eKtab
EN ع
قضايا اقتصادية معاصرة
اقرأ عينة مجانية

قضايا اقتصادية معاصرة

بقلم فاطمة الزهراء - رقايقية

صفحة 1
الفصل الأول

ضوابط الاقتصاد الإسلامي (اللاربوي) المنفذ من أزمات النظام الرأسمالي

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة،276).

كما جاء في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)(البقرة، 278-279).

الملخص

مهما تعددت وتنوعت الإجراءات العالمية من خلال الخطط الإنقاذية للخروج من تداعيات أزمات النظام الرأسمالي، إلا أنها اعتبرت كتخذيرا (مسكنا) للألأم ولفترة معينة، على اعتبار أن مسببات الانهيار تحتاج لتشخيص ومعالجة الجذور وليس ترقيع الأغصان، لتظهر بذلك ضوابط الشريعة الإسلامية السبيل للأمان والاستقرار والمخرج لإصلاح النظام المالي العالمي بعد إخفاق النظام ألربوي والذي أظهر تصدعا في جميع مرتكزاته.

الكلمات المفتاحية:الربا، الاقتصاد الإسلامي، التحو

المقدمة

جعل الله سبحانه وتعالى للبشرية منزلة عظيمة بالإسلام الذي أوحاه إلى رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) وأنذرنا به، كما أن تطبيقه فيه إسعاد للبشرية جمعاء بعد أن شقيت ولا تزال تشقى بالتفاف النظم الوضعية الشيطانية حول عنقها، فتطبيقه يكون بإقامة دولة تحمله وتطبقه، دولة الخلافة الراشدة التي تحيا بها البشرية حياة أمنة ومستقرة، على اعتبار أن رجوع فقه المعاملات يمثل الجزء العملي للإسلام في الحياة وبثوب جديد يتمثل في الاقتصاد الإسلامي.

ومن تحليل مسببات بعض أزمات النظام الرأسمالي وفي مقدمتها الأزمة المالية الحالية من خلال العديد من الدراسات، يتضح ارتكازها على قواعد النظام الوضعي الذي يقوم على نظام الفائدة الربوية للإقراض والاقتراض، نظام المتاجرة بالديون، وتدويرها بفائدة أعلى وأجل أكبر ونظام المستحدثات المالية الذي يرتكز على المعاملات الوهمية المتوقعة والمقامرة والحظ،

وذلك بقيام بعض شركات الوساطة المالية بالتجارة في الديون والتعامل بنظام المشتقات المالية –Produits financiers dérivés –، فهي لا تسبب تنمية اقتصادية حقيقية، بل هي وسيلة من وسائل خلق النقود التي تسبب التضخم وارتفاع الأسعار وتقود إلى أرذل الأخلاق، كما أنها تسبب الانهيار السريع في المؤسسات المالية التي تتعامل بمثل هذا النظام،

واستنتاجا من مرجعية ضوابط النظام المالي والاقتصادي الإسلامي يتضح أنه يستبعد مثل تلك المعاملات التي كانت السبب الرئيسي في نشوب الأزمة الحالية، والتي تتنافى تماما مع فطرة الإنسان ومبتغاه الشرعي.

لذلك فقد وجهت الشريعة الإسلامية بدائل لمثل تلك النظم فهي استبدلت نظام الفائدة ألربوي للإقراض والاقتراض بنظم التمويل والاستثمار المرتكز على آلية المشاركة والمضاربة والتفاعل المحكم بين رأس المال والعمل، ضمن قاعدة الغنم والغرم، هذا كما نهت الشريعة الإسلامية عن كل المعاملات المقلة بالأخلاق والقيم لقاء الالتزام بالقيم الإيمانية، مما يجعل الالتزام بقواعد الاقتصاد الإسلامي يمثل مطلبا ضروريا لإمكانية الخروج من الأزمة، باعتباره يقوم على القيم والأخلاق والوسطية والتوازن بين المادية والروحانية وتفاعل رأس المال مع العمل بصيغة متوازنة ويحقق الكفاية والرفاهية للناس على أساس الحق والعدل ويحقق التنمية الشاملة للمجتمعات، وصدق ما قاله سبحان وتعالى " فأما يأتينكم مني هدى فمن أتبع هداي فلا يظل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فأنه له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى " [سورة طه الآية 123-124-]، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (سورة الأعراف الآية: 96) وقال تعالى " يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم "- [سورة البقرة الآية 276-]

لهذا تعتبر ضوابط الشريعة الإسلامية والتي تسري على الجميع دون إستثناء مطلبا للتكيف مع الوقائع والعصور والبيئات المختلفة.

وعلى ضوء ذلك تتمحور أشكالية الدراسة حول التساؤلات التالية:

- ما منظور الإقتصاد الإسلامي والمنظومة المالية الإسلامية لأزمة النظام المالي العالمي؟

- إذا كان التمويل الإسلامي الأكثر نجاعة واستقرارا فكيف يمكن لنظام مالي قائم على انعدام أسعار الفائدة من خلق الثروة؟

-كيف يمكن رفع التحديات التي تجابه المنظومة المالية الإسلامية للعب دور البديل الأمثل وإمكانية إصلاح النظام المالي والمصرفي العالمي؟

هذه التساؤلات وغيرها ستكون محور النقاش في هذه الدراسة ضمن العناصر التالية:

1- المنظور الإسلامي منطلق لترشد الرأسمالية العالمية.

2- مبادئ النظام المالي والاقتصادي الإسلامي.

3- صيغ التمويل والاستثمار الإسلامي.

4- ألية عمل المنظومة المالية الإسلامية.

