eKtab
EN ع
خبز ودم
اقرأ عينة مجانية

خبز ودم

بقلم محمد حمدان السيد

صفحة 1
 
 
إهداء
 
إلى كل الشهداء الذين سطروا بدمائهم محو عار الصمت
 
امتداداً من درعا البدء والغنم وقهر الصمت
 
وانتهاءٌ بحلب قريض الشهادة، وشهامة الردّ
 
وما بينهما
 
دمشق عطر التاريخ، وصخب الوقت، وأريج الوعد.
 
وحمص ابن الوليد وزكاء الاستجابة، وعرس الصبر والإصرار
 
وحماة الشهيدة الحية، تتوكأ على كتف المجد، قاتلة الأحزان
 
وإدلب فخر القلب وعدة الصبر وأملاً قادماً بالأقمار
 
واللاذقية عُدّة البحر القادم بأمواج بشرى النصر
 
وطرطوس الخير، وبانياس الشهامة، وجسر الشغور الشهادة
 
ودير الزور المتألقة بمواكب البطولة والنصر
 
والأرياف والبوادي ومعها الحسكة والقامشلي..
 
وكل الأخيار وإنها لبشارة فخر
 
في كل الأمكنة الشامية المباركة بعطر وعد الرسول صلى الله عليه وسلم
 
إليكم جميعاً أهدي هذا الكلم المتواضع مشاركة مني- في
 
حفل النصر إن شاء الله...
 
وهي قد نشرت من قبل في بعض المواقع وفي مجلات المجتمع وغيرها
 
منها ما هو مكتوب قبل الثورة المباركة ومنها ما هو مستوحى
 
من أحداث الثورة وكلها واقعية.
 
 
صفحة 2
أوراق سورية تُطلَّ من ذاكرة الرماد
 
1- ماذا وراء القناع؟
 
أ - ما الخبر..؟!
 
لا.. لا تخبروه.. سوف أشربه الخبر بالتدريج، ليكون وقعه على قلبه عادياً.. سمعت هذه الكلمات وأنا ساجد لله في صلاة قيام، كان صوت زوجتي متهدجاً، والأولاد يتهامسون، والصمت الليلي يلقي برهبته فوق التهامس.
 
لقد تركت حروف كلمات الزوجة انطباعاً راعباً، أعان على استيقاظ هواجسي، فرغم أني كنت مستغرقاً في السجود وفي الركعة الأخيرة.. فقد شدَّ صخب التخمين أعصابي، وجعلني أطيل السجود، وصرت أسمع ضربات قلبي، كأنها مدافع تدق على بوابات إبصار قاتم، وراح اللهاث يأكل نصف كلمات التسبيح، وامتدت بي احتمالات التخمين إلى أيامٍ حضرت اللحظة من ذاكرتي، خارجة من عمق الرماد، الذي غطّى ساعات حياتنا، مذ غام المشهد الدمشقي، وتلاشت الابتسامات عن الشفاه، بعد أن أعلنوا: "حركة التصحيح"! تلك التي أعلنت رثاء الأيام.. وفتحت بيوت العزاء بالوطن. وتعرّت الكلمات على شفاه الرجال، فانكشفت للرعب والكبت والقهر، فلم يبق منها في الساحة إلا السقط والنفل والتملق. ولكن.. أين ذهبت بي الأفكار...؟ ما الخبر. الذي يتهامسون به لإخفائه عني؟
 
ب- الخبر:
 
تمتمت بالدعاء على عجل.. سلّمت، وقفزت واقفاً أمام الزوجة قائلاً: ما الخبر..؟ أسرعي.. ما الخبر..؟ لقد استولى علي الطين، لماذا تبكين..؟ وكنت أمسك بكتفيها وأهزها بشدة قائلاً لها: أغلقي نوافذ الظنون في قلبي.. آه لو تدركين صدى همسكم في كياني! لَما ألقيتِ بالصمت الراعب في المسافة بيني وبينك، تكلمي يا امرأة، قبل أن ينفد الصبر من صدري.. شدي لسانك، وامضغي الكلمات، فقد هدرتِ صحوة دمي بنظراتك مجهولة المراد.
صفحة 3
- على رسلك يا أبا محمد، على رسلك، هدئ من روعك.. الأمر وما فيه أن..
 
