المقدمة
تعد المجموعة القصصية الموسومة بـ (كهرمانة عصر النساء) للقاص الدكتور سامي شهاب الجبوري واحدة من المجاميع التي تحمل بين طياتها سحر الثراء المضموني والاسلوبي على حد سواء. فكلاهما (المضمون، والاسلوب) خلق جوا ابداعيا عمل على استمالة القارىء وجعله يعيش اجواء التجارب المعروضة. فعلى الصعيد المضموني نجد ان المجموعة تأرجحت كفتها بين طرفي التضاد، أي تساوت كفة الواقعية والخيال معا.فقد عبّر القاص عن تجاربه الحقيقية بست قصص وترك ما تبقى لسطوة الخيال. كما ان المضامين التراثية والاسطورية والشخصيات التاريخية قد حجزت لها مقعدا في دائرة الافكار التي أطّرت القصص. وهذا يعني انفتاح الأفكار الى مديات واسعة لامتشاج الماضي بالحاضر، وبعد عملية الصقل بدأت بوادر النتاج الجديد الممزوج بالوعي المعرفي للقاص الذي حمل سمة التوجه الاجتماعي. أما على الصعيد الاسلوبي فان سمة النظام الاستعاري والمجازي والرمزي شقت طريقها لرسم معالم الصياغات التركيبية، وهذا يعني تأرجح كفة اللغة الشعرية على السردية، وقد تبلورت مهمة اللغة الشعرية بامتصاص التشعب الفكري والمضموني وتقديمه بسلسلة متواشجة من المتعة والفائدة والأهمية.
واخيرا فانني وغيري نتفق على أهلية المجموعة التي هي الأولى للقاص لما تحمله من خصائص الابداع والتميز والاناقة الفكرية.. ونتمنى من قاصنا بذل المزيد من العطاء في المجاميع القادمة خدمة للمسيرة الأدبية والثقافية والمعرفية.
بقلم: سهى يونس سلمان
الايعاز المتأخر
كان الغضب يمتطيه وهو يصبّ علينا شعاراته المذيبة والمخيفة التي تدخل أسماعنا دونما استئذان، استعد استرح كلمتان تعفنتا في مسامعنا ونحن نخاف منه عندما يحين وقته.. الهدوء يعم المكان ولم نحرك ساكنا وهو يدور حولنا متفرسا في قيافتنا وآهات جراح الدراسة تغرس فينا سنابل السهام لفراقنا تلك المواطن ومكوثنا هنا.. هاهي شعاراته مرّة أخرى تدوي في أرض المكان..انتبهوا لهذا وعليكم القيام بذلك. قدّم لنا نصائحه الاجبارية ونحن كنخل شامخ لا يتحرك خوفا منه..أمرنا بالانصراف والتزام أماكن آمنة لان سنفونية صافرات الانذار بدأت تعزف لحن الرعب والايعاز بقوة (الى الوراء در).. هرول.. تحوّلت الهرولة الى ماراثون مشحون بالهزل لان وجوه الجميع كانت مبتسمة واصوات وقع البساطيل على الارض قد اطربت المكان المهجور واحدنا يسبق الآخر.تخيّلت على الفور ماراثونات العالم وكيف هو ماراثوننا.. جلسنا قرب القاعات التي سكنتها نسيمات الرياح الهادئة بعد هجر أصحابها لها عنوة بسبب الحرب وقهقهات بعضنا على سخرية جمهور (مولير) علينا لانه وضعنا في ملهاة نتخبط فيها آثارنا ونحبو لاهثين بحثا عن النهاية، وآخرين اخذوا يرتدون خوذا متروكة بين القاعات، وآخرين افترشوا الارض الصلبة (وبيرياتهم) تسدل الستار على وجوههم المتعبة زحفا وراء القيلولة.. أحلامنا بدأت تركب هودج الماضي وهي في طريقها نحو مواطن الكتب والدراسة ونفوسنا تنظر ثاقبة في بعضها الآخر متذكرة فقدها.. والصمت الداخلي قد عبّأ جنوده حتى بدأ نوفل (افأفته) من حاله وتناثرت من جعبته شظايا الملل وبدت تقاسيم وجهه تكتحل رمادا بعد رحيل قافلته الى منفى قريته قاصدة جامعته التي يتذكرها بمرارة المهزوم بمعركة أو حب وهو يقول: أهذا هو حالنا بعد التخرج.. بسطال وجوع واوامر؟.
قهقهة مباغته تصيب الهدف اطلقها عبد الصمد وشاطرته باضحوكة ممازحة وهو يردّ عليه: - انت بطران هسة وكت دراسة دشوف الحرب اشدسوي.
اطلقت له لساني وقلت: هذا هو حال العلم عندنا.
صرخة مدوّية جاءت تسبح في فضاء هادئ وترتطم هنا وهناك في ارجاء المعسكر وهي تحمل عبارة (هرولوا) الى مواضعكم فقد وصلت طائرات الاعداء.
هرولة ماراثونية أخرى تقبعنا جبرا في مواضع متفرقة تسع الواحدة منها لاثنين أو ثلاثة هربا من عقاب السيد العقيد المشحون غضبا لا من طائرات الاعداء التي تحلّق فوق رؤوسنا باحثة عن صيدها.. كنت قد قابلته قبل ستة اعوام وجها لوجه عندما جلس بقربي ونحن ندرس في صف واحد وهو يتفجر فرحا ويثور مرحا وها انا اقابله بوجه عابس في موضع ترابي عرضه مترين وكذلك طوله.. انجلت الغارة واذا بظل غيّم فوهة الموضع وعبد الصمد بتشكيلات وجهه الرومانسية يصرّح تصريحا من خلف الكواليس: كل عقلكم اموت بالغارة وما اتزوج!!
