eKtab
EN ع
قضايا وتجليات في رسائل النور
اقرأ عينة مجانية

قضايا وتجليات في رسائل النور

بقلم د. مأمون فريز جرار

صفحة 1

العمل الإيجابي البناء

ومنزلته في دعوة النور

الابتلاء سنة من سنن الله تعالى في الأرض، ومن ألوان الابتلاء وقوف الكافرين والعصاة في وجه الدعاة إلى الله ليصدوهم عن الدعوة إلى الله، ويصدوا الناس عن الاستجابة لهم. ومن نظر في سير الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وجد أن (الملأ) وهم علية القوم الذين أنعم الله عليهم بالجاه والمال، يقفون بالمرصاد للأنبياء، ينتقصون من شخصياتهم، ويهزؤون بمن آمن معهم. وكذلك كان حال المشركين مع رسول الله ( ومن اتبعه من المؤمنين. وقد مضى رسول الله ( ومن معه من المؤمنين على درب الدعوة، سلاحهم الصبر على الأذى، والبحث عن مأمن يمكنهم من الدعوة وتبليغ رسالة الله، والعيش بعيدا عن الفتنة التي تمنعهم من أمر دينهم.

ونلاحظ أن المسلمين في العهد المكي لم يرفعوا السلاح في وجه الكفار، على ما نالهم من أذى بلغ حد القتل أحيانا، والعذاب الأليم أحيانا أخرى، مما دفع بعضهم إلى الهجرة إلى الحبشة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) النساء: 77، فلما صارت للمسلمين دار أمان في المدينة المنورة، وصارت لهم دولة واجهوا القوة بالقوة التي تردع الكافرين، والتي تفتح الطريق للناس إلى نور الإسلام طائعين غير مكرهين.

ولم يحدث في تاريخ الإسلام في ما أعلم - قبل عصرنا الحديث - أن تحولت دولة إسلامية من دار أمان للمسلمين إلى دار تشن الحرب على الإسلام فتمسحه من الحياة، وتشن الحرب على الإيمان فتسعى إلى إطفاء نوره، واقتلاع جذوره من القلوب، لم يحدث ذلك قبل الانقلاب الذي حدث على الدولة العثمانية فألغى السلطنة والخلافة، وحولها إلى جمهورية لادينية، بل حولها إلى أرض تحارب فيها شعائر الإسلام وتطمس فيها أنوار الإيمان.

ذلك ما كان، فكيف كان رد فعل المسلمين في تركيا التي انسلخت من ماضيها العثماني؟

كان الأمر مستفزا لمشاعر المؤمنين فاتخذ بعضهم الثورة على النظام الجديد وسيلة للمقاومة، ولكن النظام الجديد المتسلح بوسائل القوة الرادعة استخدم قوته في مواجهة الثائرين، وسقط الشهداء والجرحى، وفتحت المعتقلات للمجاهدين، ونفي منهم من نفي من دياره إلى أنحاء أخرى من الجمهورية الوليدة، ومضت الدولة في خطتها لحرب الإسلام ونزع الإيمان، والحيلولة بين الناس وأنوار القرآن(1). فكيف تحافظ تركيا على هويتها؟ هل تستسلم؟ أليس هناك من سبيل للمقاومة؟

كان الجواب لدى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي6 داعيا، وفي رسائل النور منهجا، وفي العمل الإيجابي البناء أسلوبا للدعوة.

كان الأستاذ سعيد النورسي6 في أواخر الأربعينات من عمره الخصب بالتجارب، علما وتعليما، وسعيا إلى إصلاح التعليم في ديار الإسلام، وجهادا في سبيل الله، ومعاناة للأسر في روسيا، واطلاعا على ما يحاك ضد الإسلام وأهله من مؤامرات، ويقظة إيمانية بدلت نظرته إلى النفس والحياة والموت والدنيا والآخرة، وخبرة بواقع علماء الإسلام من خلال دار الحكمة الإسلامية التي صار عضوا فيها بعد العودة من الأسر، وبصيرة بالفتنة القادمة، ومعرفة بنوايا مدبريها(2). كل ذلك أهّل الأستاذ النورسي( ليمضي في طريق المواجهة مع إعصار الفتنة المقبلة بعنف، المصممة على تنفيذ مخططات الأعداء في صورة تنزع من تركيا ملامح وجهها الإسلامي بل تغير فصيلة دمها، وتحول قبلتها.

كان ما حدث في تركيا ردة بكل ما تعني الكلمة من معنى، وشمل ذلك إلغاء السلطنة وإعلان الجمهورية، ثم إلغاء الخلافة، وإصدار القوانين التي غيرت أحرف الكتابة من العربية إلى (اللاتينية)، ومنع الأذان بالعربية، وإصدار مجموعة من القوانين المتتابعة التي بدأت تحرم كل ما له علاقة بالإسلام، وبدأت بتدريس الإلحاد(3).

