eKtab
EN ع
خلود
اقرأ عينة مجانية

خلود

بقلم سمير الجندي

صفحة 1
تقديم
 
لم تعد الرواية الفلسطينية لغزًا مغلقًا، أو طريقًا مسدودًا، فهناك الكثير من الكتاب الفلسطينيين الذين دخلوا عالمها بجرأة واقتدار، وهناك الكثير من البصمات الواضحة لروائيين فلسطينيين وضعوا أقدامهم بثبات ورسوخ في طريق العمل الروائي. 
 
ونحن في هذا العمل الجديد "خلود" نلتقي بمحاولة جديدة وجادة من كاتب فلسطيني حاول أن يسجل بصمة جديدة وجادة من بصمات الكتّاب الفلسطينيين في مجال العمل الروائي، فجسَّد من خلالها علاقاتٍ إنسانيةً، وهمومًا شخصية، وواقعًا تعيشه مدينة القدس حيثُ تتصارع حولها الأحلام والأماني، ونزعات الخير والشر، وبقاء الحياة والوجود بين الأنا والآخر.
 
ويمكن أن أقول باختصار، إن هذه الرواية لوحة فسيفسائية لمدينة القدس تجسِّد العديد من الرؤى والأحلام، قدمها الكاتب بجرأة واقتدار فاستحقت أن تكتسب من اسمها صفة الخلود.
 
 
 
أ.د. خليل عودة
 
عميد كلية الآداب/ جامعة النجاح
صفحة 2
1
 
لم نكن على موعد حين التقينا ذلك المساء، لقاءً كل ما فيه صدفة، وقفت أمامي بهيئتها الأرجوانية، ووجهها المشرق بالحميمية والبراءة والطيبة، كان صافيا، لم تستطع الأيام العبث ببهجته وحيويته، اقتربتْ من مقعدي وجلست قربي حتى لم يعد يفصلني عنها شيء، صمت جسدي، وكاد قلبي يخرج من مكانه، شعرت بعطرها، وأُنسها، تحركت كل خلايا جسدي واستفزت كل ذكرياتي التي ظننتها قد تلاشت مع السنين الطويلة التي التهمت معظم عمري، وعدت صبيا ينتظر محبوبته، التي اعتادت المرور أمام ناظريه في غدوها ورواحها، وعادت قصائدي التي نظمتها على إيقاع خطواتها، تعبر أمامي كالملاك الذي يحلق على جناح فراشة بيضاء، محلقة طربا على نغم كلاسيكي نُسجت موسيقاه بعناية إلهية، عاد الحلم بكل تفاصيله، عاد يحمل على جناحيه عبير المحبة وعطر العشق السرمدي.
 
كانت أمسية ولا كل الأمسيات، أمسية ولدت فيها من جديد رجعتُ إلى حياتي، أو رجعت إليّ حياتي، نعم، حياتي التي لها معنى وقيمة وثراء، ثراء في البهجة والطمأنينة والأمان ، ثراء في القيم النبيلة والطموح الشريف...
 
 كنت سعيدا لدرجة غادر النوم جفوني، لم أبد رغبة به وكأنني لم أشأ أن يسلبني بعض سعادتي... غريبة هي الحياة بتفاصيلها وجزئياتها الدقيقة، إننا لا نستطيع النوم عندما يلفنا الحزن وتلتهمنا المعاناة، كما لا نستطيع النوم عندما نكون في قمة سعادتنا ، غريب أنت أيها الإنسان وعجيب أمرك، فأنت كتلة من المتناقضات...
 
 لم ادر كيف تناولت جهاز الهاتف، وكيف طبعت أرقام هاتفها، وكيف اخترت حروف تحية الصباح... لا أعرف من أين جاءتني تلك الجرأة لأرسل لها رسالة نصية على هاتفها النقال...
 
