صفحة 1
·· في الرحيل الثاني
- الساندويشة! الحقي الساندويشة! احترقتْ ساندويشتك يا جلالتك!
لم أكن أحسب أن رحيلكِ للمرة الثانية سيعزّ عليّ كثيراً، أكثر بما لا يُطاق من رحيلك الأول؛ لم أقدِّر أنه سوف يُحزنني كلّ هذا القدر، وأنه سوف يُسقم بدني وسوف يدوس على وجودي غير الواثق بخطوات ثقيلة متراخية، كما سوف يحزّ في روحي أيما حزّ، علماً بأني كنتُ هيأتُ نفسي، الأمّارة بالقسوة والصلابة الظاهرية، لرحيلكِ بأن افتعلتُ معك في الأيام القليلة التي سبقت الرحيل مشاحنات وملاسنات من النوع الذي ينطوي على حدّة متصاعدة من لا شيء، وفظاظة عبثيّة مؤلمة، واستيشاط في الغضب غير مبرر، تكون تقريعاً للذات، ذاتي أنا، وإمعاناً في استنطاق الألم في القلب؛ قلبي الذي شُحن سلفاً بأضعاف قدرته على استيعاب الغياب· كالمألوف، قبل كل رحيل صعب، نفضتُ مخزون غيظي من العالم عليك، صببتُ قهري من ترتيبات الحياة المتعنّتة على ترتيباتكِ التي ترومينها بعيداً عن ترتيباتي· لقد جاهدتُ كي أحبّكِ أقل، لكنني لم أستطع إلا أن أحبكِ أكثر·
- بكْرهك·
قلتِ لي بصوت وشى بغضب وعينين نفثتاً حنقاً حارقاً·
- بحبِّك·
همستُ في صدري، وقد غطيتُ وجهي بكفيّ المرتعشتيْن، كي لا أراك وأنتِ تكرهينني·
ثم حين قُلتِ بكْرهك، بكْرهك، بكْرهك، كازةً على أحاسيسك، ضاغطةً على أسنانك (التي حرصتُ على أن أجرّك إلى طبيب الأسنان قبل يومين من رحيلك كي ينظّفها لك من الجير المستقرّ في الجذور، بعدما وبّختك على عدم الاعتناء بها كفاية)، سددتُ أذنيّ كي لا يتناهى إلى سمع روحي القلقة بكْرهك ثلاث مرات متتاليات مشفوعات ومعزّزات بانتفاضة جسمك اليافع، الذي لم يتخلّص بعد من استهتار الطفولة بالقواعد المرعية لنظام أكل البالغين·
في رحيلك الأول، بكيتُ بحرقة الغياب غير المجرّب، غير المُعدّ له، المفتوح على احتمالات الشوق غير المُختبرة من قبل· كلّها كم شهر وأرجعلك، قلتِ لي وأنت تماحكين دمعة وقفتْ في طرف عينك· حين تعالتْ شهقاتي، متداخلةً مع نداءات المطار الداخلية للمسافرين كي يلحقوا برحلاتهم، حضنتِني متقمّصةً أمومة فتيّة، مستعيرةً ذراعيّ الضاغطتين، مغدقةً على جسدي، الذي استنزفته أسابيع من التحضير لسفرك، جسدك الملول الذي استعجل التملّص من عناقي، قائلة بابتسامة فيها شيء من الاستهجان لبكائي الذي سبّب لك حرجاً وسط خلائق المطار الذين راعهم مشهد الوداع الدراميّ المؤثّر: أنا رايحة أدرس، مش رايحة أحارب! ثم حين تحرّرتِ مني بصعوبة ودلفتِ عبر بوابة ختم الجوازات، ناولتِني من بعيد تلك الالتفاتة، وتلك النظرة التي قصمتْ روحي أياماً· كنتِ خائفة، خائفة عن جدّ، لكن كبرياء الطفلة الهاجع في كيانك اللطيف سرّاً، الثائر علانيةً، حال بينك وبين أن تقوليها: أنا خايفة·
صفحة 2
في رحيلك الثاني، بكيتُ بحماوة الغياب المجرَّب، الغياب الذي استحلى فعلته ماشياً في طريق النأي، غير ملتفت إلى الوراء، ضارباً في عمق الحياة وعمق الأبدان وعمق الأرواح التي تتشهّى اللقاء، متجذِّراً في العادية· وهو غياب لم أعتده، واحتمالاته السادرة في اشتياق غير مُلبّى لا تبدو محتملة بالنسبة لي، غير محتملة على الإطلاق· ابتلعتُ الشهقات التي صعدتْ بتعجّل من كوم مرارات مستقرّة في وديان نفسي· خنقتُها قبل أن تصل حنجرتي التي ضغطتُ عليها بشدّة· لكنني لم أستطع خنق دموعي فسالت ثخينة، بطيئة، سميكة، ثقّلها حزنٌ خالٍ من شوائب الفرح، حزنٌ من النوع الذي يتحوّل إلى حالة وحياة يومية· كنا في المطار إياه، ولعلنا صادفنا الوجوه ذاتها التي لا تعلق بذاكرتنا كما لا نعلق بذاكرتها· فالمطارات هي مستودعات الغيابات والحيوات العابرة، وما اللقاءات والعناقات فيها إلا انتصارات مؤقتة أو انعكاس لهزائم مسجّلة، لأنه لا نصر حقيقياً ثابتاً إلا للرحيل· ما شجاني هو أن وجهكِ التفتَ إليّ أقلّ، والتفتَ إلى بوابة عبور الجوازات أكثر· وإذ لم يتوقف دمعي عن الانهمار، رميتِني بنظرة عتاب طفلة كبرتْ قليلاً فقط، ممزوجة بمسحة صلابة، قائلة: كلها سنة وأرجعلك· كيف يستطيل الرحيل أكثر، لكن فكرته تبدو مع ذلك معقولة، أقل إيلاماً؟! ليس لأن الرحيل الأول كان أقل لوعة، بل لأن الرحيل الثاني ذا الغياب المرشح لعام يُتوقّع أن يكون عادياً· أيمهّد رحيلٌ لآخر؟ أنتدرّب على رحيل أقصر لنحتمل رحيلاً أطول؟ أم أننا نحترف الرحيل كما احترفنا العيش في مدن ليست لنا وأوطان لغيرنا تلفظنا متى ما ملّتْ منا؟ هل قلتُ لك من قبل كم تغيظني عبارة آن أوان الرحيل التي أقع عليها في قراءات تعيسة لا معنى لها؟! كأن الرحيل، كما يُفترض به، له أوان· الرحيل يا صغيرتي لمن مثلنا ولمن على شاكلة لجوئنا المتوارث أوانه العمر، وقد يزيد عليه ويفيض·
