eKtab
EN ع
قضايا الشباب المعاصرة و البحث عن الهوية
اقرأ عينة مجانية

قضايا الشباب المعاصرة و البحث عن الهوية

بقلم مصطفى الصوفي

صفحة 1

انحراف الشباب (أسبابه ـ علاجه ـ والوقاية )

\\ علاج ظاهرة الجنوح يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات الاجتماعية ( الأسرة – المدرسة – المجتمع ) \\

\\ الأسرة تلعب دوراً كبيراً في تكوين شخصية الشاب النفسية و السلوكية وتعتبر ضمانة له من الانحراف \\.

يعد الشباب أهم شرائح المجتمع وعماد الوطن ومستقبله وطاقته المبدعة وقوته الخلاّقة؛ ومشكلات الشباب محور المشكلات الاجتماعية والمدخل إلى حلّ مشكلات المجتمع وبنائه وتقدمه, وإفساد المجتمع والوطن وتخريب الدين والأمة, يبدأ من إفساد فئة الشباب وحرفهم عن الطريق القويم بشتى الطرق والأساليب والمغريات.

لذلك اهتم الإسلام بقطاع الشباب وتوجهت التربية الإسلامية إلى عقولهم ونفوسهم وعواطفهم, من أجل رعايتهم وتربيتهم تربية صالحة وتلبية حاجاتهم ورغباتهم المادية والنفسية المشروعة ووقايتهم من الفساد والانحراف, وقد بين النبي صلى الله عليه وسلّم أن مقام الشاب عند الله تعالى يعادل مقام الإمام العادل يوم القيامة في حديثه عن السبعة الذين يظلهم الله في ظلّه منهم " إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله .." ‍‍.(رواه الشيخان في صحيحهما)

صفحة 2

الجنوح وعوامل الانحراف

ظاهرة الجنوح والانحراف عند الشباب, من أبرز المشكلات التي تعاني منها المجتمعات في العالم، بما تخلّفه من تأثيرات نفسية واجتماعية على شخصية الشاب, وما تتركه من آثار سلبية وخطيرة على المجتمع في مجالات الجريمة والسرقة وانتشار المخدرات والفساد والانحلال الخلقي؛ وتجد المؤسّسات الاجتماعية والدينية نفسها مضطرة للتصدي لهذه الانحرافات وقمعها وتحمّل مسؤولية معالجة أسبابها والوقاية منها .

يوضح علم الاجتماع أن الجنوح نموذج من السلوك الاجتماعي, يقوم من خلاله المنحرف بتصرفات مخالفة للقوانين الاجتماعية والأعراف والقيم السائدة في المجتمع , يسيء به إلى نفسه وأسرته ومجتمعه, ويبدأ غالباً عند الأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين 12 – 18 سنة وهي بداية فترة المراهقة التي تعتبر من أخطر مراحل العمر في حياة الإنسان؛ وتؤكّد الدراسات النفسية والاجتماعية على دور التربية الصالحة للشاب منذ الطفولة في كنف الأسرة, ثم المدرسة في تحديد اتجاهاته وانحرافاته؛ فإذا تلقّى الشاب منذ صغره رعاية وتربية جيدة ينشأ إنساناً صالحاً, وإن كانت تربيته سيئة، تظهر لديه ظواهر الانحرافات في وقت مبكر.

صفحة 3

عوامل اجتماعية :

تظهر نتيجة الفقر والحاجة المادية للأسرة والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي في المجتمع, مما يجعل الأسرة تدفع بأبنائها إلى سوق العمل لساعات طويلة خلال اليوم, يغيبون عن البيت أو المدرسة بعيداً عن الرعاية والمتابعة, مما يفتح أمام الأطفال أبواباً واسعة للانحراف, والقيام بالأعمال والسلوكيات الطائشة والمتهورة والانغماس في الشذوذ الأخلاقي والاجتماعي؛ فالطفل يتأثّر بسهولة بالمظاهر المحيطة به وينجرّ وراء رفاق السوء إذا لم يلق الرعاية والمتابعة المستمرة.

وقد بينت الدراسات أن الجنوح جمعياً وليس فردياً؛ فالشاب لا يقدم على تنفيذ أعمال منحرفة كالسرقة والنشل وعمليات التهريب وغيرها منفرداً, بل مع جماعة من أقرانه شبه منظمة على شكل عصابات أو شلّة من الفتيان, من هنا تأتي أهمية الرفقة الصالحة للشاب واختياره لأصحابه من أهل الصفات الحميدة.