كان يأمل بتفائل ان يتحقق حلمه بالزواج قبل هذه الملهاة المأساوية التي فُرضت علينا.. نهضنا ننفض أتربة قد كحّلت بزّاتنا وامزجة متأملة المجهول تصفع أفكارنا واحاديثنا عن تلك الأيام الجميلة بدأت تنضب من أوعية الذكرى ومرايا الهموم تلوّح لنا براياتها انها قادمة.. جلسنا قرب اكداس الخوذ وشعرنا انه يوم غير عادي فالساعة عزفت مقطوعة الساعة العاشرة وصوت حرس السرية لم يرن في مسامعنا عن موعد التعداد والنزول الى البيت... سنفونية صفارات الانذار تطرب أشباح المعسكر مرة أخرى والرياح الهادئة تصفع الاشجار وتميلها يمينا وشمالا وقرقعات البساطيل التي تتحكم بها الاقدام الخائفة تعزف لحنا آخر(سامبا الفزع) داهسة الفراشات الملونة وجيوش النمل المنتشرة على أديم الارض للعمل وهي تسير بنا نحو المواضع مرة أخرى.. رميت نفسي باحدى المواضع وعبد الصمد واياد يقطنان معي كنزلاء طوارئ وعشر دقائق في فندق أرضي طفحت بذكرانا نحو السطح واقحمتنا بتراتيل الخيال..استرجع اياد شريطه واوقفنا عند شلالات الموصل نزلنا من السيارات واتجهت كل جماعة صوب ما ترتاح، كان المكان هادئا وماء الشلال يتدفق بانسيابية مشلولة حتى استبانت للشلال مفاتنه من الحصى والقواقع والطحالب التي انتشرت على ضفتيه المطلية بالكافيتيريات وعدد من الباعة المتجولين.. الطعام الذي طهته وحضّرته أنامل الزميلات على سفرة نظيفة زكمت انوفنا وارغمتنا على مداعبتهن وهنّ يفترشن أصناف الطعام بانسيابية شفافة وموسيقى الاغاني الرومانسية صدحت بالمكان انسجاما وبهجة..انتهى التحضير وجلسنا نسمّي على مائدة الرحمن(بسم الله الرحمن الرحيم) واذا بالمقاومات الجوية واصوات مدافع الـ57 تقطع مسلسل الذكريات وترغمنا على التأهب والاستعداد وترقب ما سيحصل. اشتد القصف واشتدت المقاومة ونحن في وجل وحذر.. نواقيس الجوع تسللت اصواتها بين احشائنا وجوقة الحرب عزفت السنفونية الختامية لانجلاء الغارة ونحن نتقافز ناظرين في ساعاتنا واعيننا تتحرك كعقارب الساعة صوب مقر القيادة منتظرين قدوم احدهم لاعلان التعداد.. هلاهل الصرخات الاجبارية تبشرنا بالتجمع فورا أمام حضرت العقيد الغاضب دائما. تسحّبنا واحدا تلو الآخر واقدامنا تركل احداها الأخرى استعدادا واستراحة بحسب ايعازات العريف واذا به يصعقنا بقوله: انتبهوا ستنامون اليوم في المعسكر وسنسلمكم أسلحة كي تحرسوا المكان.
لم يتفوه أحدنا برفض أو سخط وكل ماقاله يجب ان ينفّذ ووجوهنا ترهّلت خيبة بعد الصفعة، مرة أخرى يتفوّه بغضب عارم وتهديد مخيف وهو يقول: اذهبوا الى المطبخ لاخذ القصعة وانتظروا موعد تسليم الاسلحة.
علياء كبريائنا أوصدت أبوابها كي لا ترحل القافلة صوب المطبخ.. تهامس البعض ورفض الآخر واستسلم الآخر حتى تحوّل حديثنا الى شبه اتجاه معاكس وكل فسّر للآخر وجهة نظره.. التقيد باغلال الاستسلام فاز بجرنا نحو منتدى الطعام لان الحانوت قد اغلقت أبوابه للهجرة القسرية التي تمثلت بالتنقلات الى الوحدات الثابتة.. الامعاء بدأت تذرف دموع الجوع وتسكبها في كأس الكآبة التي انتابتنا.
هرول هرول.. كلمة صدحت في أرجاء المعسكر من نقيب ذات ملامح سمراء وهو واقف أمام المطبخ وباستهزاء يقول: شدورون ريوك.. انتو بطرانين..
اصفرّت وجوهنا واختلطت التقاسيم مع بعضها ونحن مندهشون بالطعام والكلام في الوقت نفسه.. وعبد الله يوجه لكمة ممازحة لحضرة النقيب ويقول: سيدي اشلون ما نريد ريوك مو كتلنا الجوع..
صرخة مدوية من النقيب تنقلني على الفور الى مدرسة الشروق الابتدائية وانا ماثل أمام معلم الرياضيات الاستاذ هادي وهو يقول لماذا تأخرت؟وانا ارتعد لهول الموقف.
السجن القريب من المطبخ طأطأ اذنيه ورتّب لوازمه لاستقبال نزيل الطعام..اقتادوا عبد الله الى غرفة صغيرة أشبه بمعتقلات هتلر بعجرفة وازدراء ونحن واقفون أمامه من دون حراك أو ان ينبس لسان احدنا بكلمة.. الأرض ركّزت جاذبيتها على وجه نوفل وجعلته نديمها لا يقوى على رفع رأسه..تقدمنا بطابور لاستلام برتقالة مع حساء شوربة عدس وصمونة صغيرة واذا بالنقيب وليد الذي يسكن بجوارنا يلزمني بأخذ علبة جبن ولكن صاحب السمار حضرت النقيب هادي يقول: عيب عليك خلّيها للضباط مو عدنا خطار..