أردتُ أن أستبقيكِ في مساحة الوداع الملتبسة في المطار أطول وقت ممكن، في حين أردتِ التواري في البعاد سريعاً، مصغيةً إلى النداءات التي تستحثّ المسافرين للحاق برحلاتهم أكثر ممّا كنتِ تصغين إلى نصائحي المُعادة للمرة المليون بعد المليون، ولعباراتي الكثيرة المتقطعة اللاهثة، غير المرتبة، التي كانت تسقط مني مبعثرة على الأرض في كل الاتجاهات، فأحاول جمعها وتصفيفها عبثاً· لم يكن كلامي في النزع الأخير لما قبل رحيلك مقصوداً لذاته، بقدر ما كان تغطيةً على تداعٍ وشيك جداً كان يتسرّب إلى مفاصلي ويحتّ فيها بتسارع مطرد· أعتقد أنه لسبب ما له علاقة بخبرتي العريضة في استدراج الأحزان والحنوّ عليها واعتياد العيش في مناخاتها المحبطة والمثبطة لم أتداعَ· رجلاي حملتاني حتى مشهد الفراق المنتظر عند بوابة ختم الجوازات· لا تبكي! قلتِ لي· حاضر، هززتُ رأسي، لكن دموعي لم تُصغِ لك· بحبك، قلتِ لي، وعانقتِني خطفاً· بحبّك أكثر، قلتُ لكِ محاولةً أن أستبقي عناقك· ابتعدتِ· انتظرتُ منك التفاتة توقعين بها لوحة رحيلكِ الثاني كالتفاتتك في الرحيل الأول· لكنك لم تلتفتي، ولم ترسلي ولو نظرة أتعكّز عليها في تغرّب أيامي وتشرّقها· سعيتُ إلى إقناع نفسي، من باب تصبيرها على عدم التفاتتك غير المتقصّدة على ما آمل، بأنك لعلك أسلمته المحاجر من بعيد··
صفحة 3
حين وصلتُ البيت، أغلقتُ الباب، أدرتُ مفتاحه مرّة ومرتين، ثم أسندتُ ظهري عليه، وأسلمتُ روحي للتداعي·
أصطدم برائحتكِ العابثة في البيت· أنصتُ إلى حكيكِ الذي لا يريد أن ينتهي، ثم فجأة تختفين، تماماً كما كنتِ تراوحين بين الظهور والاختفاء، إذ نحكي في المطبخ بينما تعدّين لي كوب شاي بالنعناع· أكون أبحث عن شيء في إحدى خزائن المطبخ حين أرفع رأسي فلا أجدك؛ فقط الطرف الأخير من حكايتك غير المنتهية يكون معلقاً بميدالية الشاي الغائصة في الماء الحار الموشى بأوراق النعناع بهية الاخضرار· ثم أسمع صوتاً أو ما يشبه مجموعة من الأصوات المتشابكة بانفعال· فأتخيلكِ تمارسين حكياً حميماً مع خيالك النطّاط· أنت لا تعرفين أني راقبتكِ مرات في تجليات اختفائكِ المباغت من وسط حكينا· في مرة، كنتِ كما لو أنكِ تتحدثين مع أحدهم في الفراغ الواقف قبالتك، ثم انقلبتْ عيناكِ وانتفض رأسك كأنك سمعتِ قصة رُمتها بشوق، أو تعثرتِ باكتشاف عظيم، فدُرتِ حول نفسك تريدين تطويق المفاجأة التي ألّمت بك كي لا تطرق كياناً آخر ليس لك· وفي مرة، وقفتِ على نافذة غرفتك برأس أملتِه إلى الجنب، مترنمّةً بأغنية لها أصداء غافية في نفسك، كعجوز تغرف بحذر وانتقائيّة من مذكراتها السرية·
أضع يدي على خدي؛ نسيتِ شبشبك الفلّيني المريح، أقول لنفسي· بقايا شراب ترنّح في كوب وقف على حافة مكتبك· لقد أدمنتِ الشاي البارد بنكهة الخوخ· قرطكِ الفضي الصغير متروك على طاولة الكمبيوتر· لطالما كرهتِ الأقراط من صغرك· في كبركِ، غير الكبير تماماً، ما زلتِ تقاومين إضافة أية تعديلات أو زخرفات على إطلالتكِ النقية ذات التشكيل البنّاتي الطازج الزاهد بترف التصنّع، الرافض لكذب الكبار التجميلي· للآن، تكافح إيفي، خبيرة نتف الشعر الهندية، لتثبيتك على كرسي التزيين في صالون التجميل كي تشذّب شعر حاجبيك المتروكيْن للطبيعة، فترفسين وتنتفضين وتطلقين سيلاً من الشتائم، الخارجة من قاموس غضب الطفولة، بحقّ المسكينة إيفي: يلعن أبوها، انشالله تموت! تضحك إيفي التي تستشعر انتفاضتك على الكرسي ثم تحيط بكفيها وجهك الجميل المحمرّ من الحنق وآلام نتف الشعيرات الحساسة· اشتريتُ لك أصابع أحمر شفاه وردية وأخرى شفافة لمّاعة، فقط لحماية شفتيك