيوت الأقارب البعيدين. كانت فتاة حسنة الخلق، وحسبما يراها الأقارب، لها طبع معتدل ووجه بشوش على سذاجة قليلة. كانوا يفضلون عدم الحديث عن هذا الأمر، ولم تكن تيريزا، قريبتهم الخادمة، تتحدث كثيراً هي الأخرى. كانوا يقولون إنها بسيطة من دون أن يعرفوا سبباً لقولهم هذا، لأن أحداً لم ينشغل بهذا كثيراً، وليس من سبب معقول حقاً ليشغل المرء نفسه بها، إذ لم تكن أهميتها في فندق الستاج بأكثر من أهمية البغلة البيضاء التي يشدونها كل صباح إلى السوق. كانت تيريزا بالنسبة لهم شيئاً ما كقريبة شبحية، شخص ما يمت بصلة بعيدة للجميع، لذلك لم يكن أحد ليعيرها اهتماماً، ولا حتى ليمنحها إكرامية. كانوا يرون «إنها بسيطة»، فكان مندوبو المبيعات الجوالون والجنود المقيمون مؤقتاً يقرصونها في وجنتيها وذراعيها في الأروقة المظلمة. مع ذلك كان ثمة قليل من رقّة في وجهها، وحِدّة في فمها ويديها الحمراوين من الغسيل، توحيان بنبل معين، وحول عينيها طيف لسؤال هادئ ومخلص على نحو يعجز المرء عن إجابته أو تجاهله. ولهذا كله، ولوجهها الذي يتخذ شكل قلب، وعينيها المتسائلتين، لم تكن شخصاً ذا أهمية، ومن العار أن تهدِر نَفساً عليها.
هي الآن راكعة على ركبتيها تراقب الرجل النائم من ثقب المفتاح، ولعل هذا هو ما يجعلنا نحن أنفسنا نهدر نفساً عليها. تغطي بيديها صدغيها لترى على نحو أفضل. ظهرها المائل وردفاها العفيّان منهمكان كلياً في المهمة: كأن جسدها كله قد التصق بثقب المفتاح. لم تكن ترى شيئا مهماً في الحقيقة؛ فقد رأت أشياء كثيرة للغاية من ثقب المفتاح: كانت قد خدمت في فندق الستاج لأربع سنوات، منذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، وأبقت فمها مغلقاً وهي تحمل الفطور للغرف، وتعد الأسرة التي ينام عليها رجال ونساء غرباء، بعضهم وحدهم وبعضهم معاً. رأت الكثير ولم تتعجب لشيء. فقد فهمت أن الناس كما هم: تقضي النساء أوقاتاً طويلة أمام المرآة، والرجال ـ حتى الجنود ـ يرشون باروكاتهم بالبودرة، ويقلّمون أظافرهم ويلمّعونها، ثم ينخرون أو يضحكون أو يبكون أو يضربون الحائط بقبضاتهم، حتى إنهم يمسكون أحياناً بخطاب أو بقطعة ملابس ويُغرقون تلك الأشياء الجامدة بدموعهم. هكذا كان الناس وهم وحدهم في غرفهم بينما تراقبهم تيريزا من ثقب المفتاح. لكن هذا الرجل كان مختلفاً. هذا الرجل رقد نائماً بذراعين ممدودتين كأن أحدهم أرداهُ قتيلاً. وجهه جاد وقبيح. وجه ذكوري ليس به جمال أو رقّة، أنف ضخم ولحيم، وشفاه رفيعة وصارمة، وذقن حادة وقوية، والقامة كلها في إطار صغير ومكتنزة قليلاً، إذ كان قد زاد وزناً إثر البقاء في السجن ستة أشهر من دون هواء ولا تمارين. لا أفهم شيئاً من هذا كله، فكّرت تيريزا بينها وبين نفسها. كانت أفكارها بطيئة ومترددة وساذجة. الأمر يفوق الفهم، فكرت وأذناها محمرتان من الإثارة: ماذا ترى النساء فيه؟ ظل موضوع الحديث الوحيد طوال الليل في الحانة وطوال النهار في السوق، وفي كل مكان بالبلدة وفي المتاجر والحانات: كيف وصل في أسمال بلا نقود وبصحبة هذا الهارب الآخر، سكرتيره. الأفضل عدم ذكر اسمه حتى، لكنهم يذكرونه، ومراراً وتكراراً، يردد النساء والرجال اسمه لأنهم يريدون معرفة كل شيء عنه. كم عمره؟ أهو أشقر أم أسمر، كيف هو صوته؟ كانوا يتحدثون عنه كأنهم على وشك استقبال مطرب شهير أو رجل قوي، أو أحد الممثلين القديرين من هؤلاء الذين تم خصيهم ليغنوا أدواراً نسائية على المسرح. ما هو سرّه؟ تساءلت الفتاة وهي تدفع أنفها أكثر لصق الباب، وعيناها في ثقب المفتاح.