ومن أسباب الانحراف, انتشار الفقر والبطالة بين أفراد المجتمع , والإدمان على السكر وتعاطي المخدرات من قبل ربّ الأسرة؛ كما أن الهروب والتسرّب من المدرسة ومن البيت, وعدم شغل أوقات الفراغ بنشاطات وفعاليات مفيدة ( فنية – رياضية – أدبية – ثقافية - ... الخ ), يؤدي إلى ظهور الشذوذ والانحراف النفسي والأخلاقي والخروج على قيم المجتمع عند الشاب .

صفحة 4

عوامل بيئية

منها تفكّك الأسرة – والنزاعات الدائمة بين الوالدين, أو فقدان الأب في الأسرة, أو وجود زوجة أب, الذي يؤدي هذا إلى إهمال الأولاد. وممارسة القمع والقسوة , تدفع الناشئة من الشباب إلى الهروب المستمر من البيت, واللجوء إلى الشوارع والزوايا السيئة فيتعلّم منها بسهولة العادات والقيم غير الأخلاقية.

عوامل نفسية

كثيراً ما تؤدي مشاعر الإحباط واليأس وخيبة الأمل, نتيجة الفقر والعوز والحاجة في الأسرة, إلى انحراف الشباب وإتباع السلوكيات السيئة, مثل السرقة لشراء ما يسد حاجته من الملابس والألعاب ووسائل الترفيه, وأحياناً شح ّ الوالدين وبخلهما وتقتيرهما بالمصروف على أبنائهما, ووجود زوجة الأب واستخدام الضرب والعنف يؤدي إلى ردود فعل تدفع بهم إلى الانحراف والجنوح,

فالشاب ضمن هذه الأجواء الأسرية, سيعاني من الحرمان المادي والعاطفي والرعاية والحب والحنان والعطف والتربية الحسنة, وهي من الضرورات النفسية الأساسية التي يجب أن تتوفر في الأسرة, لينشأ الشاب نشأة صالحة, تقيه مخاطر الجنوح والشذوذ الاجتماعي .

صفحة 5

مظاهر الجنوح ونتائجه

يبدي الشاب عدائية مفرطة تجاه محيطه الأسري, ووسطه الاجتماعي, على شكل تجاوزات مستمرة وتمرد وعصيان للأوامر والتوجيهات, ويقوم بالاعتداء على حقوق وأملاك الآخرين, ويفتعل العراك والنزاعات مع أقرانه ويلحق الأذى بهم, وتبلغ عدوانيته حدّ تحطيم ممتلكات غيره, وقد تصل إلى إشعال النار في المنزل .

ومن أهم نتائج الجنوح, الإخفاق في المدرسة, لأنه يؤدي إلى إهمال الشاب لواجباته المدرسية ويدفعه إلى التحايل و الكذب والتعويض عن هذا الفشل, باتباع أساليب غير مشروعة لإثبات وجوده في المجتمع, وتشيع بين الشباب الجانحين ظاهرة الإدمان على التدخين والكحول والمخدرات؛ ويتميّز الجانحون بضياع رغباتهم وعدم وضوح غاياتهم في الحياة وعدم قدرتهم على تحديد ما يريدون .

صفحة 6

الوقاية والعلاج

أصبحت اضطرابات السلوك الاجتماعي عند الشباب, مشكلة اجتماعية حقيقية تحتاج إلى كثير من البحث والدراسة والعقلانية والتأنّي والوعي والثقافة, والإلمام بعلم النفس التربوي وطرائقه

والاستعانة بالتربية الدينية والأخلاقية, لمعالجة هذه المشكلة من خلال تضافر جهود المؤسّسات الاجتماعية والتربوية ( الأسرة – المدرسة – المجتمع - ...الخ ) لأن هذه المؤسّسات بالأساس تتحمل مسؤولية انحراف وجنوح الأولاد منذ البداية .

فالأسرة المهملة التي تعاني من الأزمات والمشكلات, والمدرسة التي تسود فيها ظاهرة التعليم بالقوة والصرامة والعنف، والمجتمع الذي يمارس القمع والاضطهاد ويفرض القيود الصارمة على الشباب, كلّ هذا يجعلهم يشعرون بالظلم والقهر والضياع والإحساس بفقدان الحرية والمسؤولية والقيمة الاجتماعية, فيتحول الشاب إلى عدواني مشاكس يعمل على الانتقام لذاته وشخصيته المفقودة بالأساليب المنحرفة.