تركت العلبة وتركنا المكان بعد ان شبعنا من طعام كلامه ظافرين بغنيمة قدرها صمونة وبرتقالة.. المواضع التي افترشت أرض المعسكر تهلهل لنا بعد رجوعنا من معركة طعامية خاسرة وتدعونا الى ضيافتها لان سنفونية الغارة استرجعت قواها من جديد، وصيحات العقيد الغاضب تلاحقنا هرول هرول.. ولكن الى أين هذه المرة.؟.
ملك معاقب بالاعدام
خيّمت الحيرة على وجوه حشود المنافقين والحرّاس والخدم الذين انتشروا في ارجاء القصر الملكي وهم ينظرون الى ملكهم المتجبّر كيف يصارع منيته على سريره الذهبي الذي اكسب المكان هيبة..تراتيل الترجي وترانيم الاشفاق التي اطلقها الملك لم تلق عند خصمه قبولا،بل اصرارا على جعله في احتضار أخير..همسات الحشود تطيّرت أصواتا عالية في أزقة القصر الكبير وهي تقول:الملك سيموت،المملكة ستنهار،ماذا سيكون مصيرنا؟ صرخات الملك دوت سنفونية مشؤومة في ارجاء غرفته المزيّنة والمنوّرة لا لا أريد ان اموت لا لا..دندن مستشاره الأول بهلول في سرّه وهو يشهد صراع ملكه مع منيته وبمساعدة اطبائه الشخصيين قائلا: سأحكم المملكة من خلف الكواليس نعم سأفعل ذلك؟..
رحل عهد ماض كان قد عُبّأ حزنا ورعبا وهو بهيئة كسيح موشّح بقبح الافعال خلف سحب العهد الجديد،وقلوب الناس المكتوية تحدّق بعرش الملك الجديد من سيجلس عليه؟ مراسيم التتويج أمام حشود الشعب كانت صاخبة والهمس والقول والرطانة علت في فناء ساحة القصر ها قد وصل الملك ها هو ها هو...انحناءات مستشاريه ووزرائه رسمت لوحة من الطاعة وهو يمشي بينهم تحت ظل الاستيحاء قاصدا كرسيه عرش ابيه واجداده والمعزوفة الأخيرة تدقها ايادي الجوقة لتعلن ابتداء التتويج.تقدّم بهلول وسط الصمت الاجباري وانحنى للملك الجديد (اقبال) وتلا على مسامع المحتشدين مفردات التنصيب.. والهلاهل على الفور والتصفيق قد خيما على أجواء الاحتفال..
ربيع عمره الثلاثيني أوجس في نفسه خيفة من تولي هذه المهمة في ليلة التتويج،والافكار المضطربة تتشظى محيّرة لا تعرف من سيهديها الى الطريق الصحيح، فحكم ابيه واجداده أخذ من قلوب الشعب والسنتهم ولاء الطاعة العمياء من دون ان ينبس لسان احدهم بكلمة لماذا أو لا واحدة...ساعات ثقيلة تسير ببطء عليه وهو مطأطأ رأسه راجلا قدماه ذهابا وايابا داخل غرفته ويداه تصطكان ببعضهما مع حشرجات صوت مبحوح ماذا سأفعل؟...قلق نفسي وعينان تبصران عبر نافذة واسعة افول نجوم السماء شيئا فشيئا وعقارب الساعة تحبو مشلولة نحو تقسيماتها المنتظمة،واضواء الفجر فتلت عضلاتها عبر مطربيها (الديوكة) معلنة (كوكوكوكو..) وبعفوية ردد خلف المطربين الخرسان (الديوكة) مقطوعة نثرية تعود لاحد كتاب العصر العباسي (فصاح الديك ها انا اناديك،ها انا قد اذنت فاقم الصلاة انت،هذا أوان صف الاقدام ووضع الجباه...) لبى طائعا نداء الاستغفار واهتدى بفكرة الاستعانة بعلماء المملكة للمشورة والامتثال...لم ترق لبهلول هذه الفكرة وراح ينفث في قلب ملكه سحر خبثه قطرة بعد أخرى حتى يسير بمشورته ويحكم بما يقرّه هو وحده..أخبار مملكته ومعاناة شعبه تأتيه مجمّلة عبر مستشاريه ووزرائه الذين سيطر عليهم بهلول لاسبوع من التتويج.. والامانة والراحة صكت في نفسه ابواب الشكوك والخيفة من حصول شيء ما في المملكة..
جهاد عقله في سوح أفكاره مكّنه من الظفر بفكرة الخروج من قيود اركان قصره الى الشعب ليرى ما يجري في مملكته من حقيقة ما يسمعه من مستشاريه ووزرائه، وقد هيّأ لنفسه ذلك عندما بدأ ينعزل بصومعة خاصة ليوم في الاسبوع لا احد يعرف ماذا يفعل وفي أي مكان هو..تسلل من قصره والشمس قد تسيّدت السماء باعثة لهيبها بشدة وثياب رثّة أكست جلده المدلل الذي لا يقوى على تحمل سنن اللهب التي تنفثها الشمس متنكرا قاصدا السوق العام في الميدان ليرى ويسمع ما يجهله..دخل وسط الزحام وعيناه القابعتين خلف لثام متهرّ تفترس بفزع ما حوله خوفا من مصير رحلة مجهولة المعلوم..توغل أكثر فاكثر في صفوف المارّة واصوات مروّجي البضائع تستقر عنوة في مسمعه وعلى الفور تناثر غبار شديد من بين المارة عكّر صفو الجو الملتهب واصوات صهيل الرعب تبطش به باسواط هرّأت جلده وهو تحت اقدامهم يحبو منكبا على وجهه وهو يصرخ سأدفع سأدفع سامحوني سأدفع..الصهيل يتعالى والاسواط تتوالى من دون ان يحرك الجمع المتجمهر شعوره حتى ولو بكلمة مسكين.تقدم أكثر من الحلبة التي نصبت أمام محل الاقمشة وثقب جدار الجمهور المتصلّب خوفا حتى وصل الى المقدمة وشاهد ثلاثة طغاة يرتدون زي جباة الضرائب يتسلّون بغطرسة بهذا الذي اصطبغت بزّته بلون الدم والتراب..ارتعد شفقة وتكلّست قدماه على أرض مغبرّة من هول المشهد وراح يدمدم مع نفسه حتى انفجر بركان لسانه وتفوه بكلمة كفى كفى...انكم مجرمون انا الملك..ذهول المتجمهرين أخرس همسات سرّهم على قول الملك ولسان حالهم يقول:ايريد هذا الفقير ان يقتل؟ ماذا دهاه؟ ضحك بخسرية أحد ابطال الغطرسة على هذه الصراحة والجرأة وقال:انك حتما ملك مملكة الفقراء والتعساء ولصراحتك ستكافىء حالا..بمباغتة سريعة يترنح السوط على ظهر الملك بضربات موجعة تسقطه ارضا الى جنب المظلوم الأول وينال في أول ساعة من رحلته عذاب الاهانة والالم.