5- الصناعة المالية الإسلامية آلية للتحوط وبديلا عن الأدوات المالية الوضعية.
صفحة 2
1-المنظور الإسلامي منطلق لترشيد الرأسمالية العالمية

تكتظ الساحة الفكرية بتفسيرات عديدة للازمة الحالية ولوسيلة الخروج منها، ولعل الأكثرها سطحية القائلة بأن المشكلات تكمن في غياب الرقابة الكافية على القطاع المالي، لكن مشكلة ذلك التفسير أنه يخلط بين النتيجة والسبب، على اعتبار، أن سياسة البنك المركزي الأمريكي خلال العقد الماضي، وخاصة بعد أزمة 2001، كانت في جوهرها محاولة خلق سيولة مالية، من خلال تخفيض سعر الفائدة، وضخ الأموال وتوسيع دائرة الاقتراض لإنقاذ الاستهلاك الأمريكي من الانكماش مما نتج عنه تجاوز البنوك والشركات المالية للضوابط الرقابية.

إلا أن هناك تفسير آخر وفقا لرؤية إسلامية من خلال تطبيق النظام الإسلامي البعيد عن سعر الفائدة "ألربوي"، والقائم على معدل الربح كأداة فعالة لإدارة النشاط الاقتصادي المعاصر، والذي يستند إلى القيام باستثمار حقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وليس على أساس استثمار مالي قوامه المضاربات، أو المقامرة أو الاستغلال أو الفساد...."

فقد كانت الربا" قديما، ولا تزال "الفائدة" في العصر الرأسمالي الحديث، كارثة للبشرية، باعتبارها جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي القائم على الربح.

وخلال العقود الثلاث الماضية سيطرت أفكار الليبرالية الجديدة، على السياسات الاقتصادية لغالبية دول العالم من خلال تخلي الدولة عن الدور المركزي في الاقتصاد وفسح المجال أمام حركة رأس المال المالي والإنتاجي ولقد كانت محصلة تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة لاقتصاديات العالم الثالث خلال حقبة الثمانينات والتسعينات، تركيز غير مسبوق لرأس المال والثروة في أيدي قلة من رجال الأعمال المحليين في شراكة مع الشركات متعددة الجنسيات لقاء الإفقار الشديد للغالبية العظمى من العمال والفلاحين، ومع زيادة الاندماج في السوق العالمية واستفحال الاعتماد على الاستثمار والتمويل الأجنبي والتصدير أصبحت تلك الاقتصاديات معرضة لهزات عنيفة، كلما تقلب أو تأزم النظام الرأسمالي العالمي، استشهادا بما تعرضت له اقتصاديات جنوب شرق آسيا خلال (1997- 1998) وسرعان ما انتقلت العدوى إلى بقية الدول.

ولقد أحدثت تلك الأزمة أول الشروخ في مدرسة الليبرالية الجديدة،، بالدعوة إلى درجة أكبر من تدخل الدولة والرقابة على أسواق المال أي إلى "ترشيد" الرأسمالية وجعلها أقل عرضة لتلك الهزات العنيفة.

كما جاء الشرخ الأكبر في منظومة الليبرالية الجديدة وهيمنتها مع الأزمة العالمية الحالية، ورد فعل كبرى الحكومات الرأسمالية تجاهها، فعمق واستفحال الأزمة قد أظهر أن هناك خللا خطيرا في قلب النظام الرأسمالي، ولقد كان رد فعل الحكومات للأزمة بتأميم البنوك الكبرى، والتدخل واسع النطاق في أسواق المال، أكبر اعتراف بفشل سياسات السوق الحر، فهناك شرخا عميًقا يصعب ترميمه في جدران الرأسمالية العالمية، وفي هيمنة منظومتها الفكرية والدعائية. فالفراغ الفكري الذي أحدثه أزمة الليبرالية الجديدة ملأت الساحة سريعا بالأفكار الإصلاحية الداعية إلى "ترشيد" الرأسمالية وخلق توازن جديد بين دور الدولة ودور السوق والذي يقوم على مضمون إسلامي، على اعتبار أن مضمون فقه المعاملات أظهر أن ضوابط النظام الاقتصادي الإسلامي مطلبا ناجعا وواقيا من حدوث الأزمات الاقتصادية خاصة وأن استبعاد الربا في مختلف المعاملات سبيل لإصلاح المنظومة المالية والمصرفية العالمية (1).

كما أن هذه الأزمة تمثل فرصة ذهبية للقطاع المالي الإسلامي، خاصة في ظل دخول سوق الإقراض العالمية في حقبة جديدة على اعتبار ”أن المنتجات المالية الإسلامية تتجنب تماما المضاربات وهو ما يبحث عنه المستثمرين في الفترة الحالية خاصة بعد تراجع البورصات العالمية في أعقاب الأزمة الائتمانية“ وان ”العاملين في القطاع المالي الإسلامي يساهمون في تأكيد الثقة بقوة واستدامة النموذج المالي الإسلامي حتى أن البعض يلمح إلى أن المنتجات الإسلامية تعتبر ملاذا آمنا خلال الأوقات الصعبة التي تشهدها أسواق المال.
صفحة 3
2- مبادئ النظام المالي والاقتصادي الإسلامي

تتسم الشريعة الإسلامية بضوابطها السارية التطبيق على الجميع فيها الثابت والمتغير، فالثابت يتضمن نصوصا محكمة قطعية الثبوت والدلالة لا مجال للاجتهاد فيها، كما تشتمل على الثوابت الفكرية والشعورية والتطبيقية للأمة لتجعلها كأمة واحدة في التوجه والغاية والفكرة(2).، أما المتغير في ضوابط الشريعة الإسلامية فهي غير محدودة لكنها تعطي للشريعة الإسلامية مرونة أكثر للتأقلم مع المستجدات المختلفة. وأحكامها استبعدت دائرة الممنوع وأبقت دائرة المشروع متوفرة للجهد البشري للقيام بالابتكار والتجديد.