سريعتي التشقق بسبب الجفاف، أو لإضفاء مسحة من لون وبريق عليهما، لكنك لم تستخدميها وتركتها لتنشف· اشتريتُ لك مجفف شعر وفراشي تصفيف، لكنك تركتِ شعرك بعد الحمام للهواء، حتى إذا ما ثار وهاج، ربطته دون تمشيط على هيئة ذيل حصان غير مشذّب، أو ضفرته على عجل في جديلة لا هي في الوسط ولا هي في الجانب· جلبتُ لك دبابيس وبُكلاً وشَبرات ملونة وأمشاط تثبيت مرصعة بالخرز والحجارة الكريستالية ملأتِ بها أدراجك لكنكِ اكتفيتِ بالدبابيس المعدنية السوداء ترفعين بها خصلات شعرك كيفما تأتّى، فلا تسمحين لخصلة متمرّدة بأن تعوق عينيك عن الزحف المتأنّي فوق لوحة بريشة فريدا كالو في مجلد أعمالها الذي ترفضين إعارته حتى لي، أو بينما تستطعمين مذاق عمل لآندي وارهول في المجلد الضخم الجسور الذي أهديتُه لك في عيد ميلادك الثامن عشر·
لم تخف رغبتكِ في اقتناء الكتاب - المجلد الهائل الذي حمل عنوان العملاق، معترفةً بجذل أنه يقارب نصف قامتك ونصف وزنك· تسربتُ إلى مكتبة السوق ذات مساء دون علمك· راعني حجم العملاق كما راعني ثمنه· عدتُ إلى البيت أنوء به، وضعته على سريرك بينما كنتِ في الحمام· انتظرتكِ تُفاجَئين به· انتظرتكِ تصيحين، كعادتك حين تباغتك اللاعاديات في الحياة، من منظورك، بالمسرّات· دخلتِ غرفتك· وقفتُ أنا خارج غرفتك· لحظة صمت، ثم طارت منك صرخة خرقت آذان السماء· ركضتِ نحوي متقافزة· فردتِ وجودك السعيد من حولي· كنتِ فرحة، فرحاً لم أقرأه في عيونكِ وفي جسدكِ على هذه الشاكلة من قبل· حملتِ المجلد الضخم بين يديك· ضممتِه إليك· كان ثقيلاً جداً· تقهقرتِ إلى الوراء ثم وقعتِ على ظهرك، فجثم العملاق على صدرك وغمرك· ضحكتِ· ضحكتِ كثيراً· ضحكتِ طويلاً· ضحكتِ عالياً· ضحكتِ حتى شرقْتِ· حينها، كرهتُ حياتي أقل· حينها، وحينها فقط، أحببتُ حياتي أكثر·
صفحة 4
أدخل المطبخ، أشتمّ رائحة بقايا انشعاط في الجو المتغلِّظ الحبيس· كنتِ قد أكلتِ آخر ساندويشة جبن مشوية قبل رحيلك· أكحتُ الخبز المحروق وبقايا الجبن الذائب من على المحمصة· كم مرة نسيتِ ساندويشتكِ في المحمصة لأهرع نحو مصدر رائحة احتراق الخبز وسيحان الجبن، بينما تكونين مستغرقة في متابعة مشهد جمالي أو غرائبي على اليوتيوب، أو قرصنة فيلم سارق الدراجة لفيتوريو دي سيكا من أحد مواقع الانترنت، أو ترجمة أشعار مغناة لــجان فيرا، نزولاً عند طلب أصدقاء الشعر في الفيسبوك أحمل بقايا جريمتك التي خلّفتِها في المحمصة، أبسطها أمامك· شوفي! أقول لك· شوفي! تقولين لي، وتشيرين إلى صفحة على الانترنت تتوسطها صورة بوبي ساندز بالأبيض والأسود· تحدثينني بشغف المؤمن الذي وقع على فضائل ديانة جديدة حديثاً عن المناضل الأيرلندي، زعيم حركة الإضراب عن الطعام في العام 1981· بعد جوع استمر ستةً وستين يوماً مات ساندز كمداً وظلماً وهزالاً· كان في السابعة والعشرين من العمر· تفتحين عينيكِ على اتساع - بحجم الأفق - وأنتِ تصفين الغضب الشعبي الذي أجّجته وفاة ساندز، كأنك كنتِ جزءاً من هذا الغضب· أسألكِ عن الساندويشة المحترقة، فتنضمين إلى آلاف الناشطين التشيليين الذين اقتيدوا صبيحة الانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي إلى ستاد تشيلي في سانتياغو عام 1973· كان الشاعر والمغني التشيلي فيكتور خارا من بينهم· تقولين بنبرة رثاء لم تتقادم مع الزمن: لقد ضربوه وعذبوه وهشّموا يديه اللتين عزفتا أجمل الأغنيات على غيتاره· تروين لي من قلب الحدث الذي عاشته روحك لحظة بلحظة كيف كان جلادوه يهزأون منه، طالبين منه أن يعزف على الغيتار وهو ممدّد على الأرض، فتحداهم خارا بأن أنشد مقطعاً من أغنية سوف ننتصر في النهاية، أفرغوا صليات رشاشاتهم في جسده وألقوا جثته في الطريق· تقرئين لي مقطعاً من قصيدة كتبها خارا قبيل إعدامه على قصاصة خبّأها في حذاء صديق له كان من بين من قاسموه رحلة الذل في الاستاد· ينزوي الأمل في صوتك إذ تدخلين في فصول الحزن القاتمة، ثم تدّعين أن شيئاً دخل عينيك فتفركينهما بينما تسدّين الطريق على سقوط محتمل لدمعة كتمتِها·
- والساندويشة الشايطة؟!
أسألك بعصبية، فتردين:
- شو يعني؟ خربتْ الدنيا؟!