انتهى المشهد.انصرف الجمهور ولملم الملك وصاحبه اعضاءهما المتألمة.وانعطف في سيره الوئيد المتمايل نحو سكينة ليسترد عافيته.انزوى بعيدا عن زحام السوق واتكأ على جدار منزل وانفاسه تومض متقطعة بتباطىء مقيت..فكّر في موقفه المؤلم ولم يشء ان يرجع الى قصره بل آثر تفقد المملكة..غفوة بسيطة تنقله بجلباب أمير في باحة قصره المزيّن وافراد الحرس قد انتصبوا تماثيلا لحماية المكان وابيه تزيّنه بزّة الملك الخاصة والسوط بيده يبطش باحد حراسه لانه قصّر في اداء واجبه اهمالا.يزهو السوط بافتخار وهو يكوي جسد الحرس والملك المتجبر يتلذذ بما يصنع حتى صرخ الأمير كفى كفى..ارجوك كفى..فزع من غفوته على صوت اقدام رجل يكبره سنا رمى بين يديه كيسا صغيرا مغلقا وكسنا برق مرق واختفى في دهاليز ازقة المنازل المبعثرة بجنب السوق.استغرب الملك من ذلك وفضوله حرّك انامله الموجعة لمعرفة ما في داخل الكيس وما ان فتحه وتلامعت منه اضواء نقود معدنية حتى طوقته ثلّة من اللاهثين -انه هنا ان السارق هنا -وجدناه،قيدوه عنوة مع لكمات وركلات الهبت الم اضلاعه بعد الدرس الأول الذي هرب منه قبل وقت قليل،واقتادوه صوب صاحب المتجر الذي سرقت منه النقود وهو يردد انا لست بسارق انا لست بسارق،وصلوا عند صاحب المتجر وقرروا تسليمه الى العدالة إلاّ ان صاحب المتجر لم يرض بهذا الحكم واراد ان يقتص بنفسه منه وعلل ذلك بقوله:ان القضاة مرتشون فكم يتطلب منا هذا الأمر من النقود والوقت؟ احدهم بدهشة اذن ماذا ستفعل؟ ابتسم ونادى احد صبيانه اجلب لي السوط قررت ان اجلده ستين جلدة حتى لا يكررها ثانية.صرخ الملك وسط الميدان والثلة المنتفعة من صاحب المتجر والتجمهر العشوائي من المارة يسمعون كلاما غريبا.. انا الملك انا ملككم.ذهل المتجمهرون من هذا القول لانه تكرر قبل ساعات ومن الفقير الرث نفسه والسوط قد بدأ عمله بحراثة ظهره ليسقط الملك مغشيا عليه ويستفيق مرتميا في محل للقصابة كان صاحبه قد اشفق عليه وجاء به للمحل..أيقن الملك صعوبة رحلة المجهول ولاسيما بعد ان قصّ عليه صاحب محل القصابة سيرة احداث ما يجري خارج قصره من قتل ودمار ورعب وسوء القضاء وغير ذلك.
دوامة اعصار ضريرة تشرده خوفا من مجهول قد يحلّ به ليقرر العودة الى قصره..خطوات العودة باتت ثقيلة مؤلمة متجنبا كل حدث وشخص يقابله والتعب اثناء مشيه الكسيح يصطاده بين الحين والآخر..يجلس هنا ويواصل ويتكىء هناك ويواصل..اقترب من مشارف قصره المتلألىء ولم يبق سوى بضعة منازل قليلة ليعبرها..التعب سخر عدو له يصطاده ويجبره على الجلوس.جلس في نهاية زقاق ضيق وصوت ناعم يستنجد هذه المرّة..اتركه اتركه ارجوك لا لا لا تفعل ارجوك لاتقتله.نهض غاضبا لانهاء الموقف وجوانبه المؤلمة تقول له اترك ذلك اترك ذلك..صراخ ناعم الزمه الحضور للمشاركة في الموقف واذا باثنين يتصارعان أمامها وهي تنوح ثكلى على هول ما تراه..طعنه وارداه قتيلا وصراخها يدوي لا لا..التفت خائفا رأى الملك ولى هاربا تاركا المشهد بلا نهاية.تقدم الملك نحو المرأة الثكلى وبهدوء لا عليك فانا الملك وقد رأيت بعيني ما حصل وسأجلب لك حقك.كلام ملك وصراخ ثكلى وهكذا حتى تجمع الناس وسؤالهم من القاتل من القاتل. اشارت باصبعها وهي تنوح انه هو.أوه الملك ثانية،صرخ الملك كعادته انا الملك انا الملك..حراس المملكة اقتادوا هذه المرّة الى سجن المدينة ورفعوا قضيته الى القاضي بعد ان سردوا كل ما فعله وادّعاه.نظر القاضي اليه وهو رثّ البزة مبعثر الملامح جرّاء ما حصل له وبعد ان دوّن الشهود افاداتهم لما سمعوه من ادعائه بكونه الملك وسرقته وقتله اصدر القاضي عليه حكما بالاعدام شنقا وينفذ على الفور حال توقيع الملك عليه..أرسل القاضي ملف القضية الى حضرة الملك المسجون وسلّمت بيد مستشاره الأول بهلول الذي يريد الخلاص منه.قرأ بهلول القضية واستغرب وقال أيعقل ان يكون هذا الملك؟قرر ان يذهب ليراه من خلف الستار أمام القاضي ليبت بالحكم وبعد الوصول تفرّس فيه وايقن انه هو الملك وقال للقاضي انه ليس الملك..الملك سيوقع حالا اوراقه حتى تنفذوا حكمكم.
