eKtab
EN ع
خلفاء الرسول
اقرأ عينة مجانية

خلفاء الرسول

بقلم عيد صلاح عبد العظيم عبد الصمد

صفحة 1

سوف نتجول معا في خلال تلك الصفحات، في رحلة مع حياة الخلفاء، والآن سوف أصحبكم إلى الجزيرة العربية، وبالتحديد إلى مكة، وها أنا الآن في مكة، وقبل البعثة النبوية، دخلت إلى الكعبة، فإذا بي أرى أناسا عراة يطوفون بالكعبة، وقد نصبوا حولها الأصنام، وآخرين يسجدون لها يطلبون منها المال والطعام والولد، وبعيدا عن هؤلاء الضآلين، رأيت رجلا مشرق الوجه، جميل المنظر، يعبد الله الواحد في جوف الكعبة، ودنوت من آخر، وسألته: من هذا الذي يعبد الله وحده؟ فأجابني قائلا: إنه محمد بن عبد الله، الصادق الأمين، قلت: النبي المنتظر؟.

قال الرجل: " في دهشة"، ماذا تقول؟، قلت له: أين أجد " أبا بكر "؟

قال: لقد رحل بتجارته إلى الشام.

صفحة 2

حلقت بعيدا عن مكة، ودنوت من الشام، فإذا بي أجد خيمة كبيرة في الصحراء، فهبطت عندها ودخلت إليها، فإذا بي أجد رجلا طويلا نحيفا، عليه علامات النجابة والجاه، فلما رآني، اندهش قائلا: من أنت؟ وكيف جئت إلى هنا؟

أجابته قائلا: عذرا سيدي أبي بكر، وهنا قاطعني قائلا: وهل تعرفني؟

قلت له: ومن لا يعرفك يا صاحب رسول الله؟.

قال أبو بكر: لا أفهم ما تقول، ماذا تريد؟

قلت له: اسمح لي أن أصحبك في رحلتك، ولن أزعجك.

نظر أبو بكر إلي قليلا ثم قال: لا بأس، امكث هنا.

صفحة 3

أنجز أبو بكر أعماله في الشام، ولم يتبق سوى أيام قلائل، وتعود القافلة، وذات ليلة رأى أبو بكر أن القمر غادر مكانه في الأفق الأعلى، ثم نزل إلى مكة، وتجزأ إلى عدة أجزاء تفرقت على جميع منازل مكة وبيوتها، ثم عاد القمر إلى كيانه الأول، واستقر في حجر أبي بكر. فقام أبو بكر فزعا من نومه، ثم ذهب إلى مفسر أحلام، وقص عليه رؤياه، فقال له مفسر الأحلام: أبشر يا سيدي، فقد أهلت أيامه.

فقال أبو بكر: من تعني؟

قال المفسر: النبي المنتظر. وسوف تكون أسعد الناس به.

صفحة 4

تهيأت القافلة للعودة إلى مكة، وشد أبوبكر رحاله مع القافلة العائدة، وأخذت النوق تقطع الطريق في سعادة غامرة، وقلوب الرجال يملؤها الشوق إلى مكة، فقد غادروها منذ زمن بعيد، وهم في لهفة لمعرفة ما حدث فيها.

وأصبحت القافلة على مشارف مكة، وكانت هناك كوكبة من الناس تنتظر القافلة، فلما انتهوا إليهم، تعانقوا جميعا، وسألهم أحد الأشخاص قائلا: هل حدث في مكة شيء؟

فأجابه رجل: إن مكة لم تنم منذ فارقتموها.

فقال أبو بكر: لماذا؟

الرجل: لقد أشعل محمد فيها نار الخلاف.

أبوبكر: كيف؟

الرجل: إنه يزعم أنه نبي، وأن الله أرسله إلينا كي نعبد الله وحده ونترك الأصنام.

"وهنا اهتز قلب أبي بكر، وحاول أن يمسك دمع عينيه".

صفحة 5

وعند مدخل مكة، كانت هناك مجموعة من الناس ينتظرون القافلة، وكان فيهم أبو جهل "عمرو بن هشام"، والتقى أبو بكر مع عمرو بن هشام وأصحابه، وتعانق الجميع، وبدأ أبو جهل حديثه مع أبي بكر الصديق قائلا: هل علمت بما فعله صاحبك؟

أبوبكر: تعني" محمد الأمين "؟

أبو جهل: نعم، يتيم بني عبد المطلب.