وبذلك يقوم النظام المالي والاقتصادي الإسلامي على مجموعة من المبادئ والأسس التي تحقق له الأمن والأمان والاستقرار وذلك بالمقارنة مع النظم الوضعية التي تقوم على نظام الفائدة والمشتقات المالية ومن أهم هذه القواعد ما يلي-

- الارتكاز على منظومة من القيم والمثل والأخلاق (الأمانة والمصداقية والشفافية والبينة والتيسير والتعاون والتكامل والتضامن....)، وتعتبر هذه المنظومة من الضمانات التي تحقق الضمان والاستقرار لكافة المتعاملين وتضبط سلوكياتهم سواء في حالة الرواج والكساد وفى حالة الاستقرار أو في حالة الأزمة(3)، خاصة وأن الشريعة الإسلامية تحرم المعاملات المالية والاقتصادية التي تعتمد على الكذب والمقامرة، التدليس والغرر، الجهالة والاحتكار، الاستغلال والظلم..... التي ترخصها الرأسمالية تحت شعار – حرية الملكية -

- قيامه على قاعدة المشاركة في الربح والخسارة، وعلى التداول الفعلي للأموال والموجودات - حرمت الشريعة الإسلامية كل عقود التمويل بالاستثمار القائمة على التمويل بالقروض بفائدة، وكذلك نظام المشتقات المالية التي تقوم على معاملات وهمية يسودها الغرر والجهالة، التي تقوم على الغرر والجهالة والمقامرة المحرمة شرعا، والتي تعتبر من الأسباب الرئيسية للأزمة المالية العالمية الحالية.

- حرمت الشريعة الإسلامية كافة صور وصيغ وأشكال بيع الدين بالدين(4).

- يقوم النظام المالي والاقتصادي الإسلامي على مبدأ التيسير على المقترض الذي يعجز عن تسديد دينه، كما جاء في قوله تعالى (وإذا كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم أن كنتم تعلمون( [سورة البقرة الآية 280].
صفحة 4
3- صيغ التمويل والاستثمار الإسلامي

تتسم صور التمويل والاستثمار الإسلامي وآليات تدوير الأموال في الاقتصاد الإسلامي بالعمومية والتعدد التي تغطي معظم جوانب النشاط الاقتصادي وتستطيع احتواء متطلبات مختلف المتعاملين في مختلف مجالات العمل، كما تقدم نموذجا واقعيا لمدى مقدرة المنظومة المالية والمصرفية الإسلامية على مجابهة مختلف التحديات دون فقدانها لمبدئها الفكري والعقائدي، كما تساهم وبشكل فعال وبتعدد آلياتها في تقديم البديل للنظام ألربوي.و تتضمن صور التمويل التالية:

3-1- المضاربة: (المقارضة) (5):

من خلال السعي في طلب الرزق كما جاء في قوله تعالى " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله"- سورة المزمل – الآية 20- وتعتبر المضاربة من الأدوات الفعالة في استخدام الأموال لدى المصارف الإسلامية بتقديم التمويل اللازم لكل راغب في العمل ولمن يمتلك الخبرة والمهارة لكن تنقصه الأموال اللازمة لتجسيد أفكاره ومهاراته على اعتبار أن المقارضة عقد (مشاركة) بين طرفين أحدهما بماله والأخر بجهده وخبرته وينجم عنها الغنم والغرم للطرفين فالعائد يوزع حسب النسب المتفق عليها وعند الخسارة يتحمل المصرف الخسارة المالية والعميل المضارب يخسر جهده وعمله.

3-2-المشاركة: (6)

ويعتبر أسلوبا فعالا ومتميزا من خلال تقديم المصرف الإسلامي حصة من التمويل اللازم (دون فائدة أو عائد ثابت) لتنفيذ أحد المشاريع أو الصفقات للعميل (طالب التمويل) الذي يقدم الحصة الباقية في إطار عقد يجمع بين الطرفين، فالمصرف يشارك في الناتج الصافي المحتمل من عملية المشاركة سواء كان ربحا أو خسارة استنادا إلى أسس عادلة ونسب توزيعية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

3-2- بيع المرابحة (7):

فهي صيغة مفاعله من الربح تتضمن بيع السلعة بسعر التكلفة مضافا له هامش الربح مما يعني إشراك البائع والمشتري في قبول الأرباح بالقدر المحدد كما أن المرابحة تعتبر من أنواع –"بيوع الأمانة –" تستند إلى الثقة بين المبايعين من خلال صدق البائع في الإفصاح عن ثمن السلعة ومقدار ربحه فيها.

3-3-المتاجرة: (8)

و ذلك بممارسة المصرف للنشاط التجاري بشراء السلعة وإعادة بيعها بهدف الحصول على ربح حلال ناتج عن الفرق بين سعر البيع وتكلفة الشراء من خلال تدوير المال في العملية الإنتاجية لتغطية متطلبات أفراد المجتمع من مختلف السلع الحلال كما قد يترتب عن المتاجرة خسارة للمخاطر المترتبة من ظروف عمليات الشراء، التخزين، النقل، التسويق........إلخ

3-4- البيع لأجل: (البيع بالتقسيط) (9):

من خلال تسليم البائع للسلعة المتفق عليها إلى المشتري لقاء تأجيل تسديد سعر البيع الكلي إلى وقت أجل معلوم سواء كان التأجيل للسعر كاملا أو جزء منه والبيع لأجل في المعاملات المصرفية تستند إلى قيام المصرف الإسلامي بحيازة المعدات والتجهيزات الضرورية لمشروع معين ثم يعاد بيعها للمستفيد بسعر أعلى يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، كما قد يتم الوفاء بسعر البيع على أقساط متساوية لقاء حصول المصرف على عمولة بنسبة مئوية سنويا حسب طبيعة المشروع والوضع الاقتصادي للمستفيد.

3-5- الإيجارة (10):

وهي عقد بين طرفين،- المصرف- الذي يحتفظ بحق ملكية الأصل الرأسمالي المؤجر و–المستأجر- المنتفع من الأصل باستخدامه في عملية إنتاج السلع وتقديم الخدمات لقاء دفع مبلغ الإيجار المتفق عليه دوريا، ويعتبر هذا الشكل من أهم الأنشطة التجارية وأحد أهم الصور التمويلية التي تم تكييفها شرعا في المعاملات المصرفية الحالية.