بعد دقائق معدودة وبعد أن راحت السكرة، قلقت، واستهجنت الأمر، ماذا سيحدث لو أن الشخص الخطأ تناول الهاتف وقرأ تلك الرسالة؟
 
راودني الكثير من القلق خوفاً من أن أسبب لها الإحراج في حياتها، أخذت أضرب أخماسا بأسداس، أنّبت نفسي وعنّفتها على هذه الخطوة الطائشة، والتصرف الأرعن، تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني...
صفحة 3
مضى ذلك اليوم بطيئاً، ثقيلاً لا روح فيه، عجزت عن عمل شيء مفيد، شعرت كأنني مقيد بسلاسل تضغط على روحي القلقة، حرثت المكان جيئة وذهاباً كبندول ساعة لا يملّ، تخاصمت مع القدر، أنبت نفسي المتهتكة، لعنت لحظة الخنوع لجهاز الهاتف، نظرت إلى ساعة يدي للمرة الألف في أقل من ساعة لعل الوقت يذهب حاملاً عجزي وقلقي... كم كرهت نفسي في ذلك اليوم!! استسلمت لأفكار سوداء أزعجتني بل أرعبتني، لعن الله الهواتف النقالة... لعن الله من صنعها...  
 
 تسارعت نبضاتي، وتجمدت مفاصلي عندما رن جرس هاتفي فجأة ولم يظهر على شاشته رقم المتصل...ترددت في الرد... لكنه سكت... ثم بعد لحظات رنّ مرة ثانية، قلت في نفسي : تُرى من هذا المتصل؟ أيكون من أفكر به؟
 
من يا ترى يتصل بي دون أن يُظهر رقمه؟!
 
امتلكتني تلك الأفكار السوداء مرة ثانية، حِرت في الأمر، ولكن بعد إصرار المتصل على مكالمتي استجمعت بقية شجاعتي المتناثرة في متاهات نفسي، ضغطت على كبسة الاستقبال ووضعت السماعة على أذني اليمنى ولم أتكلم، أردت أن أسمع حتى أعرف من المتصل...
 
كان صوتاً نسائياً شفافاً، عرفته صوتها...هدأت نفسي مرة واحدة كأنني أنزلت حملاً ثقيلا عن كتفي  ... 
 
 عانقني صوتها، أذابني همسها، طوقتني أنفاسها، فامتزجت مع أنفاسي وأحلامي وعشقي ...
 
 قالت لي:
 
- أردت أن أرد على تحيتك.
 
 فلم اسمع أجمل من كلمات "صباح الخير" من ثغرها، لقد رسمت لها صورة حفرتها في قلبي، وجهها الصافي كنبع من الحنان، عيناها تلمعان بشغف، شفتاها كحبتي فراولة ناضجة، جسدها الغض، الذي تكاد الأرض لا تحمل سواه، كان يهتز لها قلبي ويرقص طربا، صادقت طيفها، أودعته كل أسراري، قرأت له كل قصائدي العذرية، أطلعته على رسوماتي الماسية، كان يفيض حناناً كلما رأى دمعة تصارع مقلتي، فيمد لي منديله الزهري الذي يحمل عطرها الملائكي، في ذلك المساء امتلأت رئتاي بذلك العطر، لأول مرة تجتمع هي وطيفها وأنا في مكان واحد يسع الكون...    
 
شعرت بأن الحياة تبتسم من جديد، رغبت أن أقدم لها حدائق الكون بأزهارها وأشجارها وجداولها، كباقة حب.
صفحة 4
2
 
 تمنيت في هذا اليوم لو أن والدتي حاضرة لأقول لها: ها أنا يا والدتي قد التقيت بها...
 
ها هي حبيبتي التي حدثتك عنها ذات صفوة، ها هي من بحثت عنها أنا وأحلامي المتهالكة، ها هي يا أمي... ألم أقل لك بأنني لن أفقد الأمل بلقائها؟ 
 
ألم أقل لك يا أمي بأنها تنتظرني مثل ما أنتظرها في مكان ما في هذا الكون؟
 
ألم أحدثك عن جمالها وحسنها وحنانها؟ أنا لم أصفها لك كما يجب فأنا لا أحسن وصفها، ومفرداتي عاجزة عن الوفاء لحسنها... ها هي يا أمي موجودة أمامي بلحمها ودمها، وسحر عيونها السوداء الآسرة...
 
