eKtab
EN ع
قضايا في الرواية الأردنية
اقرأ عينة مجانية

قضايا في الرواية الأردنية

بقلم د. نضال الشمالي

صفحة 1

الإهـداء

إلى الصرح العلمي الكبير

والذات السامية العابقة بالحنين والوفاء

إلى معلمنا ومرشدنا

إلى سادن الرواية الأردنية وراعيها

أستاذنا الدكتور نبيل يوسف حداد

عرفاناً وتقديراً وامتناناً

صفحة 2

المقدمة

إن اكتمال دائرة الإبداع لا بد أن يمرّ في محطات ثلاث هي المبدع والنص والناقد، وقد درجت العادة على الاحتفاء بالمبدع والنص على حدّ سواء وقلما ينصرف الاهتمام برائد المحطة الثالثة صاحب السبق والكشف· إن دراسة المنجز النقدي لأي ناقد تحت سدة نقد النقد لهو من الأمور المبشرة بسلامة النقد وسويته· وقد عكف كتابنا هذا على تجلية هذا الأمر عندما أخذ على عاتقه التوقف عند تجربة الأستاذ الدكتور نبيل حداد، عرفانا منّا بفضله علينا - بعد الله - وتقديرا لذاته واحتراما لعلمه وخلقه وسمو ذاته·

والدكتور حداد هو أستاذ النقد الروائي وأستاذ الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك· وقد شارك في عضوية العديد من الهيئات الدولية والمحلية المتخصصة في الأدب وقضايا الإعلام، ومن هذه الهيئات: رابطة الإعلاميين العالميين في الولايات المتحدة الأمريكية (JEA)، رابطة الكتاب الأردنيين، جمعية النقاد الأردنيين· وله إسهامات في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة في قضايا النقد والإعلام على الصعيدين المحلي والدولي، وأبحاث نقدية محكمة عديدة·

ولد الدكتور نبيل يوسف حداد في بيسان عام 1948، حصل على خمس شهادات جامعية، اثنتان مها في درجة الماجستير، إحداهما في اللغة العربية، حول الحركة الشعرية في الأردن (1921-1948) والأخرى في الصحافة والإعلام· كما حصل على شهادة ما بعد الدكتوراه في التحرير الكتابي من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1984· أما الشهادات الثلاث الأخرى فجميعها في اللغة العربية وآدابها، وهو أكاديمي متخصص في النقد الروائي·

وهذا الكتاب يناقش جانبين: الأول يعرض عددا من دراسات في نقد الرواية في الأردن لعدد من الباحثين الجادين ممن تتلمذوا على يد الدكتور حداد ويدينون له بالفضل الكبير، وهم الدكتورة مريم جبر بدراسة عنوانها فنون السرد وتداخل الأنواع: رواية شرفة الهذيان لإبراهيم نصر الله نموذجاً، والدكتور عباس عبدالحليم بدراسة عنوانها جماليات السرد وبلاغة الخطاب السّاخر (رواية (نارة) لسميحة خريس: مقاربة تأويلية، والدكتور بلال كمال رشيد بدراسة عنوانها الرواية الأردنية عتبات وعلامات لغوية، والدكتورة عالية صالح بدراسة عنوانها مرافئ الوهم: أزمة المثقف بين الاغتراب وكسر المواضعات، والدكتورة حفيظة أحمد بدراسة عنوانها صورة المغرب العربي في الرواية العربية المشرقية باب الحيرة للكاتب الأردني يحيى القيسي نموذجا ، والدكتور نضال الشمالي بدراسة عنوانها السرد والتاريخ: دراسة في تقاطع الخطابين في نماذج من الرواية السياسية في الأردن

أما الجانب الثاني من هذا الكتاب فيسلط الضوء على جهود الدكتور حداد في نقد الرواية على وجه الخصوص، إذ نحاول فيه تقديم استقراء لمنهجيته النقدية في نقد الرواية ضمن مستواها العربي عامة والأردني على وجه الخصوص وبأقلام الباحثين أنفسهم، وقد تناولوا في هذا السياق خمسة مؤلفات للدكتور حداد هي: نظرات في الرواية المصرية (2003)، الرواية في الأردن: فضاءات ومرتكزات (2005)، الكتابة بأوجاع الحاضر(2003)، كاميليا الرواية الأردنية (2010)، بهجة السرد الروائي (2010)·

وحقيقة، فقد غدا الدكتور نبيل حداد بجهوده النقدية في نقد الرواية الأردنية المصرية، من أبرز النقاد الأردنيين في هذا الاتجاه، متجــاوزاً الكثيريــن ممن سبقوه بسبب نشأته العلمية في مصر وحميمية هذه النشأة، وهي نشأة بقيت تؤثر إيجاباً على تطلعاته العلميّة في وفائه للمكان والإنسان (ولنا في إهداءات كتبه خير دليل)، لقد عايش الهمّ اليومي بحلوهِ ومرّهِ وبقيت أوجاع الحاضر في ذهنه أدباً ونقــداً·

يمزج الدكتور نبيل حداد، في دراستة عامة، التطبيق بالتنظير، بتكاملٍ وانسجامٍ وترابطٍ يكشف شغفاً واضحاً بالتطبيق، مع إشارات تنظيريّة تقتضيها الحاجة مفترضاً أن القارئ يمتلك أساسيّات نقد الرواية·

إنّ من يقرأ نقد الدكتور نبيل حداد يلمس حنكةً في نفض ركام الأحداث في الرواية، متجاوزاً الفهم السطحي للأفعال، والسمات الخارجية للشخصيات، نافذاً إلى فاعليّة هذه العناصر وتحديد وظائفها الحقيقية في العمل وكشف ترميزها، إنّه يلجأ إلى تلخيص العمل وهضمه وصنع خارطة من المفاهيم المتصارعة في العمل الواحد·

وإذا ما وسّعنا نظرتنا إلى نصوص الباحث النقديّة في كتاباته موضع الحديث، فإننا نلمس بشكل واضح رغبته في التوقف حثيثاً عند المعطيات المضمونية للنص مقدمةً على أيّ معطياتٍ تمسّ شكل العمل أو أسلوبه· وهذا يقودنا إلى التأكد من أن معطيات النقد لديه هي معطيات خارجيّة على النص مؤطِرة له، وهي معطيات تاريخية اجتماعية بالدرجة الأولى· إذن، منهجية الباحث ترقى إلى معالجة النصوص الروائية بالقرب من شروطها التاريخية والاجتماعية والفكرية من باب محاولة الموازنة بين الأدب ومؤثراته·

وهذه الصبغة الاجتماعية في نقد الدكتور نبيل حداد تكاد تكون مسيطرة، وهي منهجية تسعى لتشكيل الحياة الاجتماعية من خلال العمل الأدبي من جهة، ومن جهة أخرى تكشف مبدأ الالتزام عند الكاتب أكان أديباً أم ناقداً ذلك الذي يتخذ موقفاً واضحاً مسموعاً، وفي الوقت نفسه يرغب في أن يصنع عملاً أدبياً أونقدياً دون التخلي عن شروط هذا الأخير·

ومن الملامح المهمة والخطيرة في نقده لأي رواية شخصياتها التي لا يراها من لحم ودم بقدر ما يراها أفعالاً تجسّد أفكاراً وإديولوجيات متصارعة ومكثفة الدلالات وصولاً إلى رمزية عميقة أحياناً، لأن الشخصية من منظور النقد الاجتماعي هي محور الجمال الفني في العمل وتجسّد ظاهرة اجتماعية شديدة التفاعل مع مجتمعها· إن مقدرة الدكتور حداد في النفاذ إلى جوهر العمل وخلاصات نقدية مسؤولة كانت بادية جداً، ومقنعة جداً ومحكومة لدراسة متأنية تثري العمل النقدي الذي يمرّ إلى الأحكام من خلال الإجراء·

أما أبرز مؤلفات الدكتور حدّاد فهي: قضايا الرواية في الأردن، دراسات نصيّة في الرواية في الأردن، نظرات في الرواية المصرية، الرواية في الأردن: فضاءات ومرتكزات، الرواية والواقع الاجتماعي، في الكتابة الصحفية، جمعة حماد: الصحافة والأدب، الكتابة بأوجاع الحاضر، هنا لحظة التنوير، الإبداع ووحدة الانطباع، كاميليا الرواية الأردنية، القصة القصيرة في الأردن: إضاءات وعلامات، بهجة السرد الروائي·

والله وليّ التوفيق···

نضال الشمالي

صفحة 3

الباب الأول : الدراسات النقديّة
السرد والتاريخ
دراسة في تقاطع الخطابين في نماذج من الرواية السياسية في الأردن
د· نضال محمد فتحي الشمالي(1)
ملخص
باتت ظاهرة الاندفاع نحو الماضي واسترفاد التاريخ مادة حكائية لبناء العمل السردي ظاهرة تؤذن بارتقاء، وهي ظاهرة لا شك لافتة أبرزت مسؤولية تقنية في التعامل مع الخطاب التاريخي وأسره ضمن الخطاب الروائي الأكثر شمولية من هذا النص الواحد· فأنشأ ذلك تيارا سرديا مستقلا هو السردية التاريخية الحديثة، وقد استفاد هذا التيار من مقدرات الذهنية التاريخية والرؤية السياسية المعاصرة في بناء عمل سردي حداثي التطلّع من حيث الأداء والهدف المسوّغ يختلف في وسائله وتقنياته عن التيار السردي التاريخي الأول الذي احتضن الرواية العربية في بداية نشأتها, لذا فإن هذه الدراسة سترصد جملة من التقنيات التي جعلت هذا النمط من السرد تيارا مستقلا في الكتابة من خلال الرواية التاريخية بعامة ونماذج من الرواية الأردنية بخاصة، كما وتستعرض أصناف الشخصيات التاريخية الموظفة، وأسباب اللجوء إلى التاريخ أصلا مع التذكير بين فينة وأخرى بالشكل الأول لهذه السردية في مرحلتها الأولى· هذا وستسعى الدراسة للاقتراب من أعمال روائيين أردنيين انمازوا بتقاطع خطابهم الروائي مع الخطاب التاريخي والسياسي للمنطقة، كزياد قاسم وسميحة خريس ومقارنة أعمالهم باعمال رواد الرواية التاريخية العربية من مثل جورجي زيدان ونجيب محفوظ ورضوى عاشور وعبدالرحمن منيف·