لم يكن الرجل النائم على الفراش بذراعين وساقين ممدوتين كالنسر، وسيماً. قارنته تيريزا بـجيسيبي الحلاق: جيسيبي وسيم بالطبع، وجنتان ورديتان، وشفتان ناعمتان وعينان زرقاوان كعيني فتاة. كثيراً ما يستدعونه إلى فندق الستاج، ودائماً ما يغمض عينيه ويحمرّ وجهه حين تخاطبه تيريزا. وربان السفينة البندقي الذي يقضي الصيف هنا: كان هو الآخر وسيماً بشعره المموج المدهون وشاربه المفتول في خيط رفيع، بحقيبته المدرسية اللطيفة وسيفه المصفّح، ويخبّ سيراً بحذاء برقبة عالية ويتحدث بلغة مبهمة تبدو غريبة تماماً لأذنيها، ووحشية. أخبرها أحدهم فيما بعد أن اللغة الوحشية التي يتحدث بها الربّان إما مجرية أو تركية، لا تتذكر. والأسقف، رجل وسيم هو الآخر. بشعره الأبيض ويديه المصفرّتين، والنطاق القرمزي حول خصره وغطاء رأسه الأرجواني الباهت. كان لديها تقدير جيدا للجمال الذكوري حسبما ظنّت. لكن هذا الرجل ليس جميلاً بالتأكيد، لا، بل إنه قبيح في الحقيقة، على النقيض تماماً من الرجال الآخرين الذين يروقون للنساء عادةً. بدت خطوط وجهه الغريب النائم ـ غير الحليق ـ قاسية، وترشح بالازدراء، ويؤكّد انطباعها الذي كوّنته ليلة البارحة، ضيق تشنّجات واختلاجات السخط على عضلات فمه. نخر فجأة أثناء نومه فقفزت تيريزا بعيداً عن الباب، جرت إلى النافذة، فتحت مصراعيها وأرسلت إشارة بمكنستها.
صفحة 6
كان ذلك لأن النساء يرغبن في رؤيته، نسوة سوق الفاكهة المقابل لفندق الستاج مباشرةً ـ لوتشيا وجريتيل بائعتا الزهور، وهيلينا العجوز بائعة الفاكهة المتجولة، ونانيت الأرملة الكئيبة بائعة الجوارب الكروشيه ـ وقد وعدتهن تيريزا أنها، إن استطاعت، فستُدخلهنّ الحجرة وتدعهن ينظرن من ثقب المفتاح. كن يرغبن في رؤيته مهما تكلّف الأمر. كان سوق الفاكهة مزدحماً بصفة خاصة اليوم، وقف الصيدلي على عتبة متجره المواجه لفندق الستاج يتجاذب أطراف حديث طويل مع بالبي، السكرتير، حاول تسليته قليلاً بأن حضّر وجبة طعام مطهو على النار مباشرة آملاً في أن يكشف له بالبي المزيد من تفاصيل هروبهما من السجن. في الصباح جاء العمدةُ والطبيب ومأمور الضرائب ومأمور البلدة ليستمعوا لبالبي في محل الصيدلي. كانوا يلقون بنظرات خاطفة على نوافذ الطابق الأول لفندق الستاج الموصدة، وكان في سلوكهم جميعاً شيء غير قليل من الإثارة والارتباك، كأنهم عاجزون عن اتخاذ القرار فيما إذا كان عليهم إقامة حفل للترحيب بقدوم الغريب بموكب ومشاعل وموسيقى ليلية، أم يرسلونه في كومة كما يفعل صائدو الكلاب بالحيوانات التي يمسكونها والمشتبه في إصابتها بالجرب أو بداء الكلب. لم يستطيعوا اتخاذ قرار في هذا الشأن، سواء في ذلك الصباح أو الصباحات التي تلته. وهكذا ظلوا في محل الصيدلي، يثرثرون ويستمعون لبالبي، الذي انتفخت أوداجه، بالمعنى الحرفي للكلمة، كبرياءً وحماسة، فظل يسرد وقائع ملحمة كبرى بعيدة كل البعد عن ما حدث، ويضيف لها من حين إلى آخر محسّنات بديعية متجددة أبداً من الأشعار الملحمية؛ وكانوا ـ هم طوال الوقت ـ واقفين يرشقون النوافذ الموصدة لفندق الستاج بنظرات سريعة، أو يجوبون بين أكشاك الفاكهة ومتاجر الأطعمة الشهية المجاورة، يتصرّفون بصفة عامة بعصبية ما، يُبدون قدراً من القلق والارتباك كما هو متوقع من المواطنين الصالحين المنوط بهم مسئولية تأمين مداخل البلدة وإطفاء الحرائق وصيانة إمدادات الماء والدفاع عنها في حال الاعتداء عليها من قبل قوى معادية. مع ذلك لا يعلمون ما إذا كان عليهم أن ينفجروا بالضحك أم يستدعوا الشرطة. وهكذا ظلوا يتحدثون ويتجولون بلا هدف حتى الظهيرة، فشرعت النسوة في إقفال أكشاكهن وانصرف المواطنون الصالحون لتناول غدائهم.