كان ذلك مبعث نقمة عارمة لدى المؤمنين في تركيا، واختلفت المواقف في مواجهتها، فمنهم من نادى إلى الجهاد والثورة المسلحة (مثل الشيخ سعيد بيران)، ومنهم من آثر الهجرة إلى ديار يستطيع فيها إقامة شعائر الله (منهم شيخ الإسلام مصطفى صبري)، ومنهم من لاذ بالصمت وكظم غيظه. فماذا كان موقف الأستاذ النورسي 6؟

صفحة 2

علينا أن نستحضر صورة شخصيته ونحن نتحدث عن موقفه لنفهمه حق الفهم، فقد كان رجلا صلبا قويا لا يهادن الباطل ولا يجامل في الحق، وله في ذلك مواقف مشهورة، كان ذلك في موقفه من المحكمة العسكرية في أحداث 31 مارت 1909(4)، وكان صلبا في مواجهة إمكان الحكم بالإعدام، وكذلك كان قويا جريئا في مواجهة القائد الروسي وهو في الأسر(5)، وكذلك كان جريئا بعيدا عن المداهنة والمهادنة في موقفه من مصطفى كمال حين دعاه إلى إلقاء كلمة في مجلس النواب في أنقرة، وتحدث عن الإيمان والصلاة، وواجه غضب مصطفى كمال ببيان أن من فقد الإيمان ولم يقم الصلاة فهو خائن(6). فنحن أمام شخصية قوية لا تهاب في الحق لومة لائم، ولا تخاف من شيء، ولا تميل إلى الراحة، بل لم تكن تملك من متاع الدنيا ما تخاف أن تفقده، فقد كان حقا من الزاهدين.

بعد لقاء الأستاذ النورسي6 مع مصطفى كمال وموقفه الصلب معه، ورفضه ما عرضه عليه من مناصب، وإدراكه للفتنة القادمة، آثر أن ينسحب إلى دياره في شرق تركيا، وبدأ رحلة اعتكاف وعزلة لم تطل(7)!! وقامت ثورة على مصطفى كمال ونظامه، عرفت باسم أشهر قادتها الشيخ سعيد بيران، وكان رأي الأستاذ النورسي6 ألا تقوم، ولم يشارك فيها، وذلك لما كان يراه الأستاذ من أن المواجهة المسلحة مع الدولة لن تحقق الهدف المنشود، وسيقع بسببها ضحايا أبرياء. ولكنها قامت، واستطاعت القوة الضاربة للدولة أن تخمدها، ونال الشهادة دفاعا عن دين الله من نالها، وفتحت السجون، وبدأت حملة كبيرة لنفي رؤوس المواجهة مع الدولة(8).ومع أن الأستاذ النورسي6 لم يشارك في الثورة، وكان رأيه ألا تقوم، وكان معتزلا معتكفا في جبل (أرك) إلا أن رأس الفتنة في أنقرة كان يدرك أن هناك خطرا كامنا على نظامه في شخص الأستاذ النورسي6، وأن اعتكافه مؤقت، وأن من الضروري نفيه إلى مكان معزول يغيب فيه شخصه، ويطمس فيه ذكره، ويكون من المنسيين. ولذلك جاءت الأوامر بنفيه من موطنه في شرق تركيا إلى غربها، إلى بوردور عدة أشهر، ثم إلى قرية بارلا القريبة من إسبارطة(9). والمؤمن وهو يرقب الأحداث لا يغيب عن باله أن الله تعالى على كل شيء رقيب، ويتذكر أنه الحي القيوم الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض أو في السماء، ويتذكر من الآيات الكريمة ما ينزل بردا وسلاما على قلبه:(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) ) الطارق: 15 - 16 و(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) الفجر: 14.

يتذكر أن الله تعالى الذي أرسل للناس عبر الزمان رسلا هادين مهديين تكفل لهذه الأمة أن يرعاها ويرعى دينه الذي تحمله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجر: 9 ومن تجليات تلك الرعاية قول الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»(10).

أستذكر هذا وأنا أتابع سيرة الأستاذ النورسي6 ومسار حياته ودعوته، ومنهجه في مواجهة الفتنة التي أصابت تركيا، والمحن المتتابعة التي خاضها، وكيف تحول المنفى الذي أرادوه معزلا إلى كرسي تعليم ودعوة امتد صدى صوت الأستاذ منه إلى أنحاء العالم، وكيف سخر الله تعالى له من التلاميذ المخلصين من كانوا خير عون له في إشعال قناديل النور بنسخ الرسائل ونشرها في تركيا بل في العالم كله لمواجهة أمواج الظلمات المتراكمة.

إن الذي يطالع سيرة الأستاذ النورسي6 يجد أنه قد تعرض إلى ألوان من الظلم التي لا تكاد تحتمل، من غير جريمة ارتكبها أو مخالفة صدرت عنه. وأول ألوان الظلم النفي القسري الذي استمر حتى آخر حياته، فقد سمحت السلطات لغيره ممن نفتهم أن يعودوا إلى ديارهم بعد مدة من الزمن، أما هو فلم يسمح له، وبقي تحت الرقابة والإقامة الجبرية، وكان ينقل من منفى إلى آخر، ولا يبقى في منفى أكثر من ثماني سنوات، وكان يقدم إلى محاكمة تلو أخرى مع أنه لم تثبت عليه وعلى طلاب النور أي تهمة من التهم التي وجهت إليهم. وتعرض لمحاولة القتل بالسم أكثر من مرة، وكان يعزل في سجن انفرادي أحيانا ويمنع طلابه من خدمته، مع أنه كان كبير السن يعاني من أمراض متعددة.