3-6- بيع السلم:(بيع أجل بعاجل) (11):

ويتضمن شراء سلعة ما بثمن مدفوع في الحاضر مقابل تأجيل تسليمها، كما أنه أسلوب مشرع في الكتاب والسنة كما جاء في قوله تعالى –" يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين لأجل مسمى فأكتبوه – سورة البقرة – الأية 282-، ويمكن الاستفادة من بيع السلم في المعاملات المالية الحديثة بقيام المصرف الإسلامي كممول بتغطية نفقات عملية الإنتاج وتحسين ظروفه بدل لجوء العميل للمصرف ألربوي، ومن خلال تلك العملية يتمكن المصرف الإسلامي من تحقيق الأرباح بتشغيل الأموال والمشاركة في رفع مستوى الناتج المحلي الإجمالي، مع توفير التمويل اللازم لطالبه استنادا للأحكام الشرعية وضمان الحصول على السلعة في الوقت المناسب وبسعر مناسب.

3-7-الإستصناع (12):

وهو عقد يتعهد بموجبه أحد الأطراف بالإنتاج وفقا لمواصفات متفق عليها وسعر وتاريخ سليم محددين وتقديمه لطالبه كما يمكن في أسلوب الأستصناع أن يعهد الطرف المتعهد بتنفيذ العمل أو جزء منه إلى جهات أخرى تحت مسؤوليته وإشرافه، ويهدف أسلوب التمويل هذا إلى دعم جهود التنمية الصناعية وزيادة المقدرة الصناعية ومنه المساهمة في دعم واستغلال المواهب والمقدرات في عملية الإنتاج.

3-8- المزارعة (13):

عقد مشاركة بين طرفين، -المصرف الإسلامي- مقدم التمويل اللازم للمزارعة و-صاحب الأرض - الذي يحتاج للتمويل، والمزارعة مشاركة حقيقية حسب أحكام الشريعة الإسلامية يتم اقتسام العوائد بالتعادل وفي حالة عدم إعطاء الأرض محصولا لسبب ما تتحمل جميع الأطراف الخسائر.

3-9- المساقاة (14):

وهي صورة متخصصة من المشاركة في القطاع الزراعي بين طرفين -المصرف الإسلامي -الذي يلعب دور الممول لمشاريع الري واستصلاح الأراضي لزراعتها وتطويرها بالاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة ومن ثمة إدارتها على مبدأ الربحية التجارية وبين طرف أخر طالب التمويل يمتلك أرضا ويريد تطوريها وزراعتها.
صفحة 5
4- آلية عمل المنظومة المالية الإسلامية

فهي تستبعد المتاجرة بالديون والتعامل بالربا إيداعا وإقراضا قبولا أوخصما أخذا أو عطاء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة استنادا بهدي القرآن الكريم كقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا( [–سورة البقرة 275-] وقوله كذلك: (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربا ضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون( [سورة أل عمران 130- ]، لتصبح بذلك العلاقة القائمة بين المنظومة المالية والمودع لا تعتمد على أساس علاقة دائن ومدين وإنما على علاقة مشاركة ومتاجرة.

وليس معنى تحريم الربا أن المنظومة المالية الإسلامية (المصرفية وغير المصرفية) لا تسعى لتحقيق الربح، بل تعمل على تجسيده وزيادته، في إطار ضوابط إسلامية محددة، لذلك فهي تتسم بالسمات التالية:

4-1- الالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية في معاملاتها المالية (15):

وذلك بتمويل الأنشطة المشروعة المحلة، واستبعاد تلك التي تدخل ضمن إطار التحريم والملحقة بأضرار اجتماعية (كصناعة الخمور المحذرات، الصناعات المتعلقة بتربية وذبح لحوم الخنازير ومواد القمار والأنشطة المترتبة عن معاملات الغش والربا، الاحتكار، الاستغلال..........)، لذلك تنطلق المنظومة المالية الإسلامية في عملياتها الإسلامية من أركان وقواعد الاقتصاد الإسلامي لتشمل:

-الملكية المزدوجة (العامة والخاصة) والحرية الاقتصادية المقيدة.

- التمسك بقاعدة الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية وبقية الأحكام الإسلامية، وتحريم التعامل بالمزايا لتشمل تلك القواعد (16):

*- قاعدة الغنم بالغرم (الربح والخسارة)

*-قاعدة الاستخلاف في المال (المال مال الله والبشر مستخلف فيه)

*-قاعدة المصلحة العامة وتحددها الحكومة والبنك المركزي

*-قاعدة ترتيب الأولويات حسب مقاصد الشريعة الإسلامية

*-قاعدة الخراج بالضمان (أي أن من يضمن أصل شيء جاز له الحصول على ما تولد منه على اعتبار أن الخراج غنم والضمان غرم).

4-2- تنمية المال المتاح بالتداول واستبعاد الاكتناز:

وذلك باختيار أفضل السبل الشرعية لتخصيصه وإدارته بما يسمح بتعظيم الإنتاجية الاقتصادية وزيادة الرفاهية الاجتماعية، على اعتبار أن تجميد الأموال بالاكتناز يعتبر من الجرائم الاقتصادية من المنظور الاقتصادي الإسلامي، وذلك بتعطيل عجلة النمو الاقتصادي للبلد وإلحاق الضرر بالقوى الإنتاجية والاستهلاكية في المجتمع (17)، كما جاء في قوله عز وجل- ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) [التوبة،34]

4-3- الالتزام بتحقيق التكافل والتضامن الاجتماعي:

باعتبارها إحدى أهم الخصائص التي تميز أعمال المنظومة المالية الإسلامية، من خلال تمويل الأنشطة الاجتماعية الهادفة إلى تكثيف وتدعيم مضمون التعاون والمشاركة بين جميع شرائح المجتمع (كتعبئة وتوزيع الزكاة، تقديم القروض الحسنة، المساهمة في أنشاء المشاريع الاجتماعية) (18)، لتحقيق التوازن في المجتمع الإنساني وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال تضييق فجوة الفوارق بين دخول المواطنين.