ومعالجة مظاهر الانحراف عند الشباب تحتاج إلى تكوين رؤيا شاملة وعميقة, لفهم عقلية

وطرق تفكيرهم ومعاناتهم ومعرفة دوافعهم للانحراف, ودفعهم للالتزام بالانضباط السلوكي والقوانين والأنظمة, ومعايير القيم الاجتماعية والدينية, وتحقيق التفاعل البنّاء مع الشباب وكسب ثقتهم ومحبتهم , وإبعادهم عن مشاعر وأجواء العنف والخوف والقلق والتوتر والنفور والضياع, وإلا فإن أسلوب الترهيب والعقاب لا يشكلّ سوى حلٍّ آنيٍّ مؤقتٍ, يختفي ويتلاشى باختفاء مؤثراته, أما الحوار والإقناع وخلق التجاوب الذاتيّ, يشكّلان ضمانة لاستمرار التزام الشاب، وتطوير وترسيخ دافعية الانضباط الإيجابي لديه, فيكتسب من خلالها سلوكاً جديداً, موافقاً لقيم المجتمع وأخلاقه.

والتربية الإسلامية تتفهم هذه الحاجة النفسية للشباب لأنها تقوم بالأساس على مبدأ الحوار والإقناع والأسلوب الحسن، لقوله تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " .سورة النحل /125/

وللأسرة دور أساسي في تكوين شخصية الشاب النفسية والسلوكية, من خلال التربية الصالحة, وغرس المفاهيم والقيم الحسنة, وتقديم الرعاية والحب والاهتمام والتوجيه اللازم؛ وإلاّ فإن أوضاع ومشكلات الأسرة, خاصة الفقر والبطالة والانحلال الخلقي والنزاعات داخل الأسرة, تؤدي إلى ضياع الشباب وانحرافهم وشذوذهم والتمرد على القانون الاجتماعي, دفاعاً عن الذات, ضد ما يشعرون به من ظلم اجتماعي وقهر وحرمان .

صفحة 7

الوقاية من الانحراف

أهم وسائل معالجة ظاهرة جنوح الأحداث عن طريق الفهم الواعي الثقافي والاجتماعي والديني واعتبار الأبوة والأمومة رسالة مقدسة ومسؤولية عظيمة يجب أن تؤدّيها الأسرة على أكمل وجه .

كما جاء الحديث الشريف: " كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته " (رواه مسلم في صحيحه). وقوة إيمان الشاب ورسوخ العقيدة في نفسه ووعيه, تعتبر أساساً في تحديد مساراته واتجاهاته في الحياة, ووقايته من الانحرافات والشذوذ, والبقاء على الطريق الصحيح, والصمود أمام مغريات الحياة وعواصفها, ومواجهة المخطّطات المشبوهة التي تستهدف تخريب عقول الشباب وإفسادهم من أجل تقويض أسس المجتمع الإسلامي والأمة والعمل على انحلالها .

فالإيمان يمدّ الشاب بالقوة اللاّزمة على الصمود, والمواجهة والتحمل والصبر على المكاره ومقاومة الشهوات, وحب المتع الدنيوية, والجري وراءها, بهدف الحصول على مرضاة الله تعالى والفوز بوعده وجزائه للصابرين, وتجنّب معصية الله تعالى وارتكاب المحرّمات والخوف من عقابه؛ فشعار الشاب المسلم قوله تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " سورة الطلاق /2/.

والمؤسسات التربوية والاجتماعية والدينية تتحمل مسؤولية كبيرة, للاهتمام جيداً بعالم الشباب ورعايتهم وتطوير ثقافتهم وشغل أوقات فراغهم بنشاطات متعددة ( رحلات – نوادٍ – جمعيات – رياضة – أدب – علوم – بحث - فنون ... الخ ), مما يتلاءم مع ميولهم ويشبع حاجاتهم ورغباتهم المشروعة؛ فاستئصال أسباب الجنوح منذ البداية هو الأساس في معالجة هذه الظاهرة لتأمين حياة أفضل للشباب, في أحضان أسرة صالحة ومستوى معيشي جيد وتكوين أسرة عاملة ومتعلمة ومسؤولة, تشكل ضمانة له من الانحراف.