صفحة 3

فكيف تصرف تجاه هذه الألوان من الظلم غير المحدود؟

من عرف طبيعة شخصية الأستاذ ربما يتوقع منه الموقف الثوري العنيف يواجه به ما أصاب تركيا عموما، وما ناله هو خصوصا من ألوان الأذى والاضطهاد، ولكن الذي كان منه في مسيرة حياته منذ بدء النفي سنة 1925 حتى نهاية حياته كان مختلفا عن التوقع.

كان في بداية النفي فردا غريبا، لكنه مع مرور الوقت، وبدء كتابة رسائل النور تحول إلى أستاذ انتشر طلابه مع امتداد أنوار رسائل النور، حتى كانوا في أواخر الأربعينات قريباً من نصف مليون(11)، وبلغوا قبيل وفاته الملايين(12)، وكانوا رهن إشارته، وكانت ظلمات الكفر تتردد في أنحاء تركيا، والأذى لا يفتر عنه ولا عن طلابه، لكنه آثر منهج الصبر، ولم يتخذ منهج الثورة والعمل السلبي الذي يثير الفتنة في المجتمع، ويكون سببا للقتل والتدمير، وسيلة للتغيير.

ومن المهم للوقوف على نظرة الأستاذ النورسي6 إلى وسائل التغيير الرجوع إلى الدرس الأخير الذي ألقاه على طلابه قبيل وفاته، وهو درس يحدد الطريق إلى ما ترجوه دعوة النور من خير للناس، ويضاف إلى هذا الدرس ويعززه الدفاعات التي ألقاها الأستاذ بنفسه أو أعدها للرد على ما كان يقدم ضده وضد طلبة النور من دعاوى في المحاكم المختلفة. (في نهاية هذه الكلمة مقتطفات من تلك الدفاعات).

كان الأستاذ خبيرا بالتاريخ الإسلامي مطلعا على أحداثه، وكان مطلعا على الأفكار الثورية المعاصرة التي جاءت بها الماركسية التي قامت لها دولة في الاتحاد السوفياتي والصين والبلقان، وكان مطلعا على آثارها السلبية في المجتمعات التي حكمتها، وفي البلاد التي انتشرت فيها؛ ولذلك اتخذ منهجا يبني ولا يهدم، يعمر ولا يدمر، يحفظ البلاد والعباد من كل أثر سلبي، ويحقق مصلحة الإنسان.

وقد حدد الأستاذ ( طريقة العمل لنشر دعوة الله بما سماه "العمل الإيجابي البناء" الذي استوحاه من القرآن الكريم، ذلك العمل الذي يعني القيام بما أمر الله الإنسان به من الدعوة، وأما تحقيق النتيجة فإنه من تدبير الله لا من شأن البشر.

يقول الأستاذ في هذا الشأن:

"إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بماهو موكول أمره إلى الله. إننا مكلفون بالتجمل بالصبر، والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا؛ وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي" (13).

وقد يظن من لا يعرف الأستاذ وشخصيته وسيرته، أن هذا المنهج ناشئ عن ضعف أو خوف، والحقيقة بخلاف ذلك فشخصية الأستاذ التي أشرنا إلى لمحات منها في بداية الحديث تثبت بما لايدع مجالا للشك أنه لم يكن يخاف في الله لومة لائم، وسيرته تدل على أنه لم يكن يؤثر السلامة الذاتية، بل كان يفدي غيره بنفسه، ويقيهم ما يستطيع دفعه عنهم من شر.

إن العمل الإيجابي البناء كما يحدده الأستاذ النورسي6 يعني: الجهاد المعنوي أي قيام الإنسان بما هو مطلوب منه من الدعوة التي يسميها الأستاذ الخدمة، وأن يدع تحقيق النتائج لرب العالمين الذي تكفل بها. وفي تسمية الدعوة بالخدمة إشارة إلى أن الأستاذ مستخدم لدى ربه، يعمل لنشر دينه، ونيل رضاه، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ومثله من سار على منهجه من طلاب النور. يقول الأستاذ:

"إن أعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية، أي بما هو موكول إلى الله. بمعنى أن وظيفتنا الخدمة فحسب، بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وإننا مكلفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا"(14). وهنا نستحضر قول الله تعالى في بيان وظيفة المؤمنين وفي وعد الله لهم بالنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)النور: 55 فالمطلوب منهم: الإيمان والعمل الصالح، وتحقيق الوعد هو شأن الله تعالى الذي ييسر لذلك الأسباب.

ومن أسس العمل الإيجابي ومرتكزاته الآية الكريمة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) الإسراء: 15.

