eKtab
EN ع
كبو
اقرأ عينة مجانية

كبو

بقلم إزدهار بوشاقور

صفحة 1

كبو

يقال إبليس طفل أو صبي فقلت فهل معنى هذا أن للكبر في تغييره أو للدخيل يد في تغييره، وقيل المرأة أكبر من الشيطان فقلت فهل بإنهاء أمره.

وقيل شيطان الإنس أخطر منه عند الجن وشيطان المسلم المؤمن ضعيف فقلت هل من شك من أن الشذوذ عن الطاعة والمعصية مبدء للشيطنة وركوب الجن وإن كان على السواء كافر ومسلم.

ولكن لا من يشذ على القاعدة فالشيطان أمره أمر والسحر طريق له ومبيته جسد الإنسان فهل لنا بفك لفة الذيل على الرقاب فخلف اليد يد وللروح روح نفخ فيها فلان وفلان فحصن أولاده عن أولاد الشيطان أو دفعهم لعبة إليه وإن كانت بسم الله تطرد الشيطان فإن مسلك العرافين والمبغتين أحسنوا إليه الطريق.

إني ممن يحبون صيانة الحقوق وأحاديث تأخذ في المعنى وأجيد استنساخ من يحبون الاحترام.

غير أني متمسك بقوتي في قولي، الضعيف وراء السحر والسحر وراءه فالسوسة لا تدخل في العروق ولا تفيض بالجوارح ولا تتلحن على الألسن فتنام على لحنه الجفون وتطوى عليه الرموش إذ لم يطن لذكاء الغبن قوة مساعدة له، وأخرى من قوة الاعتقاد به.

لا أريد التلطف أو التعطف، ولا الوقوف على صلابة التخلق ولا الدوام في عثر المطب، كانت قوة الصلة الداخلية بالإيمان، بعيدة عن تقمص الأدوار أو التمرد في الحالات ولكن وضع جسدي المستلقي يحاصره الجو الجاف الخانق والملم بالهزيمة والانهزام، مال بي إلى حياة أخرى ولاحت دنيا بوجهي وأمام عيناي، دنيا رسمت في خيالي تؤشر لبيانات بما قوي هذا الزمن.

عالم غيبي وعالم آخر أستطيع الحديث فيه وإن لم يكن فإنه بإمكاني القضاء فيه والإفضاء إلى وجه بعيد عليه، لكن ليس طريقا قبيحا وليس بالحسن بل بداخلي طرح لما بداخله ورؤى شاخت خلاياها رويدا رويدا حتى رافقها تكاثر للظنون والشكوك وتكامله في الظلام، حتى غاب ما اتضح فكان اللاخل من نسخ الكلمات وتسهيل طرح الحروف لنمنح قراءة جليه لما هل في نفوسنا من غيبيات.

وفي صفير الريح وصنع النوى، وطفح الرياء والتحامل صبغ الغموض وامتدت بالأشياء إلى اللاشيء.

صفحة 2

بالإنسان هوامش وفجوة ما بين التصديق وضده وما بداخله من شر يتضح المقصد في قيامه وتجتمع الحاجة ويبيت النية إلى قلب الموازيين، فكانت الغيبيات تجربة جدية ومنظار وعوالم مقصدية لمعرفة ما جهل وقراءة التاريخ القادم على الكف وأعطى الدور فيها للمرأة، وتضح ما ضاقت وكسي الضعيف بالبطلة، وطاردت النفوس أحلام تفتح البخت.

هدم المنزل الذي كان يؤوي عائلته وترك وحيدا بجسد عريض ووقفة خلفت ظلا عارضي الأشعة، واقترنت حاجباه سيرا ليواجه بعيون عنت بعيد المألوف ووصل تقديره إلى معانق عريضة صلبة العظم عانت الكثير للخصوم.

مهيب الملامح أسمر تخزن لون الشمس وصبغة القمحة زمن اكتمال نموها ثائر في المشبه ما بقي له غير سروال أسود يلبسه وقميص بلون تراب الأرض حينما تبلله حبات المطر وتدوسه الأقدام.

يتعمق أثره ويصل حد تقدير العثر.