لم أفض بمشاعري لأي إنسان غير أمي، هي تفهمني وتقدر ما أقول، لم تلمني أبداً ولم تضجر من سماعي،
 
كانت بئر أسراري، كنت أُحدثها عن مكنونات صدري وأصف لها مشاعري، وآخذ رأيها في منعطفات حياتي، كانت تُبدي لي النصيحة التي غالباً ما آخذ بها، لقد كانت سديدة في رأيها... لم تستعجل الأمور، متأنية، صادقة مع نفسها ومع من حولها، لم أنس قرارها المصيري بعدم ترك المدينة مع من تركوها في حزيران من العام سبعة وستين وتسعمائة وألف، حين أراد والدي النزوح إلى عمان،  قالت له:
 
- لن نترك هذه المدينة أنا وأبنائي، هنا ولدنا وهنا نموت...
 
 كانت رابطة الجأش، قوية العزيمة، نافذة البصيرة، متماسكة في أصعب الظروف، شديدة الثقة بنفسها، وتُقدر من حولها...
 
أحبها الجميع، لما كان لها من وقار وكرامة، واحترام للآخرين، ولذلك كان يحترمها كل من عرفها، فهي لم تجادل، ولم تخالف، لم تسئ لأحد أبدا...
صفحة 5
3
 
  كنا داخل ذلك الملجأ النتن، الذي تفوح منه رائحة كريهة تقتل كل مشاعر الأمان والجمال والحياة، وبينما كان مذياع أبي زهير ينشد بصوت عال:
 
 "ع الميدان يا ابن الأردن ع الميدان..." 
 
فإذا صوت يعلو منادياً عبر مكبرات الصوت:
 
-  على جميع الرجال والشباب الخروج من المنازل والتجمع في الساحة فوراً ...
 
 اخفض المذياع يا أبا زهير حتى نسمع ما يدور في الخارج...
 
عاد الصوت الذي اقترب أكثر:
 
- على الرجال والشباب الخروج من البيت والتجمع في الساحة فوراً ...
 
 خرجت ممسكاً بيد أبي زهير، كنت أُحبه واحترمه كان رجلاً ضريراً، فقد بصره قبل أن يدرك الحياة وألوانها، لم أره خارج المنزل "مفرع" الرأس إلا هذه المرة، لم يهتم بوضع الطربوش على رأسه وأنا لم أجد الفرصة لتذكيره بذلك، فلم يكن لينسى هذا الأمر مهما كانت الأسباب ولكنه الآن خرج بدون الطربوش...
 
 كنت دليله في اغلب طلعاته خارج المنزل كان يعتمد عليَّ في ذلك، ضاقت الساحة بالزحام...الجميع في وجوم وصدمة، وجوه الرجال غيرها قبل خمسة أيام، لا أدري ماذا حلّ بها فقد صارت هزيلة ، وألوانها غريبة ورائحة الحموضة تفوح من الأجساد،  كرائحة الخضار المتعفنة، عيونهم متعبة ناعسة، وحول العيون ذلك اللون الأسود الذي يكوّن إطارا من التعب والخوف والرهبة من المجهول، فمعظم الرجال الذين تجمعوا في الساحة عاشوا عذابات الشتات والهجرة القصرية عام ثمانية وأربعين... 
 