وغياب الشاب عن البيت بسبب الدراسة والتعلم والنشاطات الاجتماعية والفنية المختلفة أمر جيد, إذ يبقى تحت رعاية مؤسسات تربوية صالحة, تحّل محل الأسرة خلال فترة الغياب عن البيت, أمّا غيابه ساعات طويلة, بسبب الحاجة المادية وانخراطه في العمل بعمر مبكر, وتركه الدراسة, فهو أمر سيء له نتائجه الخطيرة؛ فأجواء العمل غير سليمة وغير تربوية, تنعدم فيها الرعاية والاهتمام الصحيح, وتصبح مرتعاً للعلاقات المشبوهة مع ربّ العمل أو رفاق السوء في العمل, ومن ثم الانحراف والجنوح .

فوقاية الشباب من الانحراف, تحتاج إلى إجراءات حازمة لمعالجة المعضلة من جذورها, وذلك بتحسين الأوضاع المعيشية للأُسرِ الفقيرة, وانتفاء الحاجة إلى العمل المبكر, وفرض التعليم الإلزامي في المرحلة التعليمية الأساسية, وتوفير ظروف صحية سليمة لمتابعتهم الدراسة وإيجاد اهتمامات قيميّة سامية, وغايات نبيلة يعملون من أجل تحقيقها.

صفحة 8

الشباب بين الأهواء ومتطلبات الحياة

• الجري وراء الأهواء والشهوات يؤدي إلى الضياع والفشل والإحباط ، والحيرة بين نوازع الفضيلة ومغريات النفس .

• التربية الأخلاقية في الإسلام تقوم على أساس من قوة العقيدة والالتزام والعرض والمناقشة والإقناع. تتوجه إلى عقول الشباب قبل عواطفهم، وتخلق توازناً بين الغرائز والحاجات.

• الإيمان ينبوع الحب الدائم يمدّهم بالأمان والأمل والطاقة على المثابرة والنجاح وتحقيق الغايات الكبرى في الحياة .

صفحة 9

مشكلات الشباب وقضايا المجتمع

تستأثر ومشكلات الشباب باهتمام المربين وعلماء النفس والاجتماع والمفكرين على تنوع انتماءاتهم باعتبارها تشكل الجزء الأكبر من قضايا المجتمعات المعاصرة على اختلاف أنظمتها واتجاهاتها ومستوياتها.

فالشباب يشكلون نسبة عالية من السكان في المجتمعات العربية والإسلامية والدول النامية . وهم أكثر الفئات الاجتماعية تأثراً بالواقع ومتغيراته ومعطيات البيئة الحياتية المادية والمعنوية من فكر وقيم ومشاعر وسلوك ...

فالشباب يعانون من متاعب وهموم واضطرابات اجتماعية ونفسية خطيرة فهم أكثر انفعالاً وتفاعلاً في المجتمع وأكثر استعداداً للانجرار وراء مغريات الحياة والانحراف والشذوذ والإصابة بالاضطرابات النفسية والتأثر بالاتجاهات الجديدة والتقليد الأعمى .

وقد بينت الدراسات الاجتماعية والنفسية أن الجري وراء الأهواء والشهوات يؤدي إلى الضياع والفشل والإحباط ، والحيرة بين نوازع الفضيلة ومغريات النفس.

فنلاحظ وجود علاقة جدلية بين ارتفاع نسبة الانحراف والشذوذ في أوساط الشباب وبين طبيعة البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع . كما يحدث في المجتمعات المتقدمة صناعياً مثلاً .

وبالعكس نلاحظ انخفاض هذه الظاهرة في المجتمعات التي تسمى ( محافظة ) التي تسودها المبادئ الدينية والقيم والأخلاق والفضيلة كما في المجتمعات الإسلامية .

لذلك نرى أن طبيعة الواقع الاجتماعي ( الاقتصادي والفكري والنفسي والتربوي والبيئي ) تلعب دوراً أساسياً في تحديد طبيعة الأزمات والمشكلات التي يعاني منها الشباب .

فهذه العوامل تؤثر بفعّالية في تكوين أنماط السلوك واتجاهات الفكر وسقف المعاناة النفسية والمادية للغالبية العظمى من الشباب .