تجمهر الناس وسط المدينة ليروا حدث الاعدام شنقا وبهلول ومستشاريه ووزرائه الذين اعلنوا الولاء له أول الحاضرين..صعد على منصبة الاعدام وتدلى الحبل من الاعلى قاصدا رقبته وفي سرّه آهات وحسرات على شرّ الناس وسطوة الأيام..الطبول تقرع لحن الوداع والحبل يطوّق رقبته واحدهم يزيح من تحت قدميه كرسي الوقوف،وبخوف مدهش يسقط من على سريره لا لا لا أريد ان اموت..أوه انه حلم مقيت.
القلعة فتاة حزينة
تسير بي عربة الزمن الى ذكريات الأمس الموجع عندما أمرّ من تحت سورها الأخّاذ الذي اندثرت آثاره ولم يبق منه سوى اطلال بالية لا تحمل سوى الماضي الأثري وهي في داخله منزوية على نفسها تبغي من ينتشلها من واقعها هذا... كنت ومازلت أنظر اليها بعين مدمعة واقبل عليها بوجه مزقته تعابير الدهشة وهي واقفة أمامي بحياء وخجل؛ وقد ارتدت لباسا رثا مزقته مخالب السنين التي طوت في عالمها مرحلة الاستمرار.. تُقبل عليّ دوما بخطوات متعثرة وهي تبكي وتقول خذ بيدي الى ناصيتك وافتح صفحة الماضي واحييني من جديد... فتاة جميلة تلك التي تبكي، فهي تقيم بعزّ وشموخ وسط عالم الحسان وهن يلتفن حولها مفتخرات بجمالها وحسن طلعتها وبهائها.. ترتدي ما ترتديه من أوصاف جليلة سمحت لها ان تكون ملكة جمال الآثار، وهاهي اليوم تقف حزينة بين الحسناوات تدير وجهها عنهن لما أصابها من وجع وقحط... ظلت تعاني وتعاني وتكابح جماح نفسها حتى وصلت الى نفق دهليز مظلم فيه وحش كبير سلبها جمالها ورونقها وطرحها أرضا تحت أقدام زميلاتها اللواتي كن ينظرنا اليها نظرة الاحترام حتى باتت أسيرة مرضها المعدي وهو النسيان... هودج الماضي التليد أخذ يسير بي نحو خوالد الحضارات وانا ارتطم بسندباد؛ وانادي عشتار؛ واحلم بيقظة ممتعة بتموز، وكلكامش يركض أمامي مسرعا خلف سراب الخلد، وحمورابي يعرض مسلّته بافتخار أمام حشود المثقفين، والمعركة اشتد وطيسها لصهيل الخيول التي انتشرت في ارجاء المكان؛ واصوات السيوف تتحاكى على لحن التحدي والنصر؛ واذا به عنتر بن شداد يثير الدهشة والرعب في نفوس الاعداء ويتصاعد غبار المعركة ويصطبغ بالسواد ولاحني من تلك المعركة الرجوع الى الحاضر واذا بي اتنفس مختنقا ترابا جرّاء الغبار الذي استوطن الجو باكمله... تلبدت السماء بغبار كثيف حجب ضوء الشمس والناس من حولي في السوق الذي بقرب القلعة يتبضعون ويتهامسون، واصوات الباعة تصدح في اذاني كناقوس المآذن للترويج عن البضائع... تركت المكان المزدحم هاربا نحو احدى المقاهي التي تقابل القلعة لكي اتخلص من الجو المكفهر الذي عتّم المكان نتيجة تصاعد الغبار وافتراشه أرض السماء... دخلت المقهى وفي جعبتي الصدأة المتهرّأة أضغاث أحلام اليقظة المتعلقة بالقلعة الأثرية، بدأت كواليس عقلي بتهيئة المكان استعدادا للارتماء مجددا في احضان التاريخ المجيد الممثل بالقلعة وما ان بدأت اتأمل في جدارن القلعة وطريقة بنائها وشكل عمرانها ومن الذي سكنها حتى قطع حجي وليد صاحب المقهى خلوتي في حلمي اليقظ عندما قدم لي الشاي المهيل وهو يقول لي: الله بالخير استاذ.. أجبته: الله بالخير.انصرف حجي وليد بتعاريج وجهه الشكسبيري وتراسيم أحدب نوتدردام الهيجوي نحو الزبائن عارضا خدماته وهو متلفع بقوة محاربي الساموراي... تركت عيني حجي وليد وانصرفت مترجلة نحو حائط المقهى الذي تسلقت عليه لوحات تاريخية تمثلت بالشواخص الكركوكلية القديمة من شوارع وحدائق ومقاه واسواق وهي في وسطهم تشع بهاء انها القلعة بهيبتها وحسنها وجمالها.. بدأت انظر الى الحقيقة الرثة والى الصورة الجميلة بنوع من الانكسار والانطفاء الذاتي متألما على حالها ناقما على من جعلها تستجدي العطف والاهتمام.. مرق حجي وليد بقدحي شاي من أمامي وهو يلفظ شاي القلعة شاي القلعة.. رطن في أذني في الوقت نفسه صوت احد باعة الصحف والمجلات (جرائد، مجلات.. اقرأ جريدة القلعة.. القلعة).. نعم القلعة بدأت تعم المكان استوطنت فيه شغلت حيزه ارتعدت احاسيسي حبا وشوقا لها حتى ترنح قدحا الشاي على طاولة الخشب القديمة أمام اثنين استبانت عليهما تراسيم العز والثقافة.. أمطرهما حجي وليد بعد وضعه الشاي أمامهما بسيل من الترحيب.. الله بالخير.. يا هلا بالاساتذة.. كيف حالكما؟ لم يكن الترحيب لينتهي حتى بدأ الحديث عن القلعة.. فتلت أذناي مستقبلاتها لاستلام بث حديثهم واذا بشجون الحديث يأتي لصالحها..
