eKtab
EN ع
قبل أن يبرد الياسمين
اقرأ عينة مجانية

قبل أن يبرد الياسمين

بقلم جهاد هديب

صفحة 1
ما جاء بردٌ إلى كانون،
 
ستبقى جمراً يتَّقِدُ·
 
ما مرَّ هواء من هنا،
 
لن يغطيك الرماد·
 
وتحدثُ حياتُك،
 
لا تعرفُ الذي أوقَعَها
 
بقعةَ ضوءٍ
 
في جدارٍ أسودَ
 
حيث
 
لا شيء يُتَذَكَّرُ أو يُنْسى
 
جاء
 
بالجراد
 
يقول
 
فراشاً
 
صورة جانبية
 
اكتفتْ
 
عزلتُكَ بالقسمة على أبيضَ أو أسود·
 
قلبُكَ مقعدٌ شاغرٌ في حديقة،
 
وصوتُك المرُّ أكثرَ قد تشقق·
صفحة 2
تمضي في الثلاثين
 
خطوُكَ شَبيهُ التأتأة·
 
لكَ إصغاءةُ أفعى عمياء
 
ونظرتُكَ من حجر·
 
تمشي
 
كما لو أنك تمثالٌ ساهٍ·
 
تمسكُ كَفُّك بخيط
 
تسحبُهُ من عمرٍ الْتَفَّ وراءَك كرةً من
 
الصوف
 
وحيث لا تدري أتصعد أم تهبط
 
ترى مقْعداً في حديقة
 
لم تسقط بجواره التفاحة كلّها·
 
تصل إلى المقعد
 
وما من سبب لذلك
 
سوى أن تحفظهُ علامةً على طريق·
 
لا شيء،
 
طفولتكَ تبتعدُ،
 
تلك الطائرةُ الورقيةُ
 
التي حلّقَتْ في سماءٍ لغيرِك
 
قد انقطعَ خيطُها·
صفحة 3
تتشبَّثُ برائحة تخاف جفافَها
 
وتُمسكُ بقبضَتيْنِ قويتين
 
على رفَّةٍ لثوبٍ ماجَ مرة
 
في الريح،
 
بينما
 
تجهل سبباً لغضبٍ يقرع بعيداً في قلبك
 
كطبول غجر في غابة
 
بورتريه، غير شخصي
 
سواءٌ عليها،
 
أَغَسَلَها مَطَرٌ أم كَنَستْها الريحُ
 
سوفَ تفترقُ الخطوةُ عن العتبة·
 
ولا لزامَ على الشجرةِ
 
أنْ تمسكَ بظلِّها إِلى الأبدْ·
 
لربما يسأم أحدُهُما،
 
كذلك الفراغُ من الشكل·
 
في آخرِ الأمرِ
 
ينسى المرءُ اسمَهُ إنْ ما كفَّ عنه·
 
وأنتْ،
 
اخرجْ من الذي صادفتَهُ في الطريق،
 
يقايض أشياءَكَ بكتابٍ يصيرُ رملاً
 
ويبيعُ المفتاحَ وصُوَرَ العائلة· في وجهِهِ
 
عيناك ولمستُكَ الباردةُ سرقَتْها أصابعُه·
 
افْتَقَدْتَ دَرْبَكَ لما خرجْتَ من صمتٍ
صفحة 4
يُشْبِهُ القفرَ فجاء من غير خُطاك· جاء
 
بالجراد يقول فَراشاً؛ بحماقةٍ لم
 
تَرْتكِبْها، لقد مضى بحبيبتك إلى
 
الغابة ثم رَجَعَ في يدهِ العاهرةُ، وقال:
 