فالعمل السلبي، أي استخدام القوة في السعي إلى الإصلاح الداخلي في المجتمع، يؤدي إلى وقوع الأذى على من لا ذنب له، ويؤدي إلى إيقاد نار الفتنة في المجتمع وزعزعة الأمن الداخلي، وما ينتج عن ذلك من الآثار السلبية المدمرة من قتل أو تخريب .

وبيانا لذلك يقول الأستاذ:

"إن المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، وإقامة السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة"(15).

والجهاد المعنوي يبدأ من النفس بأن تكون على منهج الله متجردة من أنانيتها، ثم بعد ذلك ناشرة للخير لدى غيرها.

وقد أدرك الأستاذ طبيعة العمل الدعوي المطلوب عندما جاءه رسول من شيخ الإسلام مصطفى صبري ودار بينهما الحوار الآتي:

"يروي الأستاذ (علي أوزك):

عندما قدمت إلى إستانبول من مصر وأنا مازلت طالباً في الأزهر الشريف، استفسرت عن الأستاذ النورسي6، فوجدته ساكناً في منطقة الفاتح في بيت خشبي قديم، ولدى زيارتي له في غرفته رأيته متمدداً على فراشه - من المرض - سلمت عليه، فرد السلام، ولكن حينما أخبرته بأن الشيخ مصطفى صبري يخصك بالسلام، جلس وعدل نفسه وقال بتقدير وإكبار:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. وماذا يقول الأستاذ مصطفى صبري؟

- سيدي الأستاذ يسأل الشيخ مصطفى صبري عن عدد طلابكم!

- لي خمسمائة ألف طالب وخادم للقرآن الكريم!

- يقول الشيخ مصطفى صبري.. إذن ماذا ينتظر؟ ولماذا لا يبدأ بجهاد إسلامي مع هذا العدد من طلابه؟

- بلّغ سلامي له أولا، ثم قل له:

إن دعوتنا هي الإيمان، والجهاد يلي الإيمان، وإن زماننا هذا هو زمان خدمة الإيمان ووظيفتنا هي الإيمان وخدمتنا تنحصر في الإيمان...

ثم تكلم بإسهاب عن موضوعات إيمانية، وعن كيفية القيام بخدمة الإيمان، وعندما أردت المغادرة قام ليودعني فقبلت يده وودعته.

ولما رجعت إلى مصر، زرت الشيخ مصطفى صبري، وكان طريح الفراش، وقد أنهكه المرض وأدركته الشيخوخة، حدثته عما دار بيني وبين الأستاذ النورسي6 في تركيا، فاستمع لي جيداً، ثم قال:

- حقاً إن الأستاذ النورسي6 هو المحق، نعم إن ما قاله صدق وصواب، فقد وفقه الله في مسعاه، أما نحن، فقد أخطأنا، حيث ثبت هو في البلاد ونحن غادرناها.

وهكذا استصوب مصطفى صبري عمل بديع الزمان وقوله(16).

صفحة 4

العمل الإيجابي والتسامح مع الخصوم

ومن أمثلة العمل الإيجابي وتطبيقا لقاعدة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) اتصاف الأستاذ النورسي6 بصفة التسامح مع أشد الناس عداء له وإساءة إليه، ومن ذلك أن الأستاذ ( لم يكن يدعو على من يحاكمونه رحمة بأهاليهم، وقد هم أن يدعو على مدع عام ظلمه كثيرا ولما وقعت عينه على طفلة صغيرة وعرف أنها ابنة ذلك المدعي العام كف عن الدعاء عليه. بل إنه سامح الحزب الذي ناصبه العداء، حزب الشعب الجمهوري، وذلك لأنه نظر إلى الوجه الآخر من القضية، حيث إن عداء ذلك الحزب أسهم من حيث لم يحتسب ذلك الحزب في نشر رسائل النور والتعريف بها لا على المستوى الشعبي بل على أعلى المستويات، حيث كانت تعرض على كبار المسؤولين، ومنهم من تأثر بها. يقول الأستاذ مبينا ما سبق من تسامحه داعيا طلاب النور أن يمضوا على منهجه: "على إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين. وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر "(.... )" لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الأحزاب السياسية رغم مقاساتي منه ألوفاً من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة. فقد أصبحت جميع تلك المشقات والمضايقات وسيلةً لخلاص خمسة وتسعين بالمئة من المساكين في أن يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات" (17).

ومن مظاهر التسامح الذي اختطه الأستاذ النورسي6 الإعراض عن مهاجمة بعض العلماء الذين وقعوا تحت وطأة الضرورات الموهومة، فصاروا نماذج في الوقوع فيها، وكان منهم من يهاجم الأستاذ ورسائل النور، وهم في قرارة أنفسهم يعرفون الحق لكنهم قيدوا أنفسهم عن اتباعه بالضرورات الموهومة التي وقعوا فيها.

كان هذا الموقف من الأستاذ حين كان لديه في أخريات عمره ملايين من طلبة النور، ولم يكن ناشئا عن ضعف، لكن عن رغبة منه في استئناسهم، وإطفاء نار الأنانية في نفوسهم لعلهم يرون الحقيقة، ويثوبون إلى الحق الذي يفترض أنهم حملته ودعاته. وانظر إلى هذا الموقف المتسامح في قول الأستاذ :

" نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم""(18).