هام في الصوت الشاك ونسج بفرادة ما بقى عليه وفيه قضي والداه وزوجه وابنه وحكم الحال أذناب البقاء حصد الزمن حقل زرع عائلته وانبعث من المكان روائح الخلاء، لم يعارض الألم ولا ثائر على الموت لم يزيف للدنيا من حقها وإن كانت الفريق الرابح والخبرة أضلت فيه القول وإن كانت النبع المدعية للذهول وكل طموحه وقدرته فله رصيد أحاسيس يغترف منه ووثب وإن كان شاق فإنه ماض لا ينظر.

لن يمضي العهد على إنهاء عهده وإن دام تستر الثعبان وإن زاره الحمام الخفاق الجناح أو الغراب الأسود النواح فالاتفاق لا يتفق وزمن أحد وإن كان الإدعاء حر التجرؤ في الحرية موطن الأقدام.

ضخم الجثة من الجبال علوه وشموخه ومن الأسد فداسته، من النسيم وعبق الورود حلاوة حديثه اعترافات مرتبكة مرتجة عن سمعة تناثرت في حقه، وإن كانت الوحدة مرتع وخيم وتنكر من الزمن فقد جرفته الظروف وتقاذفته أمواج من مختلف الأحجام إلى غمار بؤر الانعطاف والتسلل مع المد، قبضت يمناه الهواء وذاق مرارة وحدة الضمير، واحتكم الفرص في مرتبطه.

هو ذا مشروع الأيام القادمة يتخرج فؤاده العديد الهواجس وثورة لحواسه الخمسة.

صفحة 3

باعته الأرض وتسلت كل المرتب.

ارتدى برودة وافتك البسمة وتحركت حدقته تحت جفن مغلق وقلب فكره ظهر المحن...

عاداه من حوله وهو يمحو مجموعة الصور الجميلة تحبب للزمن وتحنن، خطب رأفة الليل.

وإن كانت زالت الأرض أناس، فلن أرحل عن وطني وإن شح القدر فسأنتظر من السماء المطر.

قاده قطيع الأحلام، وتحضر كل ما عاش في دروب جميلة لم تغب عنه لحظات وقوع البيت وانحناء البنايات عن نشاط من الأرض، هو ذا حالة وعي الإنسان خوف التراب وما تحمله الحياة لمن ركب ظهرها.

انطبعت بروحه الذكرى وكتب الزمن هذه الكتابة تجوف صدره من إحساس الرأفة، وجهد فكره مجموعة مقاربات تجمهرت بجوهرة القلب.

أيقض العملاق بداخله فقد سلطانه وتفقد الحب بصدره فأجابته صورته بالماء، لا تلبس غير حقيقتك ولا تحمل إلا ما بك من أحاسيس لا الغي ولا الضلال ولا أباريح التشكيك يقص لك.

كيان في حديث للروح، وشرود موحي مفعول الشهوة وأوحى له العجز بفقر العمل وامتعض الصدر من وعكة الألم ثائر وهادئ، استشعر الكلمات على تنهدات عجراء وتصرف الحال علو التصرف.

الحب يحرك الشعور ويخطب كبد المعزة نسيج منيع أبيح أحاسيس تقدمت في خفة تلبس للروح لوحة ونغم منغمس عزم التآليف، ومع نجم اسمه حلة النفس أدبر الضلال وقفا شعره بنقل فجائية ما يرسوا على بقر الصدور يعطي الروحانية ويحتضن جرف الهوى والوجدان.

والحب يخزن العواطف وتوليد الشعور، الحب فك الأصفاد وبهاء بحياده.

تمزقت صورة الحياة أمام العيون وعلى آذان صلاة العصر وسارع المصلي سحب أذياله وعدلت الظلمة وتعند عليها الضوء لكن الزمن شعر بالدخيل، وصورة الشمس أنينها على المعنى الظاهر، أفق أصفر فاتح جنح على السكون يحمل قلبين ومهابة، قوي العظم واثق الخطى تصرف بعزم وحمل صدره ما وطأ أيامه.

