صفحة 1
بمثـابـة التقــديـم
كانت النية أن يكتب مقدمة المجموعة حين تعد للنشر الدكتور محمد صالح الجابري رحمة الله عليه ..
فهو قصاص وروائي خبير بالسرد ودروبه وهو عالم بخبايا الإبداع شعرا وقصا ورسائل ومقامات ..لكن الذي شدني فيه رفعة ذوقه الأدبي ورِقّة حِسّه بالفنون جميعها ..وكم كانت حاجتي ماسة حين أكتب أن يقرأ نصوصي المتفاعلون مع الحرف والباحثون عن رواء اللغة والمتعطشون مثلي إلى ماء الكتابة ..كنت أرى في المرحوم هذا الرجل حين كنا نتحدث عن نص ما..
حين تكتب تشعر وكأنك عُمِّرتَ بكيانات مبهمة تثقل وتخف..تسبح وتغرق وتنجو تطير وتسير تسرق منك لآلئك التي لا يمكن أن ينافسك فيها أحد وتتجمل بها تنزعها فجأة ثم تتشح بالسواد حزنا على نبأ لم تسر به الركبان إلا إليك وقد تسمع وأنت بين الحزانى زغاريد عذارى يسكنّ بين جنبك وجنبك يزففن إليك ولادة فتفرح ولا تعرف الوالد ومن ولد ولا متى حبلت من أفكارك العذارى ..وأنت بين تفاصيل الحياة المقيتة يمكن أن يصرفك عنك إليه وبكل الخفاء الذي لا يعرفه أهل العلن مَلاكٌ مُنْتـَشٍ بسرّ الخلود فتشربَ من كأس لا قبل لك بصفائها شرابا لا هو شراب الروح فيُسكرَ ولا هو من جنى النحل فيداويَ أو يحلّي ولا هو من شراب الريق فيسبي ويقتل حبا بل هو خليط محلول: من الكدر شيء ومن الفرح شيء ومن الأمل والحزن والسفر والحلم أشياء وخلايا وأجزاء..
حين يقرؤك من يجد في نصوصك بعضا من هذه الأشياء المتناثرة ويشعر بلطفها وببعض أصواتها المرسلة حينا والمقيدة أخرى ويراك بعين من استلَّ منك أبعاضك وضرب أخماسك في أسداسك ووزّعك حصصا من ميراثٍ مشْكلٍ سيراك شيئا آخر.. عندئذ لا يَعنيك إنْ مدحك أو ذمك.. إن اتهمك بالقصور أو بالتعالي ..إنه لن يفعل .. سيكون حقيقة في عالمك...سيَتذوق وسيتشمّم وسيتلمّس وسيتسمّع وسيتبصّر ...وأنت سترى فيه الذوقَ يشم والشَّمَّ يسمع والعين تلمس والأذن ترى ..فأبْصِرْ به قارئا وأسْمِعْ..
حين كتبت النصوص وقرأني من قرأني كانت جماعة من الناس هنا وهناك من النوع الذي يرى ويحلم ويتفاعل وكان المرحوم الجابري منهم ..كان يعي بالفرق بين الكتابات والأساليب وتعدد الأصوات..كان يكتب بشكل آخر ولكنه لم يكن يرى عوالم الكتابة من منظاره الوحيد..لا يوجد في الكتابة الحرة دكتاتورية ولا حتى ديمقراطية ..ليس لها قوانين الدنيا وسياساتها ولا قضاؤها أو قدرها ..فيها رؤى ..وليس من اليسير أن تتكون لك رؤية ..أعسر ما في الرؤى حين تنحت أن تصل أحلام الخواص إلى درجة تصبح فيها كفلق الفجر .. تصبح نبوءة في عصر يقل فيه الأنبياء..
صفحة 2
أنظر حولي فأرى كُتـَّابا كثرا فمنهم الشعراء ومنهم القصاصون ومنهم الروائيون .. وأرى منهم من تمرس بالكتابة وخبرها وجرّب اللغة فاستلانت له ولم تبخل عنه الفكرة العميقة والرأي والرؤية ..لكنهم يُعدّون على أصابع المحارب الذي افقدته الحرب سبّابته وإبهامه والخنصر ..
