صفحة 1
أنـا
كلاب وكلبات، ذئاب وذئبات، أُسود ولبوات قردة وقردات، ديوك ودجاج، رجال ونساء، حانة باذخة شالت في بطنها من كل زوجين اثنين·
سكر الأسد فقام بتقبيل قدم القرد·
سكر الديك فتذكر جناحيه اللذين فرّ بهما الغراب ولم يعد حتى اللحظة·
سكر الكلب فلوح لكلبته بالكأس·
سكر الذئب فباس رأس الخروف·
سكرت أنا فخمشت وجه صاحبي·
صفحة 2
ناطـور
أنا ناطور الزقاق بلا منازع· من شرفتي المطلة أرقب القطط المتسكعة وهي تقتنص لذة شباط وتعبث في بقايا الحاويات· مشهد ليل ينفتح أمامي بيسر عظيم· في الزاوية ثمة كلب أعرج يرفع ساقه اليمنى ويلصقها بالجدار فيسيح من تحته السيل وجبن القطط· لا كبير تبدلا في المرأى سوى تلك الحركة المنتظرة التي وهبني إياها هذا الكائن المنحوس· لص ظريف بثياب الليل يحاول تسلق سور جارتي العجوز ·
حبست أنفاسي وحيث تقنفذ الحرامي المنحوس وضع كمه لصق أنفه وسحب منه نفساً عميقاً من عطر الياسمين ثم خلع من رأسه جارتي الطيبة وسوارها الثمين وغادر الزقاق، أما أنا فلقد عدت ثانية أشاكس بسبابتي بقايا ثلج في كأس ناضبة·
صفحة 3
ثرثـرة
عندما غاص الليل في منتهاه جادلني صحبي بالتي هي أجمل· كانوا يثرثرون في المطلق والنسبي والماوراء وكنت على قدرة خارقة في تتفيه رؤاهم· لم يحتملني أولهم فحمل قنينةالعرق وزرع شظاياها في رأسي، وقام الثاني بغرس سكينه المعقوف في معدتي ووثب ثالثهم واقتلع بمخالبه عيني وأخرج الرابع قلبي ورماه في المرحاض أما خامسهم غليظ القلب فلن أنسى قسوته ما حييت، لقد مزق هذا الخنزير بأسنانه وبأظافره المدببات أخر حكاية قصيرة جداً كنت دونتها قبل قليل·
صفحة 4
لعبــة
في الشرفة ذاتها ثمة بَقّة تمارس لعبتها الأزلية معي· هي تطنطن في أذني وبعد أن تتيقن من أنني لم أكترث لها تنط إلى إحدى وجنتي فتمص منها دماً صرفاً·· لم أبال كثيراً ومع كل رشفة أدلقها في جوفي العطشان تتضح ملامح الفخ العجيب الذي أثثته لتلك البقة المسكينة التي خلفت فوق خدي الكريم قرصاتها اللذيذات وسقطت مترنحة مانحة جسدها الخفيف مرمدة السكائر وناطرة الكأس الأخيرة·
صفحة 5
حفـرة
البارحة عدت إلى الدار،
داري على مبعدة رمشة عين أو شمرة عصا من الحانة· ثمة معضلة صغيرة ينبغي اجتيازها· كان أمام الباب حفرة ضخمة مملوءة بالماء تقهقرت إلى الخلف فكبرت الحفرة وظلت تنمو مع كل خطوة أنتجها إلى الخلف حتى وصلت الرصيف المقابل للدار فجلست كما ركام فائض أرى إلى بيتي الجميل وهو يطمس ويغوص طابوقة طابوقة في حفرة هائلة لم أرها عند حلول الصباح·
صفحة 6
غابة
ألح عليّ النادل كثيراً هذه الليلة، قال إن حسابي صار ثقيلاً· بصمت قبلة فوق يده وخرجت·
صياح الديك يشير إلى مقترب الفجر· كان كل شيء مختلفاً الليلة، السيارات اختفت تماماً كذلك عمال البناء وبائعات الشاي والقيمر والجنود الكسالى·