تجوف الظل نور الشمس و نقل الضوء خافت ظله .يسير إلى طريق الدنيا. تزور الأرض قطرات المطر وتتطاير هندامه ريح ماشية دبت برودة صوت الأفكار يخترق داخله ويبدد التحف القصصية به.

فروق الأحلام ودخان الآمال ينتثر مراسيل مراسلة تبحث عن الوجود.

صفحة 4

ماذا عن غرس الأيام الفائتة، ماذا عن حياة ما قبل أيام وماذا عن تواريخ مراحل الإنسان أين الطفولة والشباب وحلم الكهولة، تتوزع الأفكار شاهدة على وجوده وحضوره بلا مكان تلبست نظراته عقودا أربعة وانثنت ملامحه تعد شموع العمر. الوصول إلى صفاء سنة ليست بعيدة فكانت الفتة تصلك إلى رفع الظلمة والعودة بك إلى مولده.

الزلزال أتى على دهاليز البيت وأذاب الساكن وجدد الهواجس، ليس ممن يسعون إلى أقرب القريب ولا ذو ألفة وإإتلاف، لم تر عيونه أخواله الثلاثة ولم يجلس إلى خالاته الثلاثة مرة في عمره، ليس لأنه فاقد للشعور ولا حامل لفاصلة دم فريدة ولا لأنه منتفع أو ثائر على العواطف ولكنها القناعات وغلبة لون فاقد الروح، هالت العواطف لم تعرج ذات يوم عليهم ولو بالتشكيك وتجوفت الأم أصغر الإخوة بهاء العلاقة، فغابت عن الأقارب وتغيبها الأقارب بجدية لا بحميمية فكانت إن سلبت أرضها وترست موانئ الوحدة لا بر لعلاقة شحيحة، القريب ابتعد والبعيد غاب عن المكان فكان ما كان.

وجفى الوالد وكان له من حظ الزوجة كل الحظ، ولم يكن من التخزين للعلاقة الأسرية ما هو ظاهر، تمزق الوعي واستطاعت الحياة التحكم في ابتعاد الجذوع عن الغصون وتساقطت الأوراق دونما أن تطرح الشجرة مردودا بل اكتفت بمد الجذوع وطرح الضعف والجذب ليجنبني اللسان حبات سوداء أسمها الكراهية.

أباد الزمن النفوس واستطاع استنزاف الأفكار لا تحدها فطرة.

استطاعت مؤثرات النفس أفعال الكثير من التغيير وتوارث ما تحول على ملامحه، وجود التعصب وسحق أو نشر من مزايا تعلم عليه الزمن وعلمه كيف يجرح الصدر وكيف يقرع على السمع، كيف يتآمر عليه العالم فيصبح أكثر برودة، أرته العيون كيف تتمدد أوصال الشتاء قبل الأوان حمل من مكان آخر دون اكتشاف للتفاصيل.

وسار وحيدا على الأرض المعبرة وأرجل مكبلة مثقلة يتفاجر ما به وتفتح ثغر الهوان ذاهبا إلى جهل.

كثر الهجر وبان وكر المآسي والضجر، في الصمت أين الموات فر الفجر، وتفرغ ما في العلب كثير من حروب اللايقين تضاخم الظن، ودخل نفق على مشاهد القهر تعرضت المواقف وتزيف الحال فما كان من وهن ونسيج الوهم شاك خيوط الخصومة فما خطا خطوة إلا أن عظمه طارت به الأفكار وترسم ما استهوى وجحظ عيونه ولادة الأحلام تغوص به في برك تقص عليه وفي خيال وبين خبث وهمة يحضره الوجود، يفتك من التفرد والوحدة والطريق المهجور السابح في الخلاء ما وراء التفكر زارته ضفاف الحلول وروى باله بعض الناس الأهم بالزيارة وتوزع على بعض الصحاب لكن...

أعدم الوزن، وترفع موجة تحمل البرودة، موجة تتناوب المد ... ولكنه خفيف خفة الطفل ومورد به ربيع العمر يشرف على العقد الرابع، وينبوع قلبه لا يزال في العقد الثاني لا يزال على العهد.