أنظر حولي فأرى كتابا كثرا صادقوا صُنّاعَ الكلام على الكلام ففتحوا لهم أراضي يسيل فيها الحبر مدرارا وآخرين أقعدهم عن تلك الأراضي الحياءُ من طرق الأبواب خشية أن لا تفتح لوجوههم المعفرة بتراب الأرض يعشقون أريجها ولأصواتهم الجافة التي ذهب بدفقها الصراخ المكتوم ولا تفتح لثيابهم الأخلاقِ المُزَقِ التي أبلتها أظافر من تعلقوا بأثوابهم حتى وصلوا على هاماتهم إلى حيث النجاة وتركوهم يصارعون متلاطم الأمواج..
أنظر حولي فأرى شبح المرحوم الجابري بأصواته المطمئنة المثبتة وأرى خيالات أخرى أصواتها مبهمة لا أفهمها ولا تفهمني لا هي مطمئنة ولا هي محبطة مثبطة ..أرى شبح المرحوم قد توالد وتكاثر فيقع في نفسي أني مطمئن فأسير ولكن في صفوف الخيالات المبهمة كأني لا أراها..
أنظر حولي فأرى أخي يمر بي ولا يكلمني لا يعرفني ولا يفهمني فأكتب له نصا عساه إن قرأه أن يخاطبني من خلاله.. وأنظر حولي فأراني أمدّ يد النجدة لصديقي فيعضّها وينكرني ..فأمدّ له نصّي عساه يكون أوثق لعروته .. أنظر حولي فأرى ولدي يسير في الدنيا على غير منهج وفي الظلمة تتربص به عيون خلف الأشجار الجافة ..أكتب له نصا كي ينير الليل ويطفئ عيون الاشرار ويسقي جذور تلكم الأشجار..
أنظر في داخلي فأرى خوفا يسكنني من المجهول لا ثقة لي بفكّ أسراره إن جاءتني حروفه ولا بنوع البُرد التي ستكتب عليه ولا بالركبان التي ستسير به إلي ولا بالزبانية ولا بالملائكة ولا بالشياطين ..
أنظر في داخلي فأرى خوفا يعشّش منذ آلاف السنين أ أنا أقـْدَمُ وجُودًا أم الخوف عمّر في وبنى .. هل يقدر أن يحفر البناء بأسسه وبجدرانه.. بسقفه وأسواره الأرضَ التي أقيم عليها ويدكها دكا؟أم هل يمكن له أن يُطيـِّب بكل عبق ندي ريحَ تلك الأرض التي كرهتها أنوفه..؟
أنظر في داخلي فأراني قد سكنت بالخوف من صيغ: افْعَلْ ولا تفعَل وأخاف أن لا يعاودني التعجب بعدما أقامت أساليبُ التقرير فيَّ وطاب لها المقام..وهاجسي أن لا أغضب حين أصوغ الاستفهام ..هل من حقي أن اصوغ في كل حين أشكالا متنوعة من الاستفهام؟ أخاف منْ النفي حين أصوغه كاذبا كي أنجي نفسي من عقاب أو من خوف عقاب.. أخاف من الخبر لأنه يقبل التصديق والتكذيب وأنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي يوم الكذب ولا أثق في أن يصدقني الآخرون .. أحب أفعال القلوب لأنها تشكك في كل شيء وتوهم وتبني أكوانا مختلفة ..غير أني أخشى أن يستعملها ضدي الآخرون في مقامات مختلفة وبألوان مختلفة..
لأنني أخاف وأخشى ولأني أرى ما لا أريد... أكتب ..وكفى بالمرء عذابا حين يكتب..
تونس في 23/7/2009
صفحة 3
تنـــويـه
كتبت المقدمة أعلاه قبل اندلاع شرارة الثورة التونسية يوم 14 يناير 2011 وكان من المفترض أن تكون قد نشرت أواخر 2009 أو بداية 2010. بعناقيدها الثلاثة الأولى غير أنّ الثورات العربية قد أهدتني عنقودا رابعا من نصين هو عنقود الثورة.
لست أندم على أنّ مجموعتي لم ترَ النور قبل الثورة ...لقد كتبتُ أولى فصول الخوف حتى جاءت تباشير النصر وأنفاس الحرية ...
قد نخاف اليوم أو غدا .. فالخوف من طبعنا وهو ساكن فينا .. لكننا لن نخاف كما كنا نخاف..لأنّنا بدأنا نمسح عن واجهات قلوبنا وربما عقولنا طبقات من الدخان الذي أرسل علينا دهورا.. صارت أنفسنا تشف أكثر ..