- تلفظي بسرعة، لماذا تتباطئين، أطلقي لسانك..
 
- اصبر عليّ.. قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. كانت الكلمات تتدحرج فوق شفتيها بصعوبة، وصوتها يتعثر ببقايا دمعات، شرقت بها الحروف، فبدت وكأنها آتية من أعماق أسطورية..
 
- ردّدت بلهفة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. وأردفتُ: أخرجي الكلمات، شدّي على قلبك وقولي.. ولكن ليس كلمة كلمة..
 
- هل تريد الحقيقة..؟
 
- وماذا غيرها.. يا..! أنت تقتلينني بصمتك بلا تردد..؟
 
- اجلس أمامي واهدأ، ولن أكتمك شيئاً.
 
- ها قد جلست، فقولي بسرعة.
 
- هو "سعيد"..
 
- ماذا به؟ ما الذي جرى له..؟ هل..
 
- أرجوك يا أبا محمد لا تعجل.. حاول أن تتماسك.. تذكر أنك صاحب رسالة.. وأن ما يجري لأي إنسان إنما هو قدر مقدور.
 
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. لقد فاتتني هذه المعاني، قاتل الله الشيطان، ما كان لي أن أتسرع.. فأعطيه هذه الفرصة المجانية، ليفوز عليّ..
 
- الآن يا أبا محمد.. سعيد سلموه لوالده ليلاً جثةً من مستشفى المواساة في المزة، وطلبوا من والده دفنه دون جنازة ولا حضور، وعندما تسلمه والده كان عارياً، وقد فُقئت عيناه، وبُقر بطنه، وكُسرت ذراعه، ووضعت في بطنه المبقور، رحمه الله. شهيد يا أبا محمد شهيد، واسْتَغْرَقَتْ في البكاء..
صفحة 4
- القتلة.. الهمج.. دون ذنب، دون أي تهمة.. إلا الرأي وقانون (49).. إنه من الجماعة وحسب.. أعرفه منذ كان.. لم يأت بشيء.. ولم يحمل آلة أبداً.. الحقد.. الحقد.. الحقد هو متاهتهم.. رحمك الله يا سعيد، يا شهيد..
 
ج- أول الخبر:
 
تنتظرون أن أقص عليكم كيف كان.. وكيف عاش؟ تنتظرون.. وروحه تحوم في دنياكم، تتوقع أن تكونوا رعداً، وقتاً مملوءاً بالأعمال، لترتاح في مأواها تحت الظلال..؟ لا عليكم، فسوف لن ألوذ بالصمت، ولن أخذل روحه بالتغطية على فعل الجلاد، ليبقى حواة السلطان يجوبون بالقتل والغدر آفاق المدن، وبالتعذيب أقبية السجان..
 
كان سعيد شاباً يضيء ببشرته الشقراء ليل السارين، وبعينيه الزرقاوين يبحر مع الضوء المنبثق من الكتاب، وبسنواته الخمس والعشرين اقتحم كبد الحقيقة، فكان حمامة في المسجد، وانضم إلى ركب الدّاعين، يؤدي دوره بحنين وهدوء وسلام، كان يعمل (خياطاً)، وقد علمته مهنته الدقة والحذر.. أما قامته المديدة، ووسامته الطفولية، ولسانه العسلي، فقد قربته جميعاً إلى القلوب، فأوغل في دعوته؛ عملاً دؤوباً، ولساناً طلقاً، وطلعةً تتفاءل النفوس بالاقتراب منها، نَمّى فهمه، وعمّق نظرته، وروّى قلبه بسهر الليالي، وأعطش نهاره بالصوم، ومع هذا فإن ذلك لم يجلب لحراكه الخيلاء أو الاستعجال، بل كانت الأناة والانتظار الهادف يشكلان رؤيته للتعامل مع الأسوار.
 