الآن إذاً استيقظ الغريب. أدخلت تيريزا النسوة إلى الردهة المظلمة. «أرينا... ما شكله؟» تهامسن وهن يقبضن على أطراف مآزرهن ويضعن قبضاتهن في أفواههن. تحلّقن في نصف دائرة أمام باب غرفة النوم. كن خائفات وسعيدات، بعضهن على وشك الانفجار بضحك عالٍ كأن أحدهم يدغدغ خصورهن. وضعت تيريزا إصبعاً على شفتيها ثم أخذت أولاً بيد لوتشيا، فينوس السوق السمينة ذات العينين البندقيتين، وقادتها إلى الباب. قرفصت لوتشيا فانتفخت تنورتها مثل جرس وُضع على الأرض، ونظرت في ثقب المفتاح بعينها اليسرى، ثم صدرت عنها صرخة واهنة وتضرج وجهها بالحمرة ورسمت الصليب على نفسها.
ـ «ماذا رأيتِ؟» سألتها النسوة بهمس وهن يتجمعن حولها برفرفة عالية كغربان تحط على فرع شجرة. فكرت الجميلة ذات العينين البندقيتين ثم قالت بصوت واهن وعصبي:
ـ «رجل».
ظللن وهلة قبل أن يستوعبن ما قالته. كان ثمة شيء ما غبي وغريب ومخيف في إجابتها. «رجل! يا إلهي!» فكرن وهن يشخصن بأبصارهن في السقف، لا يعرفن هل يضحكن أم يهربن. قالت جريتل:
ـ «رجل، حسناً، هل تصدّقن هذا!»
ضمت هيلينا العجوز راحتيها بورع قليلاً وتمتمت بخشوع، بلثتها الخالية من الأسنان:
ـ «رجل!»،
وحدقت الأرملة نانيت في السقف كأنها تستعيد ذكرى ما، ورددت بجهامة:
ـ «رجل».
صفحة 7
هكذا فكّرن، ثم بدأن يقهقهن، ثم أخذت كل واحدة منهن دورها في القرفصة والنظر من ثقب المفتاح، واجتاحتهن سعادة مجهولة تجاه الأمر كله. في عالم مثالي، كن سيحضّرن بعض القهوة الجيدة ويجلسن حول المائدة ذات الأرجل المطلية، وأكواب القهوة في حجورهن، ينتظرن استيقاظ السيد المحترم الأجنبي بمرح ومجون رقيقين. تسارعت دقات قلوبهن. شعرن بالفخر لرؤيتهن الغريب ولوجود شيء ما يتحدثن عنه في البلدة وفي السوق وحول البئر وفي المنزل. كن فخورات رغم قلق طفيف، خاصة الأرملة نانيت ولوتشيا الفضولية، حتى جريتل المتكبّرة المتجهّمة قليلاً، كانت عصبية كأن ثمة شيء ما إعجازي أو خارق للعادة في وصول رجل إلى البلدة. كن يعلمن أن شيئاً ما أحمق وغير منطقي في فضولهن العابث المبالغ فيه، لكنهن يشعرن في الوقت نفسه أن فضولهن غير اللائق هذا لا يقارن بتاتاً بتلك الإثارة الكاملة. كان الأمر كما لو كنّ قد شاهدن أخيراً رجلاً حقيقياً، بغض النظر عن كون ذلك من ثقب مفتاح، وأن كل من عرفوهم من قبل من أزواج وعشاق ورجال غرباء، قد خضعوا على نحو ما لإعادة تقييم في اللحظة التي رأين فيها المخلوق النائم. كان الأمر كأنهن على غير العادة بالمرة، وعلى نحو يدعو للدهشة، يرين رجلاً قبيحاً أكثر منه وسيماً، ملامحه غير مشذبة، جسده ليس بطولياً، لا يعرفن عنه شيئاً سوى أنه ماجن، ممن يترددون كثيراً على الفنادق وأوكار القمار، وأنه بلا متاع، وأن ثمة شيئاً ما مُريباً حتى في اسمه، كأنه ليس اسمه حقاً، أو ليس بشكل كامل، رجل يقال عنه إنه زير نساء، جريء، ماجن، ويستريح لصحبة النساء: كما لو أن هذا، رغم كل المظاهر، شيء غير عادي. كنّ نساء: شعرن بشيء ما. بدا لهن أن مواجهتهن تلك مع الغريب الغامض قد بيّنت كل الرجال الذين عرفوهم من قبل بألوانهم الحقيقية.