لن نصبح كالبلّور إلاّ إذا آمنّا بأنّا من طين خلقنا والنار التي فينا ينبغي أن تصهرنا وتهيكلنا حتى تهدينا إلى الأنوار من حولنا.
تونس في 25 /5/2011
صفحة 4
عنقود الخوف الأول
إذا نظرت حولك فلا تُمْعِنِ النظرَ فإنَّ أوَّل النظرة
فِتْنَةٌ وثانيها رَهْبَةٌ وثالثــَهَا عَذابٌ في النفْسِ مَكِين..
وإذَا سَمِعْتَ من حَوْلِكَ لــَغْوًا فلا تجُــَوِّد السَّمع
فإنّ أوّلَ الصَّوْتِ
لحْنٌ وثانيَه أنــَّةٌ وثالتــَه نــَوْحٌ عَلَى أوَّل الصَّائـِتين..
وإذا شمَمْت ريحَ اللَّحْمِ عَلى سِيَاطِ الجَلاَّدِينَ فَلاَ تُـبْعِدْ
أنْفَكَ وخَفْ أوَّلا وَخَفْ ثانياً وَخَفْ ثالثا
فعِنْدَهَا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَجَعُ سِيَاطِ الزَّائفِين.
صفحة 5
خَــوْف
وقف يلهثُ والشارع فارغٌ قَفْرٌ؛ التفتَ في جميع الاتّجاهات كأنّما ينتظر أن يفاجئه شيء مفزع مخيفٌ، أعاد الالتفات مرّات ومرّات ؛عدا في الممرّ المجاور واختبأ؛ ثمّ أطلّ برأسه خرج من مكمنه وأسرع الخطو باتّجاه العمارة التي كنتُ فيها أرقبُهُ. قرّرت أن أدخل في هذا المشهد. غادرتُ الشّقّة ونزلتُ درجات السّلّم بسرعة. دخل العمارة يلهث لُهاثا متقطّعا.. كمنتُ له في بُقْعة مُظلمة حيثُ أراهُ ولا يراني. ظللتُ أرصدُهُ وظلّ يرصُدُ متعقّبا له يأتي من بعيد. عيناهُ على بوّابة العمارة تبرق كعيني ديك ينتظر انبلاج الفجر ليؤذّن. عيناي عليه كثعلب يخشى قدوم فجر يفضح كمونه للدّيك. تحرّك في جميع الاتّجاهات بخفّة وحذر تحرّكت له بالخفّة والحذر.. لم يفطن بي؛ إنّه يتوقّع الخطر من الخارج. لمّا قررت الخروج إليه لمفاجأته استولى عليّ الخوف وبدأت فرائصي ترتعدُ. ماذا أفعل لو كان هذا الماكثُ غير بعيد من أشرار المجرمين؟ ماذا لو قتلني دفاعا عن التستّر على جريمته؟ وقع الثعلب في شباك الدّيك .. وسوف يقتصّ منه القصاص التّاريخيّ. أردت أن أعود أدراجي فلاح لي خياله قادما باتّجاه السلّم؛ ابتعدت عن المكان وتركت له موقعي إلى دهليز كان هناك يذهب باتّجاه المبنى التّحتي المهجور. سرتُ بحذر باتّجاهه عسى أن يمرّ وقتٌ يفرّ فيه هذا المختبئ وأعود إلى بيتي. وإن هي إلاّ هنيهة حتّى تناهى إلى مسمعي خطوات اقتربت أكثر مني فأكثر ولكنّي سمعتُ في أعلى كالارتطام تتبعه صيحة خاطفة. امتلأتُ من الخوف حتّى كدتُ أسقط مغشيّا عليّ. ارتعدت يدي اليمنى وتوهّمتُ أنّ في يدي كأسا من البلّور إن ضاعفت الرعشة انكسر وانفضحتُ. أمسكتُ بيدي اليسرى يدي اليمنى خشية أن يسقط الكأس الموهوم. شعرتُ أنّ أسناني تصطكّ كالمحموم توهّمت أنّي من الحمّى سأسعلُ فأنكشفَ. وضعتُ الكأس الموهومة في مكان قريب وابتعدت حتّى لا ينكسر ثمّ وضعتُ يدي على فمي أغلقه كي لا أسعلَ.. كدتُ أختنق لكنني خشيتُ أن تُسمع حشرجتي فيأتي إليّ من يكمن لي هناك يترصّدني ليقتلني. تركتُ لفمي بعض الانفراج كي يخرج نفسي أكثر ممّا يدخل. ولكنّ كلّ شيء فيّ كان يرتجفُ. لم أعد أستمع إلى شيء إلاّ دقّات قلبي كانت كلّ واحدة منها تقع في أذني كنواقيس الكنائس تقرع بمكبّرات الصّوت.