خطواتي تتثاقل والخمرة التي صرفت عليها دم قلبي تكاد تتبخر من جمجمتي· الشوارع تضيق بأشجار الصفصاف والسرو العملاقات، كائنات مسالمة وعذبة تتخاطف من أمامي، أسود، نمور، ثعالب، خنازير، قردة، فيلة، ذئاب·
في محاولة لامتصاص المشهد تسمر فيل جميل على مبعدة خطوة مني، مدّ خرطومه بكرم باذخ وأخبرني أنه سيكون ممتناً إن منحته فرصة حملي على ظهره وإيصالي إلى الدار، وافقت فوراً·
عند باب البيت سألت الفيل الطيب أين ذهب الدهر بأصدقائي البشر· لم يجب· حييته ودلفت مسرعاً، وعلى عتبة الدرج الأولى كان بمقدوري الإنصات جيداً إلى صوت اللبوة وهي تدعوني بصوت مغناج إلى مخدعها الآمن·
صفحة 7
قطة
كان مرأى القطة الصغيرة يفطر القلب ويأكل الروح·
حفنة من الأطفال الشياطين يحيطون بها من كل صوب بعد أن نجحوا في تكسير أرجلها وقطع ذيلها·
تقدم واحد منهم وربط طرف حبل غليظ إلى غصن شجرة ثبتت عليه بكرة دوارة وقام آخر بلف الطرف الثاني حول رقبة القطة ثم حان دور زعيمهم الذي استوى على كرسي واضعاً ساقاً على ساق متلذذاً بجر الحبل ومع كل جرّة يضحك جمع الأطفال الصغار وتتفرج أساريرهم وتزداد سرعة لعقهم للمصاصات الملونات·
القطة ترتقي ويلامس رأسها المرضوض غصن الشجرة وحتى اللحظة لم تفارق عيناها وجهي الباهت·
كان لديها ثمة أمل وكان لدي ثمة كأس نصف مكروعة أما الأطفال فمن المؤكد أن لديهم الآن ما يلهون به·
صفحة 8
-1-
طيف بنت صغيرة، حلوة وحبابة، لا تلثغ بالسين ولا بالراء ولا بالكاف، هي صغيرة وضئيلة ولا تعتني بجدائلها، تخلط الحروف آحايين فيتنزل البيان·
ثمة رغبة لديها في مناصفتي مائدتي السهرانة، لكن غلاظة قلبي وسرطان التبغ يلفظها دائماً خارج الوليمة فتنام مطمئنة مع الملائكة المجنحين·
على هامش المنتهى، أستحضرها، أحك لحيتي الزرقاء فتسقط في كأسي ياسمينة غضة مسورة بالكركرات وبأغاني آخر الليل·
لـ ( طيف) الجميلة معضلة عائمة؛
البارحة رسبت في درس الجغرافيا لأنها رسمت خريطة الوطن، معضوضة من جهاتها الأربع·
صفحة 9
ـ2ـ
لم تستطع طيف أن تحتفي اليوم بخريفها الثامن وكان على أبيها المنهك أن يعلقها برقبته ويدور بها كما درويش·
دار المتصوف التعبان ودارت معه طيف وعندما ساحت الدمعات على منتهى الليلة، أسرت (طيوفة) الحلوة أباها بالسر العظيم الذي فطّر قلبها وحطّم روحها ووضع ميلادها على الرف؛
اليوم رسبت البنت في درس الوطنية بعد أن سقطت من ذاكرتها الطرية نجمتان من علم الوطن·
صفحة 10
-3-
في المشهد الثالث وعلى تنغيمات أذان الفجر، أوحي إليّ بإشارة راسخة انفلتت من مخبأ التأويل، هي أن طيف البنت ، الحلوة، الصغيرة، المشاكسة، سترسب غداً في درس التأريخ·
لقد اختلط عليها حابل ما وقع بنابل ما سيقع·