  يتهامس الرجال بصوت يشبه الهمهمات... هم اليهود وقد احتلوا المدينة، وهاهم يجمعون الرجال في الساحات،  جنود مدججين بالأسلحة التي لم أتعود رؤيتها من قبل، يضعون على رؤوسهم الخوذ السميكة، ويوجهون بنادقهم نحونا ... وقف الجندي الذي يحمل بيده مكبراً للصوت يقول:
 
- نحن " جيش الدفاع الإسرائيلي " نحذركم ... نأمركم بترك منازلكم خلال ثلاث ساعات وإلا سوف نهدمها على رؤوس من فيها...
صفحة 6
ساد صمت رهيب لم يجرؤ أي من الرجال التفوه بكلمة، قبض أبو زهير على يدي وشدها حتى خيل إليَّ بأنه ينتزعها من مكانها، وهمس بأذني قائلاً: - ابق هنا بجانبي، لا تتحرك.
 
بعد أن أنهى الجندي تهديداته، صرخ قائلاً:
 
- هيا تفرقوا ... تفرقوا ... تفرقوا ...
 
 كان بيتنا في حوش الشاي، في حارة الشرف، وبيت أبو زهير يقع في نفس الحوش نشترك بساحة صغيرة تتوسط البيتين، كنا نعيش كعائلة واحدة، لم أُدرك أننا من عائلتين مختلفتين إلا مؤخراً كنت احسب أبا زهير فرداً من أفراد عائلتي، فكنت أناديه العم "أبو زهير"...
 
عدنا إلى الملجأ، وهو عبارة عن إسطبل تقاسمناه مع حمير وبغال الحاج عطوان، يحمينا من القصف والدمار.. كان معتماً، قذراً، لم تغادره رائحة الروث رغم محاولات تنظيفه المتكررة، يقع تحت منازل الحي في حوش الغزلان، داخل دهليز معتم، لا يبعد كثيراً عن فُرن الحاج يِّتمْ، ومنزل "الست أُميلا"(الداية) التي ولدت معظم نساء الحي والأحياء الأخرى في البلدة القديمة، بل إن سمعتها وصلت إلى خارج المدينة...
 
للملجأ بوابة واحدة، ضخمة، أرضيته من التراب المشبع بالبرودة، وجدرانه عارية، تبرز حجارته من كل جانب، بعضها صغير بحجم حبة جوز الهند، وبعضها ضخم كتلك التي بني منها سور القدس، ولا توجد له منافذ أو فتحات...
 
اختلطت رائحة الروث الحادة برائحة الأنفاس، امتزجت مع الخوف، وانتظار المجهول الذي يقع تحت جلودنا الملتصقة بجدران الملجأ الباردة، كانت أعداد الأطفال كبيرة جدا يصارعون الجوع والعطش والحبس ببكائهم المتواصل ، كان الرجال يتبرمون من بكائهم في البداية ولكنهم تعودوا عليه بعد ذلك، وكانت الأمهات تحاولن إلهائهم بأثداء فارغة من كل شيء ما عدا الخوف الممزوج بالحنان...
 
كان قبل كل انفجار يصدر صفيراً مرعباً يعقبه دعوات وصلوات، فنلتصق بأجساد أمهاتنا مرعوبين خائفين ، وتهتز الجدران كمن يطوح بها،  فيصفق الباب معلناً سقوط قذيفة أخرى في مكان ما...
 
    تمتمات وأدعية وخشوع وخوف، وانتظار... انتظار صفير آخر...
صفحة 7
4
 
خرجت ممسكا بيد والدتي وباليد الأخرى يد أختي، وبدورها تمسك يد أخي، وتحمل أمي بيدها الأخرى أخي الرضيع، خرجنا جميعاً لاكتشاف المجهول، ولمعرفة مصير بيتنا بعد خمسة أيام من القصف المتواصل، وكان أبو زهير ممسكا بيد زوجته التي تلبس ثوبا مطرزاً بألوان الأرض المغتصبة، كان أبو زهير مطرقاً لا يتكلم، ويسير جنبا إلى جنب مع زوجته، التي تمسك بيدها الأخرى زهير، و بدوره يمسك بيد أخته سهام، يسير أبو زهير وطربوشه الأحمر فوق رأسه وقد عرّاه من شاشته البيضاء، أنا لم أعرف لماذا عرّاه، ولكنه رجع إلى اللون الأحمر سلخه عن لون الشاشة البيضاء، ولما سألته قال بأنه لم يعد يحب اللون الأبيض، فهو اللون المفضل عند من هرب من أرض المعركة... صحيح أنني لا أميز بين الألوان، لكن اللون الأبيض هو لون الذل والعار، هو لون الجبناء الانهزاميين، هو لون الضعفاء مسلوبي الإرادة... الذين هربوا رافعين الراية البيضاء فوق رؤوسهم!!!
 