ـ «رجل». همست لوتشيا بوهن وقلق وخشوع، فشعرن بالخبر يحلّق بأجنحته فوق سوق بولزانو ويطير إلى حجرات الرسم بترّينتي، والكبائن الخضراء في المسرح، وسقيفات الاعتراف، فتنبئ دقّات قلوبهن المتسارعة الجميع أنه في طريقه إليهم. أن في هذه اللحظة استيقظ رجل، وتمطّى، في غرفة بفندق الستاج في بولزانو.
«هل يمكن أن يصبح رجل ظاهرة خارقة للعادة هكذا؟» تساءلت نسوة بولزانو في أعماق قلوبهن. بالطبع لم يقلن شيئاً من هذا، بل شعرن به. فأجابت دقّة قلب واحدة، دقّة قلب واحدة عصيّة على الفهم: «نعم، وأكثر من هذا».
يحب الرجال ـ أو هكذا خبّرتهن دقات قلوبهن في تلك اللحظة على نحو ما غامض ـ آباء وأزواج وعُشَّاق أن يتصرفوا بطريقة رجولية: يصلصلون بسيوفهم كالفرسان ويتفاخرون بألقابهم ومكاناتهم وثرواتهم، ويطاردون أي تنورة تقع عليها أعينهم. كانت هذه هي طريقة الرجال في بولزانو وأماكن أخرى غيرها، إن شئنا تصديق كل ما يُحكى. لكن سمعة هذا الرجل مختلفة. يحب الرجال أن يتصرفوا بتعالٍ وتفاخر، فيتبجّحون أحياناً بغرور، بسخافة الديوك الرومي، بالرغم من أن أغلبهم من وراء هذا القناع صبية مغمومون: هذا بسيط، هذا طماع، هذا ممل وذاك متبلّد الشعور. شعرت النسوة أن ما قالته لوتشيا حقيقي: ها هو رجل أصيل، رجل حقاً، رجل فقط ولا شيء آخر، كما تكون شجرة البلوط شجرة بلوط ويكون الصخر ببساطة صخراً. أدركن هذا ونظرت إحداهن للأخرى بعيون مشدوهة وأفواه فاغرة وأذهان مضطربة. أدركن هذا لأن لوتشيا قالته؛ ولأنهن شهدنه بأعينهن؛ ومن التوتر الذي ساد الغرفة والفندق والبلدة بأسرها، ومن الإثارة المنبعثة من هذا الغريب. باختصار، أدركن أن الرجل الأصيل يعدّ ظاهرة خارقة تماماً مثل المرأة الأصيلة. رجل لا يحاول إثبات شيء برفع صوته أو صلصلة سيفه، رجل لا يصيح، لا يطلب شيئاً ما لم يمنحه هو نفسه، لا يسعى لترف صداقة النساء أو أمومتهن، لا يرغب في الاختباء في عناق أو خلف تنورة امرأة، رجل لا يعنيه سوى البيع والشراء، بلا عجلة ولا طمع، لأن كل ذرة في كيانه، كل عصب من أعصابه، كل خلجة من خلجات روحه، وكل عضلة من عضلات جسده، مكرّسة لقوة الحياة. هذا النوع من الرجال من أندر المخلوقات حقاً. هناك رجال أبناء أمهاتهن ورجال بأيدٍ ناعمة، ورجال متبجّحون صاخبون يتوددون للنساء بفظاظة، وبذيئون وساذجون ومتهافتون ـ لم يكن واحد منهم رجلاً حقاً كهذا. وهناك الوسيمون الذين لا يعنيهم النساء بقدر ما يعنيهم جمالهم ونجاحهم. والقساة الذين يتربّصون بالنساء كما لو كنّ أعداء لهم، بابتسامات بلزوجة العسل وسكاكين مخفيّة تحت عباءات واسعة ورحبة تكفي لإخفاء خنزير. ثم، ومن حين لآخر، فقط من حين لآخر، هناك رجل فقط. الآن فهمن صيته الذي يسبقه والقلق الذي عصف بالبلدة، ففركن أعينهن، تنهدن، أطلقن أنفاساً لاهثة وبطيئة، وارتفعت أيديهن وحطت على صدورهن. ثم صرخت لوتشيا، وتراجعن كلهن عن الباب الأبيض الكبير الذي انفتح ولاحت خلفه قامة الغريب: قصير، أشعث، غير حليق، متيبس قليلاً، تطرف عيناه قليلاً من الضوء القوي، وجسده كله مائل للأمام كأنه مرهق لكنه مع ذلك على وشك الانقضاض.