صفحة 4

تمهــيد

ارتبطت الرواية الأردنية منذ نشأتها بالسياسة حتى قبل أن يتبلور كيانها الفني· فأول رواية كتبها عقيل أبو الشعر عام 1912 الفتاة الأرمنية في قصر يلدز انشغلت بالهم السياسي والحديث عن الحكم العثماني ومظالمه فغامر بنفسه نتيجة لموقفه السياسي·

إلا أن الرواية الأردنية انتقلت بتطلعاتها ورؤاها في مرحلة التأسيس فعايشت بقسوة مناخ الهجرة الفلسطينية إثر النكبة عام 1948، إذ شهدت الساحة تغيّرات مفصلية على الصُعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية· ولعل التغيرات التي شهدتها الناحية السياسية كانت الأساس، إذ تطورت الحياة الحزبية وتعددترؤاهابشكل أكثر اتساعا وثراءً، وأصبحت هناك امتدادات واضحة لأحزاب عربية قومية عريقة(2)·

ومن أبرز الروايات الأردنية التي أظهرت تأثراً بالواقع السياسي رواية عيسى الناعوري بيت وراء الحدود 1959، ورواية محمود فريحات أجنحة الأمل 1960، وكلتاهما تناقشان الهمّ الفلسطيني ووقع فاجعة 1948 علينا·

أما مرحلة النضج في تاريخ الرواية الأردنية فكانت بعد نكسة عام 1967، إذ أظهرت الرواية نضجا في المضمون أولا ثم الشكل ثانيا، ودخلت عالم الرواية العربية بنجاح(3)· ومن أبرز الروايات(4)التي أظهرت تفوقا في التعامل مع المتغيرات السياسية رواية تيسير السبول أنت منذ اليوم 1968، ورواية أمين شنّار الكابوس، ورواية سالم النحاس أوراق عاقر 1968، ورواية غالب هلسا الضحك 1970·

لقد اهتمت الرواية الأردنية(5)في هذه المرحلة بإبراز الهم القومي والوطني بالدرجة الأولى، فكانت النسبة الكبيرة من مضامين روايات هذه المرحلة تصبّ في هذا الاتجاه، وهذا يعكس مدى الاستجابة الأدبية للشهادة في اللحظة التاريخية، واهتمامهم بالمضامين على حساب الشكل، لا سيما وأن معظم الروائيين الجيدين في هذه الفترة كانوا سياسيين سابقين بخلفيات إيديولوجية مكتملة·

والرواية بوصفها محفّزا من محفزات التاريخ، فإن التاريخ ينبعث منها مجدداً بتواصل أمتن وحرية أوسع لتوثيق علاقته بالواقع أكان سياسيا أم ثقافيا أم اجتماعيا ام اقتصاديا، فالرواية التاريخية هي في صورة من صورها تلبية للحاضر تنطلق منه نحو الماضي ثم ترتد إليه عبقة بالدلالات والتصورات والإسقاطات ضمن إيحاءات سياسية يصعب البوح بها مباشرة، وهذا التمازج هو ما يُطلق عليه بالسردية بالتاريخية، فكيف يحدث هذا التوالف بين الرواية والتاريخ ؟ ما القوانين التي تحكم علاقات الاتصال والانفصال بينهما؟ ما الطرق المثلى لاستحضار التاريخ وصبّه في قوالب روائية مفتعلة ذات رؤية سياسية؟ ومتى يخسر الروائي رهانه على التاريخ؟ ثم كيف للروائي أن يتعامل مع شخصيات تاريخية حقيقية مكتملة البناء حاضرة في الذهن؟ ألا يحدّ ذلك من صلاحياته الإبداعية؟ وهل الشخصية التاريخية الحقيقية تعدّ ضيفاً غير مرحّبٍ به دائماً، لأنها تأتي بثياب جاهزة؟ أم أن مهمة الروائي هي الكشف عن تفاصيل هذه الثياب وليس إلباسه ثياباً أخرى· ثم ما الدواعي الحقيقية للجوء الرواية للتاريخ؟ لماذا يستعير الروائي فصولاً من التاريخ دون فصولٍ أخرى؟ أم أن التاريخ في نظر الروائيين يمثل نواةً عملٍ طيّعة القياد يسهل العثور عليها· إن الإجابة عن كل ما سبق من تساؤلات ليرسم صورة واضحة للسردية التاريخية في شكلها الحديث هذا التيار الذي بدأت تكتمل ملامحه في ذهن هذه الدراسة على الأقل·

ثم كيف ينأسر اللامتناهي في المتناهي؟ وضمن أي فتوى تصالحية يقبل أن يندرج الحقيقي ضمن المبتدع؟ ولكن ماذا إذا كان مقصد المبتدع أن يتم نقص الحقيقي؟ وهل للمبتدع قدرة على أن يمنح الحقيقي المزيد من الحقيقة؟ وهل العلاقة بين اللامتناهي (التاريخ، الحقيقة) وبين المتناهي (الرواية، الزائف) علاقة تقاطع أم علاقة تصالح؟ هي رؤى متداخلة أحدثها تمازج عجيب بين رافدين من روافد السرد في حياتنا؛ التاريخ (الذاكرة الحقيقية للإنسان) والرواية (الذاكرة المفترضة للإنسان) فكيف للحقيقي والمفترض أن يتضامّا في خطاب واحد متوحد اللهجة مستقر العبارة؟ وهل يمكننا أن نعدّ هذا التضامّ تناصاً كبيراً يقصد به وضع التاريخي المقيّد ضمن السياق الأدبي المتحرر؟

وتنظيما لما سبق من تساؤلات، سينتظم هذا البحث في ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول: الموازنة بين الروائي والتاريخي·

المبحث الثاني: التعامل مع الشخصية التاريخية·

المبحث الثالث: مسوغات لجوء الرواية إلى التاريخ·

صفحة 5

المبحث الأول : الموازنة بين الروائي والتاريخي

إن مما يكسب الرواية التاريخية خصوصية، لا تميّزها عن باقي بنات جنسها فحسب بل عن الألوان الأدبية الأخرى، أنها تنطلق نحو متلقٍ واعٍ بمجرياتها العامة (أو يفترض ذلك) مدرك لحيثياتها التاريخية ضمن واقع سياسي مرير، ولن تكون سلطة الأحداث وجماليات الكتابة (أحياناً) آسرة للمتلقي كما هي الحال في الرواية عامة، بل سيكون متحرراً منها مقبلاً على مراقبة آلية تنفيذ الحدث التاريخي وبلورته وسيكون متابعاً لإضافات الروائي التي يجب ألا تكون على حساب المدّ التاريخي ومصداقيته، أو على حساب نفسها، ومن ثم ستغيب المصداقية الفنية، لأن الرواية ليست إعادة كتابة للتاريخ وإلا أصبحت تاريخاً، إنها طريقة أخرى لاستيعابه وإعادة عرضه تمهيداً لاستثماره ممزوجاً بتوضيحات واستكمالات يفترض أنها غُيبت عنه لأسباب سياسية على الأغلب، إن الرواية التاريخية تقدم لنا صورة فنية كليّة تضيف البعد العاطفي الوجداني بعداً ثالثاً تدخل من خلاله عناصر الإبداع الفني (6)التي قد تكون مرغوبة في مثل هذا السياق جمالياً، لكسر حدة الصرامة المنهجية التاريخية·

والرواية التاريخية خطاب أدبي ينشغل على خطاب تاريخي سياسي مثبت سابق عليه انشغالاً أفقياً، يحاول إعادة إنتاجه روائياً، ضمن معطيات آنية، لا تتعارض مع المعطيات الأساسية للخطاب التاريخي· وانشغالاً رأسياً عندما تحاول إتمام المشهد التاريخي السياسي من وجهة نظر المؤلف إتماماً تفسيرياً أو تعليلياً أو تصحيحياً، لغايات إسقاطية أو استذكارية أو استشرافية· إنها سردية تتنازعها مرجعيتان؛ الأولى حقيقية متصلة بالحدث التاريخي (إديويوجيا)، والثانية تخييلية مقترنة بالحدث الروائي (فنيّا)، وتلبية المرجعية الأولى يعني تحقيق المصداقية الوثائقية، وتنفيذ متطلبات المرجعية الثانية يعني تحقيق المصداقية الفنية، ولعل اجتماع المصداقيتين هو مطلب الرواية التاريخية الأول، وحتى يكون ذلك فلا بدّ للمعلومة التاريخية من طريق آمن تعبر منه إلى عمق الرواية، لأن التعامل مع الإيديولوجيا في الإبداع الروائي ينبغي أن يراعي على الدوام طبيعة علاقة هذا الفن بالإيديولوجيا وكيفية تجسيده لها، والاندماج فيها كخطاب إبداعي إديولوجي في الوقت نفسه (7)، من هنا لا بد أن تساءل كيف يستثمر الكتّاب الأحداث التاريخية؟ أي ما الطرق المتبعة في عرض المعلومة التاريخية المستعارة لغايات إبداعية تأويلية؟