4-4- تحقيق تنمية شاملة:

حيث تلتزم المنظومة المالية الإسلامية بتخصيص مواردها في أنشطة إنتاجية، علاوة عن استبعاد التعامل بالربا استنادا لطبيعتها الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية، كما أنها تزاوج بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها تنطلق من منطلق إسلامي فهي تنشط في مجالين:

*- القيام بالاستثمار المباشر من خلال عملية المتاجرة.

*-القيام بالاستثمار غير المباشر وذلك من خلال مختلف صور التمويل الإسلامي (19)(عقد المضاربة، عقد الإجارة، عقد المشاركة، عقد المزارع، بيع المرابحة، عقد المساقاة، بيع المرابحة للأمر بالشراء، عقد المتاجر، بيع السلم، البيع الأيجاري، عقد الأستصناع، القرض الحسن، عقد المقاولة)
صفحة 6
5- الصناعة المالية الإسلامية آلية للتحوط وبديلا عن الأدوات المالية الوضعية

انصرف الاهتمام في العقود الثلاثة الماضية وبجدية عجيبة إلى استحداث سيل من المنتجات التي تحتمل الغرض التحوطي وتسّوق تحت شعاره، لكنها واقعيا متجهة للغرض ألمضاربي، وذلك عبر تصنيع الغرر والمقامرة والربا في توليفات جديدة وأجيال مستحدثة من منتجات مالية مزعومة لا تعدو أن تكون تشقيقات جديدة للثالوث القديم- الربا والميسر والغرر- بأسماء جديدة- بيوع خيارات وعقود مستقبليات-.

ولذلك فقد بني النظام المالي المعاصر على عقيدة فاسدة ماليا قبل أن تكون فاسدة شرعيا من خلال السعي إلى فك الارتباط بين مغانم الاستثمار ومغارمه (مخاطرته)، وسماحها بنقل هذه المخاطرة إلى الغير عبر صنوف المشتقات، ونظرا إلى أن صناعة الصيرفة الإسلامية تعمل في نفس المحيط والظروف التي تعمل بها الصيرفة التقليدية، وتتعرض لنفس المخاطر التي تتعرض لها من حيث تقلب أسعار الفائدة وأسعار الصرف، فإن عدم وجود أدوات مشتقات مالية مناسبة لها سيؤدي إلى تعرض المؤسسات المالية الإسلامية إلى هذه المخاطر، مما سيدفع بها إلى تجنب الدخول في المعاملات المالية، التي تشتمل على هذه المخاطر، وبالتالي تقليص دور المؤسسات المالية الإسلامية الاقتصادية، كما انه سيقلل من كفاءة إدارتها لأصولها وخصومها ويرفع من تكلفتها المالية، لذا وجب النظر في البدائل الشرعية الممكنة لتلك الأدوات، من خلال ابتكار الحلول المالية وتنميطها في منتجات تحقق الأغراض المالية مع السلامة الشرعية،

ليبرز بذلك أهمية استبدال اسم المشتقات الإسلامية بـ '' بآليات التحوط الإسلامي"- وذلك من خلال خطوات تبدأ بدراسة العقود التقليدية المستخدمة في التحوط كالعقود الآجلة والمستقبليات والخيارات والمقايضات. ثم وضع بدائل إسلامية لتلك العقود مبنية على عقود السلم وخيارات الرضي أو استحداث عقود جديدة لتحقيق غرض التحوط وإدارة المخاطر. وتأتي بعد ذلك مرحلة وضع التنظيمات والترتيبات اللازمة لتحقيق الضوابط الإسلامية في المعاملات، ووضع نماذج رياضية ديناميكية لتقييم وتسعير تلك المنتجات، ثمً استكتاب متخصصين في المشتقات والاستعانة بمؤسسات مالية متخصصة كوكالات التصنيف الائتماني في وضع أسس تقييم وتسعير تلك المنتجات.

فمثلا يتم استخدام عقد العربون محل خيار الشراء أو عقد السلم للتحوط من تقلب سعر السلع وبعض الأوراق المالية، كما يتم استخدام الوعد الملزم بالبيع أو الشراء للتحوط من تقلب سعر الصرف، ومن جهة أخرى يمكن القيام بمبادلة عملتين مختلفتين عن طريق إجراء عقدي مرابحة متقابلين ينتهيان بالتوريق،(titrisation)) (20).

فمثلا بنك لديه ثلاثون مليون دينار يريد مبادلتها بمليون أورو، لمدة ثلاثة أشهر، ولديه التزاما بعد ثلاثة أشهر بهذا المبلغ، وفي نفس الوقت لا يريد الاحتفاظ به إلى ذلك التاريخ، بل يريد استبداله بالأورو، والبنك الآخر لديه مليون أورو، ولكن سعر المرابحة في هذا الوقت على الدينار أعلى من الأورو، لكنه لا يريد فقدان الأورو والدخول في مخاطر الصرف، فهنا يقوم البنكان بإجراء عقد مرابحة على سلعة ما بالدينار، مع وعد من الطرف الآخر بإجراء عقد مرابحة بالأورو، وبعد استكمال العقدين يقوم كل طرف ببيع سلعته في السوق الدولية مرة أخرى، ومنه الاستفادة من ثمنها، وعند تاريخ الاستحقاق يقوم كل طرف بسداد التزاماته بنفس عملة المرابحة.

وعلى ضوء ذلك تجدر الإشارة إلى وجود عدة مبادرات في السياق ذاته، ففي ماليزيا والسودان مثلا فقد تم المصادقة عل اتفاق حول توثيق المشتقات المالية الإسلامية سنة 2006 بدعم من المؤسسات المالية المصرفية وغير المصرفية الإسلامية والتقليدية، وفي مشروع تعاون في البحرين بين السوق المالية الإسلامية الدولية –IIFM-و جمعية أسواق رؤوس الأموال العالمية –ICMA-تم الاتفاق على اعتماد مذكرة توثيق معايير وبروتوكولات اتفاق رئيسي للمشتقات المالية الإسلامية (21)

ولكن الوصول لهذه الحلول يحتاج إلى المزاوجة بين الخبرة العملية، والدراية الفقهية التي ترتكز على الأسس التالية

*- مبدأ التوازن:

من خلال التوازن بين مختلف الحوافز الإنسانية، منها المصالح الشخصية والاجتماعية وتحقيق الربح، وما يتعلق بالأعمال الخيرية والتعاون، فالشريعة الإسلامية نجحت في تحقيق التوازن بين مختلف الحاجات والرغبات ووضعت الكل في الإطار المناسب.