استمعت إلى خطى متسارعة تنزل من السلّم، توهّمت أنني أنا من ينزل من جديد من على السلّم؛ ولكن كيف صعدت ثانية؟ لا أعلم! أيقنت أنّ الأصوات المنبعثة من السلالم ليست إلاّ خطى العساكر أو البوليس جاءت تطارده؛ لو قبضوا عليّ مكانه ماذا سأقول؟ من سيصدّق أنّي بريء من التهمة؟ ولكن أيّة تهمة؟ أهي لصوصيّة؟ وأيّ لصوص يتبعهم هذا العدد الهائل من العسكر والدّرك؟ التّهمة أعظم من اللّصوصيّة! ماذا لو كانت سياسيّة؟ يا ويلي ويا سواد يومي وليلي.. سأحاكم بجرم اقترفه غيري.. سأشرّد من دياري سأنفى في الصّحاري وأموت عطشا كجرو كلاب فقد أمّه... شعرت بالظّمأ وكثر لهاثي؛ مددت يدي أبحث عن الكأس التي وضعتها في مكان ما في العتمة.. ولكنّي تراجعت خوفا من أن تنكسر الكأس وأنبّه الجند الكامنين إلى وجودي..
صفحة 6
مرّ دهر قبل أن أسمع خطوات متوجّسة تقترب من مكمني ..تجمّدت فلم أطمئنّ؛ تكوّمت على نفسي وخبّأت رأسي بين ذراعيّ وذراعيّ بين فخذيّ واستندت إلى الحائط.. كانت الرائحة رطبة عفنة والخطوات تقترب أكثر فـأكثر جاءني ما يشبه الأمل أنّ المتحرّك نحوي كائنا من كان سيحسبني صندوقا للقمامة، أو برميلا، أو حتّى جزءًا من محرّك سيّارة فقد وظيفته. المهمّ أن لا يحسبني بشرًا! فإن شكّ فيّ فلن أكون بهذه الحال إلاّ كتلة من اللّحم وكفى. اصطدمت بي كتلة من اللّحم أضخم منّي وسقطت، ارتميت عليها، أحكمت يدي على رقبتها وضغطت بكامل قوّتي وصرخت: عليك أن تعترف بأنّك المجرم المطارد، أنت المجرم، اعترف .. جاءتني حشرجة من الكلام.. خفت أن أقتله فأصير المجرم. أبعدت يديّ عن طوق رقبته، ولكنّي أمعنت في الضغط عليه من مكان آخر ضعيف.. قال: لست أنا المجرم ..هناك شخص آخر يختبئ في الجهة الأخرى من هذا السرداب علينا أن نجده.. قلت: وماذا جئت تفعل هنا؟ قال: كنت في الشرفة حين رأيته يدخل مختبئا... فتبعته، فوقعت في شرك الحصار.. قلت: أتحاصر الشرطة المكان؟ قال: أجل.. همست وما الحلّ؟ قال: علينا أن نمسكه ونسلّمه إلى الدّرك قبل أن يتّهموننا ويبرؤوه. سرنا سويّة بحذر ونحن ننوي الإيقاع بالمجرم الحقيقيّ.. وفي نقطة ما ارتطمنا بأجسام متكوّرة، قبضوا علينا، وكادوا يزهقون أرواحنا، وقالوا إننا المجرمان. ولولا أنّهم تعرّفوا علينا لقتلونا أو لاقتادونا إلى الدرك الذي يحاصر العمارة.. هل يصدّق هذا؟ كلّ سكّان العمارة في دهليزها، والكلّ جاء خطأ وراء مجرم ما؟ لكن أين المجرم الذي يبحث عنه العسكر المطوّقون لسكّان العمارة..؟ ربّما اختلط بنا.. أحدنا هو المجرم والبقيّة أبرياء .. ولكن كيف يمكن أن نعرفه؟ ظللنا نجوس في دهاليز سرداب العمارة والرّوائح النتنة تنبعث من كلّ مكان وفي كلّ مرّة نجد أجسامًا جديدة مكوّمة تنكر أنّها المجرم وتزعم أنّها من سكّان العمارة..