قلت له مرةً:
 
- سعيد.. يجب أن تخفف من نشاطك. ألا ترى وتسمع الذي يفعلونه في كل الأنحاء.. في حلب والشغور ودمشق وفي حماة والأرياف..؟ إنها أيام دم وظلم..!
 
- يا أستاذي.. مِمَ أنت خائف.. أنا لا أقوم إلا بأقل الواجب نحو ديني..
 
- ولكنك تعلم أن الجو محتقن، وأن نار الجلادين عالية، والأمر يحتاج إلى بعض الحكمة..
 
تناول سعيد كتاب الله، وقلب بعض صفحاته وقال وقد شرقت كلماته بذيل دمعة:
 
- أستاذي، إني أقتسم وهذا الكتاب الوقت ولا شيء غير ذلك، فهي الكلمة.. الكلمة يا أبا محمد.
صفحة 5
- على رسلك يا سعيد، ولا تغضب.. فإنما أردت التنبيه وحسب، وأنا واثق من حكمتك.
 
- لا توص حريصاً يا أستاذ، فقد تعلمت منك أن سلاحنا الكلمة الطيبة وحسب. واقترب سعيد من المدفأة قائلاً: لقد شعرت بقشعريرة تجوب جسدي، فهل تشعر بالبرد مثلي..؟
 
ضحكت وقلت: إنه نيسان.. وعقاربه تلسع الأجساد، كما تلسع سياط الجلادين في الأقبية الأجساد الطاهرة.. إنهم يداهمون البيوت.. المساجد، أماكن العمل، يأخذون الأسرى من كل مكان.. وهاتِ يا تعذيب.. لقد أهلكوا الحرث والنسل.
 
- نعم.. لقد كرم الله الإنسان.. أي إنسان.. وهؤلاء يضعون كل شيء تحت (بصاطيرهم)..
 
بعد أسبوع من هذا الحوار بيني وبينه.. حدثت تطورات؛ دُوهم بيتي قبيل الفجر، روّعوا الأطفال والنساء، لم أكن موجوداً، وغادرت البلد في نيسان من عام ثمانية وسبعين، دون أن أودّع أحداً، فالجميع يعلم أن من يأتي عليه دور الاعتقال يذهب ولا يعود، ولا يُعرف له أثر، حتى ولو لم يكن له أية علاقة بتنظيم أو جماعة أو أي حراك، فهي "طاسة وضايعة" كما يقول المثل، فقد حولوا الجيش والشرطة والمخابرات بأنواعها إلى قناصة للإنسان السوري، وحولوا الوطن إلى سجن كبير للناس، تاركين الحدود مع الأعداء مكشوفة، من خلال اتفاقيات "جنتلمان" وظلّ الحال هو الحال حتى اليوم، تتغير صور وأشكال، ويبقى جوهر الممارسات هو.. هو.. وبعد سنتين جاءنا الخبر.. ظهر ما خلف القناع.
 
د- كيف..؟
 
من البداية: ذات يوم من أيام صيف عام الثمانين: كان سعيد يقف على باب (مخيطته) وقد ارتدى "بزة" سوداء مقلمة بأقلام بيضاء، إنه ينتظر والده كي يحضر، ليذهبا معاً مع بعض الأقارب ليخطبوا إحدى الفتيات لسعيد، فهم قد اتفقوا مع أهلها على كل شيء قبل هذه "الجاهة" لذا فقد أحضر سعيد في جيبه مبلغ عشرة آلاف ليرة، هي قيمة المهر المتفق عليه...
صفحة 6
طال انتظار سعيد لأبيه، وأصابه بعض الضجر، وفجأة شق سمعه هدير سيارات، فظن أن والده قد حضر بحافلته.. ومرت بضع ثوان، قبل أن تطل من باب الدخلة ثلاث سيارات "لاند كروزر" يابانية، من تلك التي يمتطيها الجلادون ثم توقفت أمامه، وترجل منها عدد من الأشباح بكامل عدتهم من السلاح، صوبوا "مواسير" البنادق الآلية نحوه، وهي البنادق التي أخفق حاملوها بالوقوف لحظة أمام يهود في الجولان. تقدم أحدهم نحوه شاهراً مسدساً حديثاً، وقال له بفجاجة:
 
- أنت سعيد..؟
 
- نعم، أنا سعيد.. ماذا تريدون مني؟! كانت كلماته متحشرجة، وأنفاسه متسارعة، فهو يعرف مآل مثل هذه المداهمات.
 