*- مبدأ التكامل:

من خلال التكامل بين المصالح الشخصية مع الاعتبارات الموضوعية، بين تفضيلات الزمن والمخاطرة وبين توليد الثروة الحقيقية.

*- مبدأ الحلالّ:

وبناء على ذلك فقاعدة الحلال هي الأساس للابتكار المالي، لكن بشرط أن يلتزم هذا الابتكار في حدود دائرة الحلال التي لها حدود واسعة، وأن يبتعد عن دائرة المحظور أو الحرام المحصور في حدود ضيقة مقارنة مع دائرة الحلال الواسعة.

*- مبدأ الملائمة:

من خلال تناسب العقد مع الهدف المقصود منه، بحيث القصد مناسبا للنتيجة المطلوبة مع الهدف المقصود منه، وهذا مدلول القاعدة الفقهية ” العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني ".
صفحة 7

الخاتمة

استنادا للعرض السابق تعد قواعد وضوابط الاستثمار والتمويل الإسلامي، المستنبط من أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية المنفذ والمخرج من الأزمات المالية للنظام الرأسمالي ومكمّلاً عملياً وموثوقاً للتمويل التقليدي، وقد أبدى التمويل الإسلامي حتى الآن مقاومة كبيرة للأزمات المالية والمصرفية، وذلك نتيجة لترتيبات مشاركة المخاطر والتركيز على الممارسات الأخلاقية في الاستثمار. ويتعين على مؤسسات التمويل الإسلامي مواصلة تحسين حوكمة الشركات لديها من خلال التركيز تحديداً على حقوق الإفصاح لأصحاب الحسابات الاستثمارية، ودور الهيئات التشريعية ودمجها ضمن هيكلية حوكمة الشركات في المؤسسات المالية الإسلامية،

الفصل الثاني

المقاولة من الباطن اختيار إستراتيجي لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة،

دراسة مقارنة لبعض التجارب وواقع الجزائر

الملخص

تعتبر إستراتيجية المقاولة من الباطن أرقى أشكال التعاون وأمثل خيار لتكثيف نسيج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبالتالي النهوض بالتنمية الاقتصادية للبلد.

و على ضوء دراستنا نسعى إلى تسليط الضوء على أهم التجارب العالمية باعتبارها كنماذج رائدة قي التقدم والتطبيق الناجح لقواعد ترقية القطاع الصناعي والاقتصادي وذلك لنقل وتوطين الجوانب الملائمة والإيجابية في الجزائر.

الكلمات المفتاحية: المقاولة من الباطن، التعاقد الصناعي، المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

المقدمة

تعتبر إستراتيجية المقاولة من الباطن أحد الأساليب الضرورية للتغذية وضمان الاحتياجات التموينية من المواد الأولية والمكونات المتاحة في السوق، وبذلك فهي تمثل أرقى أشكال المساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية من خلال الاستخدام الأمثل للمواد المتاحة ونجاعتها في تنظيم الإنتاج الصناعي.

وتنفذ إستراتيجية المقاولة من الباطن في ظل ما هو متاح من صناعات ومنتجات في إطار الجدوى الاقتصادية والمالية باعتبارها العامل الجوهري لإقامة المشاريع.

ومن منطلق أن التوازنات الاقتصادية للدول تعتمد على مدى قدرتها على المنافسة العالمية من خلال دعامتها الاقتصادية الأساسية التي تتضمن الجهاز الإنتاجي الذي أصبح يأخذ في تركيبته المؤسسات الصغيرة والمتوسطة -PME إن كانت من التابعة للقطاع العام أو للقطاع الخاص باعتبارها القائد الصناعي اليوم تطلب الأمر تطوير مكانته ودوره للقيام بدور المجهز لمتطلبات المؤسسات الكبيرة، ولذلك تلعب إستراتيجية المقاولة من الباطن التي اعتمدتها معظم المؤسسات الصناعية في جل الدول دورا جوهريا فمن خلالها تمكنت من تنمية وترقية منتجاتها والرفع من ميزتها التنافسية محليا ودوليا واستفادة من التجارب الناجحة في هذا المجال استوعبت معظم الدول العربية ومن بينها الجزائر أهمية الأسلوب في تدعيم علاقات والترابط بين مؤسسات القطاع الصناعي.

وعلى ضوء ذلك يمكن صياغة إشكالية الدراسة فيما يلي:

1. ما هو دور ومكانة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟ وما هي أهم المثبطات التي تعترضها في الجزائر؟

2. إلى أي مدى يمكن لإستراتيجية المقاولة من الباطن (التعاقد الصناعي) أن تساهم في تعزيز مكانة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (PME)؟ وما مدى مساهمتها في عملية التنمية الاقتصادية في إطار المستجدات الدولية؟

و لمحاولة الإجابة على تلك التساؤلات وغيرها فقدتم تفريع الورقة البحثية إلى العناصر التالية:

1)-مضمون إستراتيجية المقاولة من الباطن.

2-محددا ظهور إستراتيجية المقاولة من الباطن.

3- أهم صور إستراتيجية المقاولة من الباطن.

3-1)- مقاولة طاقة الإنتاج.

3-2- مقاولة الاختصاص.

3-3- المقاولة الوطنية.

3-4- المقاولة الدولية.

4- أهمية إستراتيجية المقاولة من الباطن.

5-بعض التجارب الأجنبية الناجحة في المقاولة من الباطن.

5-1-التجربة الأمريكية.

5-2-التجربة الفرنسية.

5-3- التجربة اليابانية.