طال بنا المقام وانقسمنا إلى جماعات.. لم تسكن نفسي إلاّ لرجل في الخمسين بدا الأقدر على تجرّع الموقف والأكثر تكذيبا لموجة الإشاعات التي كانت تتلاطم من حولنا.. قالوا: إنّ القوّة العامّة تزداد بين الوقت والوقت بمئات العساكر لأنّ المطارد مجرم سياسيّ خطر.. فقال ذو الخمسين: لا يمكن لأنّ المجرمين السّياسيين لا يلوذون بالسراديب ليختفوا، هم أّذكى من أن يحصروا أنفسهم في الأماكن الضيقة.. وأشاعوا أنّّهم بدؤوا ينفثون غازاتهم حتّى إنّ بعض المختبئين معنا أغمي عليه ..فقال: ذو الخمسين لا يمكن ذلك لأنّ الغازات الخانقة مكلفة، ولا يمكن أن تضحّي الدّولة بالثروات الغازيّة من أجل حفنة من الجبناء الخائفين أمثالنا..
صفحة 7
يئسنا من العثور على المجرم الحقيقي.. سألت ذو الخمسين عن الحلّ قال: علينا أن نخلق المجرم حتّى نخلق براءتنا. جمعت له بقيّة المختبئين حتّى يعرض عليهم هذه الفكرة.. خطب فيهم، وكان مفوّها، بكلام رنّان ومؤثّر؛ فوصف الوضع وعقّد المسألة وأرهب حتّى أبكى.. وفي الأخير اقترح أن يضحّي أحدنا بأن يدفع ثمن الجماعة ويعترف بجريمة تسكت الشرط المنتشرة من حولنا تضيّق علينا الحصار..
لم يتقدّم أحد إلى دائرة الحلقة ربّما شعُرتْ الجماعة بما شعرتُ به ؛ صار كلّ شيء في الدّنيا جميلا حتّى فقري وفاقتي وحتى تسكّعي ووحدتي وحتّى فشلي في قصص الغرام المتعدّدة.. كلّ شيء تعس يصبح في هذه اللّحظات مرساة تشدّ قاربك الذي يوشك على الغرق إلى ميناء خرب ولكنّه أفضل من ساعة كريهة تقضّيها تحت الكرباج ..
حين طال الصمت وانكسرت النظرات وعلا صوت النفس على صوت الكلام تكلّم ذو الخمسين.. قال: أنا أريحكم من هذا الوضع.. سأخرج السّاعة وأفكّ الحصار وأعترف بأنّني المجرم الحقيقي... لم أشعر إلاّ ويدي التي أقلعت منذ مدّة عن التصفيق تعود إليه.. وما هي إلاّ لحظات حتّى تجاوبت أصداء التصفيق وحملنا ذا الخمسين على رؤؤسنا.. وحين وصلنا حذو الدّرج المفضي إلى الخارج.. طلب من سيّدة أن تعطيه قطعة قماش بيضاء من ثوبها الدّاخلي يرفعه علامة استسلام.. سارع بعض الرّجال يخلع ويمزّق ويناوله ما أراد.. وصعد رمز التضحية، وقبل أن يغادر قال: لا تخرجوا حتّى تسمعوا الأبواق تعلن فكّ الحصار..
مضى وقت طويل ولم يأت النفير.. استبدّ بنا العطش.. والجوع.. لم أعد أرى إلاّ رغيفا وكأس ماء وسيجارة.. قرّرت الخروج.. سأعترف بأنّي مجرم صغير.. المجرم الكبير غادر...
لم أشعر إلاّ وقدماي تصعدان السلالم وفجأة لاح لي نور الشّارع .. نور حين يقذف في قلبك يشعرك بالرّجفة ويملؤك بالرّعب.. دفعت قدمي إلى الخارج تلمّست بحذر طريقها وساعدتها عيني الكاشفة.. ليس هناك من شرط ولا درك.. لاشكّ أنّهم مختبئون يراقبون حركاتنا ونوايانا..عليّ أن أبدي حسن نيّتي وأتّجه إلى المخفر وأعترف.. دخلت منهكا قسم البوليس.. وجدت ويا لهول ما وجدت.. كان ذو الخمسين هناك يجلس على المكتب.. رحّب بي وقال لكاتبه: خذ أقواله كما فعلت مع البقيّة.. قلت: أنا يا سيّدي مجرم صغير.. اسألوا صاحبكم ذا الخمسين.. وقلت كلاما آخر وأمضيت دون أن أقرأ.. قادوني إلى مكان مظلم ولمّا تبدّد ظلام عيني وسكنت إلى الظلام بدأت أرى وجوها مألوفة.. رفاق الحصار.. فرحت بهم وفرحوا بي وحين سكنت إليهم وعرفت التّهمة الموجّهة إلينا قلت: الحمد للّه أنّهم لم يعتبرونا من كبار المجرمين.. هم أيضا حمدوا اللّه على النّجاة من الحصار ومن التّهمة.. ودعوا لذي الخمسين الذي كان شاهدا يشهد من أهلها على أننا لسنا من كبار المجرمين.. (*).