- "إلك لسان يتكلم".. يا...
 
- أنا مواطن ولم أفعل شيئاً.. لي الحق أن اسأل..
 
- مدّ الشبح يده وسحب سعيداً من على عتبة الدكان، وزجّه داخل حلقة من الجلاوزة.
 
- نريدك خمس دقائق وحسب.. ثم تعود .. فتِّشوه، كانت الكلمات تخرج من بين شفتي صاحب المسدس كالطلقات.
 
وسرقوا العشرة آلاف ليرة، ثم دفعوا سعيداً إلى باب إحدى السيارات، ومضوا به دون أن يعرف أحدٌ من أهله أو أهل حيّه أي شيء.. فلا أحد يجرؤ على السؤال، لماذا..؟ وإلى أين.. وكيف..؟
 
بعد شهر من ذلك اليوم.. اتصلوا بوالده ليلاً، وطلبوا منه الحضور إلى مستشفى المواساة في المزة، ليتسلم ولده على حالته التي بينتها آنفاً، ظل أمر ما جرى مع سعيد في المعتقل سراً مدّة شهر بعد الدفن، إلى أن خرج أحد المعتقلين وكان رفيقاً لسعيد داخل جحيمهم، فشرح للناس الذين يهمهم الخبر ما كان من أمر سعيد مع الجلادين، وكان مما قاله: أرادوا من سعيد أن يخرج على شاشة التلفاز، ويروي الرواية التالية: كنت معتقلاً في سجون الصهاينة، ولّما تّم تبادل الأسرى باتفاق بين يهود وحكومة دمشق، كنت أحد الأسرى السوريين الذين سيعودون إلى الوطن، وقبل أن أغادر المعتقل ناداني ضابط الأمن الصهيوني على انفراد، وقال لي: هذه رسالة أريد منك أن توصلها إلى أحد قادة الإخوان المسلمين في دمشق، فنحن وإياهم على صلة وتفاهم بشأن الذي يجري في سورية..
صفحة 7
كان سعيد يخبرني بما يكون بينه وبين الجلادين بعد كل مرة ينادونه فيها، لقد أصرّوا عليه أن يَقُصَّ تلك الحكاية الملفقة على الناس، فاستعملوا معه أسلوب الإغراء وذلك بالإفراج عنه،وتأميله بالمال والمكانة تارة، وأسلوب التعذيب والتشويه تارة أخرى، ليقنعوه بالقيام بما يريدونه، ولكنه- رحمه الله- كان كالطود لا يتزحزح أبداً عن موقفه الرافض لذلك الفعل المشين، وفي البداية عاد وقد كسرت يده، وربطوها إلى كتفه، وفي مرة أخرى كان بطنه مبقوراً، ومغطىً بالشاش الأبيض، وكان سعيد يئن من ألم شديد يعتصره، وفي مرة أخرى فقأوا عينيه وأعادوه يمشي بين اثنين منهم، .. وذكر لي: إنهم كَووا عينيه بسيخ محمى على النار، بعد أن رفض البتة فعل ما يريدون، قالوا له: سنفقأ لك هاتين العينين الجميلتين.. ثم أخذوه آخر مرّة ولم يعد .. وسلموه- كما علمت فيما بعد- عارياً من بزته أو أي ملابس أخرى، وقد وضعوا يده المكسورة في بطنه المبقور، وغطوا عينيه بالشاش الأبيض..
 