تحدث عبد الستار قائلا: ستشهد القلعة حملة تنقيب واعمار واسعتين ستغير من معالمها.. اكمل زميله استاذ صاحب الحديث قائلا لحجي وليد البادىء بالسؤال عن القلعة: نعم سترون حجم التغيير خلال الشهر المقبل لرصد الوزارة مالية للتنقيب والادامة... فرحت فرحا كبيرا وتطايرت من وجهي شرارات من الابتسامة لهذا الخبر.. زادني الفضول شجاعة وشاركتهما الحديث بعد ان القيت عليهم السلام.. جلست لاستمع منهما الى تفاصيل العمل الذي سيجري والذي سيجعل من قلعتنا حصنا شاخصا في التاريخ الحاضر بعد ان كانت هكذا في الماضي التليد وانا مستبشر ومبتسم.. فجأة التفت أحدهم الينا كان قد جلس على الأريكة خلفنا وهو يستمع لحديث وعبد الستار وصاحب قائلا: آسف على تدخلي في الموضوع ولكن ما تقولانه ضرب من الكلام ليس إلاّ أقرأوا جميعا هذا الخبر الذي نشرته جريدة القلعة ماذا يقول: لا صحة للتخصيصات المالية للاثار وما قيل زوبعة اعلامية.
اشتدت المناقشات الكلامية بين الثلاثة وانا وحجي وليد جمهور متفرج على مسرح كلامهم أيهم سيصدق في النهاية، تصاعد غبار كلامهم أكثر وأكثر مع تصاعد غبار الجو في الخارج وضاقت عليّ انفاسي تأثرا بالجوين الطبيعي والنفسي حتى تشظت مني طيور الملل والتأفأف متجهة نحو القلعة التي اختفت عن مرأى العيون خلف العاصفة الترابية التي عصفت بالمكان.. اسدلت المناقشة ستارها ببقاء القلعة قابعة في أقبية النسيان والتيه عندما دخل أحد موظفي هيئة الآثار وسمع الحديث الدائر واعلن صراحة ان لا وجود للتعمير بل هي حملة تنظيف فقط وستغلق أبواب القلعة الأثرية أمام الناس نهائيا.
خيم الصمت على المكان.. اندثرت امارات الأمل.. تشردت آلاف الجمل والعبارات المواسية للقلعة... اعتلى الحزن مرتفعات الفرح.. آه يا الاهي لماذا كل هذا الانكسار.؟ انحن بقايا وحوش لا قيمة لها؟ لماذا تُجرّح أصولنا ويُؤكل ماضينا؟ أليست شواخص أجدادنا هي من عرّفت العالم بنا؟ آه ردهة النخبة المثقفة بدأت تزداد بمصابي مرض التنوير الثقافي.. ازداد الأمر سوءا.. تعطلت مآذن تكبير الفكر عن ايصال أصوات النخبة المثقفة وراحت تجعجع من دون رؤية طحن.. انه زمن الموت البطيء.. زمن اللاحضارة.. زمن الثقافة العرجاء التي لا تقوى على المطاولة.. أين نحن؟ الى من نلجأ لاسكات غضب عقولنا؟ هل سرقت احلامنا عنوة الى الأبد؟ نعم انها النهاية نهاية اللانهاية..
تركت المقهى قاصدا منزلي وانا حامل حقيبة اليأس في داخلي.. شققت طريقي وسط عتمة الرؤية لاشتداد الغبار في الجو، والأصوات المتعالية من حناجر الباعة ما زالت تصدح بالمكان واذا بصوت الحضارة التليد يخيم على الأصوات وهو يناديني: ياعرّابوا الثقافة الاصلاء لا تخافوا فنحن أحياء على الدوام ولا نندثر بل سيندثر حارسو اللاحضارة، حارسو الفوضى واللامرجعية..
أرجعني صوت حضارة الماضي التليد الى ساحة عنتر بن شداد مجددا وهو يقارع ببسالة اعداؤه، قامعا أصوات الزيف، ومكمما أفواه الخديعة التي تريد انتصار الهزالة على الاصالة.. نسيت غبار الجو واستمتعت بغبار معركة عنترة العبسي وزادتني النشوة مجددا بالافتخار بالقلعة وتنصيبها تمثالا أبديا في ذهني وهو يرتدي زي الشموخ والخلود... ولكنها في الحقيقة ما زالت فتاة حزينة.