________________
نشرت بجريدة القدس العربيّ يوم الثلاثاء 20 ديسمبر 2005 ص10
صفحة 8
يوم دخل الزُّنبُورُ بلاط بغداد!
بما أنّني نحويّ والنحويّ من اللُّغاة، أستسمحكم في بعض اللّغو حول المسألة المعروفة عندنا بــ الزّنبورية (*).
اجتمع رأسَا المذهب البصري والكوفي (سيبويه والكسائي) في أيّام الرشيد وفي عاصمته بغداد حين كان الصّفاء يسود بينه وبين البرامكة وكان الاجتماع لتدارس مسألة مهمة لم تظهر أهميتها إلاّ فيما بعد وهي: هل نقول كنت أظن أنّ العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أم فإذا هو إياها؟ قال سيبويه -وقد كان ضيفا على بغداد وعلى بلاط يرتاده الكسائي-: فإذا هو هي. وسفّهه بعد الكسائي تلامذته، وعمل الزنبور عمله في دماغ النحاة والعقرب، فلسع ما شاء ولدغت ما طاب لها، فهاجوا وماجوا، واستنجد البرمكي بمن كان علي الأبواب من الأعراب، فأيدوا الكسائي تأييدا لم يرض سيبويه ولا أصحابه بعده. وبلسعة عقربيه أشد من لسعة الزنبور قضي سيبويه بأرض أخرى غير التي لسع فيها. وزاد البرمكي الكسائي كساء علي كسائه أنام وخز لسعة الزنبور وما داواها. ولما مات الرّأسان، رأسا المذهبين من لدغة العقرب ولسعة الزّنبور، عاد مريدوهما إلي إثارة الزنبور والعقرب من مخبأيهما وعاد الصراع إلي أوله: هل هو هي أم هل هو إياها؟ هل يصح بازاء شدة اللسعة الوجهان أم يصح الوجه الواحد؟
مضت قرون منذ دخل بلاط بغداد الزّنُبورُ والعقربُ ومنذ انتقلا إلي الكوفة والبصرة ومنهما إلي أصقاع كثيرة تدرس فيها العربية، وعششت الزنابير وفرخت العقارب حيثما وجدت رؤوسٌ نحوية قبل أن تدخل رأسي أنا هذه المسألة.
ينبغي أن تكون نحويّا؛ أي ممّن يقال لهم انحوا هذا النحو فينحون (**)، حتي تشعر بوطأة المسألة علي دماغك. إنك تصاب بهوس كبير؛ تُفْتحُ بوابة مخيّخك فتدخل فيه المسألة، وعندها تشعر فيه بدبيب كدبيب النمل أو أشدّ، وحين تشعر بأنّ لذّة ما تغمرك لعلها لذّة الظفر بالحل السحري لهذا اللغز، ينقطع ذاك الدبيب وتصاب دماغك بما يشبه الأكل الجلدي فيغمرك فيض من شعور تريد معه لو يصبح جسدك كلّه أظافر لتجرش فتطيل أظافرك وتدخلها بين شعر رأسك وجلدته، تدخل الأظافر علي المخيّخ حكّا، وجرشا فتجرش وتجرش وتجرش وكلما حككت - وما حكّ جلدك مثل ظفرك- تشعر بشيء من التورّم فتتكوّر خلايا المخيخ، وكلما تكوّرت صارت مادّته الشّحماء سوداء داكنة. وحين تصبح خلاياك مملوءة زنابير وعقارب، تسلم أمرك لقوّة ما تسيّرك وتشعر أنّك في راحة كبرى. فكم كانت خلايا مخيّخك تزعجك قبل أن تملأها كائنات المسألة الزّنبورية، لا يهم عندئذ أن تختار هو هي أم هو إيّاها، علي الزنابير أن تتدبّر الأمر مع العقارب، أمّا أنت فقد بتّ بلاطا تعشّشُ فيه زنابير بغداد وعقاربها.