ولا يعني هذا الموقف المتسامح من الأستاذ، ورفضه إيقاد الخصومة الحربية في داخل المجتمع أن الأستاذ النورسي6 يعطل الجهاد الحربي، فإذا كان يتخذ الجهاد المعنوي بالدعوة بالحسنى والتجمل بالصبر سبيلا للتعامل مع الداخل، في مقاومة أفكار الشر والفساد ونشر الخير، فإن رد العدوان الخارجي حين يتعرض المجتمع للغزو يكون باستعمال القوة المادية. يقول في بيان ذلك: " أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لان أموال العدو وذراريه يكون بمثابة غنيمة للمسليمن، أما في الداخل فالأمر ليس هكذا، ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل(19)".

الضرورات الموهومة والعمل الإيجابي

العمل الإيجابي له جانبان: الأول: الإيمان والعمل والآخر: الدعوة إلى الله لإنقاذ إيمان الآخرين، ولن يستطيع أحد أن ينقذ الآخرين ما لم ينقذ نفسه، فمن عجز عن إصلاح نفسه فهو عن إصلاح غيره أعجز.

وقد نبه الأستاذ النورسي6 في درسه الأخير لطلابه إلى أمر يمنع الإنسان من الجهاد المعنوي، هو الوقوع تحت سطوة الضرورات الموهومة التي توقعه في المحرمات وتشغله عن حقيقة وجوده وعن حقيقة الدنيا وعن الآخرة. وهذا من مساوئ المدنية الحديثة التي" زيّدت الحاجات الضرورية من الأربعة إلى العشرين، فجعلت الحاجات غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالإدمان والاعتياد والتقليد. فتجد من يفضل الدنيا على الآخرة رغم إيمانه بها لانهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظناً منه أنها ضرورة"(20). وعند الوقوع تحت هذه الحاجات الموهومة يقع الإنسان في محاذير وممنوعات تحت دعوى "الضرورات تبيح المحظورات" وهي دعوى لا حقيقة لها ولا تقبل إلا مع الضرورات الحقيقية.

وقد ذكر الأستاذ النورسي6 حادثة وقعت معه حين أرسل إليه قائد عام بعض الضباط والعلماء ليعيدوه إلى الأمور الدنيوية بعد الصحوة التي أرته الحقائق، وجعلته يتحول إلى سعيد الجديد، وحين ناقشهم الأستاذ ادّعوا أنهم مضطرون لأنهم واقعون تحت ضرورات الحياة فكان رده عليهم:

"الأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً "(21).

ولو وقف الإنسان عند الضرورات الحقيقية لأعفى نفسه من كثير من المواقف التي تذله، وتشغله عن وظيفته الحقيقية، ولمضى في طريق الدعوة متخففا من أعباء الدنيا غير الضرورية.

الرضى بأي موقف إيجابي

ومن مظاهر العمل الإيجابي البناء الرضى بأي جهد يسهم في إنقاذ الإيمان من أي طرف، ولو كان قليلا، وقد تجلى هذا الأمر في الموقف من الحزب الديمقراطي الذي خفف القيود السابقة التي فرضها حزب الشعب الجمهوري على بعض الأنشطة الدينية، وسمح بطباعة رسائل النور، فأي خطوة نحو الحق وأهله خطوة إيجابية يرحب بها الأستاذ وطلبة النور. ولذلك صوت الأستاذ وطلبة النور للحزب الديمقراطي لما رأوا منه من خير كانت له بعض التجليات الإيجابية في المجتمع التركي(22).

العمل الإيجابي في مواجهة التخريب الثوري

كان المد الماركسي في أوجه في مرحلة كتابة رسائل النور، وقد انتشر الفكر الماركسي في الاتحاد السوفياتي وفي الصين وأخذ يمتد إلى بعض البلاد الإسلامية، وقد رأى الأستاذ النورسي6 أن رسائل النور تمثل سدا أمام تخريبات ذلك الفكر لا في البلاد الإسلامية وحدها بل في العالم كله، لأنها تحارب الكفر الذي يعني العدم للإنسان وللوجود كله، وقد أسهم ذلك الفكر في نشر الفوضى والقتل في المجتمعات التي انتشر فيها:

"إن إحدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم أنه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سداً أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن. وحقاً أن الرسائل أدت دورها. نعم إن هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف أوروبا ودول البلقان وأقام سداً أمام هذا الهجوم.

وهكذا وُجد حل سليم أمام هذا الخطر الداهم" (23).

لذا نشكر الله عز وجل أن قد بدأ بالانتشار درس من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية. وقد تحقق أنها مثلما أنقذت قبل ست عشرة سنة إيمان ستمائة ألف شخص فإنها الآن قد تجاوز هذا العدد إلى الملايين من الناس. وكما أن رسائل النور أصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الإرهاب - شيئاً

ما - أصبحت وسيلة للتآخي والوحدة بين الأخوين الجليلين للإسلام وهما العرب والترك، وكذلك أصبحت وسيلة لنشر الأحكام الأساسية للقران الكريم حتى بتصديق أعدائها"(24).