إخْلِ البيت·
 
بَقيتَ أكيداً حتى قابلَكَ في المرآة كما
 
لو فَتحْتَ البابَ لطارِقٍ فاشْتَبَهتْ
 
عليكَ أمُّكَ
 
ولا مَرَضَ عليه، لكنْ تدورُ به الحمّى،
 
تُلْقيه إلى نسيانِك ويحرثُ أرضاً لا
 
يتذكرها سواك؛ يئنُّ، الهذيانُ يُرتقى
 
إليه ويتركُكَ في الدوخةِ والعطش
 
مرةً،
 
تركْتَ الأرقَ طفلاً يلهو في سريرك·
 
وما إِنْ شرعْتَ في السقوط إِلى رقادٍ
 
حتى صرخ باسمك· ها أنتَ تقومُ،
 
إلى ندمٍ كَصَحْوٍ؛ صحوٍ كسفر الحفاةِ
 
في رمل· ها أنت تحصي نجوماً في نومِ
 
سواكَ أو بيديْك تمسحُ ليلاً عن زرقة
 
السماء·
صفحة 5
كلّما غفرْتَ له ذنباً أخَذَك على الغَفْوةِ
 
وأصابَكَ بحجر·
 
والذي
 
مضى
 
كُلُّه
 
انْهدَمَ إلى ركامٍ من العظمِ والحجارة،
 
صَعَدهُ على أربعٍ ثم أطلَّ في البعيد،
 
بينما ترتجفُ في يدك الفانوسِ تنتظر
 
ضحكاً أو بكاءً· ومع أنّكَ دسَسْتَ
 
نذيرةً في عَثَراته ما زِلْتَ تخافُ نهاراً
 
أَوْضَحَ أو عتمة أشدَّ
 
لا تكن طيّباً،
 
اغضبْ لمرةٍ
 
ولا تفتح الباب·
 
جرّبْ
 
أنْ
 
تغضبَ،
 
أو في الأقل
 
خَبّي في جَيْبِكَ الخنجَر
 
سوف
 
تلتقيهِ
 
سترى
 
كم
 
مرة تموت
صفحة 6
صورة جانبية، أيضاً
 
حَسبْنا النهارَ تدفَّقَ دونَ تعب·
 
وَصَلْنا إلى البيت من غيبةٍ، ولم يكن
 
الليلُ، لكنْ وجَدْنا العتمةَ ناشفةً على
 
العَتَبة·
 
طردْتُ أشباهي كُلَّهم:
 