أحدثك عن أخطاء الثورات؛ تحدثينني عن جرائم الأنظمة· أحذرك من اعتناق أفكار طهرانية غير قابلة للتلون، تحذّرينني من ارتداء ألوان لا تناسبني· طيّب·· شو رأيك بهادا القميص عليّ؟ حلو؟ أسألك، فتهزّين رأسك غير مبالية· هنا، علي أن أعترف أنك تقودينني أكثر مما أقودك؛ تنتشلينني من شروط واقعي الذي استسلمتُ له وترجعينني إلى عصر الأمنيات الباهرة، ولو إلى حين· لأيام وأسابيع، تصفحتُ أغنية إيلاباريسيدو بكل النسخ المتوافرة· لكن النسخة الأحب إليّ تلك بصوت فيكتور خارا، حمّلتها من اليوتيوب معززةً بألبوم صور لتشي غيفارا في حقب ثورته الدونكيشوتية، من الحلم إلى الكابوس، حتى إذا ما أقفلت الأغنية عند صورته مسجى على المحفّة بعد إعدامه، وقد سدّد إلى جلاديه نظرة المسيح المصلوب إياها، بكيتُ عليه بقلب متفطّر، كأنه مات أمس·
صفحة 5
أنت لا تحبّين البكاء، على الأقل ليس أمامي· وإذا ما واتاك الدمع تلجئين إلى أقرب عتمة طلباً للسّتر· لكنك لا تعرفين أنني أراك؛ أستبين ماء عينيكِ يخالج وجهك، أستشعر دمعك يريد أن يحكي لكنك تخرسينه· تهزأين مني، أنا البكّاءة، بشهيّتي المفتوحة للدموع في أي وقت وفي كل وقت؛ أبكي على أغنية ذات لحن ملتاع دون أن أفهم معنى كلماتها؛ أبكي على فيلم حتى وإن انتهى نهاية سعيدة؛ أبكي على عامل ينظف السيارات، بوجه محروق من معانقة شمس الله غير الحانية، وعينين مصفرّتين من تناسل شظف الحياة في إمارة غنية جداً؛ أبكي على عجوز ستيني برجْل واحدة وعكاز من خشب متآكل وبنطلون فوتيك من مخلفات خدمة عسكرية بائدة يبيع الولاعات وعلب المناديل الورقيّة الرخيصة والبالونات المشكّلة على هيئة أرانب لا تتقافز وعصافير لا تطير عند مفارق الإشارات الضوئية في عاصمة مملكة سكنتْ فيها كل تناقضات الأرض؛ أبكي على طفل افترش أمامه على الرصيف بسطة من الميداليات والمحافظ الجلدية الرخيصة ونظارات ريبان مقلّدة وقد أسند كتفه على سور جامع وتهدّل رأسه كثمرة ثقيلة فوق غصن هزيل في مدينة شذّت عن أي سياق تاريخي منطقي وانحشرتْ فيها حفنة ملعونة من البشر في حياة ضيقة· أتخيل الصغير يحلم بأنه ينام على سرير، مغطى بلحاف عليه صور شخصيات كرتونية في غرفة غاصة بالدمى· أبكي عليه ثم أبكي حلمه الذي تخيلتُه· أبكي على امرأة تقف في طابور الخبز في أحد مخابز القاهرة تجعل مراسل إحدى القنوات الإخبارية الطنانة الذي يستعجل الانتقال إلى شخص آخر شاهداً على بضعة أرغفة خبز اشترتْها أخيراً بعد ستّ ساعات انتظار، حيث اختلس منها الخباز الدقيق والماء وطعم الخبز· يرضي مين دا يا رب! تصفق صاحبة الوجه الطالع من أحد أحياء القاهرة الكالحة الخبزات بعضها ببعض كحطبات ناشفة، ثم تستغفر الرب مرغَمةً، خشية أن يؤدي تكبّرها على النعمة إلى مسخ كوم العيال الجوعانين الذين ينتظرونها في البيت·· لا حول ولا قوة إلا بالله·· ربِّنا على المفتري! ترفع وجهها إلى السماء· أبكي على بقايا شباشب رخيصة مرميّة باستهتار في أحد أسواق بغداد بعدما غادرتها أقدام أصحابها الذين تفتفتوا في انفجار يومي· أبكي على صور مسلسل مجازرنا الدرامي، متعدد الحلقات والأجزاء، أجمعها في ألبومات خاصة، أعود إليها أكثر كما أعود إلى ألبومات العائلة، وقد أنتظر في اللاشعور وقوع مجزرة معزّزة ومرفقة بصور آية في التمثيل والبشاعة، أترقّبها وأتعجّلها كي أُراكِم أرشيفي في البكاء·
حين وقعتْ مجزرة الرصاص المصبوب على الأبدان المفزوعة في غزة، حاصرتني على وجه الخصوص صور القتلى الأطفال، في واحدة من حملات تصفية الجسد الفلسطيني التي تدنّى فيها سقف الحياة بصورة غير مسبوقة· طوّقتْني أكثر، صور الوجوه التي رحلت بعيون مفتوحة، عيون مثُلتْ فيها الغفلة· كنتُ أجمع صور الأطفال الراحلين المفتّحين كمن يجمع طوابع نادرة أو كمن يلتقط أصدافاً ذات تشكيلات غريبة، شاذة، من شاطئ البحر· فقط مثل هذه الصور تثبت أن الله - إذا شاء - يستطيعُ ألا يكون· صورة بعينها لفتاة غزية لازمتني ردحاً من البكاء، كانت في العاشرة، أصغر قليلاً أو أكبر قليلاً، ترتدي بلوزة كمّونية بُقرت من الخاصرة حيث موقع الشظية التي سلبتها زمانها الآتي· تمدّدت على طاولة معدنية في أحد مستشفيات القطاع· أمالت رأسها نحوي، فكانت تعاينني، تتأمّلني بعينين بنيّتين استمسكتا ببريقهما حتى بعدما ذوت الحياة الغضة في تشكيل الجسد الذي لم يكتمل تفتّحه· لعلّ الصغيرة استبصرت أن الصورة ستقع في يدي، وها هي تسدّد لي نظرة عتب وملامة على ذنب أنا واثقة، قدر ثقتها هي، أنّي اقترفته·
صفحة 6
أنتِ أيضاً بكيتِ، في غرفتك الجامعية على بعد آلاف الكيلومترات من غرفة نومي التي كنت آوي إليها، بعد مطالعة صور موتانا بكلّ الهيئات والأحجام، منهكة من النحيب المنفرد· لقد بكيتِ دون أن تجعليني أو تجعلي أيّ أحد يراك· عرفتُ ذلك من صفحتك على الفيسبوك التي صدّرتِها بصورة الطفل الغزّي الذي التحق بمدرسته بعد نهاية موسم حصاد الأجساد الفلسطينية اليانعة، جلس على مقعده أول الصف وإلى جانبه جلست ورقة مقوّاة حملت اسم زميله الذي رحل· ومن خلفه زملاء جاوروا أوراقاً بأسماء ثلاثيّة ذوت مرة واحدة وإلى الأبد· نكّس الطفل رأسه وغطّاه بيديه· كان يبكي رفيق صفّه الذي كان يتقاسم وإياه ساونديشة الزيت والزعتر، وفي الأيام المرفهة ساندويشة اللبنة والخيار· لم يرغب في أن يرى كائن دموعه·