صفحة 5

العمل الإيجابي والإخلاص التام

من الأمور الأساسية التي تحدث عنها الأستاذ وضرب فيها مثلا من نفسه في سيرته الطويلة ومحنته الممتدة: الإخلاص، والتجرد من حظ النفس، ولذلك كان من وصاياه أن يقرأ طلاب النور رسالة الإخلاص مرة كل أسبوعين على حد أقصى، ليظل الإخلاص نصب أعينهم،ولتظل المعركة بينهم وبين أنانية النفس قائمة حتى يصلوا مرحلة التجرد التام لله.

والإخلاص شرط لابد منه في العمل الإيجابي الذي يحتاج إلى صبر وكظم للغيظ وإيثار الخير للناس على حساب راحة النفس، وذلك ما قدمه الأستاذ في سيرته قدوة حسنة لطلاب النور، ومن ذلك قوله:

"إخواني! ربما أموت قريباً، فإن لهذا العصر مرضاً داهماً، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة. إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي، فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية"(25).

ثمرات العمل الإيجابي في تركيا

كان من ثمرات هذا المنهج الدعوي الذي اختطه الأستاذ النورسي6 واستمده من نور القرآن الكريم أن جنب تركيا الوقوع في بحار من الدماء، وجنبها المنهج الثوري الدموي، مع أن ما أصاب تركيا على المستوى الرسمي نوع من الكفر البواح الذي شن حربا عنيفة على الإسلام والإيمان، وقد رأى الأستاذ في أخريات حياته بداية انحسار موجات الكفر عن تركيا بتراجع شعبية حزب الشعب الجمهوري الكمالي، وتقدم الحزب الديمقراطي الذي كان "أهون الشرين" كما وصفه الأستاذ(26)، وها نحن نرى مسيرة الإسلام في تركيا كيف يزداد نورها يوما بعد يوم وهي تتقدم نحو مستقبل إسلامي يكتمل نهاره بإذن الله.

صفحة 6

العمل الإيجابي في مقتطفات من دفاعات الأستاذ في المحاكم

من دفاع الأستاذ أمام محكمة إسكي شهر:

"إن من دَرسَ رسائل النور، لن يخوض في فتن تهدر دماء أبرياء كثيرين وتضيّع حقوقهم، ولن يقترب بأي وجه من فتن تكرّر فشلها وضررها. وإن عشر فتن في هذه السنوات العشر، لم يشترك فيها عُشر طلاب رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحد منهم، إنما يدل على أن الرسائل ضدها وأنها مدار تحقيق الأمن والنظام"(27).

في منفى قسطموني

"خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن:

جاءني موظف مسؤول، له علاقة معنا ومع السياسة ومنشغل بمراقبتنا كثيراً فقلت له:

إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم أقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لم أسأل ولو مرة واحدة ما يحدث في العالم، ولم أعر سمعي إلى الراديو الذي يُسمع هنا منذ ثلاث سنوات. كل ذلك كي لا يلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.

والسبب في ذلك هو:

أن خدمة الإيمان وحقائق الإيمان هي أجلّ من كل شيء في الكون. فلا تكون أداة لأي شيء كان. فإن خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كلياً من السياسة. حيث إن:

أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا ويستبدلون بالألماس القطع الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.

فأنتم يا أهل السياسة والحكومة! لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق أمامنا. لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة فتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب. فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها"(28).

في منفى قسطموني:

"أسس العمل مع المعترضين:

لما كان أولياء الله الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب - إن لم يلهمهم الله سبحانه تعالى - حيث لا يعلم الغيب إلاّ الله؛ لذا فإن أعظم ولي صالح لا يستطيع أن يطلع على حقيقة وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعني أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنـزلتها إلاّ إذا كان هناك أمر يخالف مخالفة كلية لظاهر الشريعة. لذا:

اتباعاً لدستور الآية الكريمة: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) آل عمران: 134.

وحفاظاً على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم.

وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة - مع كونها محقة - على اعتراضات باطلة.

واجتناباً لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها، وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معاً.

صفحة 7

على طلبة النور حسب الأسس المذكورة:

ألاّ يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمثل، بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته - التي هي كقطعة ثلج بطول قامته- ولا يرغب في تغييرها بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائماً. وها هنا ينشأ النـزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.

إن حادثة الاعتراض في إستانبول تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظاً على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه اتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث علينا بالتأني، وضبط النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة...

فلو افترض - فرضاً محالاً - أن اعتراضاً على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراض ذلك القطب الأعظم على صورة التفاتة كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيل يده وإيضاح مدار الاعتراض لأستاذهم العظيم"(29).

مقتطفات من الدفاع أمام محكمة أفيون:

نحن طلاب النور آلينا على انفسنا ألاّ نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله. فضلاً عن أن القرآن الكريم قد منعنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.