صفحة 8

استيقاظ

تراجعت النسوة نحو الحائط. أدار الرجل رأسه الأشعث جانباً وطرفت عيناه ـ كان جزء من شعره ملبداً إثر التصاقه بالوسادة ـ بدا كأنه عاد لتوِّه من حفلة رقص تنكرية أو مهرجان سفلي للأحلام، ظل يرقص فيه كالدرويش حتى جاءت الساحرات وسكبن عليه القطران ثم الريش ـ جال بنظرته الحادة في الغرفة والأثاث محركاً رأسه في هذا الاتجاه وذاك على مهل كأنما لديه كل الوقت في العالم، أو كأنه يعلم أن كل شيء سيان في الأهمية، لأن شعورنا نحو الأشياء فقط ما يجعلها تبدو مختلفة. حين رأى النسوة، فرك عينيه الزجاجيتين نصف المغمضتين، وقف لوهلة هكذا بعينين مغمضتين، ثم، وبرأس لم يزل مائلاً جانباً، نظر لهن بكبرياء وتمعّن، كسيد ينظر لخدمه، سيد حقيقي ممن لا يعتبرون خدمهم مجرد مخلوقات ضالة فقط لأنهم أسيادهم وهم خدمهم، بل يعاملونهم كأشخاص اختاروا بكامل إرادتهم القيام بدور الخدم، ثم رفع رأسه فطالت قامته قليلاً، وبحركة خشنة من ذراعيه القصيرتين ويديه الصفراوين النحيلتين، رفع قميص نومه الذي انزلق عن كتفه الأيسر، كانت حركة فخمة ومسرحية، وشعرت النسوة بذلك وصرن كمن تحررن من تعويذة ظلت تشل حركتهن حتى تلك اللحظة، فقد نمّت هذه الحركة عن أن الرجل ليس واثقاً من نفسه تماماً كما بدا لهن لأول وهلة، وأنه فقط يختال، ويقلد ذوي المكانة والنفوذ؛ لذلك استرخين وأخذن يسعلن ويتنحنحن دون أن تنبس واحدة منهن بشيء. وقفوا هكذا لوقت طويل، صامتات، ساكنات، يلتقطن نظرات بعضهم بعضًا.
لكن الرجل بدأ يضحك بسهولة وارتياح كأنه يعطس. ضحك بعينيه بهدوء أكثر مما ضحك بفمه، اتسعت عيناه وملؤهما ضوء كأنهما نافذة انفتحت على مصراعيها فجأة في غرفة مظلمة. ضوء خفيف الظل وفظّ وطاغٍ وماجن وسرّي مع ذلك، ضوء لمس النسوة اللائي، بدورهن، لم يضحكن، ولم يصحن «أها»، ولا صيحة الدهشة «أوه»، أو يقهقهن «تييي هييي»، بل أصغين له وراقبنه بحذر. أشاحت لوتشيا ببصرها بعيداً قليلاً، تطلعت بنظرها للسقف كأنها تنتظر المساعدة من هناك، وبصمت، ومن تحت تنفّسها، زمجرت «ماما ميا»، وضمّت نانيت راحتيها كأنها تصلي. لم يقل الرجل شيئا لكنه واصل الضحك. ظهرت أسنانه الآن، مُصفرّة ومفلطحة قليلاً، أحد مكوّنات بِنية ضخمة وقوية، كمجموعة أنياب وحشية لم يصبها ضرر. ضحكت الآن عيناه وفمه وأسنانه ووجهه كله، بهدوء ومزاج رائق ومسترخٍ وواعٍ، كأن لا شيء أمتع وأفضل من هذا المشهد، هنا في بولزانو، في غرفة فندق الستاج، عند الظهيرة، في مواجهة ثلة من النسوة المشدوهات تسللن ليشاهدنه وهو يستيقظ فقط ليتسنّى لهن النميمة عنه فيما بعد في البلدة وحول الآبار المحلية. اهتزّ جذعه من الضحك فوضع يديه أعلى ردفيه ومال للوراء ليضحك بشكل أفضل. كان كأن شعوراً قد ظل حبيساً داخل جسده لوقت طويل قد تفجّر لفيضانات ساخنة في جسده، شعور لم يكن عميقاً ولا صارخاً ولا مأساوياً، ساخن وممتع فقط، كالشعور بأنك على قيد الحياة. بدأ الضحك يحشرج حنجرته، متخذاً صوتاً متشققاً إذ يتعثر متقدماً، ثم تدفق فجأة كما تتدفق أغنية شعبية ماجنة من فم مطرب وقف لثوانٍ عديدة؛ يداه أعلى ردفيه ومائلاً للوراء يضحك بصوت عالٍ.