كنتُ في عملي أسرق بعض الوقت العزيز، أزور صفحتك عندما طالعني رأسكِ المنكّس في الصف وقد غطيتِه بيديك متفاديةً النظر إليّ أو إلى زميلك الذي لم يبق منه سوى اسمه الثلاثي على ورقة مقوّاة· ادعيتُ الإصابة بنوبة عطس مفاجئة· غطيتُ أنفي ونصف وجهي بمحرمة ورقية· من تحت نظاراتي، سالت دموعي أمام شاشة الكمبيوتر· نكّستُ رأسي، وغطّيتُه بكفّي· لم أرغب في أن يراني كائن أبكي·
من يدري، قد تكتشفين أنك بكّاءّة مثلي حتى وإن قاومتِ البكاء، فكما ورثتِ عنادي وتياستي، لعلك ورثتِ دموعي السهلة، لكن غير الخفيفة، وغير المُستخفّ بها· كنتِ شاهدتِني ذات يوم أبكي أمام فيلم ذكاء صناعي، الفيلم الوحيد الذي أحببته لستيفن سبيلبيرغ، كمخرج لم يكن ليصبح ربّ هوليود لولا يهوديته النقيّة التي جعلته غير قابل للمساس، حتى وإن قارب موضوعات جدليّة مثل ميونيخ على نحو قد لا يدين الفلسطيني تماماً لكنه قطعاً لا يجرِّم اليهودي، الذي يسائل نفسه ويجلدها بعد كل عملية قتل مبررة لفلسطيني تكرّم سبيلبيرغ بأن منحه صيغة حياتية مشروعة تجعله أكثر من مجرّد اسم موضوع على قائمة تصفية· استغربتِ، لا لأنني كنتُ أبكي فقط، وإنما لأنها كانت المرة الثالثة أو الرابعة التي أبكي فيها على الفيلم ذاته· كنتُ قد تعبّأتُ بمشاعر لم آلفْها من قبل تماماً وأنا أتابع أمنية الطفل الآلي ديفيد بأن تحبه أمه البشرية، التي تبنّته من مصنع للأطفال الآليين من ذوي المشاعر المطوّرة قبل أن تتخلّى عنه وتتركه في الغابة لمصيره المأساوي بأن يطحنه البشر من ذوي المشاعر الحقيقية، كونه آلة· عينا الصغير المتشوّفتان للحبّ عصرتا قلبي· تفنى البشرية بعد ألفي عام، ويظل ديفيد هو الطفل المشوق للحب من أم بشرية، وهو حبٌّ يتحصّل عليه ليوم واحد فقط، لكنه يوم يعادل الأبدية· شرقتُ من البكاء وأنا أرى ديفيد ينال الحبّ من أمه التي استُخلقتْ يوماً من أجله، تقول له قبل أن ترحل في موت عميق: أحببتك· لطالما أحببتك· سألتِني ضاحكة:
ـ مش بكيتي على الفيلم من قبل؟ شو يللي اختلف فيه؟
أعتقد أن الأمور اختلفتْ لديكِ أنتِ· أتذكرين تلك الليلة التي جلسنا فيها نتابع فيلم بيلي إليوت؟ كنتُ شاهدتُه في السينما، وحدثتكِ بافتتان عن الفتى الذي فرّط بقفازي الملاكمة كي يختبر حذاء الباليه سرّاً· بالصدفة، وقع بصري عليه معروضاً للبيع في كارفور ضمن عروض الأفلام الخاصة· طرتُ به إلى البيت فرحةً، مؤمّلةً نفسي بليلة لا تُنسى من البكاء المشترك، أنتِ وأنا· في البداية، آثرتِ أن تتفرّجي على الفيلم لوحدك، ثم كي لا أتهمّكِ بممارسة البكاء خلسةً، سمحتِ لي بأن أتابعه معكِ، شريطة ألا أتجسس على عينيكِ، أو ألحق بهما، أثناء الفرجة· وسط عتمة غرفة التلفزيون إلا من إضاءة الشاشة الخجول، لمحتُ انعكاس بكائكِ على زجاج نظاراتك· جرت دموعكِ حرّى، حافية، على خديْكِ المحمرّيْن، وقد تغبشت عيناك الواسعتان وابتلّت شجيرات رموشكِ الكثيفة من خلف نظاراتك الطبية· بكيتِ حين اضطر والد بيلي إلى تحطيم بيانو المرحومة أمّه ليوقدوا من أصابعه ناراً تدفئهم في شتاء إضراب عمال المناجم في بريطانيا الثمانينات، وبكيتِ حين قرأ بيلي رسالة أمّه التي تركتْها له قبيل موتها عن ظهر قلب أمام معلّمة الباليه، ثم بكيتِ حين ضبط الأب الغاضب الذي هزمه الفقر، ابنه يرقص· عندما انتهى الفيلم، كانت روحانا قد تنهنهتا من العياط· لم نتكلم· دارينا وجهيْنا عن وجهيْنا ونمنا دون هزّ· لقد شاهدتِ الفيلم مرّات من وراء ظهري، وفي كلّ مرة كنتِ تبكين من وراء ظهري· كنتِ تنتحبين وتَشرقين وتشهقين وترجفين، من وراء ظهري ومن أمام روحي التي كانت تستقرئك·
في الأيام التي لا نتعاطى فيها البكاء والعناد والمماحكة بين آرائك النبيلة غير الرشيدة وأفكاري التي عاثت فيها الأيام تقلّباً وانقلاباً نتخاصم، وقد تكون خصومتنا شرسة نستدرج فيها كل المشاعر العنيفة في العالم، لنحشرها في المساحة الضيقة بيننا، في الهواء المشحون بين وجهينا المتقابلين اللذين تلبّسهما الهياج والثورة الملتبسة·
- بكْرهك·
تصرخين في وجهي·
- بكْره نفسي·
أصرخ في وجهك·
حتى إذا أدركنا الليل وأوت الأحزان إلى مخادعها، أتيتِ إليّ حافية، وقد هطل نصف شعرك على وجهك، تفوح منك رائحة عرق طازج، من أحلام يقظتك المتهوّرة، وبقايا شوكولاته تتلمّظينها في فمكِ دون كبير شعور بالذنب لأنك خُنتِ حميتكِ الغذائية الهشّة، وخبز محمّص، حدّ الاحتراق، فتافيته ترشم بلوزة بيجامتك· تندسّين في السرير إلى جواري· تتشمّمين ذراعي العارية· تقولين إنك تحبين رائحة لحمي· تقولين إنك تفتشين عنها، أو ما يشبهها، في مدينتك البعيدة، فلا تجدينها· تغرسين أنفك في عنقي، قائلة:
- إحكيلي حكايتك!