شجرة على ثمارها وزهرها، ووجه يرسم نفسية على حالته النفسية، الأنموذج الباطني.

تذكرها هي العشيقة والقلب الذي يكن ويحمل له الود عاشقة له وهائم بها.

لا تفكير عليه ولا ما يحمل له رجحان ومرتبة للرشد، توزعت الأقاويل وإلحاح المعطيات، الكثير منها تلح زيارة " ليلى " القصيدة التي نغمت حياته وتسطرت بصفحات كتابه أفكار تخص محطة حياته.

انقلاب الملامح وتعصر العيون، أخذت الجفون تصنع الأسى وتضالع القلب ونثرت على الخدود حبات الليل جرت خلفها سحابة مقيدة للنظر رادتا للناظر السؤال.

هناك عاجل ألف بالشاب وأذاب به خواطر لا تسمع بل تسمع الحواس رسائل تزول النغم إذ حلق نور القمر أضاع الضياء الظلمة، وإذا زاولته الظلمة تلاحقت الشعاعات تنشر ما بين الأصابع من غلفة.

معابر للحياة وجسور تشد وتربط الضفاف، ومحت الشمس لون الوجه فبانت السمورة وأثر النور وتدافعت في حماس بقع تقبع على وحول العيون، تشاهق أنفه وعلت مرافئ في تجاهل وبهرجة تمظهر لا ارساء إلا التغيب.

لا سلطان على الظلام ولا بريق على الضوء، وخطوة خطوة على طريق متمدد ترابي لا حدود ولا رصيف إلا أصوات فتات وبقايا تصلب مما تركته الآلة لا اسم له ولا باع، طريق تلفه زوبعة غبار كلما نفخت الأسماء، يتفاءل حينا و يغوص في التطير حينا آخر، واتبع السير الأنسب .. ونسي ما خلف.

مشحن أحاسيس وأوهام، مثقل متخم جروح بدون رؤى، ونظرة في عيون الخلاء والضياع من حوله، البعيد صغير والقريب حجز ما بقى أكثر إثارة.

زف وحيدا وتوسع توجعه مجروف انثنى من الأنام والألم يعزف الناي على جلده.

صفحة 5

اغترب واقترب من حدود الواد ... لم يأت من قبل .. لكنه يتذكر ذاك الزمن، وإن كان بعيد فقد تذكر ذاك المساء لما عنى بداخله ونام بوعيه وجه أبيه يحنو إليه ماسكا يمناه، يختار له ممر السير ويتحدث إليه.

لكنه عاد من غيابه وتمسح عيونه .. لقد مات شهيدا ...

و خطى خطوات في الهوى ...و مشاعر أسرار العذاب تتدفق على خدوده ،و هواء منحى خطابات تكسرت في المقامات و دون أن يدر على و دون أن يدر رأسه طوح به السير إلى نهاية مقلقة و تفتح على احتمالات مهلكة .المكان يعيد بالمقبرة و إلى الرداءة بدون مراهنة .

مد به شعور محافظ و تعتم رأيه و سيره على تراب المقبرة ...قلب في المكان و مال على القبور و شجيرات ترفعت هنا و أعشاب من هناك قلبه يحمل ازدحام شعور و أحاسيس تهزه من بعيد، وجهته إلى المجهول يتقبل كل المكنون.

و من ابتداء كان فكرة ارتعت الهواجس أفاقت النغم المغيب بداخله .و تلبس الحال رداء أشهب .

و أفاق هواء بارد و إشعاع مسحر ،حمل موج غاص به في العمق و على عمق خطوات انحصر به ما ضبط و أفاض بدون مراهنة و اعتلى جفاء أعصابه .و شحب أميالا في الأمان .و تخفت عيونه خلف النظر و تتابعت قاطرة الصور الغامضة .تنهمر و تتمرر مسرعة بفكره و بين ما اندثر و آخر تخطط .تغيرت قسماته عن الحقيقة و تعيش حالة مازالت جزءا من غير شعوره .