صفحة 9
يخيّل إليك حين تصبح نحويّا أنّك مطالب بالإجابة علي السؤال المركزي: أهو إيّاها أم هو هي؟ عندها يمكن أن تخرج من نفس المسلك الذي خرجت منه المسألة والزّنابير: من بلاط بغداد في اتجاه الكوفة والبصرة ـ وهذا مسلك ضروريّ ـ وبعدها لك أن تشرّق أو تغرّب، أن تذهب إلي فارس أو إلى بني أميّه في الشّام أو في الأندلس، لا يهم ستقودك الزنابير والعقارب فهي تعرف جيّدا هذه المسالك وثقْ أنّك ستصل معها إلي برد اليقين.
لكن شيء واحد مطلوب منك، حين تصبح نحويّا، أن تحسم أمْرك حسْما ظاهرا: هل أنت مع سيبويه الذي مات بفارس مكمودًا؟ أو مع الكسائي الذي عاش في بحبحة الرّشيد؟ لن تحتاج كثيرا من التفكير حين تكون نحويّا، فالزّنابير والعقارب التي تسيطر علي خلايا مخيّخك ستتدبّر الأمر وبأسرع ممّا تتصوّر ستجدُك كوفيّا أو بصريّا. لا تقلق فالغنيمة ثابتة ولا تبتئس فالموت مصير الناس جميعا.
كنت أعرف ذلك يوم. فكّرْتُ في أن أكون نحويّا ولكنّي أردت أو أرادت الزنابير أن أكون أكثر احتيالاً؛ قلت سأغنم ما لـم يغنمه أحدٌ، وسأقول إنّي مع البصرييّن للبصرييّن ومع الكوفييّن للكوفييّن. عزمت أمري علي تنفيذ الخطّة ويمّمت وجهي صوب حلقة الكوفييّن وجعلت أسردُ عليهم حججهم التي تقوّي رأيهـم في المسألة الزّنبوريّة، لم يلتفت إليّ أحدٌ، ولا أبـه بي وجه أو قفا! ربّما كانوا يتفاوضـون في مسألة عنكبوتيّة أو حربائية أو حلزونية لم يصلني علمٌ بها. قصدتُ حلقة البصرييّن وجعلتُ أسردُ علي مسامعهم حججـهم المقوّية لرأيـهم فما أبهوا بي ولا استمع إليّ منهم مستمعٌ، ربّما كانوا يتناقشـون في إمكان أن تكون القشّة أشدّ وخزا من ذابل السيف أو ربّما هي هو أو هو إيّاها... المهم أنّي شعرتُ بأنّ انتسابي إلي المذهبين معًا بات أمْرا مقرّرا، فعيون القوم وإن لم تكن معي فإنّ قلوبهم قد رأتني.
عدت إلي منزلي، وجدتُ كلّ الزّنابير بها والعقارب، لقد أرسل عليّ الكوفيّون عقاربهم والبصريّون زنابيرهم، وما إنْ فتحتُ الباب حتّي اعترضتني اللّدغات واللّسعات. وكنت عوض أن أتراجع أمعنُ في الدّار دخولا. كانت الكائنات المعشّشة في خلايا مخيّخي تدفعني إلي هذه الكائنات المعشّشة في خلايا بيتي. حين تتالت اللسعات واللدغات وحين ألفتُ الألم وصار الوخز جزءًا من جثماني، اشتغلت خلايا ناشطة في مخيّخي وأرشدتني إلي أنّ اللسعة الزّنبورية ليست كاللّدغة العقربيّة، وبتُّ أميّز الاثنتين، فكلّما شعرت بوخزة عرفتُ مأتاها أهو زنبورٌ أم هي عقربٌ. عندها شعرت ولأوّل مرّة أنّ المسألة التي أعرف والتي يعرف النحويّون لم تكن هي هي ولا كانت هي إيّاها. فقبل أن تجيب علي سؤال النحوييّن علي العقارب أن تلدغك فتحيا لتلسعك الزّنابير فتنجو وبعدها توازن بين لدغتين، وقبل ذلك كلّه عليك أن تكون قابلا بجثمانك للتجريب والتخريب، وليست المسألة أن تعيش أو أن تموت بل أن توازن بعد أن تذوق السّمّ تجريبا ـ هل أنّ اللّسعتين متكافئتان، وحين تقرّر ذلك ـ وهل يبقي معك عقلٌ؟ـ تناقش النحويّين في وجه ما من لوْك اللّسان للكلام وهو يلوك مرارة الجرعة المسمومة.