صفحة 7
·· في مآل المال
بلغني أيّتها الملكة السعيدة، ذات الآراء غير الرشيدة تماماً والأحلام غير الحميدة مطلقاً··
(1)
أنكِ كنتِ لاوية فمك بتبرّم طوال الطريق من البيت إلى المطار لكثرة حكيي غير المفيد عن الفلوس وآليات توفيرها وتوقيرها والضنّ بها قبل إنفاقها وهدرها وسبل حمايتها وعدم استعراضها والتفريط بها، كما تقتضي الحكمة المتأتّاة من الجني الشحيح·
اعلمي يا مليكتي أنني أنحدر من عائلة عرفت القلّة أكثر مما عرفت الكثرة، وإن كانت ثمة كثرة على الدوام في الهمّ والهموم، علاوة على سوء التقدير وسوء التدبير، دون أن يعني ذلك إعراض الحياة الطيبة عنّا تماماً· لقد عِشنا لاجئين وافدين في الكويت، وكانت الفلوس تتسرّب منا بسرعة تفوق، بما لا يُقارن، وتيرة مجيئها إلينا· لكننا كنا نحمد الله لأننا ننفق أكثر من مدخولنا دون أن ننفضح، ودون أن تتكشّف مؤخراتنا للعالمين، كما كانت أمي تردّد· وإذا ما سألنا أحدهم عن حالنا نقول بآلية: مستورة، فإذا ما تمرّدنا على الستر، بوصفه خضوعاً لقدر لم نرده، تعيد أمي على مسامعنا المقولات الاستسلامية إياها·· احمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمة، غيركم محروم من اللقمة، أو ما نرميه في الزبالة من طعام يكفي لإطعام ستّ وخمسين عائلة! ولا نعرف لماذا تختار أمي رقم 56 تحديداً، بدلاً من اعتماد رقم دائري أسلس في التداول، مثل خمسين أو ستين· واحدة من شقيقاتي الكثيرات تسألها مناكفة، كيف قسّمت زبالتنا على ستّ وخمسين عائلة وكيف حسبتْها بدقة! تلتقط أمي إشارة السخرية الكامنة في السؤال، فتلطش شقيقتي بطشت الغسيل الفارغ الذي تحمله بيديها بعد نشر وجبة غسيل في البلكونة، أو قد ترميها بفردة شبشب أو حذاء أو بأي غرض منزلي في متناول يديها، لكن شقيقتي، كغالب المرّات، تتفادى القذيفة المتوقّعة·
لكننا قد نمضي أكثر في طريق التمرّد والغرور والتكبّر على نعم الله الكثيرة علينا، التي من بينها شهيّتنا المفتوحة على الدوام على الحياة والطعام، حتى إن أمّي كانت تنغز خواصرنا بكوعها إذا كبّرنا اللقمة أكثر من اللازم أو مضغنا عدّة لقم متتالية بتسارع لكي يتأتّى لنا أن ننهب أكبر قدر من الأكل في أقل وقت ممكن، أو إذا استفردنا بصحن البيض واللحم المفروم على العشاء وعزفنا عن الأطباق الأخرى المستورة والمكررة من زيت وزعتر وزيتون وبندورة مقطّعة على هيئة أهلّة، وأقراص خيار ذابلة لم يتسنّ استخدامها في طبق سلطة في أوانها واكتُشفتْ صدفة في أحد أدراج الثلاّجة·
صفحة 8
وهناك أيضاً من نعم الخالق علينا باعة الملابس الرخيصة المتجوّلون، الذين يطرقون بابنا قبل أبواب الجيران فتشتري منهم أمّي جواربنا وملابسنا الداخلية وبيجاماتنا التي نستهلكها كالخبز، بالتقسيط المملّ، والصحة الجيدة عموماً والاقتصار في مراجعاتنا الصحية على العيادات والمستشفيات الحكومية دون اللجوء إلى طبيب خاص إلا في ما ندر جداً وللضرورة القصوى، حتى أسناننا حين تتخلخل تهرّ لوحدها، فإذا تلكأت ربط والدي السنّ المرتخية بخيط في مقبض الباب وفتحه وسط انبهارنا نحن جمهور المتفرجين بأفكار أبي الخلاقة! كما لم تتعدّ العمليات الجراحية التي أُجريتْ لنا في المشافي المجانية استئصال الزائدة الدودية لثلاثة منا، واللوزتين لاثنين، واللحمية لأربعة، والفتق لأبي، والبواسير لأبي أيضاً، إلى جانب ولادات أمي الثماني، وعمليتي إجهاض رحمتانا من فمين زائدين، والتحاقنا بمدارس الكويت الحكومية قبل صدور القرار القاضي بحرمان الشريحة العظمى من أبناء الوافدين من حقّ التعليم المجاني، في عملية استهدفتْ تآكل أرزاق العباد المتآكلة سلفاً· عندئذ، وإزاء طلباتنا الفاجرة، من نوع إصرار أحد أشقائي على حذاء أديداس أصلي أسود مخطط بالأحمر، يُصدر أبي حكمه الفصل معلناً: اللي ما معهوش ما بيلزمهوش؛ فإذا ما وكّلنا يأسنا لأمي على اعتبار أنها القيّمة على مصروف البيت، تضرب راحة يد فوق كف اليد الأخرى قائلة: من وين يا حسرة؟ ثم إذا ألححْنا عليها أكثر، تتخنصر وتطعج جسدها المنزلي الصنع مؤكّدة أنه ما من سبيل أمامها سوى أن تشتغل تلك الشغلة، (تقصد شرموطة)· لكننا كنا نعرف أن أمي لا تستطيع أن تشتغل تلك الشغلة لنقص مريع لديها في التأهيل النفسي والجسدي!