كهرمانة عصر النساء
شعور روتيني كسيح قد طُرّز بوشاح التأخير ألبسني إياه الموظف عندما قال لي:ستنتهي معاملتك في تمام الواحد ظهرا. لملمت بعضي خجلا من أعين الناس التي تحدق في شبّاكه الصغير وهو يرطن(روح تعال باجر.. تعال بالوحدة.. روح بعد اسبوعين) وانا فخور بوشاح الروتين كما هم فخورين الى جنبي.عقرب الساعة انتصب ولدغني بوقته مشيرا الى تمام العاشرة صباحا وانا اتنزه وسط حديقة الدائرة الجميلة بتماثيلها الكونكريتية التي حجبت الشمس قاصدا الباب..هاربا من سجن الروتين راميا بوشاحه جانبا وخرجت..زحام كثيف (سيارات، حواجز كونكريتية، عربات الباعة) أثقل كاهلي وانا انحني واميل يمينا ويسارا كما لو كنت سيارة في سباق الرالي للتخلص من الفوضى..سارت بي قدماي الى حيث لا ادري،الى اللاوعي وفي مسمعي تدوي كلمات أمي (انتبه-الطريق خطر-الدنيا ليست أمينة) وامام مرآة عيني تعرض مسرحية الطعام الشهي والماء البارد،وفي اثناء اللاوعي تصفعني حرارة الشمس المتدلية تارة ويصطدم بي احدهم تارة أخرى..احشاء امعائي بدأت تتصارع مع بعضها جوعا وعطشا لاقرر الذهاب تحقيقا لرغبتها..خطوات كهلة اخطوها بتباطىء وعجز ثقيل واذا بمسرح الف ليلة وليلة يفتح أمامي وعرض الجرار تقدمه كهرمانة،فجأة انتابني شعور غريب والزمن في داخلي على الفور امتطى دابته راجعا الى عصور كنا قد قرأنا فيها ما قرأنا واذا بخيول تتصاهل واصوات ممتطيها تطرق أبواب اذني وبصوت واحد انتظر انتظر.. لحن الانتظار وباصوات جشة ارعبني كثيرا واذا بهم وخيولهم يحاصرونني لانتصب تمثالا كانتصاب شجرة السنديان تحت الهجير اللاهث بجنب كهرمانة،وعقلي يقلب حافظة الزمن..ترجل احدهم متجها نحوي وعلى مضض من خوفي ينزع لثامه واذا به علي بابا واصحابه الاربعين حرامي..بدهشة واستغراب ومن دون دراية مني قبلت التاريخ الذي كتب على جبينه وسألته عن شهرزاد وشهريار وسندباد وابي نؤاس،فاجابني بلوعة التحسر:انهم بخير ولكن التراب غطى كلماتهم ودثرها.
-كيف
- انك لم تحب كهرمانة تاريخيا بل لارواء ظمأك المعطش من جرارها
- ولكننا نشهد لكم تاريخكم في بغداد ونقرأ عنكم على الدوام
- صولاتنا وصهيل خيولنا لم تعد ترعب آلاتهم المدمرة وانتم منها على يقين
تكلمنا..تحاججنا..تباحثنا..حاججته..حاججني..واخيرا انتفض بوجهي متألما وهو يقول:لابد ان تحب اجدادك وتفخر بهم وها هو تاريخك يمتثل أمامك فعليك الحفاظ عليه خذ الماء منها وتذكرهم جميعا.. السلامة معك.
فجأة كما هي الفجأة الاولى يسدل ستار المسرح وينتهي العرض والجمهور يصفق والزمن يمتطي وقته مرة أخرى وانا بذهول أمام كهرمانة.. زحام كثيف ملء الشارع ومنبهات السيارات باصابعها تشير اليّ-انت مجنون انت عاشق
بخجل مني -انا آسف آسف..
تقدمت اكثر ونظرت الى جرارها الاربعين وهنّ قد امتلأن من ماء سندباد وشعر أبي تمام وكرم حاتم الطائي،وهي ما زالت حدباء منحنية تشكو سجنها التاريخي الذي كلفها بصب الماء..سألتها بلهفة ممزوجة بالآسى:هل رأيت ابا نؤاس
صوت دافء على الرغم من حرارة الشمس المحرقة وبهدوء تام
- شارع ابي نؤاس ليس هنا،بل في الجهة المقابلة
استدرت الى المتحدثة واذا هي فتاة قد عبرت الشارع مثلي نحوها وسمعت سؤالي لتمثال اصم نصب منذ عقود فاسعفتني بالاجابة
- قلت لها: شكرا لك ولكن هذا ليس سؤالي
- ماذا اذن
- لا عليك شكرا شكرا
عبرت الى الجهة الأخرى ونظراتي تلحق خلفها حتى اختفت وسط زحام الناس واذا بموج الصدفة يسكن نظراتي جوار جرار قد رتبن بانتظام..تبسمت الفتاة والأخريات من حولها وهي تملىء لهنّ جرارهم لانقطاع الاسالة وهي واقفة تحت ظلّ حماها وطأة حرارة الشمس التي احرقت كهرمانة..عقرب الساعة لدغني مرة أخرى مشيرا الى تمام الحادية عشرة ولم يبق على موعدي الروتيني وارتداء وشاحه سوى ساعتين.لم تشأ قدماي التحرك من منزل كهرمانة المفتوح أمام الناظرين وتلك أمامي تستدرجني بجمالها ووسامتها.التمست من عطشي الذي خرّب صحراء امعائي حجة للذهاب نحوها لشرب الماء..خرير ماء الجرار الصامتة يطرب مسمعي ولكن ما العمل.ماء الجرار ماء تاريخي عتّقته عقارب الزمن وهو يصلح لاناس تاريخيين وانا لست منهم.تركت منزلها بتحية مشدوه متوجها نحو جرار الآن وكهرمانة عصر النساء،اقتربت اكثر بحياء غريب وصوت قهقهتها سنفونية بتهوفن وقسمات وجهها المونليزي يطبع في مخيلتي عبقرية دافنشي..تغلق صنبور الماء لتحوله لجرة أخرى بلطافة ورقة،عندما اقتربت أكثر ووجدت سحر عينيها يتكلم عن نظرات زرقاء اليمامة لانها قد فصّلتني قبل ان امتثل أمامها
- بصوت خجول قلت لها:هل لي ان أشرب قليلا...بلطافة وحياء
- لما لا تفضل
سألتها أجابتني تركت الصنبور والجرار والفتيات يتهامسن من خلفنا.كلّمتها أكثر تقبّلت تفهّمت دعتني لمنزلها قرّبتني من عالمها مسكت يدها وسط ذهول الفتيات من دون ارادة مني وهي ترتعد خجلا،تكلمت معها همسا اقترب جسدي من جسدها واذا برعشة تنتابني مع سماع صوت معلم التاريخ الذي أيقظني من حلمي السريع وانا على مقعد الدراسة ومعلمي يوجه لي سؤالا..أين ذهبت يا سمير؟ قل لي من الذي بنى بغداد؟ ومن الذي سرد قصة الف ليلة وليلة؟ ومن الذي بنى بابل ببوابتها الشهيرة؟ ومن هي كهرمانة؟.. شعور التاريخ هذا أراحني من شعور الروتين ولكنه سرق بسمتي....بتحسر وآه سأجيبك يا استاذ.