الطريقة الأولى: وهي سرد مجموعة من الأخبار التاريخية المتتابعة في مطلع العمل الروائي أو في مطلع المشهد بقلم المؤرخ هي بمثابة تمهيد لمجريات تاريخية ستشتغل عليها الرواية، وقد شاعت مثل هذه البدايات لدى المبكرين في كتابة الرواية التاريخية من مثل جرجي زيدان في روايته الحجاج بن يوسف أوما لجأ إليه عبدالرحمن منيف واستهل به روايتة أرض السواد، إذ عرض في مطلع روايته مقطعاً سردياً كاملاً نصّ فيه على أحداث تاريخية ذات بعدٍ سياسي تعد تمهيدا لتلك الفترة موضوع اهتمام الرواية، وقد سمّى عبد الرحمن منيف هذا المقطع بـ حديث بعض ما جرى: لم يكد سليمان باشا يلفظ أنفاسه - وقيل إن ذلك تم قبل ساعة من الوفاة - حتى جمع رئيس الانكشارية، أحمد آغا، من استطاع جمعهم من الرعاع والسوقة، واستولى على القلعة· تحصن داخلها وأخذ يضرب السراي بالقنابل· لما سمع الناس الدوي أسرعوا فأغلقوا دكاكينهم، وامتلأت شوارع بغداد بالمسلحين من الأهالي، وبقيت الحالة متقلقلة والأمور مضطربة· كان رئيس الانكشارية، أحمد آغا، يريد الصهر الثاني، سليم آغا، واليا، في الوقت الذي وقف محمد بك الشاوي مع علي باشا· أما داود آغا، الصهر الذي تزوج أصغر بنات داود باشا، فقد أدرك أن فرصته لم تحن بعد، لذلك حزم أمتعته وسافر إلى البصرة، وبعد أن قضى هناك فترة يدرّس ويتفقه بشؤون الدين، عاد إلى بغداد واستقر بجانب مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني، حيث يستطيع هناك أن يواصل تلقي الدروس وأن يدرّس(8)·

وبعد، فإن الاقتطاع السابق اقتطاع كتب بلغة إخبارية مباشرة وهو بمثابة مقدمة سياسية حقيقية غير متخيلة بعيدا عن أي بعد اجتماعي أو ثقافي وهو عتبة نصيّة يمكن أن نسميها سردا تاريخيا تقليديا همّه الأول إيصال الفكرة من خلال أقصر السبل المتاحة· وفي المثال السابق يرتهن السرد في بُعد تسجيلي واضح المعالم يقدم المعلومة التاريخية دون تدخل في تحليل أو إيضاح أو مداخلة، بل إنه يوجّه المتلقي إلى الإطار السياسي الذي ستنشغل داخله روايته·

والكاتب في ذلك يقع، أو هكذا يريد، رهينة مطواعية المادة التاريخية التي حذّر منها لوكاش واصفاً إياها بأنها فخ للكاتب العصري(9)، لأن عظمته بوصفه روائياً سوف تعتمد على الصراع بين نواياه الذاتية، والصدق والقدرة اللذين يرسم بهما الواقع الموضوعي· وكلما سارت نواياه على نحو سهل كان عمله أضعف وأفقر وأكثرهزالاً(10)، فالصدق التاريخي حاصل في الشاهد السابق من رواية أرض السواد ولكن على حساب الصدق الفني، خاصة وأن هذه المقدمة السياسية التي عرضها في بداية روايته كانت خارج إطار الزمن المناقش، علماً بأن الراوي كان بإمكانه أن يوزع هذا الحشد المتتالي من الأخبار التاريخية على مجريات الأحداث عن طريق تقنية الاسترجاع أو المونولوج أو تيار الوعي لإحدى الشخصيات، ولكن على ما يبدو أن ازدحام الأحداث فيما سيأتي فرض على الروائي إنجاز مادة ما قبل مستقلة عن مادة ما بعد على الأقل حتى يؤسّس مرجعيّة سياسية لدى القارئ، وهذا ما سوّغ للمرجعية التاريخية أن تتفوق بشكل واضح على المرجعية الفنية· وتكاد تكون سمة السردية التاريخية القديمة منطبقة على الروايات التاريخية في مرحلتها الأولى المنشغلة بالمرجعية التاريخية لغايات تعليمية ظاهرياً، وهذا ينطبق على روايات جرجي زيدان ومحمد فريد أبو حديد وعلي الجارم وغيرهم من كتاب المرحلة الأولى في الرواية التاريخية·

صفحة 6

وعبد الرحمن منيف في حديث بعض ما جرى يحشد عشر صفحات في مطلع روايته لاستقصاء أبرز الأحداث التاريخية التي جرت قبيل البداية الفعلية للرواية، لكنه لا يعرضها بالصرامة والدقة اللتين سلكهما كتّـاب الرواية التاريخية في مرحلتها الأولى، فالتواريخ مغيّبة عن السرد، وهذه خطوة أولى نحو تطويع المادة التاريخية، فضلاً عن ذلك فإن الراوي يحاول استعراض أكثر من رأي في القضية نفسها ليشعرنا بفنية العمل وليعمق في أذهاننا الإشكالية السياسية الحاصلة، وشاهده: لم يكد سليمان باشا يلفظ أنفاسه - وقيل إن ذلك تم قبل ساعة من الوفاة- حتى جمع رئيس الإنكشارية، أحمد آغا·· فهذه الإضافة وغيرها تسبغ على العمل الروائي التاريخي مصداقية فنية تنقذه من المرجعية التاريخية، إضافة إلى أن الراوي كان يضيف بين سطر وآخر عبارات توحي بقصصية الحدث لا سردية التاريخ، مثل: ما كادت هذه الغمة تنقضي، وقبل أن يستمر الوضع لعلي باشا حتى بدأ الغزو وأشيع خلال تلك الفترة أن محمد بك الشاوي وأخاه عبد العزيز، يميلان إلى العقيدة الوهابية(11)· وقد يضطر كاتب الرواية الملحمية أحيانا لأن يضع نصا تاريخيا في مستهل مشهد انتقالي جديد يمارس فيه تقنية القطع المكاني، فيلجأ إلى التعريف بالخلفية التاريخية للمنطقة قبل أن يفترشها بالأحداث، ففي المقطع المكاني الخامس من رواية الزوبعة (1994-2003) لزياد قاسم(12)حديث عن التاريخ السياسي لمدينة العقبة التي كان لها دور كبير في قيام الثورة العربية الكبرى التي حدّت من نفوذ الأتراك كثيرا في بلاد الشام وكان لها الدور البارز في رسم الخارطة السياسية في القرن العشرين، وسيكون للعقبة دور كبير في إضعاف الأتراك بعد احتلالها من قبل القبائل العربية الثائرة بقيادة الأمير فيصل: تعود بداية الاستقرار لسلالة الأدهم، إلى بداية ثلاثينات القرن التاسع عشر، عندما انسحبت قوات إبراهيم باشا الكبير من بلاد الشام، تاركة وراءها جيوبا من العساكر والجنود ليكونوا عيونا لها وقواعد يعتمد عليها عندما تسنح الظروف ثانية لعودة القوات المصرية وانتزاع الحجاز وبلاد الشام من براثن الدولة العثمانية(13)، إن مثل هذا التأسيس التاريخي يكثر عند قاسم في رواياته عامة والزوبعة خاصة، فمسار العمل محاذٍ تماما لمسار التاريخ، بل إن زيادا لينسج أحداث روايته على تبعات التاريخ السياسي للمنطقة من باب تفسيره أو إكماله أو طرح رؤية خاصة له للأمر في الحقبة التي يلقي بظلال السرد عليها· من هنا نجده حريصا على تأصيل شخوصه وزراعتهم في التربة التاريخية الخصبة حتى يثمروا أحداثا تتناسب وخطى التاريخ ولكن بتصرف· ويبقى زياد حريصا على مبدأ التوثيق التاريخي عندما يسير، فهو يقول في معرض حديثه عن شخصية رجا الصليـبي إحدى الشخصيات الرئيسية في الجزء الأول من الزوبعة: الصليـبي لقب أطلقه بدو الجبيلية على رجا عندما قدم إلى مضاربهم في الفترة التي اشتعلت فيها الفتنة الطائفية في لبنان في العقد السادس من القرن التاسع عشر، بدعم انجليزي للدروز وفرنسي للمارونيين، فامتد أوارها إلى وسط سوريا وجنوبها(14)·