6-واقع إستراتيجية المقاولة من الباطن ومكانة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر.
صفحة 8
1-مضمون إستراتيجية المقاولة من الباطن

تناول عدة اقتصاديين مسألة (المقاولة)، ومن بينهم

(Say, Cantillon,Shumpeter) و(Peter Drucker) الذي يعد أول من أشار إلى تحول الاقتصاديات الحديثة من اقتصاد تسيير (économie de management) إلى اقتصاد مقاولين (économie d'entrepreneurs) كما كان(1) لـ (A.Sallez, PYVES Barreyre, Houssiaux) دور بارزا في ترقية الفكر المقاولي والتنظيمي من خلال دوره في تنمية علاقات التعاون والتشابك، تخصيص الموارد وترقية المقدرة. التنافسية للمؤسسات(2)، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى مفهوم موحد حول مصطلح المقاولة، فبعضهم اعتمد مصطلح – التعاقد من الباطن في - " العلاقات التعاونية التكاملية التي تنشأ بين مؤسستين أو أكثر خلال مراحل العملية الإنتاجية، كما أنها أحد أساليب التغذية المتبادلة بين المؤسسات القائمة إما بشكل رأسي أو أفقي وتتشابك منتجاتها بارتباطات أمامية أو خلفية في قطاع ما، فبموجبها تقوم المؤسسة المقدمة للأعمال (Donneur d'ordre) بتكليف مؤسسة أو أكثر (منفذة، مجهزة، مناولة للأعمال) (Sous-Traitant) متخصصة بتنفيذ مرحلة أو أكثر من عمليات الإنتاج أو الخدمات حسب معايير وخصائص فنية تحددها المؤسسات الزبونية (الآمرة) وطبقا لعقد محدد مسبقا وملزم للطرفين " (3)

2-محددا ظهور إستراتيجية المقاولة من الباطن

ساهمت حركة التصنيع الحديثة في تطور وتنوع النشاط الصناعي، من خلال إدخال فروع صناعية جديدة شجعت الطلب على السلع والمنتجات الوسيطة، كما كانت دافعا لظهور نشاطات جديدة انتشرت معها النشاطات التكاملية والتعاون بين المؤسسات عن طريق الصناعات الصغيرة والمتوسطة والتي كان لها دورا بارزا بمساهمتها الفاعلة في تغطية الطلب المتزايد على مختلف أجزاء ومكونات المنتجات، كما كانت مصـدر المبادرة بالتحفيز على انتشار شريحة من المقاولين الصغار المستقلين.

ولقد كان لأزمة السبعينات (أزمة الطاقة) وما ترتب عنها من غلق المصانع وانتشار البطالة أثر كبير ومباشر في ترقية روح المبادرة والتقاول في الدول المتقدمة، وعموما ترجع أسباب اللجوء إليه إلى جملة من الاعتبارات(4)

* احتدام التزاحم، ومع التطور التقني الذي جعل الأنظمة المعاصرة والتي تتسم بالمرونة وتعقيد العملية الإنتاجية حفز بعض المؤسسات باللجوء إلى مؤسسات أخرى تتوفر على تجهيزات ومهارات متخصصة ترفع من جودة المنتوج المطلوب وبأسعار مناسبة

* الرغبة في تحقيق وفرات اقتصادية وتتضمن وفرات الإنتاج التي تزيد بزيادة حجم المؤسسة مع توسيع نطاق توزيع التكاليف الثابتة سيما ما تعلق منها بالدراسات والأبحاث، دراسات السوق ذات المردودية الأعلى.

* السعي إلى تحقيق حجم أمثل من خلال الاستغلال المعتبر للتكنولوجيا في مجال الإعلام والاتصال لتسهيل التوغل في السوق وبالتالي تحقيق ميزة تنافسية،
صفحة 9
3- أهم صور إستراتيجية المقاولة من الباطن

تتحدد وتتنوع صور المقاولة التي تتميز بالمرونة والقدرة على التكيف مع متطلبات السوق حسب الإستراتيجية المعتمدة من طرف المؤسسة ومستوى ونوع النشاط الذي تسعى إلى تحقيقه وبذلك يمكن التمييز بين:

3-1- مقاولة طاقة الإنتاج: (5)

وانتشرت في فترة السبعينات، حيث تتعاقد المؤسسات المكلفة بالأعمال (تعاقد ظرفي مؤقت) مع مؤسسات مقاولة متخصصة لمواجهة ارتفاع مؤقت في الطلب أو بسبب طلب في أصل أجهزتها، أو التعاقد (عقود طويلة المدى) بهدف الاحتفاظ بطاقة إنتاجية مرتفعة توفرها لها المؤسسات المقاولة للرفع من القدرة التنافسية التي كانت تقوم على السعر والكمية.

3-2- مقاولة الاختصاص: (6)

وظهرت خلال فترة الثمانينات، حيث تلجأ المؤسسات الآمرة بالأعمال إلى التعاقد مع مؤسسات منفذة متخصصة لتوفير الطلبات التي تنعدم عندها الإنتاج منتوج ما وبالتالي مواجهة الطلب عليه في السوق ومن ثم تحقيق ميزة تنافسية التي كانت مبينة على السعر وجودة المنتوج ومدى اعتماده على المقاييس والمواصفات العالمية.

3-3- المقاولة الوطنية: (7)

حيث تتميز المؤسسات المتعاقدة (الآمرة والمغذية للأعمال) بنفس الجنسية (تنتميان إلى دولة واحدة).

3-4- المقاولة الدولية (8):

وفيها تتباين جنسية المؤسسات المتعاقدة بغض النظر عن المكان الذي تمارس فيه نشاطها وعادة ما يكون المقاول فرع تابع للمؤسسة الأم التي تعطي له الأوامر.