نعم، إن مهمة رسائل النور الأساس هي: خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يودي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سماً زعافاً وجحيماً لا تطاق.

ومنهجها في ذلك: هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تلزم أشد الفلاسفة والمتزندقة تمرداً على التسليم بالإيمان. لذا فليس من حقنا أن نجعل رسائل النور أداة لأي شيء كان، وذلك لأسباب(30):

أولاً: كي لا تحول الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع الزجاج المتكسر في نظر أهل الغفلة، حيث توهموها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضاً معينة، وكي لا نمتهن تلك المعاني القرآنية القيمة.

ثانياً: إن منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن: الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بالسلطة الحاكمة. لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب فإن وراء كل واحد منهم عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء. فإذا نزل بأحد أولئك المبتلين المستحقين للعقاب كارثة أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضاً سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه. وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يخل بأمن البلاد ونظامها عن طريق وسائل سياسية.

ثالثاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية لأبنائها من الفوضى والانقسام. وهذه المبادئ هي:

1- الاحترام المتبادل

2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام

4- الحفاظ على الأمن

5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخول في الطاعة.

والدليل على أن رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تثبت وتحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو أن رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً أن تجعل أكثر من مائة ألف رجل أعضاء نافعين للبلاد والعباد دون أن يتأذى أو يتضرر بهم أحد من الناس. ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول.

فإذا كانت هذه هي الحقيقة. فلا شك أن أكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية. ويعملون - سواءً بعلم أو بدون علم - لحساب الفوضوية والتطرف(31).

من تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة أفيون

كلمتي الأخيرة:

أودّ أن أبيّن ما يلي لهيئة المحكمة:

لقد أدركت من لائحة الاتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الانفرادي بأن شخصي هو الهدف في هذه المسألة، فقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي. وقد زعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وأنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة، و ردّاً على هذا فإنني أبيّن لكم بقطعية تامة:

من أجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصياً لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور ولا إلى طلاب النور الميامين لأنهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، وإلاّ سيلحق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير وقد يكون ذلك سبيلاً إلى خطر عليهما. وأريد أن أؤكد لكم:

لقد قررت أن أقبل - في ضوء مسلكي الحالي - أي أذى وأية إهانة وأيّ عذاب وأيّ عقاب موجه إلى شخصي بشرط ألاّ يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء. فبينما أبكي من ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى. ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جداً(32).

من خطابه إلى محكمة التمييز

إنه لم يسجل رجال أمن الحكومة في ست ولايات أية حادثة تخل بالأمن لطلبة النور مع أنهم يعدّون بمئات الآلاف سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي. ولم يسمع أحد أن طالباً من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم أو جناية، وما دخل السجن إلاّ وأصلح المسجونين. ومع أن مئات الآلاف من نسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهد أحد ضرراً لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة. وأصدرت ثلاث محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما أن مئات الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور(33).

صفحة 8

مستقبل العالم الإسلامي

كما يتجلى في الخطبة الشامية

من الله تعالى على الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بمجموعة من الأمور التي أهلته لمقام التجديد في هذا العصر، منها: الذكاء الخارق، والعلم الواسع، والعقل الناقد، والبصيرة الثاقبة، والحدس الصادق، والتجربة العريضة العميقة في جوانب متعددة من الحياة .

كل ذلك جعله بنور الإيمان قادرا على استشراف المستقبل، وشق حجب الزمان، والتنبؤ بمستقبل الإسلام في زمن كثرت فيه المؤامرات، ووصل الخراب إلى عقر دار الإسلام، حين تبنى نفر من أبناء المسلمين تنفيذ مخططات الأعداء لضرب الإسلام، والسير وراء الحضارة الغربية خطوة خطوة، بل نفذوا المخطط الذي أشار إليه وزير المستعمرات البريطاني غلاديستون بإبعاد المسلمين عن القرآن، فقال الأستاذ النورسي6 يومها ردا على ذلك: "لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء

نورها "(34).

إن من متطلبات الرؤية الصادقة لمستقبل الأمة أن يحسن الإنسان تشخيص دائها الحاضر وجذوره الماضية، وأن تكون لديه الرؤية الواضحة لعلاج الأمراض المستعصية، والخروج من الأزمة الراهنة. وهذا ما وجدناه جليا لدى الأستاذ النورسي 6.

ولا بد من التنبه إلى أمر مهم هو أن الأستاذ النورسي 6 الذي جعل حياته مرحلتين: سعيد القديم وسعيد الجديد لم يخلع من فكره كل ما أنتجه سعيد القديم ولم يتبرأ منه ولم يتخل عنه، ودليل ذلك أنه أشرف بنفسه على إعداد رسائل النور في صورتها النهائية، وقام بتدقيقها والإشراف على نشرها، وكان مما احتفظ به فيها كثير مما كتبه سعيد القديم، ومنه:إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، وصيقل الإسلام.