إن مثل هذه التدخلات ذات البعد السياسي تكسب العمل مصداقية فنيّة تتجاوز الالتفات نحو التاريخي فقط· وقد رأينا كيف أظهر عبد الرحمن منيف حرصاً في مطلع روايته على أن يسرد ماضيا يمتد سنوات خلت هي بمثابة توطئة لمجريات الأحداث اللاحقة من جهة، ومن جهة أخرى منح الرواية التاريخية طابعاً تاريخياً منذ البداية· وأما زياد قاسم في روايته أبناء القلعة (1991) فقد استهلها بقصيدة شركسية مترجمة عنوانها مبكاة التهجير وهي قصيدة للشاعر حاج برزخ جراندوقة يستحضر من خلالها أزمة تهجير الأمة الشركسية من موطنهم الأصلي في القفقاس (جنوب غرب روسيا)، وزياد بذلك يحاول أن يلمّح إلى تهجيرات مماثلة ستطال أمما أخرى بموازاة الشركس، وفعلا هذا ما كان مع الفلسطينيين في عامي 1948م و1976م، وبين هذين التاريخين السياسيين وقعت أحداث روايته· أما في روايته التاريخية الزوبعة فلم يستهلها بأي إشارة تاريخية يعرضها في المطلع بل جاء الزخم التاريخي داخل الرواية، وقد نحت الروائية الأردنية سميحة خريس في روايتها التاريخية القرمية: الليل والبيداء 1999 المنحى نفسه، إذ ادّخرت أحداث الثورة العربية الكبرى داخل مشاهد الرواية·

الطريقة الثانية: مزج السردي بالتاريخي؛ وهي طريقة متقدمة في دمج معالم خطابين متضامين في صورة واحدة· وهذا يساعده على تقديم التفسير والتحليل وربما التأويل فيما يقترح، ففي رواية القرمية لسميحة خريس وهي رواية تلخّص مجريات الثورة العربية الكبرى1916(15)جاءت كثير من الأحداث التاريخية ممتزجة بالسردي المتخيّل بطريقة فنية متوازنة حتى أن القارئ ليحار في الفصل بينهما، إلا إذا كان قارئا لتاريخ الثورة العربية الكبرى عندها سيميّز حدود التلاقي بين هذين الخطابين، والاقتطاع التالي يروي حادثة مناوشة بين جند من تحالف الثورة وحامية تركية مسؤولة عن حماية القطار الحجازي: أناخ مفلح جمله وكذلك فعل الراكبون، تأخرت الخيل والإبل وسار عدد من الرجال على أقدامهم يحملون الديناميت··· عندما أطلوا من فوق الجسر على الحامية الغافية صار إنجاز مهمتهم وشيكا، إلا أنّ جندا من الأتراك رفعوا رؤوسهم أعلى التل ولمحوا القوة المترجلة فسدّدوا بنادقهم في نفس اللحظة التي أسقط فيها الرجال أصابع الديناميت وفرّوا· هدر صوت القطار قادما من بعيد وكان على لورنس أن يقدّر بدقة الوقت المناسب ليضغط جهاز التفجير، لكن انكفاء الرجال عن هجومهم المضطرب على الحامية زاده توترا، فضغط جهاز التفجير قبل وصول القطار، تطايرت الحجارة وارتمى لورنس في مكان قريب ودمه يلطخ ذراعه اليسرى في حين طار جسد فهد الزبن إلى حفرة قريبة، واختلط الفارون بمطاياهم وتزايد الهرج.(16)، والمقطع السابق يجمع ما حصل تاريخيا مع لورنس ورفاقه بإضافة تفاصيل دقيقة متخيلة، حتى أنه وبعد نهاية المقطع مباشرة تتدخل إحدى الشخصيات المتخيلة في الحدث وهي شخصية عقاب أحد فرسان الثورة، إن مثل هذه الموازنة بين التاريخي والسردي لينجز تلاقحا يجلو صورة المشهد ويمسح عنها الغبار لتغدو اكثر تمثلا لدى القارئ·

وفي مشهد أخرى يحدث تداخل مماثل: دوى صوت المدفع، وصفق نوري السعيد والارتباك يعاود المعسكر التركي، والبدو الذين لم يستشعروا ما حدث في اللحظات الفاصلة، تمكنوا من الوصول إلى قلب المحطة، وأمام كثرتهم، رفعت الحامية الصغيرة علم الاستسلام، كان منظر القطارين الرابضين على أرض المحطة العامرين بالمؤونة مغريا، فتدافع البدو إلى المقطورات المربعة يفرغون حمولتها، وتلفت عودة جزعا، وهو يرى عقاب يحمل جسد بين ذراعيه، كان ذلك مفلح القمعان شيخ الصخور عدو الأمس، حليف المعركة الذي أردته رصاصات الأتراك وهو يهبط مهاجما، انقبضت ملامح عودة وهزّ البعض رؤوسهم(17)، والمشاهد السابق مشهد يتوغل في حدة الصراع بين تحالف الثورة ضد الأتراك، إذ يكشف حدة الصراع وينقل التفاصيل الدقيقة الممتزجة بالمشاعر·

وفي مشهد مماثل للامتزاج بين التاريخي الحقيقي والسردي المتخيل هذا المقطع من رواية الزوبعة: تواصل القتال سجالا مع الوهابيين· تارة في بقاع شرق الأردن، وطورا في عمق الجزيرة· وكلما حقق أحد الأطراف نصرا سجل الآخر ثأرا· فتعود الكرة من جديد· طلاب ثأر أو مطلوبين له· فانهكت المعارك الجانبين وترملت الكثيرات وتيتم الأطفال والصبية والفتيان والفتيات··· طلب الميجر فيلبي من أمير نجد تهدئة الأمور الحربية في المنطقة حتى لا تتطور الأحداث وتمتد الاشتباكات إلى الحجاز وبادية الشام والفرات، فأوعز هذا إلى أمير الجوف الوهابي أن يدعو للصلح· فاجتمع بزعل وشيوخ العشائر المتحاربة، بحضور أحد الأمراء السعوديين في بريدة(18)، وما يلاحظ أن الشخصيات والأحداث التي وردت هي مثبتة تاريخيا إلا الشيخ زعل زعيم قبائل الجبيلية، هو شخصية متخيّلة لا وجود لها في أروقة التاريخ لكنها شخصية رئيسية في العمل تحركه وتصنع حركة دورانه وتطرح خطابها الإديولوجي بطلاقة مستقلا عن إديولوجيتين آخريين تتصارعان سياسيا· إن الاستعانة بمعلومات تاريخية خلال مشهد سردي حواري حقق المزج تحقيقا تقنيا، وقد جاء هذا الأمر عفوياً دون قصد واضح، وفي هذه الطريقة يظهر التوازن بين المرجعية التاريخية والمرجعية الفنية، فمن خلال الانشغال بتتبع الأحداث المتعاقبة تأتي المعلومة التاريخية لتكمل المشهد دون تكلف أو قصد، والرواية بذلك لا تعكس الحقائق كاملة كما هي في الواقع، يقول حميد لحمداني: وهكذا فالنص الروائي في هذه الحالة لا يعبّر عن معرفة لأنه لا يمكن أن يعكس الحقيقة الكلية للمسار التاريخي ولكنه يعبر عن معنى من المعاني أي يعبر عن حدوده المعرفية(19)، إذ لا ينبغي للنص الروائي أن يكون أمينا تماما في نقل الوقائع عندها لن يمتلك قيمة دلالية، أما وهو على هذه الشاكلة فإنه يكتسب خصوصية عندما يكمل الروائي ما يعدّه ناقصا فيعززه بالإيديولجية السياسية التي ينتمي إليها·

الطريقة الثالثة: عرض المعلومة التاريخية من خلال انعكاسها على تصرفات الناس وسلوكياتهم وظهورها في حوارهم· وتعدّ هذه الطريقة من أكثر الطرق انسيابية في عرض المعلومة، حيث الشخصيات هي من تتأثر وتحكم وتعاني وتفرح دون تدخل سارد يوقف الحديث عند موضع ليسرد تاريخياً ما حان دوره ثم يستأنف· ولكن هذه الطريقة تمتلك القدرة على تفعيل هذين الخطابين: الروائي والفني جنباً إلى جنب فتتحقق الموازنة بينهما·

ومن أمثلة ذلك ما ورد إشارة عاجلة ترد بين ثنايا السرد المتخيّل في رواية القرمية: البدو الذين تعوّدوا عراك الحياة، وشالوا وحطّوا مثل طيور مهاجرة، يدركون أي فزع يثورون إذا ما أقبلوا بخيلهم نحو القرى·· ويدركون أي غنيمة يمكنهم الحصول عليها من المزارعين الذين حصدوا زرعهم وعمّروا مخازنهم بمؤونتهم، لا يخافون إلا غزوات البدو وزيارات الجباة الأتراك التي تتركهم جوعى·(20)· إن غزوات البدو وزيارة الجباة الأتراك هي حقيقة تاريخية تحيق بأهل القرى في مطلع القرن العشرين في الأردن آنذاك تعكس موقفا سياسيا واضحا من ممارسات الأتراك آنذاك وكأن الأمر برمته تسويغ لفكرة الثورة، وهذه الحقيقة التي تتحكم بحياة فلاحي القرى جاءت ضمن أسلوب سردي أكثر منه تاريخيا، إذ اتسمت هذه المعلومة التاريخية بالعفوية والتناسب التام مع مجريات التطور السردي، وتعد هذه الطريقة من أكثر الطرق تلاؤما مع فنية السرد·

وفي سياق تاريخي آخر يرصد زياد قاسم في الزوبعة تأثر المسار التخيلي بالتاريخي، أي تأثر الشخصيات المتخيلة بمؤثرات تاريخية: ورغم أن أبا جبران كان يتلقى مقالات أنطون سعادة بلهفة ويعطيها أولوية النشر دون تحريف أو بتر أو تعديل، إلا أنه في نقاشاته مع سيف كان يبدي عقلانية وواقعية بعيدة عن الانفعال تهدئ من سيف وتلين من صلابة مواقفه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمفتي: حكيه مظبوط يا سيد سيف· مربط الفرس عند الإنجليز·