    أكمل مسيره مطرقاً رأسه كأنه يصغي لكل صوت، فهو خبير في تمييز الأصوات، لأول مرة في حياتي أراه متجهما وحزينا هكذا...
 
سرنا باتجاه بيتنا، كان يبتعد عنا كلما اقتربنا منه، طالت المسافة، قبل أن نصل إليه، كان وحيدا... مازال في مكانه، تثرثر جدرانه بكل ما حصل في غيابنا، ثقوب بأشكال سريالية من اثر الرصاص، زجاج ينتشر على أرضيته الحجرية، نوافذه انتُزعت من مكانها انتزاعاً، بقية باب يستند إلى حلق متهالك، لم نطل المكوث، تركنا البيت لم نأخذ بيدنا سوى تنكة زيت الزيتون، فقد قالت أمي بأنها مليئة ولا بد من أخذها معنا وهي كل ما نملك، ولم يستطع حملها إلا أبو زهير، خرجنا مشيعين البيت بنظرة طبعت في ذاكرتنا.
 
 لم نعرف وجهتنا، لم تتفوه أمي بكلمة ، لازمت الصمت ... لكنها عندما خرجنا من الحارة قالت:
 
- ها هي قصتنا تتكرر يا بني، أخذت تعيد شريط ذكرياتها ، رجعت إلى طفولتها عندما تركت بيتها مع من بقي على قيد الحياة من أبناء أسرتها في قرية زكريا، وبعد أن جاءهم خبر استشهاد والدها في معركة سكة الحديد في يافا في العام تسعة وثلاثين وتسع مائة وألف على يد الإنجليزي المحتل، أخذت تقلب الأمور وتزنها بميزانها الخاص، تُرى أيكون مصيركم  مثل مصيري؟
 
 لقد تشردت وعاشت برد الشتاء القارص، وحر الصيف اللافح في خيمة تقاسمت عذابها، وبؤسها، مع أطفال في مثل سنها، وشيوخ دَفنوا أبناءهم، فتحجرت دموعهم في مآقيها، ونسوة جف حليب أثدائهن حزنا على أزواجهن الذين فُقدوا للأبد، أو استشهدوا،كانت آنذاك طفلة في الخامسة من عمرها، ولكنها تذكر تماما تلك المعاناة التي حُفرت في بؤرة ذاكرتها ونُقشت نقشا في مخيلتها، وها هي الأحداث تعيد نفسها فتتكرر المعاناة ويزداد الألم بعد أن اتسع الجرح حتى لم يعد بالإمكان التآمه...
صفحة 8
5
 
يعج تقاطع حوش الغزلان مع حوش الشاي بالحركة، يمض الناس في كل اتجاه، لكنهم لا يتكلمون، لا يصرخون، يلعنون بصمت، إنهم يتألمون بألم، كنا كمن نام بمكان واستيقظ ليجد نفسه في مكان آخر مختلف كل الاختلاف، لا خطط نسير عليها مع شمس نهار لا يبدو كأي نهار مرّ علينا من قبل،  يتحرك الرجال بصورة أوتوماتيكية، ترى أحدهم يدخل بيته ويخرج منه، ثم يدخل ويخرج بصورة لا إرادية، وآخر يخرج حاملاً أوعية نحاسية، أو فراشاً وأغطية، وامرأة تحمل بين أحضانها طفلين صغيرين، وعجوز تمشي بمعاونة حفيدها وقد زادت تشققات الشيخوخة على وجهها، كان مشهداً محيراً لم  أر مثله من قبل، نساء تبكين، ورجال فقدوا شهية رجولتهم، وأطفال صودرت طفولتهم، وصبية تائهون حائرون، وجدران اعتصرها الحزن، وقباب تبتهل إلى السماء ، وسماء حجب وجهها غبار ودخان وأدعية، أصوات انفجارات تكسر سكون الأمان، وقامات منحنية بأثقالها وهمومها وأحلامها المتهتكة، أطفال حفاة ممسكين بأطراف ثوب أجهضته الأوساخ، وشيخ يتكئ على عصاً كان قد قطعها في شبابه من شجرة بلوط تُركت وحيدة بعد نزوحه الأول من دير ياسين، وعيون تركت دموعها على جدران الأزقة، وعتبات المنازل، لعنات كالطوفان على من هرب مخلفاً أذيال الذل والعار... 
 