ماذا أقول بعد أن ظهر ما وراء القناع..؟ وهل بعد المشهد الذي وصفت من قول إلا أن أردد مع الشاعر السوري المجيد:
 
كيف الخلاص؟
 
أنا الخلاص وفي يدي
 
مني لواء تحرري ونجاتي
 
من ليس يملك منعة من دائه
 
ما كان يشفيه اجتماع أساة
 
المجد إيماني بوهج حقيقتي
 
بالمطلق المخزون من عزماتي
 
أنا ثورة التاريخ جئت أعيده
 
قمماً ترتل للعلا آيات
 
لعيش أطفالي غداً متألقاً
 
عطراً كأنفاس الربى العطرات
صفحة 8
أوراق سورية تطل من ذاكرة الرماد
 
2- مكتشفات من زمن سرادقات الموت
 
قل لي: هل لك قصة ترويها ..؟
 
قل لي: هل لك حياة تزجيها..؟
 
لكن الليل مدلهم، والعتمة تتدفق فوق الآفاق، فلا رؤية يجليها قمر متكامل الأيام، ولا عتبة أمل يلقيها ربيع على الأبواب المتهالكة، تخفي خلف إغلاقها الهش أسرار سرادقات الموت.. فهل عندك مكتشفات تحن إلى شريط ذكرياتها فترويها، لتكون صرخة ألم مباحة، تنداح فوق تخوم ظلام أسود، لعلها تفكك سدفه المتراكمة كالموت المتبلد..
 
1- الاكتشاف الأول:
 
- قال لي وهو يبعد ناظريه عن وجهي: أريد أن أزورك..
 
- أرحب بك جاراً عزيزاً يا يوسف، اليوم مساءً إذا كان ذلك يناسبك.
 
- اليوم مساءً إن شاء الله بعد صلاة العشاء.. قالها وكأنه قد أفرغ حملاً ثقيلاً كان يتعب كاهله.
 
وكان المساء، ورجعت بصحبته من صلاة العشاء في مسجد الحي، وبعد أن استقر بنا الجلوس، نظرت في وجهه، تحت نور المصباح، كانت تضاريسه توحي بموج هائل يتفاعل في داخله، فيجعله مصراً على الصمت المتحفز، يدل عليه التململ المتكرر في جلسته داخل غرفة الاستقبال المتواضعة التي كنت أملكها.
 
المساء في أوله، والليل بدأ يرخي هدوءه على المكان، والجلسة الصامتة تعبأت دقائقها بالهواجس تجتاح كياني: تُرى .. ماذا يريد يوسف هذه المرة ..؟ إنه متخرج جديد من جامعة دمشق، قسم الرياضيات بتفوق، وكان كلما قابلني في الطريق أو بعد الصلاة في المسجد، يدير حديثه حول آماله في أن يكون عالماً في الرياضيات، تلك المادة التي أظهر حباً لها لا يبارى، وتفوقاً على الأقران فيها لا يمارى فيه، ولما كنت أحاول أن أوجه الحديث معه باتجاه الدعوة والالتزام والإسلام، كان يحاول التفلت بالقول:
 
- الحمد لله، أنا.. ولا يكمل.. ثم يلوذ بالصمت، محمر الوجه، مهموم البال، وعلامات حيرة تلوح في ملامحه، يحاول أن يكظمها، ويطرد وقدها بحركات يديه، وتسارع خطواته.. ثم السلام والوداع.
صفحة 9
وحتى تلك اللحظة من ذلك المساء الربيعي الدافئ، التي دخلت وإياه فيها إلى بيتي الكائن في حيّ دمشقي شعبي.. لم يراودني شك في أن الشاب مقبلٌ وليس مدبراً، ولكن القضية عنده لم تكن مختمرةً بعدُ، فهو يحاور قلبه وعقله بها. ولكن سيره نحو هذا الاتجاه لم يتوقف، بل كان متشوقاً إلى فجرٍ يضيء له السبيل، ويحث خطاه، لينسج له مسوغاً قوياً، خصوصاً وهو يرى ويسمع ما يدور في المشهد السوري من أذىً يلحق المؤمنين لا يحتمله أحد.
 