أبوبكر: وهل سمعت منه شيئا؟

أبو جهل: نعم، سمعته وسمعه الناس جميعا.

أبوبكر: وماذا يقول؟

أبو جهل: يزعم أن الله أرسله إلينا نبيا لكي نعبد الله وحده.

أبوبكر: أو قال إن الله قد أوحى إليه؟

أبو جهل: يدعي أن الله أرسل إليه جبريل في غار حراء.

فسكت أبو بكر قليلا ثم قال: إن قال فقد صدق.

صفحة 6

وصلت القافلة إلى مكة، وذهب أبو بكر إلى داره ليستريح قليلا وليرى أهله، وفي الصباح نهض أبو بكر مسرعا إلى دار النبي، طرق أبو بكر دار النبي، ونادى، فظهر البشر على وجه محمد، وقال مناديا زوجته خديجة، هذا أبو بكر يا خديجة.

وخرج النبي، للقاء صاحبه، فقال أبو بكر: أحقا ما سمعته يا محمد؟ فقال محمد: وماذا سمعت يا أبا بكر؟

أبو بكر: أنك تقول أن الله أرسلك إلينا كي نعبده وحده.

محمد: وماذا فعلت يا أبا بكر؟

أبو بكر: قلت إن قال فقد صدق.

ففاضت عينا النبي بالبكاء فرحا، وعانق أبا بكر، ومضى يحدثه كيف جاءه جبريل في الغار، وقال له: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم" الآيات"1ـ5" سورة العلق.

صفحة 7

تأثر أبو بكر بما سمعه من القرآن، فمد يده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه على الإسلام، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

أسلم أبو بكر في هدوء، وأصبح مسئولا عن هذا الدين الجديد، وقام يدعو الناس إلى الإسلام، وفي زيارة أبي بكر التالية لرسول الله، لم يكن وحده فقد كان في صحبته خمسة من أشراف قريش، أسلموا على يديه وجاءوا يبايعون الرسول، وأولئك هم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله.

صفحة 8

في ضحى يوم من الأيام، خرج أبو جهل لبعض شأنه فمر بالكعبة، فوجد محمدا جالسا مفكرا، فاقترب منه وقال له في سخرية:

ألم يأتك من ربك الليلة نبأ جديد؟

قال محمد: بلى، أسريَ بي الليلة إلى بيت المقدس.

أبو جهل: وأصبحت بين أظهرنا.

محمد: نعم.

وهنا صاح "أبو جهل في جنون": يا معشر قريش؟

فجاءه الناس مسرعين، فقص عليهم ما سمعه من النبي، فتقدم رجل من المسلمين إلى رسول الله وقال: أحقا أٌسري بك الليلة يا رسول الله إلى بيت المقدس؟

قال محمد: نعم.

فقام رجل من قريش مسرعا إلى دار أبي بكر ونادى قائلا:

يا أبا بكر، أدرك صاحبك؟

أبو بكر: ماذا به يا رجل، هل أصابه سوء؟

الرجل: إنه عند الكعبة يحدث الناس بأن ربه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس وأصبح بين أظهرنا.

أبو بكر: وأي عجب في ذلك؟

الرجل: أتصدقه يا أبا بكر في ذلك؟

أبو بكر: إني أصدقه في خبر السماء، أفلا أصدقه في هذا؟!

صفحة 9

ذهب أبوبكر إلى الرسول عند الكعبة، فوجد أن الناس قد التفوا حول النبي يسخرون منه، ولا يصدقونه في أمر الإسراء، فلما رأى أبو بكر ذلك ، انطرح عليه يعانقه ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله أني أعلم إنك لصادق.

صفحة 10

ذات ليلة طرق النبي باب دار أبي بكر، فوجئ أبوبكر بمحمد يقول له: قد أذن الله لي بالهجرة.

أبوبكر: الصحبة يا رسول الله.

الرسول: الصحبة يا أبا بكر.

"أعد أبوبكر راحلتين، وأوصي ابنه عبدالله أن يحضر لهما الطعام، وغلامه أن يرعى الأغنام نهارا، ثم يتركها ليلا عند باب الغار حتى يخفيا أقدامهما