خرجنا من حوش الشاي عبر حوش الغزلان إلى باب السلسلة، الحوانيت مغلقة، أبو حليمة بائع الحلاوة بسمسمية غير موجود في مكانه، لأول مرة هو غير موجود، مقهى باب السلسلة مغلقا، لا دخان سجائر، لا أصوات لحجارة النرد ولا حجارة تطرق بنشوة الفوز بلعبة الطاولة، ولا قهقهات للشامتين على خسارة أحدهم، مشينا باتجاه الحرم، الباب مغلق، عدنا مع الراجعين أدراجهم، سرنا مع أثقالنا، وخوفنا، نحو خان السلطان، تجمع الكثير من الناس في ساحة الخان، ولم يعد هناك حيز في غرفه الصغيرة، بعد أن تجمع في كل غرفة من غرفه السفلية أو غرفه العلوية، عائلات بكاملها، كان مخبز درجة الطابونة يوزع الخبز مجاناً ناولنا أحد الرجال أربعة أرغفة، وعندما وصلنا إلى مفترق حارة الشرف وسوق الباشورة وسوق الخواجات، كان عدد كبير من الجنود متجمعين على مدخل حارة الشرف، يمنعون الناس من الدخول إلى الحارة، أصبح محل "أبو أيوب" خلف الجنود، لكن رائحة فلافله لم تغادر أنفي، وهي الآن تنفذ من بين أجسادهم التي تقف حائلا بيننا وبين مدخل الحي، ليت كل شيء ينتقل ويتحرك من مكانه كما تنفذ رائحة فلافل أبي أيوب،  صرخ الجنود قائلين:
صفحة 9
- ممنوع المرور من هنا، عليكم السير بذلك الاتجاه، أي باتجاه سوق العطّارين، كان المنفذ الوحيد الذي نستطيع الولوج عبره، دخلنا سوق العطّارين، وسرنا فيه كالقطيع، نحن والكثير من الناس، حتى وصلنا إلى سوق خان الزيت، كانت رائحة التوابل هي هي، تفصح عن نفسها تتسلل من خلف أبواب الحوانيت المغلقة، تصرخ معلنة عن رفضها الغرباء، تركنا طريق عقبة التكية لم ندخله، وسرنا عبر عقبة المفتي، ما زال بيت المفتي موجوداً في مكانه رغم مرور نكبات على وفاة الحاج أمين الحسيني، حجارة البيت في مكانها تشهد على خطط وأفكار وأحلام المفتي الشاب، لكن مؤامراتهم وخيانات البعض أثبتت أنها أقوى من الأحلام والآمال الوردية، فجأة سقطت من يد أبي زهير صفيحة الزيت بعد أن نُزعت الحلقة المثبتة على سطحها فسكب الزيت على الأرض، ليكتمل الألم...
 