كان ضحكه كوابلٍ من دفقات صخب، كاسحة ومدرّة للدموع وموجعة للخاصرتين، غمر الحجرة ووصل إلى الرواق وعَبَرَ الردهة. ضحك كمن خطرت له فكرة للتوّ، كمن فهم لتوّه ما حدث، كأن حدود الخيانة البشرية وعمقها، اللامتناهيين حقاً، قد أثاراه لحد الضحك. ضحك كمن استيقظ من كابوس وتذكر أين هو، كمن رأى الأشياء بوضوح ولم يعد يرضى بالظلال المجردة لأيٍّ ما كان يجده مخيفاً أو مضحكاً. ضحك كأنه يعدّ لمقلب هائل وذكي سيجعل أنفاس العالم تنبهر. ضحك كبالغ، بملء فمه، وبعواء ذئبي غريب، كأنه على وشك أن يرش النسوة ببودرة عفريت، أو كأنما سيرشّها على قمصان نوم شخص عظيم وقوي ومهيب. ضحك كمن سيؤدي رقصة رائعة سيتمايل معها العالم، كمن بإمكانه، على سبيل الفكاهة فقط، تفجير الأرض ذاتها ليجعلها هباءً منثوراً. ضحك ويداه أعلى ردفيه، وكرشه يهتز، وصدره يعلو ويهبط، ورأسه مائل لأحد الجانبين، ضحكة خشنة وطويلة وعالية، حتى اختنق الضحك وتحوّل إلى سعال، بسبب نوبة البرد التي أصابته أثناء سفره، وجو المرتفعات ـ هواء الجبال وتأثيرات طقس نوفمبر ـ القاسي على بنيته، فبدأ وجهه يتلوّى ألماً وينحبس فيه الدم.
حين زالت التشنجات، بدا أن حسه بالفكاهة قد غادره وتملّكه غضب عارم.
صفحة 9
ـ «أرى أن لديّ زائرات»، تمتم من بين أسنانه بصوت أجش وجهير، ثم أضاف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: «ياله من شرف، سيداتي العزيزات!»، وانحنى بشدة وفخامة وشد ذراعيه وقدميه في محاكاة تهكّمية للمجاملات، كأنه أمام نسوة البلاط الفرنسي في إحدى قاعات قصر الفرساي ذات صباح جميل والملك ذو الكرش السمين والوجه القرمزي مايزال نائماً، أو كأنه يتسكع مع العاطلين والمتزلّفين ويتدرّب معهم على آداب السلوك. كرر مستهزئاً:
ـ «ياله من شرف لسيد محترم عابر سبيل مثلي! لهارب فرّ لتوّه من جحيم سجن رطب موبوء بالفئران، ظل فيه لأكثر من عام ونصف من دون أن يرى وجهاً ودوداً ولا تعبيراً رقيقاً واحداً! ياله من شرف، وياله من امتياز!» ثم هدأ على نحو ما مُنذر.
شعرت النسوة بالتهديد في نبرة صوته واقتربن من بعضهن كدجاجات في مواجهة عاصفة، ثم رحن يتراجعن ببطء نحو الباب. تحسست لوتشيا الطريق إلى الباب بنصفها السفلي إذ كان الرجل يتقدّم نحوهن ببطء، متوقفاً بعد كل خطوة، قائلاً:
ـ «إلى من أدين بهذا الحظ الحَسَن؟»، ثم أردف بصوت متهدّج وعالٍ: «إلى من أدين بهذا الحظ الحسن الذي أتى بجميلات بولزانو لحجرتي وقت استيقاظي؟ ما الذي جعل سيدات بولزانو يزرنني أنا الهارب المنفي المنبوذ من المجتمع، الذي يطاردني الجميع الآن، من شرطة الكلاب وقطعان الذئاب على الحدود حتى مرتزقة محاكم التفتيش بحرابهم في أيديهم بين الأجمات وفي الغابات؟ ألا تخشين أن يكون الهارب المسكين في مزاج سيِّئ، في هذا الوقت تحديداً، في الصباح التالي لأول ليلة له ينام فيها على فراش صالح للاستخدام الآدمي، ليس به قشّة واحدة لها رائحة براز الكلاب؟ ألا تخشين منه الآن وقد استيقظ وبدأ يتذكر؟ ما الذي تريده جميلات بولزانو مني؟» سأل بصوت أعلى مشحون بالغضب.
