الانحناء
ينحني السكران إن تعتعه الشرب
وقد أفرغ كأسه
ينحني الفلاح كي يقلع بؤسه
ينحني ، يغرس خيراً ، حيثما يضرب فأسه
ينحني الحداد كي يحني حديداً حامياً
وبه يطعن يأسه
ينحني الجندي في المتراس
فوق القاذف الناري
كي يشهر بأسه
وحده الشاعر لا ينطق
إلا حينما يرفع رأسه
إرفع الباب قليلاً سيدي
كي أمر الآن من غير انحناء
كلماتي عمرها لم ترني
منحنياً ،
فهي في رأسي وتنداح إلى قلبي الهني
وإذا ما طأطأت رأسي
قد تتهاوى الكلمات
من فمي
وإذا ما رفعت الرأس كي أنطق شعري بعدها
قد لا ألاقي غير أشباح خواء
وكلام من رياء .
**
إفتحوا الأبواب كي تأتيني الريح
وكي لا يختفي بين كلامي عفن
فكلامي بالهواء الطلق مرتهن
شهقة
ما كان بحراً ما ارتمينا فيه
لكن الفراش مموجٌ أزرقْ
ما كان بحراً
غير أن الموج يرفعنا
وينزلنا
ويشيلنا زورقْ
ما كان ليلاً أو صباحاً
ضاعت الأزمان ،
لكني رأيت الفجر
في أفيائها أشرق
ما كان نهراً ما انجرفنا فيه
لكن دفق رغبتنا يبللنا
وكنت أظنني أعرق
ما كان طوفاناً
ولا مطراً
ولكن الرغائب أرعدت
صارت كما آلفتها
كانت بحيرةََ ما اشتهيت من العذوبة
كان فيها ما رغبت من البرودة والسخونة
كان فيها ما يليق بها
وقد آنست بحراً يستغيث من الظما
وبحيرة تُحرق
ساعدتها حتى ترى مفتاح بهجتها
أساعدها لتلمس كل ما فيها
ولكشف مكامن الشهوات ،
حين تشارف الأغوارَ تُجفل رهبة .. تشهق
والنهد وهو يلين بين أصابعي
أبرق
نحن التحمنا خشية البرد
الذي عشناه في الأشواق
أسقطنا ستائر قشعريرة بردنا ..
هي راودتني
كي أغض عن التردد
غافلتني كي تسل رغائبي
ورضيت أن أُسرق
ورأيت لمع الرعد في جسدي
تَحشرُجَ ماردٍ يُخنقْ
وعلى تلاقي قبتين بصدرها قمران
غرَّب واحد
وشقيقه شرّق
وصحا نزيزٌ في مسيل عروقها
والخمر ترشح من دلاعتها
كما قد ترشح الخمر الشهية من لمى الدورق
فرح مشع طافحٌ
من زغبها اغرورقْ
أنا غصت فيها
كي أطير بها
ولكن أمسكت
وتشبثت لتشدني للقاع
كانت
أينما لامستها
ترتد وسط تشنج فزعٍ
وكأنها تُحرقْ
ثم ابتدت تشهقْ
وكأنها تغرقْ
قرار بالموت
سأموت بلا صخب ،
وبلا استئذان ،
وكأني اليوم حبوتْ
وسأشيع نفسي دون آذان
دون عويلٍ أو صوتْ .
سأموت مغافَلة مثل الجان ،
أتسلل مثل ثعالب فازت بفرائسها بين الصيصان ،
وطواها عتم مخاوفها ،
فاندست في شوك البلّان .
ونجت متفاخرة ،
أنّ تسللها ساعدها أن تغنم قوت
لم تدر أن غنيمتها موت ..
سأموت ،
ولن يُتعب موتي أحداً
لن يُحزن موتي أحدا
لن يفجع موتي أحدا
لن يُبكي موتي أحدا
فأنا خالي الذمة نحو الدنيا
والأهل ،
وقد بعثرت حياتي .
وكما يُتوقع من متلاف مثلي
أتْلَفْتُ جنى عمري بددا .
والذمة خالية
حتى من أنثى رغبت بي ،
لم أتركها لتعاني حرقتها
في العتم سدى
لم أترك خلفي عتباً لصديق
قد يجعله غيابي يذوي كمدا .
سأموت إذن
أصفى بالاً من أي فَراش
يخرج من شرنقة كانت سجناً
وهو تخيلها بلدا .
أخرج من شرنقتي ،
ليس عليّ الواجب نحو حرير أصنعه
ليس علي رداء أخلعه
ليس لدي المال لأمنعه .
والقلب انعطب ،
وصارت دقات القلب المرهق تُحصى عددا
حمّلني ،
أو حملت القلب ،
بأن لا يرجف
في الصدر سدى
منذ تعودت بأن لا أخشى أحدا
بل إني أتخيل
أن مكاني لن يملأه غيري
وغيابي يفقدهم سندا
فأنا دبّيك الأعراسِ
مغني الحفلات ،
أنا الراعي العائد بالأغنام
أسبقها بغنائي مع أصوات الأجراس
يسبقني نحو الحي نداء الشبابة
كي يتهيأ لوصولي الناس
وأنا الكتف الحاملة ما يعجز عنه الشبان
ومبشر أهل المولود بما جاء من الغلمان
أنا رجل الكونات ،
وحامي الحي ،
أنا مُنْخي الشبان
إلى عمل أو عرس أو كونة
وطويل نجاد
ورفيع عماد
بيتي صار يشع ،
وينشر في الحي أمان .
وأنا أبله أحياناً ،
أحياناً عالي الحنكه
أقدر أن أبكي
أن أطلق أعلى ضحكه
وأنا نداب الموتى ،