وبما أنّنا يا أبهى الملكات من الكائنات التي تربّت على أن القرش متقلّص بطبعه، أو بطبع إلهي، وبالتالي نضع اليد على القلب ونتفقّد الجيب تطيّراً من أن تطير منا الفلوس دون إرادتنا - دون أن يعني هذا أنها تطير منا في غالب الأحوال بإرادتنا - فقد طوّرنا نظرية المخابئ السرية في تنويعات عديدة وتصريفات لا حصر لها· بعض المخابئ جاورت تفكيرنا منذ فطرتنا الحياتية الأولى، فابتكرناها دون أن نلتمس مرجعيّة أو نستأنس بخبرة سابقة؛ ومخابئ أخرى كأننا توارثناها، فصادرت سلوكياتنا وأداءاتنا وسيّرت طرائق تفكيرنا، حتى عندما لا يكون الشحّ هو الحالة الظاهرة أو السائدة؛ فالطبع والتطبّع يقهران الحياة الأخرى التي نريد·
أعتقد أن خالتي رحمة، ككلّ الخالات والعمّات ونسوة العائلة الضخمات ذوات الصدور الحانية الفائضة، كانت الأكثر عمليةً في ما يتعلق بانتقاء مخبئها السري· وخالتي ذات وجود منعش للحياة، فردانيّ ومبتكر، لعلّ حكايتي تعرّج على بعضها إذا ما سمحتْ لي لياليّ المقبلات بقصّها· كانت خالتي تُخبّئ الفلوس في صدرها، وكنا نحن الصغار نتعجّب من هذا الينبوع الذي لا ينضب من القطع المعدنية الفضيّة اللامعة التي تسقط في أيدينا حبّات مطر عريضة دافئة· كانت خالتي تبدو مغتبطة وهي تغرف من صدرها بعضاً من ثروتها توزّعها علينا· في زمن الدهشة البدائيّ، اعتقدتُ أنني حين أكبر سوف أمطر من ثديي فلوساً، وإن كنتُ واثقة من أننّي لن أفرّط فيها على غرار خالتي· كنت سأوفّرها لشراء كل أكياس مخدات المارشميلو الملوّنة في العالم، والعلكة ذات الرسومات التي ألصقها بلعابي على ذراعي كي تنطبع، حتى وإن عضّتني أمي في ذراعي لاحقاً عقاباً لي على ما تسمّيها وساخة·
صفحة 9
كنّا في الصيفيات نحلّ ضيوفاً على بيوت عديدة في الأردن، كلاجئين من الكويت أكثر رفاهية من لاجئي الأردن، كما يتعامل معنا الآخرون الذين يغالون في توقعاتهم بشأننا· من بين البيوت الأحبّ إلى روحي المتوثبة في ذاك الزمان العتيق بيت خالتي رحمة الواسع في جبل التاج بعمّان، الملحق به حديقة صغيرة طرّزتها بمعرّشة عنب وأشجار تين وليمون وتفاح وأحواض نعناع وبندورة وورود من النوع البرّي الذي ينبت دونما جهد· ذات نهار، طلبتُ من خالتي رحمة بَريزة· كانت وسط معمعة طهو محاشي مع أمي· صرختْ بي أمي كي أنفضّ من حولهما، لكن خالتي حلفتْ يميناً، غير قابل للكسر، بألا أغادر المطبخ قبل أن آخذ البريزة منها· كانت تقتعد الأرض إلى جوار والدتي، تقوّران الكوسا والباذنجان وقد طويتا ملابسهما حتى أعلى فخذيهما، كاشفتين عن لحم كثير، مسترسل، غير منظم· إذ لم تتوقف خالتي عن تقوير حبة كوسا ظلت تدوِّرها بينما تجرف أحشاءها بالمحفرة وقد تناثر اللبّ على يديها، طلبتْ مني أن أفك زرّ فستانها البيتي من الأمام· ترددتُ، فنهرتني كي أسرع، فككتُ الزر الأول، لكنها قالت إن هذا لا يكفي، عليّ أن أفك الزرّين الآخرين، ففككتهما· تلصّص عليّ صدرها المتدفئ، الذي التمعتْ حبّات عرق على لحمه الأكثر ابيضاضاً من وجهها الذي لفّته سُمرة خفيفة مع احمرار شفقي· طلبتْ مني أن أُدخل يدي تحت سوتيانتها الزرقاء السماوية التي كبستْ ثدييها بإحكام· تجمدتُ، فصرختْ بي: يلاّ! أدخلتُ يدي الطرية المرهوبة تحت أحد كوبي السوتيانة العريضين، فتحسستُ دبقاً وأوراقاً نقدية· بلعتُ ريقي· ضحكتْ خالتي رحمة ورجعتْ إلى الوراء، قائلة إنني دغدغتُها، ثم أشارت بعينها إلى ثديها الآخر، مستودع القطع المعدنية: شوفي البزّ الثاني! دسستُ يدي في العتمة والرهبة، واستللتُ بريزتي الساخنة التي استقرت فوق فرشة لحمية غائصة· لكن خالتي رحمة تصنّعت الغضب وهي تريني حبة الكوسا: اتطلّعي! كانت قد ثقبت الكوساية من الأسفل· ثم أطلقت واحدة من ضحكاتها الصادحة، المتراقصة، متراجعة إلى الخلف، مفرجة بين ساقيها الطويلتين، زامةً فستانها الذي رفعته بين فخذيها لدنتي القوام·
خالتي رحمة كانت جميلة، ظلت جميلة حتى حين كبرت، ففيها ذاك النوع من الجمال المشعّ المختزن، الذي لا يشيخ مع مديد العمر، فحُسنها أشبه بفكرة ثابتة، حقيقة غير قابلة للدحض· منذر زوج خالتي رحمة كان يناديها يا قمر!، وشو يا قمر؟ وهاتي نظرة يا قمر! كان يتحرّش بها كما لو كان يتحرش بامرأة غريبة أو كما يتحرش بجارتهم التي هجّ زوجها تاركاً لها خلفة كثيرة مرهقة، وذلك تحت سمع وبصر عاطفة خالتي رحمة الميتة إزاءه· كانت رحمة، كما جارتها، تتجاهل تحرّشاته· لم يكن يزعجها تحرّشه بجارتها· كل ما في الأمر أنها كانت تشفق على جارتها التي شكته لها ذات يوم، فاقترحت عليها رحمة جادة: اقتليه·· وريحيني منه!