سأموت غدرا
مرثية حزن اسطّرها في ورق يأسي المكلوم وانا انظر الى ابتسامته كيف انها طوّقتني والمكان،قلّبت ذكرياتي المرئية واحدة تلو الأخرى وهو من بينها يتقافز مرحا ويفوح عطرا نرجسيا ولا اكاد ارى سوى غيره في تلك الليلة،اسعاف يدي هرعت الى مكان الحادث وانتشلت احدى الصور التي سقطت من الالبوم وهو على حاله لايغيّر ابتسامته..اعصار من الانفعالات والمشاعر يعصف بي وانا في جزيرة الغرفة ليلقي بي في احدى استديوهات التصوير وعلى الفور أمامه اتموّج.قبّلته طوّقته وتنهدت انفاسي وعبرة الاختناق تتلوى متمارضة وعيني أسيرة في روضه لاستلقي على ظهري واكمل معاينة البوم ذكرياتي.
تموسقت أفكاري مخدّرة بعد سطوة موسيقى بتهوفن عليها وشلال الضوء الخارق لجسدي يلهب مشاعري جذوة قبس شاعرية، وعفوية طفلي راقصا بمهده المزركش تلمع مشتعلة في نفسي باعثة من ركامها خزين الدادائية البريئة،ونشوة تزفرني بتلألأ صوب أيامي الدراسية، وفجأة تعلن الكهرباء حربها عليّ بقطعها للنور وكأنني مقيد بظلمة قبر موحش..أوه قبر من هذا لا لا انها تخيّلات حالم..قرعة انامل ايقاعية على باب غرفتي تكمل لي لحن بتهوفن المنقطع..ادخل..ادخل..انها أمي تخترق الظلام وتوقد لي سراجي المعلّق فوق سريري وتضع بين يدي قدح شاي زكم عطره المهيّل انفي وبفضول محبب تقول:هل هذه الصور حديثة..باستعداد متأهب: لا لا انها قديمة انها صور اصدقائي وزملائي في الكلية..تستدير على طفلي الغارق في لجّة نومه العميق وتقبّله وتتلفظ بهداوة طرية:ارفع عنه غطاءه حتى تأتي الكهرباء لان الجو حار..باحترام مصطبغ بفعل آني: نعم نعم سأفعل ذلك.
ظلمة واستذكار قبر وذكريات جميلة مفتقدة تعلّقني لوحة سريالية صامتة المعالم مخيفة المعاني على أسوار افكاري،اتمايل على فراشي القطني بصحبة رائحة الشاي المهيّل انتظر بصيص نور خافت يلملم بعضي من مولدة كهربائية مدهنة بالزنجار موغلة في القدم تاريخيا تقع على مقربة من منزلنا.اصوات الهاتف النقال وهي تبث الحانا من التسلية من قبل بعض اعضاء اسرتي تطفىء نار الانتظار وهاتفي المستلقي اغماء على منضدة خشبية اكله عفن الظلام والسكوت لا حياة فيه،استدرت نحو زاوية سراجي واذا بهاتفي يبث هذه المرّة لحن موسيقى عالمية انها (عازف الناي) رفعته من على المنضدة واشارات النور وسط الظلام تفصح عنه انه (كاشير)..قفزة سريعة تضع قدماي على نعل يقتادني مسرعا نحو حديقة المنزل بحثا عن شبكة الهاتف المحرّمة الدخول الى الغرفة..
الو..كيف حالك يا (كاشير)
صوت أجش مثقل بالمواجع يخرق مسمعي ويتفوه ببطء
- كيف حالك يا أخي انا اياد صديق كاشير
بفرح غامر لانقطاع طويل عن الاتصال والتحدث معا
- اهلا اهلا اياد كيف حالك اشتقت لك كثيرا ولممازحتك
صدى كلامي يرتطم بالهاتف وباذنه وهو لم يعلّق شيئا
- اسمع يا اخي ازف اليك خبرا تعيسا وهو مقتل صديقك الوفي (كاشير)
بكاء وتنحنح
- ماذا قلت ماذا قلت؟
شبكة تترنح وتتمايل كاوراق شجرة مطأطأة رأسها لريح خريف صاخب غاضب..انقطع الاتصال والمجهول محيّر..