وهذا يؤكد لنا أن معالجة قضايا الشباب لا يمكن أن تتم إلاّ عبر المعالجة الشاملة لقضايا المجتمع التي تشمل مشكلات وواقع الأسر والمؤسسات التعليمية التي تلعب دوراً أساسياً في تنشئة الشباب ورعايتهم وتكوينهم العقلي والنفسي والجسمي عبر دراسات علمية ورؤية واعية وعميقة لقضايا المجتمع ومشكلات الشباب ( العلم والعمل والصحة والأمراض النفسية والتدخين والمخدرات والجرائم ومرض الشذوذ " السيدا " ) وغيرها من القضايا التي تواجه المجتمعات المعاصرة عامة والإسلامية خاصة بسبب ما تخلفه من آثار سلبية نفسية وعاطفية في نفوس الشباب ، وتؤدي إلى نشوء صعوبات في تنمية المجتمع وتطوره وتقدمه في جميع المجالات.

صفحة 10

غرائز الشباب بين الأهواء والواقع

مع بداية مرحلة المراهقة تبرز بقوة عند الشباب دوافع الشهوات والأهواء وتتوقّد الأحلام والمخيّلات وتتأجّج مظاهر الحيوية والنشاط في نفس الشاب فيحدد معظم أهدافه في الحياة من خلال شهواته وغرائزه وترسم له مخيلته الطرق للوصول إليها .

لذلك نراه يخترق الحواجز والممنوعات التي تقف عقبة أمامه، وتصبح قواه العقلية ضعيفة التأثير في مجرى حياته، وتسيطر عليه مشاعر من الأنانية وحب الذات وتغليب مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع بل أحياناً تنقلب المفاهيم والقيم في عقليته وتصبح رغباته هي أساس الفضيلة والنظام والتقدم الاجتماعي كما يتصورها.

يصور جاك روسو هذه الحقيقة بقوله : "... إن الفضيلة كما يقولون هي حب النظام لكن هل يستطيع هذا الحب أن يغلّب النظام على مسرّتي الخاصة ؟ وهل هو سبب كافٍ لتفضيل النظام على متعتي ..."

ويتابع فيقول:" الرذيلة يمكن أن تصبح هي حب النظام لكن بوجه مختلف ..." 

ولاشك في أن الجري وراء الرغبات والشهوات بكل الوسائل يأخذ من حياة الشاب وقتاً طويلاً . وكثرة التفكير في أهواءه يصرفه عن الاهتمام بالدراسة وقضايا الحياة المهمّة.

وفي نهاية الطريق يضيع منه كل شيء، فلا هو أشبع رغباته ولا استفاد من فرص الحياة في العمل والتعلّم وبناء شخصيته وكيانه الاجتماعي .

المجتمع يعرض مغريات الحياة أمام الشاب وفي الوقت ذاته يصدّه عنها، ويمنعه من الوصول إليها وهذا يزيد عناء الشاب ومعاناته وسخطه، ويخلق في أعماقه قناعة قوية بأن الواقع ظلمه وحال بينه وبين حقوقه في متع الحياة وتتحول المشاعر إلى تمرّد وثورة على المجتمع ونظمه وقوانينه ...

هذه الحالة تولّد لدى الشاب اضطراباً نفسياً وقلقاً وتوتراً وتخيم عليه ظاهرة من الاكتئاب والإحباط، ويعيش حالة من التناقض الصارخ والصراع الداخلي والانفصام خلال محاولته الفاشلة للتوفيق بين شهواته ومتعه، وبين قيمه الدينية والأخلاقية.

وقد يعمد في كثير من الحالات إلى الكذب والتلفيق لتبرير تصرفاته المسيئة للمجتمع ، وينزلق أكثر إلى طريق الخطيئة ويغرق في عواصف الحياة التي قد تورده المهالك.

التربية الإسلامية السليمة تستند على أسس متينة كالإيمان والأخلاق والوجدان، فإذا تمكّن الإيمان من قلب الشاب المسلم يصرفه بقوة عن الانحراف عن جادة الصواب، ويمنعه من الانجراف وراء غرائزه وشهواته، ويقيه من آثار الحيرة والقلق والاضطرابات النفسية.

الشاب المؤمن يشبع رغباته بطرق مشروعة وفي أجواء من الأمان والسعادة والكرامة، وتسيطر على نفسه الراحة والاطمئنان والرضى والسكينة .

فالتربية الإسلامية وقوة الإيمان تحصّن الشاب من عواصف الحياة وبراكينها واضطراباتها، ويسير بكل عزيمة وجد ومثابرة دون كلل ولا يأس حتى النهاية لتحقيق أهدافه النبيلة وطموحاته المشروعة في الحياة .