صفحة 7

- بس الانجليز منحازين علنا لليهود·

- إذا ما قدرنا نخليهم ينحازوا لنا، بنقدر نخليهم يضلوا على الحياد·

- الانجليز مستحيل يكونوا على الحياد· يا بكونوا معك يا ضدك· قوة طاغية ما بهمها غير مصلحتها· ومصلحتها هلأ مع اليهود·

- وإحنا مصلحتنا بوحدتنا· كيف الإنجليز بدهم ينحازوا إلنا أو يوقفوا على الحياد وإحنا كل عيشتنا صراعات ونزاعات(21)·

وهذا التداخل بين الشخصية السياسية الحقيقية والمفترضة يشكل تعميقا للحدث التاريخي في نفوس القراء ويساعد النص الروائي على طرح أكثر من إيديولوجية سياسية متناقضة لا يشترط أن تكون بالذات إيديولوجية الكاتب السياسية فكتاب الرواية غالبا ما يقومون بعرض هذه الإيديولوجيات والمواجهة بينهما من أجل أن يقولوا ضمنيا شيئا آخر ربما يكون مخالفا لمجموع تلك الإيديولوجيات نفسها(22)، وظلال مثل ذلك نلمسه يخيّم على الشخصيات المتخيلة في العمل كشخصية الصحفي أبي جبران أو شخصية سيف الحجاج مالك الصحيفة الفلسطينية في القدس·

وفي مشهد متأخر من عمر الزوبعة يأتي قرار قانوني جديد مثبت تاريخيا ينعكس على شخصية رئيسية متخيلة في العمل هي شخصية فريد الأدهم: في الخامس من آب عام 1939، حقق شرق الأردن نقلة إدارية· عدّل القانون الأساسي للإمارة، مستبدلا باسم المجلس التنفيذي اسم مجلس الوزراء بين ليلة وضحاها، تحوّل الإداريون التنفيذيون إلى وزراء، مما أعطى الإمارة صفة الدولة بمؤسساتها الداخلية والخارجية، ومنح الأمير صلاحية تعيين القناصل في دول الجوار· حقق هذا التحوّل نقلة اجتماعية لفريد الأدهم، الذي غدا شخصية مرموقة· فقد عادت عليه الاضطرابات في فلسطين بالخير الوفير، وتضاعف ثراؤه عشرات المرات مع اندلاع الحرب العظمى، ليغدو اسمه على كل شفة ولسان، حتى صار مثالا للتحذير من الإسراف(23)· وما سبق مثال مباشر على الاستثمار التاريخي في تطوير الأحداث السردية النابتة على امتداد الخط التاريخي للعمل، ولكن ليس بفصل الجانبين بل بالمزج بينهما دون خدش لحقائق التاريخ الثابتة·

ومن الروايات التي شاعت منها هذه الطريقة رواية ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور أيضا، والمثال التالي يوضح ذلك، وفيه كشف عن بعض جرائم القشتاليين في محاكم التفتيش في الأندلس: احتدّ صوت حسن·

- هل تتهمنى بالتخاذل؟

لم يجبه سعد ولكنه تطلع إليه فزادت نظرته توتراً كانت النظرة تتهم·

علا صوت حسن:

- لن أدافع عن نفسي ليست خطيئة أن تحمي أهل بيتك ولو بالتحايل، تواصل الحياة لكي تضمن لهم لقمة العيش والستر بين جدران بيت يضمهم، القشتاليون لا يرحمون وأنت تعرف وترى بأم عينيك كل يوم إذ تساورهم الشكوك في شخص، مجرد شكوك، يأخذونه ويحققون معه ويعذبونه حتى ينتزعوا منه اعترافات قد لا تكون إلا اختلاقاً يختلقه عقله للخلاص من العذاب، وقد يحكمون عليه بالموت أو يموت من عذابهم قبل أن يحكموا فيصبح عياله بلا عائل وتخرج زوجته إلى الشارع لتعيل صغارها، والحرة لا تأكل من حليب ثدييها، ولكنها تأكل حين يجوع الصغار!

- كلام كله صحيح، ولكن ما الذي تقترحه لمواجهة هذا البلاء؟(24)·

ومن خلال المشهد الحواري السابق ظهرت المعلومات التاريخية وهي طريقة مقنعة في تقديم التاريخي من خلال الفني، فالشخصيات المتحاورة نابت عن الراوي في إيصال المعلومة التاريخية التي تكشف عن وحشية القشتاليين ضد من بقي من العرب في غرناطة·

الطريقة الرابعة: وفي هذه الطريقة يروى الحدث التاريخي أكثر من مرة، ولكن في كل مرة تتولى أمره مجموعة من الشخصيات يعالجونه بطريقتهم الخاصة، فتظهر للخبر أكثر من زاوية للرؤية، مما يساعد على تبلور الحدث التاريخي واتضاح معالمه أكثر، فضلاً عن أن هذا اللون من تقديم التاريخي في ثوب السردي يخفف من حدّة المسؤولية التاريخية المناطة بالرواي، ونذكر المثال التالي من رواية أرض السواد التي شاعت فيها مثل هذه الظاهرة ظاهرة تكرار السرد خاصة إذا كان مجال الحديث خبراً تاريخياً· والخبر التالي سيتردد ذكره على ألسنة الناس فيرويه كل واحد بطريقته مضيفاً أو مضخماً أو منتقصاً، إنه خبر مقتل سعيد باشا والي بغداد المخلوع الذي قتل عام 1817م وحيثيات هذا القتل: في الكرخ، في قهوة أبو الخيل يتجمع عدد من رجال سليمان الغنّام، فإن كل واحد من هؤلاء الرجال، حين يسأل عما حصل في القلعة (مكان مقتل سعيد باشا) تكون إجابته مطابقة أو مقاربة لإجابة الآخرين! يقول هؤلاء الرجال إنهم تركوا القلعة في وقت مبكر، تركوها قبل أن يدخل داود باشا بغداد بأيام، ربما تكون لأنهم لم يعودوا يعرفون من هو الوالي، ومن له حق إصدار الأوامر، ليس ذلك فقط، كانت الأوامر تتغير بين لحظة وأخرى·· ويتبرع واحد من الجالسين لكي يقول إن الرواتب لم تدفع لهم منذ شهور·· وهكذا تركوا القلعة دون أسف·· ويؤمن آخرون على صحة ما يقال، كي لا يظن أن لهم علاقة أو يتحملون أية مسؤولية(25)· والمقطع السابق هو تمهيد لرواية حدث مقتل سعيد باشا ضمن أكثر من تصور، والراوي هنا يظهر براعة في نقل الحدث بسرعة من مكان إلى مكان: يقول رجال الغنّام بانفعال إن لا أحد يستطيع أن يدافع وأن يحمي مثلهم، كانوا لا يسمحون حتى للطير أن يعبر فوق القلعة حين كانوا فيها·· أما أن يكون الحراس نياماً أو متساهلين، وأن تقع مثل هذه الأحداث الخطيرة، ولا يستطيعون منعها أو مقاومتها· فهذا يؤكد صحة الموقف الذي اتخذوه بالانسحاب في وقت مبكر(26)·

وما سبق يقدم رؤية من جانب الحراس الغاضبين الذين انسحبوا من مكان الحدث قبل وقوعه لعدم رضاهم عن مجريات الأمور· وفي رواية ثانية: وفي المحلات الأخرى بصوب الكرخ تتردد القصة ذاتها، أو ما يشابهها باختلاف بسيط في بعض التفاصيل· تقول القصة إن حراس القلعة كانوا نياماً لما تسلل عدد من رجاله داود، واستطاعوا الوصول إلى الجناح الذي يقيم فيه سعيد باشا ودون صوت، دون أن يحس بهم أحد، اقتحموا غرفته، وهناك حدث الاشتباك، ولا يعرف ما إذا قتلوا سعيد أو أسروه·· حين تروى القصة بهذا الشكل، تترك احتمالاً أن سعيد لم يقتل، ولا يعرف إذا سيسلم نفسه، أم سيقاوم··(27)

وفي مكان آخر في محلة الميدان هناك إضافات جديدة: سكان محلة الميدان يؤكدون أنهم دفنوا رأسين كانا بالقرب من القلعة، لكن ليس أي منهما لسعيد باشا، وهذا ما أقسم على صحته منعم الأسود أحد الذين عملوا في السراي في فترة سابقة، وقد رأى بنفسه، ومن قرب سعيد باشا، وبالتالي له القدرة على التمييز بين هذين الرأسين ورأس الباشا !(28)· ولا تنتهي الإخباريات عند هذا الحد بل يكثّف الراوي جهوده لجمع المزيد منها: أما سكان الأطراف من، القريبين من السور، فيرددون قصصاً من نوع آخر، وكلها تؤكد أن سعيد باشا لا يزال حياً، وقد نجا من الحصار الذي فرضه داود، وغادر بغداد، مع عدد من رجاله نحو الجنوب··(29)·

أما القاطنون عند الباب الشرقي فلهم روايتهم كذلك: سمعوا طلقات نارية في ليلتين متواليتين، وقيل إن عدداً من الفرسان حاولوا اختراق الطوق ومغادرة المدينة، من هذه الناحية، لكن ردّوا· أكد ذلك أحد الحراس الليليين، وقد توارى في الوقت الذي مدّ فيه الفرسان، لكنه سمع صيحات تحذير ترددت عدة مرات، وقد ميز بوضوح كلمة بالذات يا باشا·· يا باشا ثم عاد الفرسان من حيث أتوا !(30)·