ومما ورد في صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، تلك الخطبة التي ألقاها عام 1911 في المسجد الأموي في دمشق، وأعاد النظر فيها بعد أربعين عاما، ونقحها و"ضم إليها فقرات مهمة وهوامش قيمة، وحذف منها ما يحدد شموليتها"(35).

وقال عنها الأستاذ النورسي 6 في مقدمته لها بعد تلك التعديلات: "إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّها "سعيد القديم" بإحساس مسبق فزفها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظناً منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والاستبداد المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أو خمسين عاماً. والآن وقد بدأت تباشير تحقق ما أخبر عنه تلوح في أفق العالم الإسلامي. بمعنى أن هذا الدرس المهم ليس مجرد خطبة قديمة، قد عفا عليها الزمن، بل هو درس اجتماعي إسلامي، يحتفظ بكامل جدته وطراوته وحقيقته طوال هذه الفترة، وكل الذي حدث هو أن عام 1327هـ قد أصبح عام 1371هـ وأن الجامع الأموي قد حل محلّه جامع العالم الإسلامي الذي يضم ثلاث مائة وسبعين مليون نسمة"(36).

اكتسبت هذه الخطبة أهمية كبيرة منذ إلقائها، فقد طبعت أكثر من طبعة، واهتم بها الدارسون وعقدت حولها الدراسات المتعددة والندوات المتكررة. وتظل هذه الخطبة موضع دراسة واهتمام خاص لأنها مثلت تشخيص الأستاذ النورسي 6 لواقع الإسلام والمسلمين ومستقبلهم، والإجابة عن السؤال الذي كان يلح على مفكري الإسلام في ذلك العصر: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

ولم يقتصر الحديث عن حال المسلمين ومستقبلهم على الخطبة الشامية بل نجد حديثا عن ذلك في مواضع متعددة من صيقل الإسلام ومواضع أخرى من الرسائل(37).

إن مما يثير الإعجاب أن تجد تشخيصا دقيقا لحال المسلمين وإدراكا واعيا للأمراض التي تمنعهم من التقدم وهي:

"أولاً: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.

ثانياً: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.

ثالثاً: حبّ العداوة.

رابعاً: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.

خامساً: سريان الاستبداد، سريان الأمراض المعدية المتنوعة.

سادساً: حصر الهمة في المنفعة الشخصية (38).

إننا أمام أمراض فردية وجماعية: نفسية واجتماعية وسياسية، تضافرت كلها فأنتجت التخلف في حياة المسلمين، وقد انكشفت تلك الأمراض للأستاذ النورسي فصاغها في إيجاز ثم تحدث عن الأدوية لها من خلال تفصيل تلاها، ولنقف وقفات مختصرة مع كل مرض منها.

صفحة 9

المرض الأول هو اليأس

واليأس أشبه بفقر الدم الذي ينهك الجسد ويمنع أجهزته من القيام بوظائفها، والأمة اليائسة أمة تعيش على هامش الحياة، وهذا ما كان عليه حال الأمة يوم ألقى الأستاذ النورسي6 خطبته في المسجد الأموي، فقد أشرف الرجل المريض على الموت، وكانت خطط اقتسام تركته جاهزة بين الأعداء الذين قارعهم قرونا، والمؤامرة امتدت إلى الجسد الإسلامي فتحول بعض المسلمين إلى أعداء لأمتهم وللدولة العثمانية التي كانوا جزءا منها، وتعاونوا مع الأعداء للإجهاز على الرجل المريض. واليأس مرض فردي جماعي يغلق فيه الأفق ويقف فيه الناس أمام الحد الأدنى من كل شيء!!

لقد أحس الأستاذ النورسي 6 أنه غريب عن أهل عصره لأنهم لم يعيشوه كما عاشه ووقف منهم موقف المشخص الناقد في وصفه لهم بأنهم تذكار العصور الوسطى(39).

صفحة 10

والمرض الثاني: تفشي الكذب في الحياتين السياسية والاجتماعية

والأستاذ النورسي 6 عبر عن هذا الأمر بقوله: موت الصدق، ولم يقل انتشار الكذب، لأن الأصل في حياة المسلمين هو الصدق، والكذب ليس من شيم المسلمين على أي مستوى: سياسيا كان أو اجتماعيا، وإذا وجد الكذب وجدت الرذائل كلها، وإذا وجد الصدق فتحت أبواب الخير .

والمرض الثالث: حب العداوة

وهو تشخيص عجيب للواقع الذي تعيشه الأمة في مرحلة تخلفها حين تنتشر العداوة بين الأفراد والجماعات، بل تصبح أمرا محبوبا لديهم!! وأي خير يرجى من شخص أو جماعة أو أمة ينتشر بينهم هذا المرض العضال الذي يقتل إنسانية الإنسان فضلا عن أجنة الإيمان في القلوب؟؟ بل إن مرض العداوة يعطل كل الطاقات الفاعلة في الأمة لأنها تكون في حال تشاكس لا توافق، وحال تعارض لا تعاون فيذهب جهدها سدى وتضيع طاقاتها عبثا.