صفحة 10
أدركت أن في المسألة تهميشا ولعبا علي النّحاة وتصالحا مع الزّنبور والعقرب، كيف فاتني أن أعلم ـ والعلم كلّه للزّنابير المعشّشة في خلايا مخيّخي وللعقارب ـ أنّ المسألة لمّا طرحت في بلاط بغداد طرحت محرّفة، وأنّ البرمكي أو الرّشيد ما جمع النحّاة علي حقيقة لسع الزّنبور والعقرب وإنّما علي حقيقة هي قابلة للنظر أيّ اللّسعتين أحدُّ، وقد يكونُ من حرّف المسألة هم النحّاة، وقد تكون المسألة خرجت من بغداد محرّفة بعد أن دخلها الزّنبور! لكن هذا الذي صاغ المسألة وصار بها واثقا من صدق حدسه، كيف نجا من سمّ العقرب حتي يجرّب لسعة الزّنبور؟ على جسم كهذا الجسْم أن يكون قابلا للتسمّم حتى معه السمّ يعيش وعليه يتفوّق أو على جسم كذاك أن يكون مقاوما، صلبا، غليظ العود، جلدا يكابدُ ألوان السّموم ويري عذابات الموت ويحيا. لكن الجسم نفسه لا يمكن أبدًا أن يكون صافياً عذباً ناعماً فهو عندئذ يكون قد هلك بأيّة لدغة عقربيّة أو بأيةّ لدغة زنبوريّة.
حملت معي لسعاتي وأورامي وفي كل ورم مكوّر من اللّسع سكن سؤال، وقلت أذهب إلي الحلقتين عساني أتداوى. كنت كلّما دخلت حلقة اعترضني سدنتها بالزّجر والطرد وقالوا: لا ينتسب إلينا من يجمع العلمين جمع محبّ خدين، ولا يكون منّا من يدّعي أنّه يبحث عن أشياء إن تُبْد له تسُؤْهُ. طُردتُ من الحلقتين وصرتُ خارج الإجماع. لم يكن أمامي غير أن أعود إلي بيتي فالزّنابير صارت تملأ عليّ الأفق، والطريقُ عبّدتْه العقاربُ، وربّما كانت زنابير بيتي أوْلي بلحمتي الحيّة وعقاربة أوْلي بلحمتي الميّتة. قلتُ: لماذا لا أطرحُ أسئلتي على هذه الكائنات فإن متُّ غسلني برد من اليقين.
حملتُ أسئلتي ودخلتُ علي الزّنابير والعقارب، كانت كلّما لدغتني خرج إليها سؤال ممّا كان ثاويا في أورامي، لكنها كانت تجيب. قالت إنّها دخلت في ماض سحيق بلاط بغداد حين نُصحتْ به وحين خبروها أنّه لا ينفع تعطّشها للأكل والنّهش غير هذا البلاط، وقالت إنّها لمّا دخلت دعا الرّشيد وزيره جعفر البرمكيّ، فعوض أن يجمع حكماء ييسّرون لنا النّهْش وعلى صاحب القصر العيش، جمع البرمكيّ نحاة. قال لهم عليّ بن أبي طالب أو زيادٌ بن أبيه ـ اُنحوا هذا النحو فنحوه) وعوض أن يطرح عليهم المسألتين معا، الزّنبورية والعقربيّة، طرح عليهم الزّنبورية وحسب، وعوض أن يتناقشوا في اللّدغ واللّسع وآثاره، تناقشوا في أثر المسألة في صحّة الوجه أو الوجهين، وهكذا خرجت المسالة محرّفة إلي علماء محرّفين فخرجوا من بغداد إلي الكوفة والبصرة وفارس وبقينا نحن الزّنابير والعقارب هناك في البلاط وهكذا انتصر النّهش فعشنا وتكاثرنا وكلّما نهشنا ولسعنا يدبُّ فيمن ننهش الخلاف، فعوض أن يضرب بقوّة من نهشه يضرب من كان قبالته ولذلك سمعت عن خلاف بين الرّشيد والبرامكة وعن خلاف بين سيبويه والكسائي وغير ذلك من الخلافات التي هي من مثارات اللّسع علي رؤوسكم.