 في هذا الحي يتجمع التاريخ بكثافة، وتتعانق الآلام، يسميه البعض طريق الآلام، وأنا اليوم أنظر إليه هكذا، طريق الآلام، فمع كل خطوة من خطواتنا سار الألم مكشراً عن أنيابه، هنا سار السيد المسيح يحمل جراحه، وها نحن نسير على خطاه، نحمل آلامنا، وهنا أيضا سار الحاج الجليل يحمل آماله المحطمة، وها نحن الآن نسير على نفس الطريق نحمل جراحنا وأحلامنا الممزقة، وكلما سرنا سار معنا العذاب، صرنا على موعد مع القهر، فجأة أصبحنا بلا مأوى، بلا بيت نركن إليه، أين سأضع جسدي إذا ما شعرت بالنعاس؟
 
أين أركن حقيبتي المدرسية؟
 
كيف أتقي لسعة برد الفجر؟
 
 كيف أُسكت ظمئي؟
 
 لقد نسينا أخذ "طبلية" الطعام التي تجمعنا على العشاء كل ليلة!! فهل سنجتمع على العشاء من جديد؟
 
 هل سيكون عشاء بعد الآن!!!
 
 ربما لدينا بعض طعام لهذا اليوم، ولكن...كادت تنزل دمعتي لولا أن والدتي طلبت مني الانتباه على أختي حتى لا نفقدها أيضاً، أخذ عقلي يصرخ بهذه الأسئلة التي أرعبتني، شعرت بالخوف يدب في بدني، نهشني القلق عندما لم أجد إجابة على أسئلتي، ما زلنا نسير على غير هدى خلف أبي زهير، كان ما يزال عابساً، لا يتكلم، يجرنا خلفه كتلا يمزقها القلق، ألسنتنا صامتة، وقلوبنا تتحرك متثاقلة، وعقولنا تثرثر بأفكار متضاربة، وعيوننا لا تميز الألوان، وبصيرة شيخنا أصابها العقم بعد سقوط صفيحة الزيت من يده ...
صفحة 10
   وقف متثاقلاً أمام بوابة خشبية بنية اللون دفع إحدى دفتيها التي كانت مفتوحة، والأخرى مثبتة بقضيب حديدي من الداخل،  المكان ليس ببعيد عن منزل المفتي، دلفنا عبر ممر معتم تسكنه الرطوبة بكل تفاصيلها، يؤدي إلى دهليز طويل ينتهي بساحة على طرفها سلم حجري، على جانبيه غرفتين، في سقف الغرفة التي على يسارنا ثقب بفعل قذيفة،  قطره قرابة المتر ونصف المتر، صعدنا الدرج الذي ينتهي بغرفة كبيرة، واسعة، على جانبها مطبخ منفصل بباب صغير، أصبحت هذه الغرفة منزلنا المشترك مع عائلة أبي زهير، بعد أن قسمناها إلى قسمين متساويين بواسطة ستارة من القماش وبطانيات وجدناها في المكان، كما تقاسمنا الألم، والدموع، والهواء، والنبض، والدعاء، كانت تجمعنا  الكلمة، والغذاء، ونشرات أخبار مذياع أبي زهير الذي لا يتركه أبداً، حتى عند ذهابه إلى المرحاض، لعل وعسى يحمل له خبراً ساراً يعيد له منزله...  
 
  قضينا أيامنا الأولى في وجوم تام، لا كلام، لا عتاب، لا سؤال، وجوه تتحرك باتجاه المجهول، أفكار ضبابية عجز الكلام عن الكلام، غرقنا في يم الذهول وهاوية الصدمة، ومتاهات البؤس، عقدت الألسن وجفت الحناجر، وخلا الرأس من أحلامه التي تركت على وسادة لم يكن بالإمكان حملها حين تركنا منزلنا وحيدا يصارع مقاصل الجلاد... 
 
حياتنا ليست كالحياة، ليست كما تعودنا عليها من قبل، إننا نعيش مع أسرة ثانية بغرفة واحدة تتقاطع آلامنا، ورغباتنا، وأحلامنا، وصبرنا، وأهواءنا... نتقاسم كل شيء طعامنا وآمالنا، وإصرارنا، وادخاراتنا، وفقرنا، واحتياجاتنا...