به دفع و أحد إلى مصير يغير مجرى ما تجمع من يرد و تحولت عيونه. في فسح تأحد إلى بعيد ،و المكان تحت سلطة الغفلة تتسابق إليه الوحشة في تزايد مورث لتحجر المشاعرالمطنبة في الخشية ،و انقرض حتى و حيا متغير بدعوة و حاجة و بدون مدعات.

شاب بدون أي بعد ثقافي لا مؤهل ولا ما يحفظ وجوده الاجتماعي لكن له صداقة و أكثر من صديق له أهل و أكثر من الواحد، لا ينحصر بل منطلق. جرفته جحافل الأفكار إلى المكان، واقتحم اللاوجود حوله ... المقبرة تعني له الكثير في فكره.

وإن تجر دمى التوثيق وتطرف عن التنوير، وتخرج فكره الصور ونوى القلب رفع الأثر، فظرف القول بين خطر ووعد.

وخطت محارم الذهن ونمى ببدنه ما أغنى استقصاء المقصود وزحفت العنكبوت مسافات زمنية بعيدة بالنفس لا رسم ولا شكل لها وتجاذبته قوى مجهولة من ل لها وتجاذبته قوى مجهولة من غبن وبراغيث البغضاء ... صعب إدراك الغائب وصعب اقتحام الظرف الطارئ وراح الخيال يبدع وقام الخلاء والوحشة بتغذية الوافد، التسليم والإباح، الإلهام بلا رشد.

جلس الشاب على أقرب صخرة تخرجتها الأرض.

جامع أشلاؤه فاسحا للمتعة ما غزى بدنه.

وفي جو غزته برودة وترفعت عبارات تسمع الأذان وتقبع النظر طرى عودة على ما كان ونشأ به ما ينشأ للفتيان المراهقين حطت به نقاط على متاهات الكلمات وبشكل جد لي تصارح الضمير الروح. وقع في أسر المجهول ، وفكر لحجم الوجود، وتحت سحابة رمادية وحمراء جلس وأنشأ الطفل، مجازف إلى مجاري لا بوادر راسية مطمئنة إلا جحافل لا رؤى لها ،ومجاز أكل دخيل وتصفح ما جمع بجناحيه لاجتماع لرئي وأن تقصد المقصد..

وبذا الغياب يدب في صورته و لحظة فلحظة أنسته الظلمة مراسم وجوده فلا يتفقد جسمه إلا بتنهدات متقاربة تحسس سترته فأيقن بعلبة السيجارة و استجمع جيبه الأيمن و أخذ منه علبة الكبريت .

أخذ سيجارة و حصرها .أحسس بدفء يدرى الألم وتراقصت خيوط الدخان على عزف ناي حزين واختبأ بقلبه ما يخفي الأسقام.

يمضي الليل الصورة ، منحنيا أمام النجوم وبين ما ينشده وما ينمقه ،وبين ما يحرقه ويتقدم به سنوات إلى العمر يداري المستقبل خلفه.

غابت به المقاصد وتسابقت إليه الأوزار وتوسعت لكل الأحداث وتفرغ الزمن مضامينه.

صفحة 6

خفقت طموحاته وانطلق العنان بكل جدية يعطي ما يفسد وده وغاب في شبر اختلاف رأيه.

تجرب ركوب الجدية والجديد يحاول إيقاظ العملاق بصدره ينظر موطن أقدامه، يتحدث لسره، هذا التاريخ يحط أسطره الأولى وهذا يفزع ويشحن، هذه محطات بداخله تتجدد وصناديق تتفتح عن الدنيء والمشاهد التي لا تتكرر.

لن يتوقف أمام الأيام مهما كانت تتمثن ولن يغلبه مطاردة الطمس الواهن مهما تجرأ.

لما لا يتشطب تاريخ الأحلام ويرتبط بما حل، لماذا يبقى مشروعا للخيال ومحطة للأوهام، لماذا يتوقف عندما حققه الظرف عليه، لماذا هو فرصة للضعف، وتنهضت به صفه الثائر وأيقن ضميره صبغة الإنسان الحائر، واستنشق من هواء المقبرة ما أعاد له الحياة، وتسمع صراخ قاطرات الأفكار.