حدّادين كانوا جنوداً يَنْقبون
 
الذكرياتَ بلا ألم ثم صاروا حَمَلَةً
 
للسلاسل والأوشام؛ وإخوةَ سَحَرةٍ
 
ضربوا خطوطاً في الرمل وخلطوا دخاناً
 
بخطى لغائبين وهمسوا للثمرِ فسقط
 
دَخَلْتُ، ورَجلٌ في الغرفةِ ينتظرُ
 
كالذي يقفُ في بوّابةِ نَفَقْ
 
أشهرَ لسانَهُ في وجهي وكنتُ أُشْبِهُهُ
 
بينما أقتربُ من ثلاثينَ غلَّقَتْ بابها
 
ثم أشعل ضحكاً أطْلَعَهُ من جوف بئرٍ
 
أخذَهُ الذين طَرَدْتُهمُ
 
كأنه الأثرُ من مفقودٍ
 
كأنهم سعاةُ بريدٍ
 
وتفرَّقوا
صفحة 7
من
 
يومها
 
أسمعُ الصخرةَ تتدحرجُ عن ذورةٍ
 
وأحاولُ هروباً فإذا الجهاتُ هاويةٌ من
 
أمامٍ ومن خلف·
 
أَتَت الحيرةُ
 
وخَلَطتْ صمتاً برعب·
 
ازدادَ ثِقَلُ الساعة في الجدار، كذلك
 
الأحصنَةُ التي جاوَرتْها من زمان، لقد
 
وقَفَتْ على قائمتين ومدّتْ أعناقَها إلى
 
أعلى·
 
عذابُها شقّق آنيةً فيها الوردةُ مالَ
 
جذعُها إلى ظلٍّ أعْتَمَ
 
لما استبدََّ
 
الرعبُ
 
أكثرَ
 
أَسالت المرآةُ فضّتها
 
لتبوحَ برجلٍ ينتظرُ،
 
كالذي يقفُ في بوّابة نَفَق،
 
أخرج لسانَه إلى وجهي
 
وكان يشبهُني
 
بينما ثلاثون على كتفي
 
وأسيحُ على الأرض
صفحة 8
مثلَ بائعٍ جوّال·
 
أنسى عادةً
 
كما أنسى دائماً
 
من
 
شمالٍ
 
تلفحُهُ نارٌ هذا القلبُ،
 
من
 
يمين
 
يهبُّ إليه بردٌ في الْتذاذ·
 
يموءُ
 
حتى لكأَنَّه
 
قطةٌ شاردة
 
داهمَتْها ظلمةٌ في زقاق
 
جاء رسّامٌ لدى أتذكّر البارحَة شُرفةً
 
زرقاءَ تُطلُّ على حياةٍ يعصفُ فيها
 
أبيضُ لا كالأبيض· الشرفةُ امرأتُه التي لم
 
يَرَ· لأجله ربَّتْ يداها فراشاتٍ تحكي
 
لها قبلَ أنْ تأوي إلى ياسمينةٍ فتنام·
 
يدان، ثم يختلي إليهِما ولا تدركُه إفاقة،
 
ظلَّ يقول
 
وظلَّت تتذكّر يداه
صفحة 9
كي
 
يعودَ وَجّهُ المرأةِ من الشرفة،
 
وَجَبَ أن يُؤتى بأرضٍ أخرى
 
تُحرَثُ ثم تُبْذَرُ فَتُسْقى
 
التذكّر
 
سوفَ يَتَريَّثُ
 
مثلَ فلاحٍ أكيدٍ ويعرفُ،
 
في يدهِ المِنجَلُ ذَهَبٌ
 
أَنظرُ في كتابٍ آخَرَ· أرى صورةً
 
للأرض، فيها المدينةُ توصَفُ بامرأةٍ،
 
والإقامةُ أن أُطلَّ على حياةٍ مكينةٍ، ما
 
هَمَّ أَجاءَتْ من نسيانٍ أمْ من الذي
 
مضى وليس لي·
 
أهاجرُ إليها تلك المرأة، وإِنْ بلاَ بوابةٍ··
 
وإِنْ أَبْعَدَني الحَرَس·
 
كُنْتُ أرى وردةً تنكسرُ في التماعها
 
شموسٌ في طريقٍ أُشيرَ إِليها من غامضٍ
 
لدى أنْ عادَ الرسَّامُ ثانيةً وما في يده
 
مِنْجلٌ أو سنبلة·
 
الورقَةُ بيضاء لي، قال، وظلّت الريشةُ
 
ملونةً· امرأتي سربُ طُيورٍ اخضرَّتْ
 
تُحلِّقُ في حُلُمي تُريدُ في آخِرِهِ جَبلاً
صفحة 10
يَعلو
 
أنا
 
هناك،
 
فوقُ وبعيدٌ،
 
الشجرةُ الأعلى
 
أنتظرُ
 
ولو طيراً
 
ولو ريشةً منه
 
تَحْدُثُ الأشياءُ هكذا·
 
فمنذُ كانتْ حرائقُ اخْتَلَعَتْ صُوَراً من
 
جَذْرها والذكرى لا جناحُها يمتدُّ إِلى
 
حُلُم يأتي ولا تقع منها الريشة
 
فتُكتب
 
حرائقُ
 
أَبْقَتْ فيها الذي كانَ
 
وصار منها
 
اليدُ لا تُغمضُ
 
والأصابعُ لا تحصي
 
أو تشيرُ إلى ما أَفْلَتَ
 
فتنسى عادةً كما تَنْسى دائماً·