ثم تتوالى الروايات إلى أن تنتهي في قهوة الشط حيث عامة الناس وبسطاؤهم الذين لا يملون تجاذب الأحاديث وافتراض الحيثيات إلى أن يقرر أكثر من واحد: أن سعيد باشا قتل، وأنه مات وشبع موتاً، كان كل من يتكلم يقول ذلك بثقة راسخة، خلافاً للأماكن الأخرى(31)· إن ما سبق من تجاذب وتناقل لحادثة يجهل الناس مجرياتها ضمن أكثر من احتمال ليخفف على المؤلف/ الراوي من ثقل المسؤولية التاريخية في تقرير قصة دون أخرى، فيوظف المؤلف/ الراوي غير قصة فيحقق أكثر من غاية:

- إذ تخلّص أولاً من المسؤولية التاريخية التي قد تشكك في مصداقيته التاريخية، إذا ما علمنا أن المصادر التاريخية التي أرخّت الخبر لم تتفق على حيثيات مقتل سعيد باشا وقد استفاد المؤلف من هذه الحيثيات فنثرها على ألسنة البغداديين(32)·

- إثبات قدرة الراوي العليم على التنقل بحرية وخفة بين أهل بغداد لرصد ما يتقولانه عن هذا الأمر، وإثبات هذه القدرة يؤكد مرونة الراوي في السماح لغيره بأن يتكلم ويبدي وجهة نظره·

- تأكيد أن هذه الرواية جاءت لإظهار أناس القاع وإبراز آرائهم والتغلغل بينهم وكشف وجهات نظرهم، وهذا ما حاول مؤلف الرواية تأكيده في أكثر من مرة كان من الضروري في أرض السواد أن تبرز بوضوح الملامح الدقيقة للأماكن والمناخات والبشر(33)، وقد استطاعت الرواية أن تنطلق من الشعبي لإقرار الحدث العام·

- أن الكاتب يحاول أن يخفي رأيه السياسي بين مجموع هذا الآراء لأن صوت الكاتب أو إديولوجيته يكونان موجودان ضمن الأصوات المتعارضة منذ بداية الرواية، غير أنّ جميع هذه الأصوات تبدو متعادلة القيمة بحيث يكون من المتعذر تماما تحديد الموقف الذي يتبناه الكاتب(34)، والكاتب هنا يتوسل الحيادية ولن ينتبه القارئ لأديولوجية الكاتب إلا بعد الانتهاء الكلي من القراءة·

الطريقة الخامسة: أن تدار الأحداث بطريقة تصاعدية تجعل المتلقي محتاجاً إلى خاتمة تاريخية تحسم الموقف وتكشف النهاية، وفي مثل هذه الحال يبلغ الصدق الفني في تمازجه بالصدق التاريخي مرحلة متقدمة·

فعلى سبيل المثال نقرأ المثال التالي في نهايات الجزء الثاني من رواية الزوبعة وقد تصاعدت الأحداث وصار لزاما أن تنتهي عند قفلة سار الكاتب بروايته إليها، وهي قفلة تاريخية خالصة كانت نتيجة طبيعية لاحتدام السرد بين المتخيل والتاريخي: اشتبك الجيشان في معركة حامية الوطيس استمرت نصف نهار· كان الأرادنة ساخطين حاقدين· وكان الوهابيون يرومون القضاء على الخزعبلات في جلابيب من غير سراويل· فسقط على الهضاب والكثبان والوديان مئات القتلى، وتأوّه بين الصمعاء والثمام مئات الجرحى· فانهزم الوهابيون لكنهم لم يستسلموا، وانتقم الأرادنة لكنهم لم يثأروا· فلحقوا بهم حتى منطقة عقلة الصقور، وهناك انقلب الموقف بعد أن سارع ضنى تومان لنجدة الإخوان، فتراجع زعل بالرجال إلى وادي رم، ولم يلحق به الوهابيون(35)· ومثل المقطع السابق لا يمثل إبداعا سرديا بل توقيتا تاريخيا لإنهاء مرحلة في عمر الرواية والتحضير لمرحلة أخرى·

وفي السياق نفسه نجد مواضع في رواية القرمية يجنح السرد فيها نحو الاستعانة بالتاريخي، لأنه عمود الرواية الفقري ولا بد من احتذاء التاريخي لإقفال العمل بعد أن مهّدت له الأحداث الكفيلة له بذلك: أما في العقبة فقد اضطربت الأمور وانشقت الصفوف والضباط العرب يسمعون بأمر اتفاقية سرية بين انجلترا وفرنسا لاقتسام البلاد بعد النصر، في نفس الوقت الذي تشدّد أوامر اللنبي اللهجة محددة دور الجيش العربي في مهمة لا تتجاوز تدمير خطوط السكة الحديد(36)، والمشهد السابق تاريخي خالص لم يمتزج بالسردي فالرواية آلت إلى صفحاتها النهائية التي ستوصل العمل إلى نهاية حتمية ثبّتها التاريخ قبلا مع إبراز لصوت المؤلف على لسان راويه يحلل الأحداث من معرفة سياسية حاضرة لا تتناسب مع المعرفة السياسية لأوضاع التقسيم وقت أحدا ثالعمل· وتتضاعف الأمور تاريخيا ليزداد الخطاب التاريخي سيطرة على مجريات الرواية، ومن ذلك: عندما بدأت عمليات مشاغلة الجيش في عمان تمويها للجمع الأكبر الذي يلتف جامعا البدو والدروز والحوارنة فإن الملاريا انتشرت في عمان تحصد جنود الأتراك الهاربين من الجيش سريعا مرتدين إلى دمشق، ولم تعد طريقهم آمنة إذ راح بدو الرولة وبني حسن يقطعون الدرب أمامهم ويصادرون أسلحتهم تاركينهم عراة ينكصون إلى دمشق··(37)

وإذا ما عدنا إلى ثلاثية غرناطة مجددًا، فقد كانت وتيرة الأحداث فيها تتصاعد وتتأزم نحو نتيجة واحدة وأكيدة بتنا نطلبها كلما توغلنا في القراءة هي قرار الرحيل أو الترحيل وفعلاً وبعد (475) صفحة من المعاناة تخلص الرواية إلى النتيجة الحتمية يكون الترحيل القسري بعد مئة سنة من المعاناة والصبر والكفاح بارداً قاسياً، فجاء القرار متوقعاً بل منتظراً من المتلقي: المقدمة المعتادة عن خيانة عرب البلاد بناء عليه تقرر ترحيلهم في غضون ثلاثة أيام إلى الثغور المحددة والموت عقوبة المخالفين· للراحلين أن يأخذوا من المتاع ما يستطيعون حمله على ظهورهم، وتتكفل السلطات بإطعامهم أثناء السفر، وعلى كل أن يلزم مكانه انتظاراً لنقله إلى الشواطئ ومن يبرح مكانه يتعرض للنهب والمحاكمة، ومن يقاوم يعاقب بالموت· أملاك المرحلين صارت بحكم المرسوم الملكي ملكاً للإقطاعيين، فمن يعمد إلى إخفاء أملاكه أو حرقها يعاقب هو وكل سكان الناحية بالموت··(38)·

لقد وصلت الرواية إلى نهاية محتومة بعد أن تغلبت إيديولوجية القشتاليين ميدانيا على إيديولوجية العرب المسلمين بعد صراع سياسي وعسكري طويل كان لابد للتاريخ من أن يحسمها وبطريقته المباشرة، فكانت نهاية الأحداث متوقعة بل مطلوبة لاستكمال المشهد·

صفحة 8

الطريقة السادسة: أن تكون المعلومة التاريخية عالة على السياق الروائي، أي أن حضورها لا يسهم كثيراً في بناء الرواية بل هو تبرع من المؤلف/ الراوي في غير محله لاستكمال هدف قصد إليه المؤلف؛ كأن يكون هدفه تعليمياً مثلاً أو أن عواطفه قد سبقت مخططه في الكتابة، فوقع أسيراً في شرك التاريخ وتغلب الخطاب التاريخي على الخطاب الروائي ومثل هذا نجده متفشيا لدى كتاب المرحلة الأولى من كتّاب السردية التاريخية، ونذكر في هذا الصدد جرجي زيدان الذي مارس هذه الطريقة غير مرة خلال سرده لرواية الحجاج بن يوسف ففي مشهد حواري دار بين عبد الله بن الزبير وبين حسن الشخصية الرئيسية في الرواية، يفتعل المؤلف/ الراوي حواراً يدور بينهما ليسرد على لسان حسن بطل الرواية حوادث تاريخية لا يحتاج إليها السياق بل هي تقدم إضاءة خارجية على بعض الأحداث التي حصلت ولكنها كتبت بقلم المؤرخ: فأسرع عبد الله في قطع الكلام لأنه لا يحب أن يتذكر الخطأ الذي ارتكبه في ذلك ولولاه لكان بنو العوام خلفاء الإسلام بدل بني أمية لشدة اضطراب حال بني أمية في ذلك الحين· وقال لحسن: ثم ماذا؟ أوصلْنا إلى حديث خالد قال: لما مات يزيد بايع أهل الشام ابنه معاوية (الثاني كما تعلمون وهذا لم يكن يرى لبني أمية حقاً في الخلافة كما صرّح جهاراً في خطابه بعد أن تولاها بأربعين يوماً، فإنه أمر فنودي (الصلاة جامعة) فلما اجتمع الناس وقف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد، فإني ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر ابن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغين ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا ما كنت لأتزودها ميتاً وما استمتعت بها حياً) ثم دخل داره وتغيب حتى مات، فلما مات معاوية هذا اختلف الناس فيمن يولونه واضطربت الأحوال حتى آل الأمر إلى مبايعة مروان بن الحكم لأنه··(39)·