تخيل بالقلب متصاعد، متعنت وغرابة ومرارة في نسج فقاعات شفافة وباخرة إبحار بدون قبطان.

وقعت مشاعره منه ونام فكره بين الماضي والحاضر .. نام وما اكتنفه وبروح مستقرة لا ريح ولا نسيم تفك قيودها، وقع تحت الرذخ، وثاق ممدود ...

وتحت ظلمة تغلق السماء، ونجوم تنقبت فتاهت في السحاب تراوح نبضه في فقدان بلا رجاء، واجتمع الفخر والقلب في سرعة أحواض سقت الروح.

روح المجهول تتواصل، لا يحفظها ود ولا وثاق وعصافير ووطاويط تلون السماء، روائح الموتى والتراب وأنفى التائه والمحتقر من الحيوان.

وتقلصت حواسه وتمددت المسامع لأصوات غير متجانسة وبرودة أبترت الأرجل، جسد بلا ظل ومن أين له بالظل وقد توارت الشمس واستبقها القمر إلى المكان. وتراقصت النجوم على ضوء خافت ... تراصت القبور في أحواض نابتة عن الأرض فلم يبق منها إلى الشواهد تعلم،وجذوع أشجار بلا ظل أعشاب تراوحت منخفضة ومتصاعدة.

أسرار الأرض تتحرك وحوت الظلمة المكان، فما كان مضى انبثق عن ما تحول عن جروح العين ... المكان حزين مثل قلبه الجاثم الجامد.

وفكر به الكثير من الظنون وزاحف الأسقام تثني بالظاهر والباطن ... غطاء الليل يعني له الكتمان وحكايات مجوفة بلا غاية، جمع الأعذار بروحه، وكل إحساس زاحف، رجل بلا عذر .. مشتت ملقى تتعاطف به فتوحات وأنهار مشاعر ونشأ به التطفل يعمر الخلاء الروحي، وينشأ الخيال العارم. يتطور الحديث الداخلي به، وخلاف در عليه الهواجس وألم به الوجل ... خلاف بعث به الحل السائر عن الضياع ماذا بعد هذا، وماذا بعد الوحدة.

نمو الشكوك ارتحل به ورحله.

وتنهد الخيال يقبع به ماذا عن ما جرف إليه، وحيد حتى الصلوات الخمس نام عنها هذا اليوم، وولج بعيدا.

وجمع به الحال واجتماع يحمله فيأخذ به إلى رؤى وخيال مجاز به كل هم، ونذوق لسانه وكبده المرارة، وأمسى مقتضب التفكير مقتضب لكل عرض الروح.

والرد صعب وسير لفوار الأعماق أصعب ... تتجاذبه قوى مجهولة ترسم شكلا لأفكاره بلا فواصل ولا حروف توقف زحف الكلمات وتشتتها.

نسج به العنكبوت الماكر خيوط شكلت الشكوك وطفح الغبن وكل هم.

صفحة 7

رسى الليل على مسافة زمنية بعيدة منه وكسى الظلام كل المناحر والثقوب لم يعد لضوء القمر قدرة ولا سلطة.

وراح يفتش عن مساحة أو باق عن نوام الموتى، عن مكان يتسع لجثته وحب الأرض وتشطب الحصى وباق غصون مكسرة يابسة وأشواق برزت من على التربة.. صرخ جلد يمناه وأن وتلون صفاء كفه وترمد، لكن ... بعيد مكانه .. ومن أين له بماء يغسل وهو من عفا رائحة الوحل والتراب .. وتلبس جسمه بيوضة حتى الآذان.

وتنازعت بداخله أساليب التهكم وصاح العمق، متربصا حاضرا وتخلد بداخله شعور وتخمر حتى اشتم روائح العفن الداخلي وجرذان له مسودة الباطن.

وفارت وثارت به شهية عن آخر ما تقدم به فما بان لون سرواله الأسود ولا سترته البنية حتى معطفه الأسود حتى الركبتين تمسح الجوانب وتجرأ عليه التراب وتكتل.