- وبعدين يا قمر؟! صبري عليكِ طال!
فتعطيه خالتي رحمة تلك النظرة التي يفهمها جيداً، ثم تقول له:
- ما معي ولا قرش أحمر·
- كذّابة!
صفحة 10
عندئذ تنفلت عليه خالتي رحمة ولا تسكت، فتذكّره بما لا يريد أن يتذكّره؛ بنصيبه من بيت والده الذي بدّده على القمار، والثلاجة التي سحبها أحد رفاق سهرات الشدّة يوم راهن على قرش لا يملكه، والتلفزيون الذي أعطاه لأحد ديّانته الكثر· ثم تعايره بأنه بات يعيش على القرش الذي تدخله إلى البيت من كدّها وعرقها· فينقضّ عليها كالمسعور، يطيحها أرضاً، ويحاول أن يفتح ياقة فستانها، فيما تناضل كي تفلت من تحت جسمه الثقيل الخامل، وسط صراخ بنات خالتي الأربع وهنّ يتدافعن لتخليص أمهن منه· لكن خالتي تنهار مقاومتها سريعاً؛ يشقّ زوج خالتي فستانها، يمطّ السوتيانة، فيفور ثدياها وينسكبان، ليجمع ما اندلق من فلوس ويمضي خارجاً، قبل أن تنهض متحاملةً على انكسارها، فتغطيّ ما انكشف من لحمها، ثم تطلب من واحدة من بناتها أن تضع إبريق الشاي على النار وأن تساعدها الأخريات في تحضير العشاء·
فاطمة، جدتي لأبي المستدقّة الأعضاء التي كانت تقطن في مخيم الوحدات في عمّان، لم تستطع الاعتماد على صدرها طويلاً، ذلك أنه تهدّل وتسطّح مبكراً في عمرها الطويل نسبياً· لكنها طوّرت مع ذلك تقنية تخبئة مكّنتْها من مجاورة ثروتها واستشعار الأمان المادي في النهارات والليالي· كانت جدتي فاطمة ترتدي سراويل داخلية بيضاء مورّدة طويلة عريضة بدكة، كالشروال الرجالي، تضيق نحو الأسفل، مسوّرة كاحليها· ثمّة سراويل تنتهي بكشكشة أو دانتيل، فتبين من تحت ثوبها حين تجلس أو حين ترفع حافة الثوب عن الأرض كي لا تعلق به غبرة الطرقات· كانت جدتي فاطمة تخيط سراويلها بنفسها، وخلافاً للسراويل الداخلية النسائية المعتمدة، حتى المحتشمة منها، احتوت سراويلها على جيوب كثيرة؛ جيوب في الخلف وجيوب في الأمام وجيوب على الجانبين، وجميعها كانت خفية، كبطانة تحتانية· بعض الجيوب المخصصة للمبالغ الكبيرة كانت بسحابات· ولم تكن جدتي فاطمة تلجأ إلى خزائنها الداخلية هذه إلا للطوارئ· أما للاستخدام اليومي، فكان هناك جزدانها الجلدي الصغير بلونه البني المحروق، ذو التجاويف والفتحات المتعددة، تغرسه في عبّها، في ما يشبه جراباً داخلياً مفتوحاً خاطته في بطانة صدر الثوب لهذا الغرض· فإذا التممْنا حولها، نحن أحفادها الكثر، نطلب منها الشلنات والبرايز لشراء خبز الكعك بالسمسم والبيض أو الكيكس أو بوظة الاسكيمو أو دفع أجرة بضع دورات على مراجيح أبو سعيد في المخيّم، وهو أقصى ما قد نطمح للحصول عليه منها، كانت جدتي فاطمة تبدو مبتهجة وهي تتفحّص نظراتنا المتوسّلة، تتباطأ وهي تدسّ يدها في عبّها، تغرف منه جزدانها الجلدي، تفتح بُكْلته المعدنية محدثةً صوت طقة تنبئ بالخير القادم، ثم تنوس عيناها الصغيرتان بين ثنيات الجزدان الجوانية وجيوبه، قبل أن تفتح سحاب الجيب الأوسط الذي تكدّست فيه القروش الحمراء والشلنات والبرايز الفضية· نكون خمسة أو ستة، مشكّلين دائرة تضيق حولها كلما دنت لحظة توزيع جزء من ثروتها علينا· مين فتح كفّه أول واحد؟ تسألنا بوجه تكشكشه ضحكة تمسح بعض تفاصيل الشقاء في وجهها، فنبسط الأيدي الصغيرة أمامها متدافشين، شبه متضاربين، فتهددنا بأن تعيد الفلوس إلى الجزدان إذا لم نكن عاقلين، طيّعين· نعود إلى التأدب، متخذين وضعية المذلّة المؤقتة في حضرتها· توزع جدّتي الشلنات في الأكف، تضعها شلنا شلناً بعناية، ثم تغلق الكفّ الصغيرة على الشلن وتربت عليها، كأنها تريد أن تستبقي الفلوس لنفسها أو لأيام الشحّ المنذرات، أو كأنها تستعطفنا كي نكون حصيفين قبل أن نبدّدها على شهواتنا الآنية من كيكس واسكيمو ومراجيح وغيرها من الملذات الأخرى·