ويستأنف السرد إسناد الإخبار التاريخي لهذه الشخصية حتى يروى لعبد الله بن الزبير ما جرى بعد وفاة يزيد، وفي الحقيقة أن الراوي هو من يقحم مثل هذا السرد التاريخي على لسان الشخصية وكأن عبد الله بن الزبير يستمع لهذه الاستذكارات التاريخية لأول مرة· في مثل هذا السياق تتبدل مهمة الرواية من أدبية خالصة إلى تاريخية خالصة وهنا لا يتحقق التوازن بين التاريخي والروائي· بل يجب على المؤلف دوماً من خلال راويه أن يبحث عن الطريقة الأنسب لعرض المعلومة التاريخية المساهمة في بناء الرواية التاريخية مساهمة فاعلة، ولكن ضمن مسارها الخاص الذي لا يفسد أدبية العمل ولا تاريخية الغاية، فليس المهم في السردية التاريخية الحديثة حسب لوكاش إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ التخييلي للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وما يهم هو أن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تماماً في الواقع التاريخي(40)·

وقد مسّ زياد قاسم مثل هذا الأمر عندما يتورط في بعض مقاطع الرواية بسرد قرارات تاريخية نصيّة أو خطابات مثبتة تاريخيا كان بالإمكان تجاوزها باختصار مضامينها، فعلى سبيل المثال في رواية أبناء القلعة (ص 378) يضطر لسرد بيان إخباري مطول بنصّه لسرد التطورات السياسية الطارئة في جهاز الحكم في سوريا، وفي الزوبعة كذلك يضمّن الكاتب المشهد الأربعين من الجزء الثاني بيان رئيس المؤتمر السوري الذي يعلن فيه استقلال سوريا الطبيعية، وقد أورده المؤلف بالخط الغامق لأهميته القصوى ضمن مخططه الإيديولجي الخاص: نحن أعضاء هذا المؤتمر بصفتنا الممثلين للأمة السورية في جميع أنحاء القطر السوري تمثيلا صحيحا، نعلن بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومنها فلسطين·.(41)· ولا يتوقف البيان عند هذه الكلمات بل يمتد لتنصيب الأمير فيصل ملكا على البلاد بلغة خطابية يمكن الاستغناء عن تعرجاتها بعرض المضامين أو بتوزيع المعلومات على الشخوص فيقدموها من وجهة نظرهم لا من وجهو نظر الراوي المسيطر على استجلاب الأحداث وتحليلها·

كما أن على السردية التاريخية الحديثة أن تحدد في الماضي الأسباب التي كانت وراء ما حدث بعد ذلك، وأيضاً رسم السيرورة التي تطورت بشكل بطيء من خلالها وأحدثت هذا الواقع(42)·

وبعد، فالسردية التاريخية الحديثة لون يتنازعه هاجسان؛ الأول: القضية المعالجة (المادة التاريخية) والثاني: الإخراج (الأداء الفني) ولعل تغليب الجانب السياسي فيها ذي القيمة التاريخية يحوّل الرواية إلى خطاب إيديولوجي مباشر ينتقص من فنيتها من هنا لا بد على الكاتب أن يضاعف من الوسائل الفنيّة الكفيلة بإبقاء العمل ضمن أطره الأدبية·

صفحة 9

المبحث الثاني :التعامل مع الشخصية التاريخية

إن كل مضمون لابد وأن يفرض شكلاً خاصاً به، والشخصية مهما اختلفت وتنوعت فإنها مضمون يفرض شكله الخاص، وهذا الأمر ستتضاعف مسؤوليته إن كان المضمون منجزاً في التاريخ، وعلى الأديب أن يتعامل معه ضمن هذا المعطى· وفي الحقيقة أن الشخصية التاريخيّة شخصية مرهِقة لكتّاب الرواية بشكل عام، وكاتب الرواية التاريخية بشكل خاص، لأنها تدخل إلى العمل بحقيبة ملابس جاهزة لا يمكن إبعادها عنها أو اقتراح ملابس جديدة لا علاقة لها بالصورة المرسومة عنها، إن الشخصية التاريخية تفرض بحضورها في العمل طوقاً يحدّ من حرية الكاتب لا تخففه إلا الشخصيات المتخيلة، فالشخصية التاريخية من المتانة والثقة بالنفس بحيث تقود الكاتب إلى مصيرها هي كما حُسم قبل مئات أو عشرات السنين، وهذا ما يجعل أي سردية تاريخية مهددة بخطر استحواذ التاريخ عليها·

من هنا يبرز التساؤل التالي: كيف تعاملت الرواية التاريخية مع الشخصيات التاريخية؟ وما مدى النجاح أو الإخفاق الذي حققته الرواية التاريخية في تعاملها مع هذا النمط من الشخصيات؟ وكيف يوازن الكاتب بين إيديولوجيات سياسية متناقضة للشخصيات من جهة ومناقضة لإيديولوجيته السياسية بوصفه مؤلفا من جهة أخرى، وهذا أمر طريف جدا لأن الرواية عندما يتم فيها إعلان تناقض صريح بين آراء الكاتب والإيديولوجيات والتصورات المغايرة، فإن الرؤية فيها تصبح ذات طابع مونولوجي واضح(43)، وبناء على ذلك أخذ التعامل مع الشخصية التاريخية في السردية التاريخية الحديثة أكثر من شكل، ويمكن تصنيفها حسب ما يلي:

1- الشخصية التاريخية المفعّلَة في الحدث·

2- الشخصية التاريخية المقصاة عن الحدث·

3- الشخصية التاريخية المفترضة في الحدث·

1 - الشخصية التاريخية المفعّلة

تعد الشخصية التاريخية المفعّلة في الحدث من المعضلات التي ترهق الروائي بل وتأسره ضمن قانونها التاريخي الخاص، وتوظيف الشخصية التاريخية في العمل يحتاج إلى دراية كاملة بالأحداث التي اشتركت فيها الشخصية وتلك التي لم تشترك فيها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما اللغة التي سوف تتحدث بها هذه الشخصية، هل كفلت لنا المراجع التاريخية نماذج خاصة تمنحنا قدرة على توظيف لغة هذه الشخصية· إن قدرة الروائي على التخييل وربط الأحداث واستنتاجها كفيلة بأن تقدم للروائي تصوراً جيداً عنها حتى يعمد إلى توظيفها في روايته·

ولا تقف الصعوبات عند المرجعية التاريخية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى المرجعية التخييلية عندما تتورط الشخصيات التاريخية في حوار أو موقف مع شخصيات متخيّلة، إذ لا تكفل لنا النصوص التاريخية دائماً الوثائق التي نحتاجها، فنعود مرة أخرى إلى تأكيد مبدأ المزاوجة بين ما كان وأُثبت، وما كان ولم يُثبت (المسكوت عنه)، إذ إن أي خطأ في هذه المزاوجة قد يفسد بناء الشخصية التاريخية ومن ثم المصداقية الوثائقية في العمل الروائي برمّته· فما كان ولم يُثبت (المسكوت عنه) يجب أن يتناسب مع ما كان وأُثبت، فيغدو مقبولاً؛ فمساحة (المسكوت عنه) في الرواية التاريخية هي المساحة التي يمكن لكاتب الرواية التاريخية أن يتحول فيها رغم ضيقها، ولكنه بخياله الخلاّق قادر على توسيعها في ذهنه واستغلال كل شبر فيها، وهذا ما يرفع كاتبا ويحط آخر، إذ ليس موضوع الرواية التاريخية - بالدرجة الأولى- هو من يعلي من شأن العمل أو يحط منه، بل حسن الأداء هو سيد الحكم دائماً· ولكن يبقى حضور هذا النمط من الشخصيات مكونا أساسيا من المكونات الإيديولوجية للنص·

وقد برز هذا النوع بوضوح لدى سميحة خريس في القرمية وزياد قاسم في الزوبعة، إذ كان لا بد من الاقتراب حد التفعيل من بعض الشخصيات التاريخية، والروايتان تقتربان كثيرا من الموضوع التاريخي المناقش، فالزوبعة بإيديولوجيتها القومية تسعى لإعاد تشكيل الوجه السياسي للجزيرة العربية وبلاد الشام منذ عام 1860 وحتى 1945، أما القرمية فتخصص الحديث عن دور قبائل الأردن في إنجاح الثورة العربية الكبرى في مطلع القرن العشرين، ومن الطبيعي أن تتشابه الشخصيات التاريخية في هذا الصدد، ففي القرمية ظهر كل من عودة أبو تايه (ت1924) والأمير فيصل بن الحسين (ت1933) والإنجليزي لورنس العرب (ت 1935) وبعض قادة القبائل العربية والجيش البريطاني، وبالمثل ظهرت شخصية الأمير فيصل بن الحسين ولورنس العرب والجنرال الانجليزي اللنبي (ت1936) وانطون سعادة (ت1949) وعز الدين القسام (ت1935) وكلوب باشا (ت1986) وغيرهم في الزوبعة ولكن كيف تعامل كل من الروائيين مع هذه الشخصيات الثابتة تاريخيا ذات النزعات السياسية المتناقضة؟