وأنشد نغم وترانيم لهجر، هو الآن في ليلة اكتمال القمر، أحد عجائب الكون وبدائعه مكسو تربة وبقايا نبات وزخم الحصى وحجارة من مختلف الأحجام، ما بين قبرين شاهدين خرافة أن ينام وحيدا هنا، والوحشة والنفس تهاب الهجر.

يرتسم جسده على التراب، منغمس متخزن، والظلمة تخطب صمته، على طريق الدنيا إلى الآخرة.

وعدم الوعي النجاح والتفلت وعكس حقيقته الهادئة وتشاد الإنسان بداخله، حتى نما به كل صغير وكبر التخيل وتشعب وتكاثر وما قل حتى خاب في تفكيك الشفرة وترتيب الغير مضبوط.

أدار رأسه عن دوران الوقت وعن الدماء وشعلة المرار، ولفته خصال دخان يترنح كالريشة، وعفا حتى قالت روحه انتهى ولكن أنفاسه ابتدأت تتمدد تخط الجدار المتكتم في أخذ ورد في لحمة الصدر الآخذ في العزف والمضامين، تصدر أنينا عن ما بعث الخلق، تسكن يداه اليمنى واليسرى ويسكن ساقاه وانحدر عن القبر حتى تهدر جسده وهام عن ثيابه ... احتضن رأسه يغم عيونه عن نور للعالم، وظهر ما تخزن من آدمية... غاب عن الخلق وعن أهل الأرض.

أيدع القلب العزة، وابتدع الأوجاع بألوان، وتغلف بحمورة ظهرت عن تسلخ، وانهار قيد السواعد، وأرخى حبل الشفاء المشدود على العنف.

إنسان وشبه إنسان، وضاق صوت النغم، شد الأمان لطريق اللاأمان، في صمت وسبات وفي هجر تهجر، لا رؤية له ولا ما يتحدث عن ما كان.

استبى وحط على التراب، رجل إلى أهله وفاقديه وصور معاقل لليأس يحلم وحيدا، فقد من حوله ولم تعدله إلا الأشعار تفرغ وتجوف وتغاب، وإن كان مجرب فهو شبه جثة هرب فكره لكنه على أرضه، وعلى خبث من أصوات مكومة، وخيبة ... لا حياة إلا للدمار.

نام عن الأقاويل ... والقناعة والغنى خطوة خطوة في طريق بعيد مديد ... وخط الخير مسلك بلا حد، نام على القبر ونام بينه، نام عن كل مصدر نام عن عمر ماض، وضاع الحلم في الحروف ونسى البحث عن أفكار أفضل من أفكار.

صفحة 8

وأصبح النهار صافيا، مطبع بعاطفة الربيع، إذ لم تخط خطوة ولم تبتعد شمسه قمم الجبال، وبرزت أسرار الربيع تبحث عن نشاط يضم فرحها، ترغب في الانتشار بشعور النفس وضعفها لتظهر أوراقها المتسلطة على القبور ومن حول كل الأحوال.

لا تحتفظ الطبيعة بما يظهر إلا وأظهرته، تسمع ما أسرع الإيقاع وتطارحت كل ما من شأنه يعرض الأفكار، واعرض كل منتقد يحاول التسديد في الهجاء .. بل تمادح هذا لذاك وجاءت الفرص متتالية، متوالدة، تتنافر في الأذهان، وتنتقل بين الخضرة المانحة للتراب كل الاهتمام، غير مثيرة للشرود وغير منهية لمهمتها، تتودد لها الرياح وفي مقدمة اهتماماتها كسب الجمال .. وتقابل الشعور بمدى أهمية الوافد ليحين كشف المشاعر الممارسة لما يسمع.

جلس بين الشجر وعلى عشب وباقيه، بعيدا عن الأنظار وعن مسامع أصوات البشر.. لا يوجد جسده حل بروح مرتاحة يتفقد الأسر الزائرة للمكان، يسمع ما لديهم من رغبة.