ومع التطورات المتلاحقة توجهت معظم المؤسسات إلى اعتماد المناهج اليابانية التدبير وتحديدا في القطاع الصناعي مع إعادة تنظيم العلاقات الصناعية وظهور مستويات مختلفة للمقاولة، حيث أصبح وعي تام بإلزامية اللجوء إلى هذا الأسلوب بسبب انعدام توفر الكفاءات والتقنيات اللازمة وارتفاع التكاليف الإنتاجية، أي أن المقاول أصبح الشريك المزود بكل المكونات والأجزاء التي تدمج في المنتوج النهائي مع تأمين الجودة لتتكفل المؤسسات الآمرة بالتسويق.
صفحة 10
4- أهمية إستراتيجية المقاولة من الباطن

حيث بينت التجارب الناجحة في معظم الدول المتقدمة أهميتها باعتبارها من أهم الاستراتيجيات في تحقيق التنمية الصناعية فلقد مثلت أكثر من (15 %) من الإنتاج الصناعي في الإتحاد الأوروبي وحوالي (35 %) في و.م.أ وتقريبـــا (56 %) (9) في اليابان، كما ساعدت معظم المؤسسات التي عملت بهذا الأسلوب من:

-خلق نسيج صناعي متنوع ومتطور وبالتالي تجاوز مشكلة عدم القدرة على تلبية جميع متطلبات السوق من خلال تحفيز التعاون والتشابك بين الأطراف المتعاقدة وترقية العلاقة إلى شراكة.

* المساهمة في خلق فرص عمل جديدة بإنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة (PME) للقيام بدور المقاول وبالتالي التخفيض من المشاكل الاجتماعية.

* التحفيز على أسلوب تقسيم العمل وبالتالي التخصص للرفع من نوعية المنتوج كما ونوعا مع خدمات تسويق منتجات المؤسسات المقاولة والحصول على مصدر تمويلي جديد غير المؤسسات المالية..

* تحقيق وفرات الحجم (Les économies d'échelle) من خلال إنتاج المقاول بأحجام كبيرة لأنه يعمل لعدد كبير من المؤسسات وما يترتب عنه تخفيض تكاليف المرحلة الإنتاجية ومن ثم تخفيض الأسعار مما يمكن المؤسسات الآمرة من اكتساب ميزة تنافسية في السعر.

إلا أن ذلك لا يمنع من وجود بعض الاعتبارات تقلل من اهمية تلك الإستراتيجية، فبسبب عدم ثبات وديمومة العلاقة بين المؤسسات المتعاقدة لخصائص أسلوب المقاولة من الباطن الذي يتميز بالمرونة يمكن أن يتوقف نشاط المؤسسات المقاولة نظرا لعدم ثبات الطلب عليها وما على ما تقدمه، من جهة أخرى إذا كانت هذه الأخيرة محتكرة للنشاط الذي تمارسه فيمكنها التحكم في السعر، هذا بالإضافة إذا كانت غير متخصصة سواء من جهة استعمال التقنيات والتكنولوجيا أو من جهة اليد العاملة الماهرة والمتخصصة، سيكلفها ذلك أعباء إضافية للتدريب الميداني والتكوين ومن جهتها يمكن للمؤسسات الآمرة تحمل أعباء إضافية في وضع آليات رقابية للتأكد من مطابقة المنتوج للمواصفات المحددة في العقد نظرا لحداثة العلاقة وعدم الثقة بين الأطراف المتعاقدة

5-بعض التجارب الأجنبية الناجحة في المقاولة من الباطن

بهدف التعرف على بعض التجارب العالمية الناجحة في مجال المقاولة من الباطن يتطلب التركيز على أهمها والتي تميزت عن غيرها من الدول للسماح بفتح آفاق واعدة ونقل وتوطين الجوانب الملائمة في دول أخرى، لذلك ظلت (التجارب الناجحة) تؤخذ كنماذج رائدة في التقدم والتطبيق الناجح لمبادئ وأساليب ترقية القطاع الصناعي والدفع في معدل مساهمته في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية لارتكازها على روح المؤسسة، الابتكار والتجديد.

5-1-التجربة الأمريكية:

تلعب المؤسسات الكبيرة في و.م.أ دورا جوهريا في تحقيق التنمية الصناعية وترقية أسلوب المقاولة من خلال اعتماد آلية التنازل (التفريج) عن جميع الأنشطة الفرعية لمؤسسات متخصصة مع الاحتفاظ بالوظائف الأساسية، بحثا عن تكاليف الإنتاج المنخفضة، تحسين المردودية وتعزيز القدرة التنافسية، ولقد عرف أسلوب المناولة الإنتاج انتشارا كبيرا في م.م.أ (وتحديدا بكندا) وخصوصا في قطاع السيارات، حيث تركز شركة (Ford-motor) استثماراتها على مرحلتي التجميع والتسويق وتمنع الشركات المتعاقدة معها جوائز الامتياز العالمية على أساس (معايير الجودة والتكلفة واحترام مواعيد التسليم)، وهناك مؤسسات أخرى تتعاقد مع مؤسسات متخصصة للقيام بكامل العملية الإنتاجية، بينما تحتفظ هي بمرحلة التسويق تحت شعار – شركات بلا مصانع – كشركة (nike) التي تكلف مؤسسات متخصصة بآسيا لصناعة متطلباتها من التجهيزات الرياضية التي تقوم بتسويقها، كذلك شركة (Nortel الكندية) تنازلت (سنة 2000) عن (07 مصانع) لصالح شركة (Selectron) التي تنشط في مجال المناولة الصناعية (10).

ولقد عرف هذا الأسلوب تطورات وتغيرات متتابعة في مختلف المجالات (صناعة الطائرات، الأدوية، المواد الفلاحية، المنتجات الإلكترونية، التجهيزات الطبية...) لها تأثيرات خارجية على اعتبار أن معظم المؤسسات الآمرة لها صفة مؤسسات متعددة الجنسيات التي تقوم على مبدأ التنافس، مما يحقر ذلك المؤسسات على الابتكار والتجديد من خلال الإنتاج بشكل أحسن اعتمادا على المواد المتاحة بهذه الريادة والتوغل في السوق وتملك النوعية وتفويض المهام الثانوية للمقاول الذي يكافح للحفاظ على مكانته وعلاقته مع المؤسسات الآمرة ومسايرة التحولات بتكثيف عمليات البحث والتطوير والتجديد لتحسين النوعية