صفحة 10

فعلى سبيل المثال شخصية الأمير فيصل بن الحسين(44)لقيت اهتماما كبيرا من قبل الروايتين لدورها الفاعل في السياق التاريخي الذي اختارته الروايتان، لذا كان لزاما أن يفعـّل لا بالسرد فقط بل بالحوار أيضا، إذ لم يكتف الرواي باستعراض المعلومات التاريخية عن شخصية الأمير فيصل سردا بل غامر بإدخاله في بعض المشاهد الحوارية: هزّ (هجرس) ستائر الخيمة برفق كأول إشارة يقوم بها تنبيها مهذّبا لإيقاظ سيده، أطبق (فيصل) جفنيه موهما العبد أنه كان نائما، حتى إذا ما اقتربت خطى (طفس) تحرّك بهدوء وتثاقل المتيقظ، يخدع (فيصل) عبديه وفي العينين احمرار وسهد ليلة أخرى ضائعة في أرق،··· أحضر (طفس) قصعة التمر والكعك وسمح لنفسه أن يتبسّط ضاحكا: سيدي، لزوم تفطر اليوم، ستي رسلت الكعك· وضع الصحن المعدني المعبأ بقطع صغيرة من الكعك الذي يعرف فيه الأمير صنعة أمه، يتذكر كم مرة هرّب رسائله من دمشق وسط حبات الكعك التي صنعتها نساء آل البكري·· رشة الحنان الصباحية عرب القفاز طبعت ابتسامة حزينة على وجهه المرهق، مد يده متاولا فنجان قهوته المرّة التي جاء بها سالم ومجّ من سيجارته نفسا عميقا، فأدرك الحرس الثلاث أن هذا أوان دخول الآخرين· دخل (فايز الغصين) شادّا خنجره حول خصره، فلمح الأمير عبر شقوق ستار الخيمة مجموعات من المتسولين الذين افترشوا الطريق، قال بنبرة مشفقة: لا تطيلوا قعدتهم، سنعوهم بالمقدور عليه·(45)، ومع ذلك يبقى توظيف شخصية تاريخية بوزن الأمير فيصل أمرا بالغ الحساسية، فالرواي لا يريد أن يدخل في مغامره حوارية تفسد السياق التاريخي لهذه الشخصية مكتفيا بإبراز حسّها المسؤول قبيل الحسم وإنجاز المأمول، ولكن راوي الزوبعة كان أكثر جرأة في ذلك ففي المشهد العشرين من الجزء الثالث يدور الحوار التالي بين الملك فيصل وأحد مساعديه عن مقتل رئيس الوزراء السوري في عهد الانتداب الفرنسي علاءالدين الدروبي في 20 من آب 1920: لم يتحسّس أنور عنقه بل مرّر أمامها سبابته خطفا وهوينقل للملك، خبر مقتل الدروبي الذي عرف به بمجرد وصول الباخرة إلى نابولي: ذبحوا الدروبي مثل النعجة··· شخصت عينا الملك وثبتت نظراته في أنور للحظة· ثم سأل بنبرة حادة أقرب إلى الأمر: متى؟

- قبل يوم·· قال أنور وبلل شفتيه·

نهض الملك من كرسيه بهدوء وما يزال ينظر في عيني أنور: ما تحكي ؟··· انتبه إلى الجريدة في يد أنور فأضاف بصوت أعلى: ويش صار يا أنور··· وحرك إصبعه إلى داخل راحته مرّات عديدة··· فتقدم أنور نحوه وسلّمه الجريدة· (وبعد أن قرأ الخبر بنصه الذي ورد فيها وحرص الرواي على نقله) علت الدهشة تعابير وجه الملك، فأضاف أنور: كان يتمنى يذبحونا· علت الدهشة وجه الملك···

قال الملك: قولك كان رايح يخوّف الحوارنة· هزّ أنور رأسه يمينا ويسارا، وقال بثقة مصطنعة: كان رايح يا مولاي وهو واثق أنوه الحوارنة يخافوه ويرهبوه· ويمكن ظن انوه يحبوه كمان·

- ول·· قال الملك متعجبا، ثم سأل بخبث: وكل هذا كنت تدريه عن الدروبي وما قلت من قبل شي؟(46)· مثل هذا الحوار يقربنا إلى درجة انعدام المسافة بيننا وبين الشخصية التاريخية، والأمر لا يخلو من مخاطرة مع أنه أضفى على التاريخ مسرحة ضاعفت من قابليته وخففت من نزعته السياسية· إن تخيّل المشهد الحواري التاريخي الذي لم تروه كتب التاريخ بتفصيل يحتاج إلى قدرة فائقة على هضم المعلومة التاريخية ومن ثمّ تصديرها سرديا، وهذا ما اكتنف المشهد السابق، من هنا تعتبر شخصية الملك فيصل من الشخصيات التاريخية الفاعلة في الحدث وليست مقصاة عنه، حتى أنه في بعض المواقف يشترك في حوار مع شخصيات متخيلة مثل فرحان الصليـبي والشيخ زعل الجبيلي، وضمن هذا التوصيف الجريء تظهر إديولوجية كاتب العمل زياد قاسم بخفوت إذ يدعم في روايته الممتدة على ستة أجزاء الفكر القومي وينتصر للشخوص الذين أسهموا في تحقيقه·

ومن الشخصيات التاريخية التي فُعّلت في الروايتين شخصية الإنجليزي لورنس العرب(47)الذي كانت له اليد الطولى في الثورة العربية الكبرى· وقد لا قى اهتماما من الروايتين مدار النقاش· ففي رواية القرمية يشترك لورنس بوصفه شخصية تاريخية في أكثر من مشهد حواري مع شخصيات تاريخية أو متخيلة· وفي المشهد التالي يتحاور كل من عودة أبو تايه ولورنس وهما شخصيتان تاريخيتان وعقاب وهو شخصية متخيلة من نسج الراوي: تحرك الفرسان من الحويطات باتجاه ديرتهم استعدادا لأمر يعلمه عودة فقط، تدافعت خيلهم وبغالهم خارجين من المعسكر··· ثم وقفوا مبدين استخفافا يخفون وراءه دهشتهم وانبهارهم في حين راحت سيارتان رولز رويس عجيبتان في مظهرهما تتقدمان باتجاه المعسكر، تخبّ حولهما ناقة مذعورة، وقد امتطاها رجل قصير أشقر برأس كبيرة··· وميّز عقاب لون عينيه الأزرق وهو يقف مشدوها قبالة فرس عودة، همس عقاب لنفسه:

- الأحمر بعيون زرقا يكفانا شره·

بحلق الانجليزي بعودة وتمتم بعربية مكسرة لكنها مفهومة:

- لا بد أنت عودة·

قهقه الشيخ وهزّ رأسه:

- زين·· زين·· وأنت خوينا النقليزي اورنس ما تخفانا·

هزّ لورنس رأسه جذلا، لقد طارت أخباره إلى الشيخ الذي تمنى لقاءه وارتجى حضوره طويلا.(48)· إن مثل هذه التفاصيل الافتراضية لمشهد مثبت تاريخيا لا يمكن بحال من الأحوال أن تلغي سمة الأمانة التاريخية في نقل الأحداث، هروبا من النمطية التي يمكن الوقوع فيها جراء السرد المتتابع دون ترك المجال ممكنا أمام هذا النوع من الشخصيات، فتغدو قريبة من القارئ، وقد نجح زياد قاسم في الجزء الأول من الزوبعة في أن يقترب من ذهنية لورنس وأن ينطقه بكلمات توقع زياد قاسم أنها دارت في خلده إبان التحضير مع القبائل العربية لاحتلال العقبة في خطوة عملية أولى ضد الأتراك· وفي المشهد التالي نلحظ حوارا عميقا بين لورنس بوصفه شخصية تاريخية مثبتة وسيف الحجاج بوصفه شخصية متخيلة من أبناء القدس الحريصين على الدين ورفعته: لم يجب سيف بل نخس جواده فأسرع الجواد قليلا به، لكن لورنس لحقه· وقال بنبرة فيها حرج واضح: صدقني سيد سيف بأني مقتنع تماما بجدوى ومنطقية وعدالة الحرب التي يقوم بها العرب· أما أنا وإن كان السبب الذي يدفعني للحرب معكم جوهريا إلا أنه ليس منطقيا على الإطلاق· أحيانا أحس بأني أقاتل معكم ولأجلكم فأنت تستحقون الحرية··· وفي أحيان أخرى أحس بأني أخدعكم، خاصة عندما التقي بقادتي الذين تهمهم خرائطهم أكثر مما تهمهم ثورتكم وأوطانكم وأديانكم· فاشعر بالذنب··· لكن صدقني يا صديقي بأنني لا أشعر أبدا بالنقاء كما أشعر فيه معكم عبر هذه الصحراء·

قال سيف بخبث: لماذا إذن تحيط نفسك بكل هذا العدد من الحرّاس؟

- ما الضير في هذا؟

- انهم يكلفونك الكثير·

- إنهم لا يكلفونني شيئا··· أصحاب الخرائط المترهلون هم الذين يدفعون··· وضحك ملء شدقيه··· فنظر إليه سيف بافتنان، وقال: أنت حكيم وصادق سيد لورنس·

ضحك لورنس: آووه· كثير مما قلته لك قرأته في الكتب·

- ومع هذا أنت صادق مع نفسك·

- لا أحس بأني صادق مع نفسي· فالصدق مع النفس يجب أن لا يكون لحظيا· سوف أعود يوما إلى بلادي مثلما ستعود أنت ويعود الجميع، سينساكم الناس سريعا بعد ذلك· أما أنا فسأجتمع مع الأبالسة حول مائدة واحدة مليئة بالمغريات··· وهناك سأعاني مأساتي الكبرى، فللكذب حلاوة وللصدق مرارة(49)·