بعيون تطلع على الرغبة الكامنة مستمع لتجدد الحياة ووجود مهمل، فكر في الحصول على قهوة الصباح أو شاي يفيده ممارسة هواية التفكير، وفكر في العودة إلى بيته عل يجب به الأثر ... ولكن كثرت ميزاجيته، وفقد الصواب، وتزايدت ما بنفسه من نفور ... ولكنه عزم على التقدم، بطريقة أسرع من تقليب التفكير، لكي لا يكون صيدا لراغب أو معالج لاهتمامه، يخادع خطه أو يرعى الهمل على شخصه.

استند على كفوفه ضاغطا على الأرض المبللة، حتى غابت أصابعه في غياهب التراب .. ورفع ساقيه يمناه فيساره واستدار على ظهره حتى وقف .. يحب الرياضة وأهمها المعالجة لنفسه الخاملة، ولأنه بوقت آخر فقد كان فما سبق يخصص لها الوقت، لكنه فما ليس له، ومن أين له بتوفير الزمن أو الإحساس بما يدفع به إلى الانتفاع بما تعنت معه.

صفحة 9

وراح روائح المنفى والهجر وسار وسط المجهول يتفتح على باب النغم وأصوات السيارة والمارة، وانبعاث ما لم يتمالكه الهدوء لا يزال بذاكرة الماضي، وسط اللمة ومنازل الجيران وأهل العمارة بالطابق السفلي كان منزله وعلى مقربة من كشك الشيخ العجوز ... وعلى الرصيف طاولة الدخان للصبي الوافد من الشارع الآخر.

سار وحيدا على الرصيف الترابي، غارسا بالأرض ويدني بحبوب مقطفة، تأنف وتمسح وصحصح فشهد الإشراق وجهه وإن لم يملك قطرة ماء لينفخ فيه الانتعاش.

لم ير عليه الأثر ولا حل عليه صور للتعثر، بل استعمل هيبته واستطال قامة وسار مرتجلا، وأحسن التقدم إلى الشارع عليه صفاء وأثر طعون حزن وغبار متمرد مقاوم به صرخة لا من فرصة لإخراجها واستعار من النفس الصبر ومن الطبيعة الربيعية الهدوء، واقتيد متبع الخفات، سابح مع الريح يرسم طريقه روائح الأهل والصحاب.

ابتذل السير ساعة برز الخط الخافت من الشارع وعلى أبواب الحماية المدنية توقف هو ذا المذهل الظاهر للمدنية، خطفته الأنظار وسكن به سكون الحسن، هنا دخل المدارس وهنا تعلم وهنا عاش وسكن، وهنا كان صغره وشبابه وكبره.

صفحة 10

وشربت به برودة وموات بداخله يعترف صدره ولا يبوح به أفكار مريضة وبالية، لا تراه متبسما وعيونه بها بريق غمير يسهل طرق تتناقض كلما مد فروع بصره.

أصبح ضروري التغيير وهذا نقرض به شعور ونمى التغيير يخطو إلى قلب الأسرار، وتقاسم الضعف بين ملامح وجسد ... وها هي قدماه على سطور المجد يقف عند محطة الحافلات وجماعات الناس في رواح وغداة، وقف ينظر من بعيد إلى الحي، فكان يكفيه مد البصر، ليفيض المرء ويلم بالبعيد.

منحه الشتاء برودة حبات المطر، وغضب السحاب تفتح له على اسوداد الحظ .. يكفيه الوقوف بعيدا،وأشباح الصور متقنة التنميق، وقف على الحاضر، وتطبع على ما صنع الماضي، صناعة الحجر وفاجعة القدر .. المكان للظلام، يكثر من الآلام وأصوات النساء تنوح وأعين الصغار تسأل جمال الربيع، وقد سقاه قبل هذا فضل الشتاء، وقذف ما حمل صدره وضخت وجنتاه حموه .. زمن للعبوس وبرك الدم تحني الرؤوس الكثير من الهم..

على شفاه الأنام .. وسار.. وحيدا .. أين .. لا يدري.. لكنه ينسى كل من حوله، نسي الأهل والأصدقاء العمل والصحاب واحتجب، قيل أنه غادر في صمت وقيل يعيش في الظلام ... تآلفت النغمات في مغانم وقص الجهل مجددا الهواجس .. ولا من يدرك أسرار القلوب إلا من يبدع فيطيل الظلام.