انتصب في وقفته بحركة واحدة عنيفة فبدا لوهلة أكثر وسامة. كان وجهه يشعّ غضباً، كمساحة خالية يضيؤها برق. «من أنا، رغم كل شيء، لتتسلل سيدات بولزانو لغرفتي في حين أتيت أتوسّل كرم الضيافة في مبيت المتشردين المؤقّت هذا؟»
كان جلياً أنه يستمتع بإلقاء خطابه، بجزع النسوة، وبالامتياز الذي يمنحه له الموقف. أخذت ثقته بنفسه تزداد. صار الآن يتلاعب بهن كما يتلاعب مبارز بخصم أقل منه مهارة، فكانت كلماته وهو يدنو منهن مع كل خطوة كحفيف نصل السيف في الهواء. «جميلات بولزانو! أنتِ أيتها السمراء المتكبّرة، نعم أنتِ! أنتِ يا صاحبة المظهر العفيف بمسبحتك على عباءتك! وأنتِ يا ذات الصدر الرحب هناك في الركن! وأنتِ أيتها العجوز! إلام تنظرن جميعكن بهذا الفضول؟ قد يصل البلدة من يأكل النار أو يبلع السيوف طالباً انتباهكن لكنكن تتسللن لتختلسن النظر لمخلوق وحشي مسكين مثلي! هذا ليس قفصاً في سيرك جوّال سيداتي. المخلوق الوحشي استيقظ، وهو جوعان!»
ضحك ثانيةً، بمرارة هذه المرة ومزاج سيِّئ. ثم سأل بازدراء حقيقي:
ـ «من أين جئتن؟ من السوق؟ من الفندق؟ هل انتشر الحديث عني في البلدة فعلاً: هل يجوب الجواسيس بآذانهم المتوجّسة؟ هل يتحدثون عني في الصالونات وكبائن المسرح كما تفعلن أنتنَّ في السوق على ما أظن. يقولون إنه هنا، إنه وصل، يالها من تسلية! ياللشرف الذي تمنحونيه!» كرر بلامبالاة وأسى قليلاً. «ها أنا ذا إذاً. اِنظرن إليّ! هكذا أبدو! هكذا أبدو حقاً، وليس كما أبدو في المساء، بباروكة ومعطف أرجواني وسيف يتدلى من جانبي وخواتم في أصابعي. هكذا أبدو، ليس بأكثر وسامة ونصوعاً، ولا بأصغر سناً ولو بيوم! هل أروقكن؟ هل أفتنكن؟ هل مظهري يطابق مع ما يُقال عني؟ ماذا تتوقعن مني؟ لماذا لا نهرب جميعاً نحن الستة؟ نقفز في عربة بريد وننطلق لنرى العالم؟ ألست جياكومو العاشق الرحّالة؟ خادم الجميع والمحتال على الجميع؟ في خدمة جلالتكن، متى تَشَأْنَ وأينما تَشَأْنَ. اُغرُبن عن وجهي أيتها الدجاجات، اختفين من هنا!» صرخ بصوت مخيف ولمع في عينيه السوداوين الداكنتين ضوء أخضر طفيف ـ كما حكت لوتشيا لزوجها فيما بعد ذات ليلة على فراش الزوجية وهي تعترف له بكل شيء وتبكي وترتجف ـ «سجين لمدة ستة عشر شهراً باسم الفضيلة والأخلاق! هل لديكن أي فكرة عما يعنيه هذا؟ ستة عشر شهراً، أربعمئة وثمانية وثمانون يوماً وليلة على فراش من القش تفوح منه رائحة نتن البؤس البشري، فريسة للبراغيث والقمل، في صحبة الفئران. ستة عشر شهراً، أربعمئة وثمانية وثمانون يوماً في الظلام، بلا ضوء شمس أو حتى مصباح حقيقي، أعيش كآكل الحشرات أو كفأر، وحدي مع شبابي، مع طموح الرجولة ورغباتها، وحدي مع ذكرياتي، ذكريات الحياة التي عشتها، ذكريات عن الاستيقاظ على الشروق وحلاوة الإيواء إلى النوم في فراش. وحدي، معزولاً عن العالم باسم الفضيلة والأخلاق اللتين يعتبرونني، أنا، عدوّهما اللدود ـ على الأقل حسبما قال القاضي الأكبر بعد القبض عليّ. أربعمئة وثمانية وثمانون يوماً مسروقة من الحياة. حياتي، مَمحاة منها، أربعمئة وثمان وثمانون ليلة كان الآخرون يرون فيها ضوء القمر والبحر في المرفأ، ووجوه تُضيئُها المصابيح، ووجوه النساء حين ينطفئ المصباح ولا يتبقّى سوى ضوء عيون العشاق!» عند هذه النقطة أحنقه خطابه ورفع صوته وتحدث بصوت عالٍ للغاية، كشخص سكت أمداً طويلاً. «لماذا تتراجعن عني؟» زعق وهو يرفع ذراعيه للأمام. «ألست هنا! لقد جئت! أنتِ أيتها الجدة، لماذا ترتعدين عند الباب، وأنتِ يا ذات العينين البُنِّيَّتين، أيُّها المخلوق المزهوّ السخيف لماذا لا تقتربين؟ أترين؟ هذه الذراع التي أحاطت بخصور نساء كثيرات، هاتان اليدان اللتان تُقتنّ طويلاً لرؤيتها، ألا تخفن منهما... بإمكانهما التلويح بالسيف وتفنيط ورق اللعب والمداعبة أيضاً. أنتِ، أنتِ أيتها الشقراء الرقيقة كالنُفشْة(4) هل تعرفين أن هذه الأصابع يمكنها أن تميّز البستوني من الإسباتي في الظلام كما يمكنها دغدغة خيالك حتى تصرخين من لمستها، وفيما بعد، حين تقع أسنانك، يمكنك أن تحكي لأحفادك وأنت تلثغين عن أيام كانت تلك الأصابع تحيط بعنقك! سيدات بولزانو! انطلقن في البلدة وأعلنّ أني هنا، أني وصلت، العرض على وشك أن يبدأ! إنه هنا، المتأنق، سلوان النساء، شافي القلوب الجريحة بأكاسيره السريّة الغامضة لعلاج آلام القلب. من يملك وصفة الطعام التي تجعل العاشق البارد فحلاً ممتعاً في الفراش بين ليلة وضحاها! أخبروهم كيف اقتحمتن ورأيتنّ بأعينكن وأنكنّ تشهَدْن أني هنا حقاً ولم يذهب عمري في السجن سدى. اشهدن أنكن رأيتن هذه الذراع وهذا القلب وهذين الكتفين، وكل شيء آخر، كل ما هو حاضر وحقيقي، كل شيء كما ينبغي! أَذِعْنَ صيتي يا سيداتي، وأخبرن أزواجكنّ في لحظة حميمة مناسبة، وأنتن تحللن أحزمتكن مثلاً لتدعن تنانيركن تسقط عنكن، أن جياكومو، الرجل الذي أرسلوه إلى السجن والظلام والعالم السفلي باسم الفضيلة والأخلاق، قد وصل، وأنه الآن مخلوق فاضل وأخلاقي حقاً ويسألكم صفحكم ودعمكم. توسلن الرحمة لي يا سيداتي العزيزات، واستغثن بهؤلاء القادرين الفاضلين، هؤلاء الذين من الواضح أنهم معصومون من الخطأ لحد أنهم يجرءون عليّ، بل وبمقدورهم، الحكم على المذنبين! لأنني لست سوى مذنب. اِذهبن إذاً وأعلنّ توبة جياكومو عن ذنوبه. أنا مذنب لأنني أعلم كل ما هنالك عن الرجال والنساء، ولأنني مشهور باحترامي للحياة ولكل ما تأتي به! اِذهبن وأذِعنَ خبر وصولي».
صفحة 10
توجّه صوب النافذة ومدّ ذراعيه وفتحها على مصراعيها. تدفق ضوء نوفمبر الصريح البارد في الغرفة بقوة كشلال شاهق. وقف أمام النافذة المفتوحة في الضوء ورأسه مائل للوراء وغسل وجهه في الضوء وعيناه مغمضتان تطرفان، وابتسم.
قال من دون أن يتحرك وعيناه مغمضتان، ومازال مبتسماً للنسوة اللائي تكوّمن في الركن خوفاً:
ـ «اذهبن الآن! اذهبن وقلن إني هنا. لقد انتهى العالم السفلي. وأشرقت الشمس».
تنفس بعمق وبهدوء وبلمحة تعجُّب في صوته، وكما لو أنه يذيع للعالم أخباراً طيبة وعزيزة بشكل خاص، أعلن:
ـ «لقد استيقظت».
ظل واقفاً مغمض العينين لا يبالي للالتفات نحو الباب الذي كانت نساء بولزانو الفضوليات يعبرن منه إلى الرواق على أطراف أصابعهن. سمع وقع خطواتهن الأنثوية يهبطن السلم، وجلبتهن الحادة والسريعة، من دون أن يتحرك أو يفتح عينيه، فمه نصف مفتوح يبتلع الضوء البارد، كمن بوسعه هكذا أن يرى ويعي كل ما يحدث من حوله. ثم صاح على تيريزا، الفتاة التي ظلت حتى الآن واقفة خلفه، ويداها الحمراوان، اللتان لا تخلوان من رقة مع ذلك، على مزلاج الباب.
ـ «أنتِ. ابقَي هنا».
تكلم بأريحية وإمرة في نفس الوقت، متيقناً من طاعة أوامره. كان ينظر إلى الساحة، يتأمل الخطوط الواضحة للبيوت الغارقة في الضوء. تنهّد برقّة كأنه استيقظ الآن فقط على هزة أحدهم له، وتذكر أخيراً ما يجب أن يقوم به من التزامات يومه.
ـ «اقتربي»، قال بصوت ودود ومشوّش.