كانت هذه هي الأفكار التي دارت بخلدي وأنا أجلس معه في الغرفة التي كان البرد يغزوها بعد أن هاجرت الشمس إلى جزء آخر من الأرض.
 
حاولت من خلال الصمت أن أقرأ أفكاره، وأحلل سبب ذلك الصمت الراعب، الذي أضفى عليه البرد شيئاً من القشعريرة، راحت تصب نمنمتها في الجسدين القابعين في الغرفة، حيث لم تعط مدفأة "المازوت" التي أشعلتها لتوي الدفء للغرفة بعد.
 
قلت محاولاً كسر جدار الصمت:
 
- يوسف.. ماذا تنتظر بعد التخرج؟
 
- قدمت طلباً لوزارة التربية لعلي أتعين مدرساً.
 
- وبعد.. أين الطموح..؟
 
- سوف أعتمد على الدخل من الوظيفة لأمول متابعة التخصص.
 
- ولكنهم إذا عرفوا تدينك فلن يقبلوك..
 
- أعرف هذا.. وأعرف أن ديني قبل كل شيء: قبل الوظيفة، وقبل الطموح، (وأضاف والكلمات تخرج حذرةً من حنجرته): من أجل ذلك جئتك الليلة مستفسراً مصمماً..
 
- اسأل وأنا أجيبك.
 
- عندي قناعة أن الانتماء للحركة الإسلامية واجبٌ يكمل الالتزام، ويقويه ويضمن استمراره ونماءه، ويضع الجهد في تيارٍ يصل إلى النتائج المرجوة من العمل، ويوظفه في المجال المناسب..
صفحة 10
- عظيمة هذه القناعة يا يوسف.
 
- مهلك يا أستاذي، فهناك سؤال في صدري يبحث عن إجابة عندك، تبعث هبة ندية من نور، يشعل فتيل مواسم الهدى في حراكي.
 
- ما هو السؤال يا يوسف، قل بسرعة فأنا لا أطيق الانتظار، بعد هذه البشارة التي أومأ إليها كلامك الآنف.
 
- سأقول.. سأقول: إني متخوف مما يقال: إن الحركة تفكر بالعنف وبالسلاح وبمثل هذه الإشاعات، فأنا مؤمن أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى أناة ورفق ووسائل اتصال هادئة مقنعة، وأن كل سير بالاتجاه الآخر غير مجدٍ..
 
- يوسف، وهل تصدق ما يقولونه؟ إن حركة الإسلام عندنا.. دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وحسب، وما قلته وما تؤمن به هو منهج هذا الحراك وقواعده.
 
- عظيم.. عظيم، هذا هو الاكتشاف الأول.. وهذه هي الخطوة الأولى..
 
- لم أفهم.. فهمني.. اكتشاف.. خطوة.. ما هذا..؟
 
- الآن يا أستاذ أحمد اكتشفت طريقي.. وهذه أولى خطواتي، فقد بقيت ردحاً من الزمن حائراً أتساءل: أين أضعها وكيف..؟
 
وبعد لحظة صمت عبأتها فرحة مكبوتة، ملأت فضاء الغرفة، وكانت فائضة عن القلبين الساكنين فيها، قال يوسف:
 
- مِنَ الآن عُدَّني في التيار.. واطلب تُطَعْ، ولنرسم معاً الخطوات الواصلة بإذن الله.
 
2- الاكتشاف الثاني (الخراب):
 
بعد الاكتشاف الأول، وبعد تلك اللحظة التي حظيت فيها مع يوسف بأبهى لقاء معبئاً جنبات روحي بأعذب الآيات، انطلق يوسف خلال أربعة شهور أمضاها بيننا، كانت أُلْفَتُها كفيلة بأن تسقي لحانا دمعاً غزيراً، سكبته لوعة الوداع، حين غادرنا الحبيب يوسف إلى منطقة الجزيرة السورية مدرساً للرياضيات.. وفي تلك اللحظة، كان يوسف يلوح لنا من قريب وهو يقول: