بسم الله الرحمن الرحيم
" وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".
صدق الله العظيم
(سورة النحل ـ الآية 76)
مقدمة
في مساء أحد أيام عام 1922م عقد وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل اجتماعًا مع مساعديه لمناقشة خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط بما تتضمنه من تقسيم دول وإلحاق أراضٍ بدول أخرى وإنشاء كيانات جديدة، وفي نهاية الاجتماع سأل تشرشل مساعديه: هل أهل هذه المنطقة من العرب سيتقبلون ذلك وقادرون على الاستمرار في العيش معاً؟!..
لم يكن تشرشل في حاجة إلى إجابة من مساعديه، فالعرب اختلفوا وتنازعوا.. وتكيفوا.
***
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق مع نهاية العام 1991م وانتهاء الحرب الباردة وانتهاء النظام الدولي ثنائي القطبية، سعت الولايات المتحدة إلى فرض هيمنتها على النظام الدولي، وفي توجيه القرار الدولي في القضايا الدولية والإقليمية. وواكب ذلك تلاشي مبدأ سيادة الدولة واستخدام حقوق الإنسان أداة للتدخل في الشؤون الداخلية، والازدواجية في تطبيق المعايير والقانون الدولي.
وأصبحت المنطقة العربية ساحة للتدخل الخارجي وللاعتداء على السيادية الوطنية ولتهديد السلامة الوطنية والإقليمية لدولها من الصومال إلى العراق مرورا بالسودان ولبنان وسوريا، ولفرض عقوبات على دول أخرى، وكانت أسوأ تجليات العبث في المنطقة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م الذي اعتبره الرئيس الأمريكي جورج بوش في حينه "إعادة صياغة للشرق الأوسط" وأطلق مشروعه: الشرق الأوسط الكبير (ثم الواسع) من أفغانستان وحتى مراكش.
تمر منطقة الشرق الأوسط بـ"خطة تشرشلية جديدة".. جديدها مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما هو أن "إعادة صياغة الشرق الأوسط" باتت حاجة دولية وليست حاجة أمريكية إسرائيلية فقط دفعتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 للأمام.
أجرت الولايات المتحدة الأمريكية مراجعة لسياستها الخارجية التي قامت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق على مبدأين رئيسيين هما: عدم السماح بظهور قوى منافسة كالاتحاد السوفيتي المنهار والسيطرة على مصادر الطاقة، وإدخال حلف شمال الأطلسي (الناتو) طرفا في العمليات الأمريكية بالخارج. وها هو الرئيس الأمريكي باراك أوباما في 2009م يتحدث عن عالم متعدد الأقطاب غير مرتاح لـ"الهيمنة الأمريكية"، وعن التعاون مع القوى الدولية والإقليمية في التعامل مع القضايا والنزاعات، معتمدا الحوار الدبلوماسي قبل التفكير في الخيار العسكري وسياسة "الفرص المتاحة"، ومعلنا عن "نهج إقليمي جديد" في الشرق الأوسط، يقوم على أساس "الترابط بين الملفات"، وهو الترابط الذي رفضه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عام 1990م، ما يؤشر إلى أن المنطقة في طريقها إلى تسويات يتم إنضاجها على نار هادئة.
المؤلف
وزارة الخارجية.. الدور التنفيذي للسياسات الخارجية
أسس محمد علي الكبير عام 1826م بديوانه ديوانا سماه "ديوان الشؤون الأمريكية" تحت رعاية رئاسته المباشرة يتولى إدارة علاقات مصر بالخارج، واعتمدت الدول الكبرى مندوبين (وكلاء) لدى ديوانه لرعاية مصالح بلدانهم في مصر، فقد كان الوضع مستقرا على أن العلاقات مع الخارج شأن أصيل من شؤون الحاكم.
وفي أغسطس 1878م ـ أي بعد 52 عاما ـ شكل الخديو إسماعيل أول نِظارة (وزارة) في تاريخ مصر الحديث برئاسة نوبار باشا (من أصل أرمني) الذي تولى إلى جانب نِظارة النظار (رئاسة مجلس الوزراء) نِظارة (وزارة) الخارجية.
وفي مارس 1923م ـ أي بعد 45 عاما ـ شكَّل الملك فؤاد الأول وزارة برئاسة يحيى إبراهيم ـ في أعقاب صدور تصريح 18 فبراير 1922م ومع صدور دستور 1923م ـ تضمنت تعيين أحمد حشمت وزيرا للخارجية وأصدر حشمت قرارا بـ"تقسيم وتنظيم وزارة الخارجية" وذلك لأول مرة تحت هذا المسمى.. وزارة الخارجية.
ويعد هذا التاريخ هو الميلاد الحقيقي لوزارة الخارجية، ففي عام 1826م كانت مصر ولاية عثمانية، و"ديوان الشؤون الأفرنكية" لم يأخذ شكلا مؤسسيا ولم يكن له هيكل إداري أو تقسيم للعمل، واعتمد العمل فيه على المبعوثين من وإلى الوالي، والوكلاء لدى الوالي ووكلائه في الخارج.
كما جاء تشكيل الخديو إسماعيل للنظارة تحت ضغوط من إنجلترا وفرنسا اللتين اشترطتا على الخديو لتسليفه إنشاء نظارة ومجلس نواب للشعب (مجلس شورى القوانين) بحجة توفير ضمانه شعبية لسداد الديون حتى لا يستطيع من يأتي بعده حاكما لمصر أن يتبرأ من هذه الديون ويرفض سدادها بدعوى أن المصريين لا يتحملون مسؤوليتها ومن ثم تكون هناك ضمانة من (الدولة) المصرية لحقوق الدائنين.
وجاءت النظارة في مناخ زادت فيه الديون وأعباؤها والتدخل الأجنبي في شؤون مصر ومع بيع حصة مصر في أسهم قناة السويس وإنشاء صندوق الدين، كما جاءت النِظارة في أعقاب مؤتمر الصلح في برلين عام 1877م بعد انتهاء الحرب الروسية التركية ومطالبة روسيا برهن خراج مصر (دخلها القومي) حصة تركيا العثمانية لتسدد منه الأخيرة غرامة الحرب نتيجة لهزيمتها، فقد جاءت النظارة إذن لكي يتسنى لبريطانيا وفرنسا التدخل تحت مظلة حماية وضمان حقوق الدائنين.
ومن ثم تعد وزارة الخارجية في ظل دستور 1923م تاريخ الميلاد الحقيقي لها لعدة أسباب هي:
أولا: كانت النظارة في السابق تنحصر اختصاصاتها في التعامل مع الامتيازات الأجنبية وصندوق الدين والمحاكم المختلطة وقناة السويس وتصريف الشؤون الخاصة بالمؤسسات الخيرية ومدارس الإرساليات. كما أن النظارة كانت قد ألغيت بإعلان الحماية البريطانية على مصر عام 1914م نتيجة لاندلاع الحرب العالمية الأولى.
ثانيا: أن الولادة جاءت وطنية، ففى أعقاب ثورة 1919م أوفدت الحكومة البريطانية وزير المستعمرات ألفريد ملينر إلى مصر لتحقيق أسباب الثورة، وقدم ملينر تقريرا إلى حكومته في ديسمبر 1920م وصف فيه الحماية البريطانية على مصر ـ التي كان تم فرضها عام 1914م في أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى وتبعها إلغاء الوزارة وفرض الأحكام العرفية ـ بأنها علاقة غير مرضية مع مصر.
ودعت الحكومة البريطانية مصر في فبراير 1921م إلى التفاوض حول إبدال الحماية بعلاقات تضمن المصالح الخاصة لبريطانيا. وفشلت مفاوضات رئيس الحكومة عدلي يكن مع اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا في تأمين حصول مصر على استقلالها، واستقال يكن في ديسمبر 1921م.
وظلت مصر بلا وزارة لمدة شهرين، واشترط عبد الخالق ثروت لقبول تكليفه برئاسة الوزارة إعلان إنهاء الحماية والاعتراف بمصر دولة مستقلة. وغدت شروط ثروت نواة تصريح 28 فبراير عام 1922م الذي أصدرته الحكومة البريطانية، وحصلت مصر بمقتضاه على استقلال "جزئي" عن بريطانيا باستثناء احتفاظ بريطانيا بتولي أربع مسائل هي الدفاع، وتأمين خطوط المواصلات، وحماية المصالح الأجنبية، والسودان. وبموازاة ذلك أعلنت تركيا بمقتضي اتفاقية لوزان 1923م عدم وجود أطماع لديها في ولاياتها (مستعمراتها) السابقة ومنها مصر كولاية عثمانية سابقة بعد ما تم إعلان إنهاء دولة الخلافة.
وفي أعقاب صدور تصريح 28 فبراير دستور 1923م ونودي بالسلطان فؤاد الأول ملكا على مصر وانتهت علاقة مصر بالدولة العثمانية رسميا. وشكل يحيى إبراهيم الوزارة في مارس 1923م، وتولى أحمد حشمت وزارة الخارجية في مقرها بقصر البستان بشارع عبد السلام عارف بباب اللوق مقر معهد جوته الألماني حاليا.
واستنادا إلى تصريح 28 فبراير أصدر حشمت قرارا "تقسيم وتنظيم وزارة الخارجية" الذي يصفه الدكتور يونان لبيب رزق بأنه "الدستور الأول" للوزارة.
ثالثا: إن قرار تنظيم وزارة الخارجية تضمن أول تشكيل مؤسسي لكيان وزارة الخارجية وهيكلها.
رابعا: تعددت مظاهر السيادة مع صدور التصريح والدستور والقرار ومنها:
1 – أصدرت الحكومة البريطانية يوم 15 مارس 1923م منشورا إلى حكومات العالم جاء فيه أن التعامل مع مصر منذ ذلك اليوم يتم من خلال وزارة خارجيتها (باستثناء المسائل الأربعة المشار إليها).
2 – وجهت الحكومة المصرية منشورا إلى ممثلي الدول الأجنبية في مصر جاء فيه أن اتصالاتهم من الآن فصاعدا بشأن علاقة بلدانهم مع مصر ستتم مع الحكومة المصرية من خلال وزير خارجية مصر بعدما كانت تتم من خلال المندوب السامي البريطاني.
3 – استقبلت مصر ممثلين "دبلوماسيين" لدول أجنبية بدلا من الممثلين القنصليين.
وقفز التمثيل الأجنبي لدى مصر بعد التصريح والدستور والقرار من 17 وكيلا وقنصلا إلى 26 ممثلا دبلوماسيا. وكانت إيران أول دولة إسلامية تقيم علاقات دبلوماسية مع مصر فيما كان العراق أول دولة عربية، والأرجنتين الأولى من أمريكا اللاتينية واليابان الأولى من آسيا وأثيوبيا الأولى من إفريقيا.
4 – تم إنشاء بعثات دبلوماسية لمصر بالخارج في أربع عواصم هي لندن وباريس وروما وواشنطن تنفيذا لقرار ملكي. وبحلول عام 1936م كان لمصر بالخارج 23 مفوضية و12 قنصلية عامة و21 قنصلية.
وبعد معاهدة 1936م حدثت ثلاثة أمور مهمة عززت استقلالية وزارة الخارجية ودورها ومكانتها.
الأول: استكملت مصر شخصيتها الدولية في مايو 1937م بالانضمام إلى عصبة الأمم، تلك المنظمة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى لتصبح مصر العضو رقم 56 في هذه المنظمة وسط ترحيب دولي تجلى في حرص ممثلي 28 دولة من الدول الـ 55 الأعضاء على إلقاء خطب الترحيب بمصر العضو الجديد. ومثل مصر في أول مشاركة في اجتماعات الجمعية العامة لعصبة الأمم الوزير واصف غالي حيث ألقى أول بيان دولي باسم مصر ولوحظ فيه تركيزه على قضية فلسطين وجاء فيه: "أن مصر ترفض تقسيم فلسطين لأنه يتنافى مع حقوق العرب الطبيعية والمقدسة ولا يحل مسألة السلام ولا حتى المشكلة اليهودية.. التقسيم سيخلف دويلات مصطنعة غير صالحة للحياة.. إن العرب مسلمين ومسيحيين لا يقبلون نزع الأماكن المقدسة في فلسطين من أيدي العرب".
وفي ثاني وآخر مشاركة لمصر في الجمعية العامة لعصبة الأمم ـ حيث اندلعت الحرب العالمية الثانية قبل عقد الدورة العادية عام 1939 ـ ألقى وزير الخارجية عبد الفتاح يحيى بيان مصر الذي ركز أيضا على قضية فلسطين، وجاء فيه: "إن فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين تجاوزت حدود الوطن القومي لليهود.. إن تفاقم حالة اليهود في العالم لا يمكن معالجتها بإنزال الجور بالعرب".
الثاني: خاضت وزارة الخارجية معركة دبلوماسية لإلغاء الامتيازات الأجنبية انتهت بإبرام معاهدة مونتريال عام 1937م التي أنهت هذه الامتيازات.
الثالث: وفرت وزارة الخارجية من خلال الاتصالات بدول العالم الغطاء القانوني للكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني في منطقة قناة السويس.
الدور التنفيذي لوزارة الخارجية (في صناعة السياسة الخارجية)
طبقا للمادة 138 من الدستور فإن رئيس الجمهورية "يضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء (ووزير الخارجية جزء منه) السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها على النحو المبين في الدستور"، وتنص المادة 151 من الدستور على أن "رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات ويبلغها إلى مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان.."، وتحدد المادة 156 اختصاصات مجلس الوزراء على النحو التالي: "الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها وفقا للقوانين والقرارات الجمهورية.."، كما تحدد المادة 157 مهام الوزير على النحو التالي: "الوزير هو الرئيس الإداري الأعلى لوزارته، ويتولى رسم سياسة الوزارة في حدود السياسة العامة للدولة، ويقوم بتنفيذها".
وفقا للدستور فإن رئيس الجمهورية هو صانع القرار الأول فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ضمن السياسة العامة للدولة، وحدود دور وزارة الخارجية في صناعة السياسة الخارجية وهو الاشتراك ضمن مجلس الوزراء في وضع السياسة العامة، أما الدور الرئيسي المنوط بها فهو تنفيذ هذه السياسة، وحدود دور الوزير هو رسم سياسة الوزارة في حدود السياسة العامة للدولة. فبحسب الدستور فإن صناعة السياسة الخارجية حق أصيل لرئيس الجمهورية.
وعلى ذلك فإن وزارة الخارجية لا تصنع سياسة وإنما تشارك في صنعها مع مؤسسات أخرى في الدولة، لكنها جهة تنفيذ هذه السياسة وهي لم تعد الآن الجهة الوحيدة لتنفيذ هذه السياسة ولا تشاركها فقط جهات أخرى (مؤسسات الدولة) ـ كل في حدود اختصاصاتها ـ في التنفيذ، وإنما هناك جهات أخرى.
وفي نفس الوقت وطبقا لاختصاصاتها في إدارة علاقات الدولة بالخارج ولتنظيم عملها وهيكلها السياسي والإداري فإن وزارة الخارجية ـ في حدود هذا الدور ـ تجري دراسات وتقديرات للمواقف من القضايا السياسية الدولية والإقليمية والثنائية وتقترح توصيات على رئيس الجمهورية لاتخاذ قرار معين حيال قضية معينة في توقيت معين ترفعها إليه وله أن يأخذ بهذه التوصية أو يرفضها أو يطورها.
فهذا الحق الأصيل لرئيس الجمهورية هو ما يجعل شخص وزير الخارجية في التشكيل الوزاري من اختيار الرئيس نفسه سواء مباشرة أو من بين أسماء يقترحها رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة.
وفي بعض الحالات تتجاوز وزارة الخارجية حدود دورها التنفيذي وفق ما رسمه لها الدستور ويحدده لها رئيس الجمهورية، ويرتبط ذلك بأمرين:
الأول: حدود التفويض الذي قد يمنحه رئيس الجمهورية للوزارة في إدارة علاقات مصر بالعالم بما يتجاوز تقديم توصيات إلى اتخاذ قرارات في قضايا ومواقف معينة بعضها يحتاج اتخاذ قرار بصفة عاجلة.
الثاني: شخصية الوزير وإمكانياته ومدى قدراته على إقناع رئيس الجمهورية بقدرته على اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، وبتوسيع هامش الحركة والمناورة أمامه.
وفي المقابل فإن شخصية الوزير أو وجود حساسيات معينة لدى رئيس الجمهورية تجاه وزارة الخارجية أو الوزير أو بسبب حساسية ملف معين قد تدفع رئيس الجمهورية إلى إحالة قضايا وملفات محددة إلى جهات أخرى ذات صلة للتعامل مها.
وقد يدفع رئيس الجمهورية بهذه القضية أو تلك أو بهذا الملف أو ذاك إلى جهة أخرى للتعامل معه لأسباب تتعلق بطبيعة عمل هذه الجهة وعلاقاتها بهذا الملف.
وفي بعض الأحيان ينشئ رئيس الجمهورية بديوانه مكتبا خاصا للتعامل مع قضية محددة أو أكثر.
وفي حالات نادرة يعهد رئيس الجمهورية إلى شخص أو جهة إدارة العلاقة مع دولة ما.
لكن في الغالب فإن وزارة الخارجية تعد إحدى مؤسسات تنفيذ سياسة الدولة وإن كان دورها في هذا هو الدور الرئيسي، ففي قضية مثل قضية العلاقات مع دول حوض نهر النيل فإن وزارة الري والموارد المائية تشارك وزارة الخارجية في تنفيذ السياسة الخارجية حيال دول حوض النهر سواء على المستوى الجماعي أو على المستوى الثنائي. وكذلك الحال بالنسبة للأجهزة الأمنية المختلفة في القضايا التي تتعلق بالأمن القومي مثل القضية الفلسطينية والوضع في العراق والعلاقة مع إيران، وموضوع التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، ولوزارة الثقافة فيما يتعلق بملفات حوار الثقافات والحضارات، ولوزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والتعاون الدولي والصناعة والزراعة فيما يتعلق بملفات القروض والمنح والمساعدات وإبرام اتفاقيات المشاركة والتعاون الاقتصادي والتنمية، ولوزارتي الطاقة والبحث العلمي فيما يتعلق بقضايا التعاون الدولي في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وإنشاء المفاعلات الذرية، ولوزارة القوى العاملة فيما يتعلق بقضايا الهجرة غير الشرعية ورعاية المصريين بالخارج، ولوزارة الداخلية فيما يتعلق بقضايا أمنية مثل طلب تسليم مطلوبين للعدالة، أو بالشؤون القنصلية، أو بالتعاون مع "الانتربول" في مكافحة غسيل الأموال.. وهكذا.
ونتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المستويين الدولي والداخلي فقد دخلت هيئات وقوى جديدة إلى دائرة المشاركة في صنع السياسة الخارجية وتنفيذها مثل منظمات رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني بوصفها هيئات مساندة أحيانا لعملية تنفيذ أهداف السياسة الخارجية، لكن تبقى وزارة الخارجية هي قناة التنفيذ والتعبير.
فقد شهدت فترات معينة دورا أكبر لجهات محددة في معالجة ملفات خاصة بسبب تداخل السياسي مع الأمني فيها. وكثيرا من المعالجات تحقق فيها نجاح بسبب معرفة هذه الجهة أو تلك حدود دورها وتنسيقها الكامل مع وزارة الخارجية، وكذلك لإدراكها حدود "التفويض" الممنوح لها من رئيس الدولة في معالجة هذه الملفات.
لكن في حالات أخرى تنجم مشاكل بسبب محاولة وزارات أخرى زيادة مساحة دورها، وضعف التنسيق مع وزارة الخارجية وأحيانا تجاهلها وسوء فهم حدود التفويض، ما يجعل الوزارات والمؤسسات تبدو في ملفات معينة وكأنها جزر منعزلة ما يضر في النهاية بالمصالح الوطنية.
وهناك نماذج عديدة في هذا الشأن لإرباك وزارات أخرى حركة وزارة الخارجية وشغلها في قضايا فرعية كان أداء هذه الوزارات فيها يضر بالمصالح الوطنية لولا تدخل وزارة الخارجية التي تتحمل أخطاء الآخرين.. لعلاجها.
ومن بين هذه النماذج ـ على سبيل المثال وليس الحصر وعلى الهامش وليس في العظم ـ اتهام نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة الدكتور يوسف والي كازاخستان عام 1994 بأنها قدمت لإيران غواصات نووية برغم أن كازاخستان لا تملك مثل هذه الغواصات لأنها دولة داخلية ولا تطل إلا على بحيرة قزوين التي هي بمثابة "بانيو" لا يصلح لتصنيع هذه الغواصات. واحتجت كازاخستان وعالجت وزارة الخارجية المسألة.
وعشية سفر الرئيس مبارك لفرنسا في فبراير 2007م اتهمت وزارة الخارجية سبعة مواطنين فرنسيين يدرسون الإسلام بمصر بأنهم على علاقة بالقاعدة وتم ترحيلهم إلى باريس حيث أطلقت السلطات الفرنسية سراحهم فورا باعتبار الاتهامات باطلة، وكادت تلقي هذه القضية ظلالها على زيارة مبارك لولا العلاقات الطيبة بين البلدين وعلاقة الصداقة بين مبارك وشيراك، لكن الخارجية الفرنسية قدمت احتجاجا شديد اللهجة إلى الحكومة المصرية.. وتولت وزارة الخارجية معالجة المسألة والتي كان يمكن تجنبها لو كان هناك تنسيق بين الوزارتين فهذه المشكلة وتداعياتها تكشف غياب التنسيق.
أما المسألة التي تبدو بلا علاج حتى الآن فهي شكوى كل من روسيا والدول الأطراف في تجمع "الكوميسا" لدول شرق وجنوب إفريقيا أحيانا من عدم وفاء منظمات ورجال الأعمال المصريين الذين عهدت الدولة إليهم بتنفيذ السياسة الخارجية في هذا المجال.. بالتزاماتهم.
ومن أهم الأمثلة في هذا الصدد تعطيل دخول اتفاقية المشاركة مع الاتحاد الأوروبي التي تولت وزارة الخارجية زمام التفاوض بشأن إبرامها إلى حيز التنفيذ لمدة خمس سنوات منذ توقيعها عام 1999م وحتى بدء تنفيذها عام 2004م بسبب اعتراض وزراء في المجموعة الاقتصادية ومنظمات رجال الأعمال على بعض البنود بزعم إضرارها بالصناعة الوطنية وطلبهم إعادة التفاوض حولها رغم أن المفاوضات استغرقت ست سنوات منذ 1993م وشاركت فيها كافة الوزارات والأجهزة المعنية!!
ففي الوقت الذي استغرقت فيه عملية التفاوض بين الاتحاد الأوروبي ودول في المنطقة مثل تونس وإسرائيل لإبرام اتفاقيات مماثلة ودخول هذه الاتفاقيات إلى حيز التنفيذ بضعة أشهر فقط، استغرقت العملية في الحالة المصرية 11 عاما!! الأمر الذي أثار الحديث عن "لوبي أمريكي" في السياسة الخارجية المصرية في مواجهة "لوبي أوروبي" أو "لوبي تنويع مصادر القوة" بما تم طرح إبرام اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة بدلا عن اتفاقية المشاركة مع الأوروبيين.
من أكثر الملفات التي تشهد بروز مشاكل ملف العاملين المصريين بالخارج حيث انفجرت المشاكل في ليبيا والأردن والكويت والسعودية خلال العام 2007م، وفي غيرها في ظل انفراد وزارة القوى العاملة بعقد اتفاقيات لتنظيم العمالة مع دول مستقبلة لها وغياب التنسيق الكامل مع وزارة الخارجية التي باتت وحدها تتحمل النتائج السلبية أمام فوهات المدافع، وتجلت مظاهر ذلك في إبرام اتفاقيات تتعلق بالعمالة في دول أخرى دون تنسيق كافٍ، والتعامل مع هذه العمالة في دول أخرى تحت مسمى "تقنينها"، ما جعل حكومات هذه الدول تتعامل مع العمالة غير "المقننة" بوصفها عمالة غير شرعية واستتبع ذلك إجراءات ضدها، وتجاهل حضور وزارة الخارجية نشاطات تتعلق بالعمالة في الخارج وصولا إلى عقد اتفاقيات لتصدير "خادمات"!
ومن هذه المظاهر أيضا غياب وزير الخارجية عن لقاء رئيس مجلس الوزراء الدكتور أحمد نظيف في أكتوبر 2007م مع ما يسمى بـ"منتدى المصريين بالخارج" وتكليف نظيف لوزيرة القوى العاملة بإنشاء آلية "جديدة" (لماذا جديدة وما هي القديمة) للتعامل مع قضايا العاملين بالخارج لدى الوزارات الأخرى على أن تكون وزارة القوى العاملة هي حلقة الوصل بينهم وبين مختلف الوزارات.
فإذا كانت تلك القضايا تتعلق بالعلاقة مع الداخل فلا بأس، لكن إذا كانت القضايا تتصل بوجودهم بالخارج وبإدارة العلاقات مع الدول المقيمين فيها في مسائل قنصلية، خاصة أن وزارة الخارجية هي المفوضة من وزارات ومؤسسات الدولة تقديم الخدمات التي تقدمها هذه الأجهزة في الداخل إلى المصريين بالخارج، فتلك قضية أخرى.
ولتنشيط الذاكرة ففي مطلع التسعينيات من القرن الماضي وبعد فترة شهدت هوجة مؤتمرات العاملين المصريين بالخارج، والتي غلب على المشاركين فيها نهج "من حضر القسمة فليقتسم"، تم إلغاء هذه المؤتمرات بسبب أن جلساتها شهدت مطالب بأكثر مما طرح فيها من أفكار تحت شعار "ما تقولش إيه ح تدي مصر، وقول ح تأخد إيه من مصر"، بل تم إلغاء وزارة الهجرة والمصريين بالخارج التي كانت تنظم هذه المؤتمرات أساسا. وتم إسناد أغلب ملفاتها إلى وزارة الخارجية وإدارة الشؤون القنصلية والمصريين بالخارج والهجرة واللاجئين برئاسة مساعد لوزير الخارجية.
وأطلت تلك المؤتمرات مؤخرا تحت مسمى "منتدى المصريين بالخارج" بمطالب مثل التمثيل في المجالس النيابية.. وبآراء مثل أن الجنسية المزدوجة لا تعني عدم الوطنية.. ناسين تعريف ما هي الوطنية.. وهل هي نسبة إلى الوطن الأم أم إلى الوطن الجديد؟.. وأن أولادهم يؤدون الخدمة العسكرية في جيش الوطن الجديد وليس في القوات المسلحة المصرية؟!
في أعقاب ترك وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى وزارة الخارجية إلى الأمانة العامة للجامعة العربية في مايو عام 2001م طرحت أطراف عدة في الوطن الأم والجديد (ممن أزعجها امتلاك الوزارة في عهد موسى زمام المبادرة والتحرك في ملفات السياسة الخارجية كافة) موضوع "تعريف وزارة الخارجية" أو بالأحرى إعادة تعريف دور الوزارة لجهة تقليص مساحة دورها وحركتها بدعوى أنها وسعت دورها ليشمل التفاوض مع أطراف دولية في الملفات الصناعية والتجارية والزراعية والعمالة المصرية بالخارج.
وتسلط المشكلات الخاصة بالعاملين المصريين بالخارج من آن لآخر الضوء على خطورة هذا التوجه (تقليص دور وزارة الخارجية) مما يستدعى تعريف "دورها" التعريف الصحيح فيما يتصل بإدارة مصر علاقاتها مع العالم، وتحديد أدوار الوزارات الأخرى. أين تبدأ أو أين تنتهي؟.. وحدود التفويض الممنوح لها في بعض الملفات ليس لحماية هذا المؤسسة التي تتجاوز الوطنية فيها المهنة ورجالها إلى المعاني ورموزها، بل لحماية المصالح العليا للوطن.. الأم والأخير.
والخلاصة أن فاعلية السياسة الخارجية وقدرتها على تحقيق المصالح العليا، وبالتالي قدرة وزارة الخارجية بل وأداؤها، تتأثر بعدة عوامل داخلية تندرج تحت عنوان "وزن الدولة" وثقلها، منها مدى تماسك وضعها الداخلي والمدى الذي يمكن أن تصل إليه جهودها في تعبئة الموارد وحشد الإمكانيات وإقناع الرأي العام، وحجم الناتج الإجمالي القومي ومتوسط دخل الفرد وقوة بنيتها التحتية ومستوى كوادرها البشرية علاوة على ما تملكه أو لا تملكه من قوة ناعمة (التأثير الثقافي والحضاري) أو ما تملكه ولا تحسن استثماره من عناصر هذه القوة، وفضلا عن قدرات الدولة العسكرية بطبيعة الحال.
وفي سبيل تحقيق الأهداف تتعامل السياسة الخارجية مع تحديات عدة يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات.. الأولى: تحديات إقليمية ضاغطة وتتمثل في الأوضاع المتوترة سياسيا وأمنيا وعسكريا في الإقليم مثل قضايا فلسطين والعراق ودارفور ولبنان ومنابع النيل وأمن البحر الأحمر وباب المندب وقضايا نزع السلاح، والثانية: تحديات تتعلق بالنظام الدولي أحادي القطبية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1992م ومن ثم بإدارة العلاقات الدولية سواء على المستوى المتعدد الأطراف أو التكتلات والمنظمات الدولية والإقليمية، والثالثة: تحديات تتعلق بإدارة العلاقات الثنائية.
ويستند الجدل حول "تراجع" الدور المصري إلى ما تطرحه السياسة الخارجية من أهداف، ويقاس هذا التراجع بمعيار النجاح من عدمه في تحقيقها، فالسياسة الخارجية المصرية تطرح ما تسميه "الفلسفة الحاكمة للتحرك السياسي الخارجي" على النحو التالي: العمل على تأمين الإقليم من الاضطرابات سواء من خلال الدبلوماسية الوقائية أومن خلال سرعة التحرك لاحتواء الأزمات.. والعمل على تحقيق أعلى مستوى ممكن من الاستقرار في المنطقة من خلال طرح حلول للمشكلات والنزاعات الإقليمية.. وتأمين أكبر قدر من الدعم الدولي للتنمية وكذلك رعاية المصريين بالخارج وتعزيز المصالح الثقافية.
فالسياسة الخارجية تربط تحركها هذا بأهداف حماية الأمن القومي المصري في بعده الجغرافي وصلة ذلك بتأمين الاستقرار وتعزيزه وتحقيق السلام وتسوية النزاعات والوقاية من أي تهديدات محتملة وتحدد السياسة الخارجية البعد الجغرافي بالمنطقة الممتدة من شمال إفريقيا غربا إلى إيران وأفغانستان شرقا إلى منابع النيل وشرق إفريقيا جنوبا.
تعريف وزارة الخارجية
إدارة العلاقات "الرسمية" مع العالم وتحقيق أهداف السياسة الخارجية ـ وهي الصالح العليا للبلاد ـ هو دور وزارة الخارجية الأساسي.
ويرتبط تداول مصطلح "تعريف وزارة الخارجية" أو مصطلح "إعادة تعريف وزارة الخارجية" ـ أي دورها ـ بفترات تشهد تحولات تاريخية دولية أو داخلية أو في توجهات الدولة ومن ثم في سياستها الخارجية.
وقد طرح "تعريف وزارة الخارجية" في تاريخ مصر المعاصر منذ عام 1923م وحتى عام 2001م خمس مرات.
الأولى: بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922م وقرار تقسيم وتنظيم وزارة الخارجية حيث كان إنشاء الوزارة بحد ذاته ووفقا للقرار هدفه هو تأكيد الاستقلال (الجزئي) والهوية الوطنية واستكمال مصر شخصيتها الدولية وتولي مصر بنفسها إدارة علاقاتها مع العالم، وذلك على النحو المشار إليه سابقا.
الثانية: مع ثورة يوليو 1952م حيث أعيد تعريف دور الوزارة لجهة تكريس الهوية الوطنية في الإطار القومي العبي ودعم مكانة مصر واستخدام مصر مكانتها وثقلها لدعم حركات التحرر لوطني في آسيا وإفريقيا وتوسعت دائرة حركة السياسة الخارجية من خلال إنشاء علاقات دولية واسعة والانضمام إلى المحافل الدولية والإقليمية لترجمة توجهات الثورة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
الثالثة: ما بعد حرب أكتوبر 1973م حيث عدل الرئيس السادات توجهات السياسة الخارجية نحو الغرب وفك الارتباط في العلاقة مع الاتحاد السوفيتي، وبات على وزارة الخارجية أن تكيف أوضاعها على التوجهات الجديدة بوصفها جهة تنفيذ السياسة الخارجية "الجديدة".
الرابعة: ما بعد استقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي: فقد شكلت استقالة فهمي في نوفمبر 1977م احتجاجا على مفاجئة السادات له بالذهاب إلى إسرائيل دون تشاور مع وزير خارجيته ضربة عنيفة لرئيس الجمهورية عشية توجهه إلى إسرائيل.
وتعريف دور وزارة الخارجية لدى السادات بعد استقالة فهمي هو قصر هذا الدور على تنفيذ توجهات رئيس الدولة من دون مشاركة في صنعها أو تشاور والعمل على تحسينها إن أمكن وعدم طرحها للنقاش أو التفكير في تعديلها أو تصحيحها.
وتجلى ذلك في حادثتين:
1 – خلال مفاوضات كامب ديفيد في سبتمبر 1978م بين الرؤساء السادات والأمريكي جيمي كارتر ورئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين، فقد شهد مقر إقامة الوفد المصري مشاحنات وسجالات اتسم بعضها بالحدة بين السادات من ناحية ووزير خارجيته محمد إبراهيم كامل ووكيل وزارة الخارجية الدكتور أسامة الباز وعضو الوفد السفير نبيل العربي من ناحية أخرى بسبب اعتراضات أبدوها على موافقته على صياغات في المفاوضات اعتبروها تنازلات خاصة فيما يتعلق بالوضع الأمني في سيناء بعد انسحاب إسرائيل أو بالقضية الفلسطينية، أو بسبب مقترحات قدموها لصياغات في مسودة الاتفاق.
وأبدى السادات ضيقا بالغا من "رجال الخارجية"، ووصفهم بأنهم "ميكانيكية" بسبب استخدام بعضهم كلمة "ميكانيزم" في سياق طرحه وجهة نظره.
2- حرص الرئيس السادات بعد انتهاء مفاوضات كامب ديفيد بتوقيعه مع مارتي وبيجين اتفاقية الإطار لمعاهدة السلام، والشق الثاني الخاص بالحكم الذاتي للشعب الفلسطيني، وبعدما تلقى ضربة عنيفة ثانية باستقالة وزير الخارجية الجديد احتجاجا على ما قدمه من تنازلات غير مبررة.. حرص السادات على أن يختار وزير الخارجية من المقربين إليه الذين يحظون بثقته، فبعد خمسة أشهر تولى خلالها الدكتور بطرس غالي منصب وزير الخارجية بالإنابة إلى جانب عمله وزيرا للدولة للشؤون الخارجية عين السادات مصطفى خليل وزير المواصلات الأسبق ـ خلال الستينيات ـ رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية في فبراير 1949م ثم السيد كمال حسن علي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية في مايو 1981م.
اختلفت نظرة الرئيس حسني مبارك بعد توليه الرئاسة في أكتوبر 1981م ـ في أعقاب اغتيال الرئيس السادات ـ لوزارة الخارجية عن نظرة الأخير لها، فلم يسع إلى تقليص دورها، وساعد في ذلك وجود كمال حسن علي وزيرا للخارجية كعسكري محترف سابق يتسم بالانضباط والدقة، ودخول معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مراحل تنفيذها الأخيرة واحتياج مصر إلى خبرة قانونية وحنكة دبلوماسية في التعامل مع إسرائيل فضلا عن أجواء البلد ذاته بعد اغتيال السادات وحاجته إلى البعد عن الانفعالات.
خلال هذه الفترة وحتى عام 1991م وفي ظل ظروف غير مسبوقة قاد العمل الدبلوماسي بوزارة الخارجية شخصيات قلما يتوافر مثيلها في ظروف أخرى من حيث الخبرة والكفاءة الوطنية وهم الدكتور عصمت عبد المجيد الذي عين خلفا للسيد كمال حسن علي والدكتور بطرس غالي والدكتور أسامة الباز، وحققت وزارة الخارجية تحت قيادتهم إنجازات مهمة أبرزها المعركة الدبلوماسية والقانونية لاستعادة طابا تنفيذا لتوجيه رئيس الجمهورية، حيث نجحت الوزارة في إنجاز صياغة رائعة لاتفاقية مشارطة التحكيم عام 1986م وإعداد مذكرات مرافعات أمام هيئة التحكيم الدولية بجنيف والتي أصدرت حكمها في سبتمبر 1978م بتأكيد السيادة المصرية على طابا.
كما نجحت وزارة الخارجية في استعادة وصل ما انقطع من خيوط مع العالم العربي والإسلامي وإفريقيا وحركة عدم الانحياز ضمن تداعيات زيارة السادات لإسرائيل، وتوج ذلك بعودة العلاقات العربية مع مصر تباعا (1987م ـ 1990م) ثم مقر الجامعة العربية من تونس إلى القاهرة (1990م) بعد مشاركة الرئيس المصري في القمة العربية بالدار البيضاء في مايو 1989م، ثم بمشاركة الرئيس المصري في قمة عدم الانحياز في بلجراد في سبتمبر 1989م ومشاركته في القمة الإفريقية. وخرج عبد المجيد من الوزارة أمينا عاما للجامعة العربية (مايو 1991م) وغالي أمينا عاما للأمم المتحدة (يناير 1992م) واستمر الباز مستشارا سياسيا لرئيس الجمهورية.
الخامسة: ما بعد عمرو موسى وزيرا للخارجية ـ مايو 2001:
خلال عشر سنوات قضاها موسى وزيرا للخارجية شهد دور وزارة الخارجية توسعات غير مسبوقة دفعت جهات داخلية إلى الشكوى من امتداداته.
لم تترك وزارة الخارجية خلال تلك السنوات العشر منظمة دولية أو إقليمية منشأة حديثا ولم تكن مصر عضوا مؤسسا فيها أو قائمة أو انضمت إليها أو أسستها وعضوا بها إلا وطرحت أفكارا لتطويرها وإعادة هيكلتها. فعلى صعيد جامعة الدول العربية طرحت وزارة الخارجية "ميثاق الشرف والتعاون العربي" عام 1995م لمعالجة تداعيات انهيار النظام العربي نتيجة الغزو العراقي للكويت عام 1990م، ومشروع اتفاقية إقليمية لجعل المنطقة خالية من السلاح النووي عام 1996م، وعلى صعيد الأمم المتحدة قادت تحركا عربيا وإفريقيا لطرح رؤية مشتركة بين الدول الأطراف في كل مجموعة على حدة لإصلاح المنظمة الدولية وتوسيع العضوية في مجلس الأمن، وبالنسبة لحركة عدم الانحياز طرحت عام 1995م تصورا لمستقبل الحركة بعد انتهاء الحرب الباردة وفي ظل نظام دولي جديد، وفيما يتعلق بمنظمة الوحدة الإفريقية ساهمت في إنشاء الجماعة الاقتصادية الإفريقية عام 1991م، واستضافت إطلاق الآلية الإفريقية لفض المنازعات بالطرق السلمية عام 1993م خلال رئاستها المنظمة، كما صاغت واستضافت توقيع معاهدة إفريقيا خالية من السلاح النووي عام 1996م، وساهمت في تأسيس الاتحاد الإفريقي بديلا عن منظمة الوحدة عام 2001م.
وطرحت وزارة الخارجية مبادرات وشاركت في تأسيس تجمعات جديدة هي إعلان دمشق عام 1991م، ومنتدى الدول المتوسطية عام 1994م، والتعاون الأوروبي المتوسطي (عملية برشلونة) عام 1995م، ومنظمة التعاون من أجل التنمية بين الدول الإسلامية (مجموعة الدول الثماني الإسلامية الكبرى) عام 1996م، واستضافت القمة الأوروبية الإفريقية الأول عام 2000م.
وانضمت مصر خلال هذه الفترة إلى منظمات إقليمية عدة هي تجمع دول جنوب وشرق إفريقيا للتعاون الاقتصادي (كوميسا) عام 1998م ومؤتمر التفاعل وبناء الثقة في آسيا الوسطى (السيكا) عام 1996م، وطلبت الانضمام إلى منظمة الدول المتشاطئة للمحيط الهندي كشريك حوار عام 1997م، والى الاتحاد المغاربي عام 1994م ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) كشريك حوار أيضا عام 1997م. كما انضمت إلى الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر (الإيجاد) عام 1998م والى تجمع دول الساحل والصحراء عام 1999م.
وشهدت تلك الفترة أيضا تفعيل مصر عضويتها ومشاركتها في منظمات وتجمعات دولية وإقليمية حكومية وغير حكومية مثل منظمة الدول الناطقة بالفرنسية (الفرانكفونية) ومجموعة الـ 15. كما شهدت في المقابل إلغاء عضويتها أو تحديدها في منظمات أخرى ما لاقى تأييدا شعبيا مثل رابطة الاشتراكية الدولية ومنظمة "الأندجو" ومجلس التعاون العربي والمؤتمر الاقتصادي الإقليمي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وشاركت وزارة الخارجية في مفاوضات إبرام معاهدات واتفاقيات دولية وانضمت إليها مثل الاتفاقية الدولية لتحرير التجارة العالمية(الجات)، فيما رفضت التوقيع على اتفاقية روما الخاصة بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1999م، وأنهت المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في ابريل من نفس العام ووقعت بالأحرف الأولى اتفاقية المشاركة بين الطرفين.
كما نجحت الوزارة في إعادة ملفات تتعلق بالسياسة الخارجية إليها كانت خرجت منها إلى جهات أخرى بالدولة.
وساهم في تعزيز دور الوزارة الهيكل الجديد ما استحدثه من إدارات تتصل باهتمامات الناس وآليات أتاحت الاتصال المباشر بهم ومنها عقد جلسات حوار بوزارة الخارجية حول قضايا السياسة الخارجية يشارك فيها وزير الخارجية وكبار المسؤولين والدبلوماسيين بالوزارة خبراء وأكاديميين من أساتذة العلوم السياسية ومراكز البحوث والدراسات السياسية ضمن عمليات إعداد تقديرات مواقف في هذه القضايا. ففي تقليد جديد شهدته وزارة الخارجية لأول مرة عقد في مايو 1998م لقاء ضم عددا من القيادات السياسية والفكرية والحزبية ـ لتبادل الآراء حول القضايا التي تحظى بالاهتمام العام ـ منهم السادة خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع الوطني الوحدوي اليساري المعارض، والمهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل والتوجه الإسلامي، والسيد يس سراج الدين من حزب الوفد الليبرالي، وذلك فيما يشبه لجان الاستماع بالكونجرس الأمريكي.
لكن تجاوز حدود الدور أدى إلى مواجهة وزارة الخارجية ظروفا صعبة وتعرضها لانتقادات عنيفة من جانب مؤسسة الرئاسة، ففي عام 1997م وفي واقعتين متباعدتين أعطى كل من السفيرين فتحي الشاذلي مساعد وزير الخارجية وعادل الصفتي وكيل أول الوزارة للصحفيين تصريحات عنيفة ضد رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو، منها أن الأخير في حاجة إلى العرض على طبيب نفسي، وقلصت ردة الفعل على هذه التصريحات وتداعياتها ظهور مساعدي الوزير في وسائل الإعلام وتم إلغاء منصب وكيل أول الوزارة بخروج الصفتي إلى التقاعد.
وباتت حدود دور وزارة الخارجية مطروحة من جانب هيئات ووزارات ومؤسسات أخرى بالدولة طرحت بدورها اجتهادات في قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية تضاربت مع المواقف المعلنة من جانب وزير الخارجية ووزارته وواجه الخطاب الرسمي اتهاما بوجود ثنائية، كما اشتبك مثقفون وشخصيات عامة ومراكز بحوث ودراسات سياسية ووسائل إعلام ونواب بمجلس الشعب في سجالات مع وزارة الخارجية.
وعلى سبيل المثال فقد اتهم نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة الدكتور يوسف والي عام 1994م دولة كازاحستان بأنها تمد إيران بغواصات نووية برغم أن كازاخستان لا تطل على سواحل باستثناء بحيرة قزوين! وتورطت وزارة الخارجية في معالجة تداعيات هذا التصريح المدهش.
وفي أعقاب محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995م تحدث مسؤول مصري عن عدم استبعاد الرد العسكري على المحاولة، فصرح مبارك للصحافة بأنه استدعى هذا المسؤول وقال له "ما تفتيش".
وفي واقعة مدهشة أخرى أصدرت وزارة الخارجية في يونيو 1998م بيانا وصف نتائج اجتماعات اللجنة المصرية السودانية المشتركة المعنية بإعادة الممتلكات المصرية المصادرة في السودان بأنها إيجابية، وفي اليوم التالي صدر عن وزارة الداخلية بيان وصف نتائج الاجتماعات بأنها فاشلة!!
والخلاصة أن دور وزارة الخارجية خلال تلك الفترة قد تزايد واتسع بشكل غير مسبوق بلغ حد وجود الوزارة في المفاوضات مع أطراف دولية حول موضوعات تتعلق بمختلف الملفات حتى الملف الزراعي.
وزاد على ذلك شخصية وزير الخارجية الذي حظي بشعبية كبيرة بسبب صياغاته البراقة والمحكمة لتصريحاته ـ خصوصا ما يتعلق منها بإسرائيل والأوضاع الإقليمية ـ التي ساهمت في بناء شعبية للوزير لم يسبقه إليها وزير خارجية، ورشحته الشائعات عام 2000م نائبا لرئيس الجمهورية، وعام 2005م مرشحا لرئاسة الجمهورية في أول انتخابات تجري لانتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الحر المباشر بعد تعديل المادة (76) من الدستور، وتغنى مطرب شعبي باسمه "انا بأكره إسرائيل.. وأحب عمرو موسى"، فقد باتت وزارة الخارجية وزارة شعبية على غير المألوف عنها من أنها وزارة "أصحاب الياقات البيضاء"، كما بدت الوزارة في تلك الفترة وكأنها حكومة قائمة بذاتها أو مؤسسة موازية لمؤسسة الرئاسة في عملية صنع السياسة الخارجية وليست جهة تشارك ـ ضمن مجلس الوزراء ـ في صنعها وتنفيذ سياسة يضعها رئيس الجمهورية، ما أثار مجددا الحديث عن تعريف "دور" وزارة الخارجية.
بعد انتقال وزير الخارجية عمرو موسى إلى الجامعة العربية أمينا عاما لها في مايو 2001م تولى وزارة الخارجية كل من أحمد ماهر حتى يوليو 2004م ثم الوزير الحالي أحمد أبو الغيط .
وتجلت ملامح "إعادة" تعريف "دور" وزارة الخارجية في الابتعاد عن إطلاق التصريحات البراقة، وعدم الخوض بالتصريح حول أنشطة رئيس الجمهورية السياسية المتعلقة بإدارة العلاقات مع العالم ـ زياراته الخارجية مثلا ـ فقد بات هناك متحدث رسمي باسم الرئاسة منذ عام 2001م ـ أي بعد ترك عمرو موسى الوزارة ـ هما السفيران ماجد عبد الفتاح حتى يوليو 2004م وسليمان عواد.
وانتقلت ملفات ـ أو اتسع دور جهات أخرى في ملفات ـ معنية مجددا، وحتى مهمة التفاوض في قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية ـ وهي وظيفة أصيلة لوزارة الخارجية ـ لم تعد تقتصر عليها، فاتسع دور وزارة الري والموارد المائية في إدارة العلاقات مع دول حوض النيل، ووزارة التجارة الخارجية والتعاون الدولي في إدارة العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، والداخلية في إدارة العلاقات مع إيران والعراق والقضية الفلسطينية.
وبموازاة ذلك بات الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم لاعبا في ميدان السياسة الخارجية وتنامى هذا الدور منذ انعقاد المؤتمر العام للحزب في سبتمبر 2002م وطرح "الفكر الجديد" للحزب وفي إطاره تشكلت أمانة السياسات بالحزب وضمت لجنة تعنى بالسياسة الخارجية تحت اسم مصر والعالم ضمت سفراء سابقين وأكاديميين وأعضاء في الحزب لمناقشة قضايا السياسة الخارجية وعلاقات مصر بالعالم ولطرح رؤى وتصورات على صانع القرار وجهة التنفيذ الرئيسية ـ وهي وزارة الخارجية ـ تتعلق بمعالجة هذه القضايا، ويحضر وزير الخارجية أحمد أبو الغيط اجتماعات لجنة "مصر والعالم" من آنٍ لآخر.
لم تكن هذه الخطوة تختلف عما استنه الوزير السابق عمرو موسى من إدارات وآليات للحوار مع مراكز البحوث والدراسات السياسية وهيئات المجتمع المدني وممثلي التيارات السياسية المختلفة لولا قيام السيد جمال مبارك أمين السياسات بالحزب برحلات خارجية يلتقي خلالها مع رؤساء دول ومسؤولين في حكومات أجنبية تتناول قضايا من صميم اهتمامات وزارة الخارجية، ومنها زيارته الولايات المتحدة في فبراير 2003م قبل غزو الولايات المتحدة العراق في الشهر التالي، وفي ابريل 2006م والتي التقى خلالها كلا من الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس ومستشار الأمن القومي ستيفن هادلي.
ولم ينف مسؤول مصري ما ذكرته وسائل إعلام أمريكية حول تناول مسألة العراق في لقاءات عقدها مسؤولون أمريكيون خلال زيارته الأولى.
***
في كل فترة يطرح فيها "تعريف وزارة الخارجية" يتصل الأمر بحدود دور الوزارة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية والمصالح العليا للوطن زيادة أو نقصانا، كما تتصل دوافعه بالمتغيرات والتحولات الداخلية والدولية.
الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية
مر الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية بأربعة تطورات أساسية ارتبطت بتحولات وتطورات ومتغيرات دولية وداخلية وأكسبتها وزارة الخارجية بتأهيل هيكلها الداخلي للتعامل مع هذه التحولات والمتغيرات:
الأول: صدور تصريح 28 فبراير 1922م
استنادا إلى هذا التصريح وإلغاء الحماية البريطانية على مصر وتمتع مصر باستقلالية في إدارة علاقاتها مع الخارج صدر قرار تقييم وتنظيم الوزارة الذي حدد الهيكل التنظيمي للوزارة، وقسم القرار الوزارة إلى أربعة أقلام (أقسام) هي:
1 – ديوان الوزير أو مكتب الوزير وبه أربعة أقلام فرعية هي القلم الخصوصي المسؤول عن المقابلات والأعمال المتعلقة بالبرلمان، وقلم الصحافة والاستعلامات ويعني بالتعامل مع وسائل الإعلام وقلم الكتابة الشفرية للبرقيات وقلم الصادر والوارد.
2 – إدارة الشؤون التجارية والسياسية، وهي إدارة وفرت للوزارة وضع وزارة خارجية في دولة ذات سيادة حيث جسدت التحول في العلاقة مع بريطانيا من علاقة تبعية تشرف بريطانيا بمقتضاها على شؤون مصر الخارجية إلى إدارة الوزارة علاقات مصر بين البلدين وعلاقة مصر مع العالم.
3 – إدارة الشؤون الإدارية وتضمنت ثلاثة أقلام فرعية هي: قلم المراسم وقلم المحفوظات وقلم المستخدمين (شؤون العاملين).
4 – إدارة الشؤون القنصلية: حيث أصبح لمصر وجود قنصلي في الخارج بعدما كانت قنصليات بريطانيا في الخارج هي المسؤولة عن إدارة شؤون مصر والأملاك المصرية في الخارج.
الثاني: تداعيات الحرب العالمية الثانية
في أعقاب الحرب أعاد الوزير محمد صلاح الدين (1950م ـ 1952م) تنظيم هيكل وزارة الخارجية لمواكبة المتغيرات الدولية والإقليمية بشكل يعكس طموحات مصر في إقليمها وفي الاستقلال الكامل، فقسم إدارات العمل بالوزارة على أسس سياسية وجغرافية.
الثالث: ثورة 23 يوليو 1952م
تولى محمد فوزي وزارة الخارجية في ديسمبر 1952م وترجم هيكليا وإداريا وسياسيا توجهات الثورة في سياستها الخارجية وفق ما أورده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة" والذي حدد دوائر أساسية لحركة السياسة الخارجية المصرية (العربية والإسلامية والإفريقية) وتوجهاتها في الحياد الإيجابي ودعم حركات التحرر من الاستعمار، واستكمل فوزي صياغة هيكل الوزارة على أسس جغرافية وموضوعية، فتم تقسيم الوزارة إلى إدارات جغرافية مثل إدارة الشؤون الإفريقية والآسيوية والعربية والأوروبية والأمريكية، وإدارات موضوعية مثل الإدارات الاقتصادية والثقافية والمعلومات، وإدارات نوعية مثل الشؤون القنصلية والمعلومات والرمز (الشفرة).
وقد استلم فوزي الوزارة وبها عشرة سفراء من أبناء الطبقة الارستقراطية وبيئة ثقافية واجتماعية مختلفة عما كانت الثورة تعد له. وأحالت الثورة إلى التقاعد عددا لا بأس به من قيادات الهيئات السيادية وملأت الفراغ مؤقتا بعدد من العسكريين.
وعمل فوزي على ملء الفراغ واعتمد على أبناء الطبقة الوسطى من خريجي الجامعات من مختلف التخصصات، وطغى خريجو الحقوق ما عداهم من خريجي الكليات الأخرى للالتحاق بالسلك الدبلوماسي. ويعد عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق أول من تولى وزارة الخارجية من أبناء الطبقة الوسطى الذين التحقوا بالوزارة عام 1956م.
كما ترجم فوزي التوجهات الاجتماعية للثورة أيضا بفتح أبواب وزارة الخارجية أمام المرأة لأول مرة للالتحاق بالعمل الدبلوماسي وانضمت للوزارة محلقات أولهن هدى المراسي التي صارت أول سفيرة لمصر ـ من أبناء السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية ـ بالخارج، وذلك ضمن إجراءات أخرى عكست توجهات الثورة منها إنشاء إدارة خدمة المواطنين في حالات ارتبطت بالهجرة والعمل في الخارج.
واعتمد فوزي اللغة العربية لغة رسمية لوزارة الخارجية في مراسلاتها ومكاتباتها بعدما كانت اللغة الفرنسية هي لغة وزارة الخارجية قبل الثورة.
واستكمل الوزير محمود رياض خطط فوزي لإعداد الكوادر الدبلوماسية المدربة بتأسيس "معهد الدراسات الدبلوماسية" في أكتوبر عام 1966م لإعداد الكوادر والملحقين الجدد من خلال برامج ودراسات ومحاضرات في مختلف فروع العلم والمعرفة.
الرابع: انهيار الاتحاد السوفيتي 1991م
بانهيار الاتحاد السوفيتي انتهت الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة، وتحول النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة. وشهد العالم تحولات ومتغيرات فرضت على أجندة السياسة الدولية والعلاقات الدولية كذلك اهتمامات وأولويات، وواجهت مصر تغيرات دولية وفي محيطها الإقليمي تداعيات وأحداث أهم سماتها تهميش دور الأمم المتحدة وانفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي وتلاشى مبدأ السيادة وزيادة التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول والازدواجية في تطبيق المعايير وتنفيذ القرارات الدولية.
وفي نوفمبر 1991م أصدر الوزير عمرو موسى قرارا بتنظيم وهيكلة وزارة الخارجية فتم استحداث منصب مساعدي الوزير للشؤون الأمريكية والأوروبية والإفريقية والعربية والآسيوية على رأس كل إدارة على أساس جغرافي أو سياسي أونوعي، ولكل مساعد نائب: كما تم استحداث إدارات جديدة تعنى بالتعامل مع الموضوعات المستجدة على الأجندة الدولية والإقليمية مثل إدارات ووحدات مكافحة الإرهاب والبيئة والهجرة والمصريين بالخارج ـ بعد إلغاء وزارة الهجرة والمصريين بالخارج وضم اختصاصاتها لوزارة الخارجية ـ ونزع السلاح وإدارة الأزمات والعلاقات متعددة الأطراف وإرشادات السفر، والمتحدث الرسمي. كما أتاح الهيكل الجديد إنشاء وحدات لمتابعة تنفيذ اتفاقيات دولية مثل وحدة متابعة تنفيذ اتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية، وللتعامل مع موضوعات مستجدة على الساحة الدولية مثل حوار الحضارات والثقافات.
وواكب هذا التنظيم ثورة المعلومات فتم إنشاء بنك للمعلومات واعتماد الأرشفة الكمبيوترية وربط السفارات والبعثات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج بديوان عام الوزارة عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) وإنشاء صفحة على الشبكة لعرض مواقف مصر وتصريحات وزير الخارجية حيال الأحداث الإقليمية والدولية. وتتضمن هذه الصفحة عناوين السفارات والبعثات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج والخدمات التي تقدمها للمواطنين بالخارج.
وعكست التطورات الدولية وآثار نهاية الحرب الباردة تفاعلاتها على هيكل وزارة الخارجية، كما تفاعلت وزارة الخارجية هيكليا مع هذه التطورات ففي أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م، وما ترتب على ذلك من تغيرات سياسية تمثلت في ظهور ما يسمى برابطة الدول المستقلة، حرصت مصر على أن يكون لها تواجد فاعل ومؤثر، وعلى ضوء ذلك تم إنشاء الصندوق المصري للتعاون الفني مع دول الكومنولث والدول الإسلامية الأوروبية والدول المستقلة حديثا، وجاء إنشاء هذا الصندوق برار من رئيس الجمهورية رقم 286 لعام 1992م، ويتولى مجلس إدارة الصندوق السيد وزير الخارجية، ويدير أعماله أمين عام بدرجة سفير. ويقوم الصندوق الفني بتقديم المعونة الفنية من خلال تنظيم الدورات والندوات التدريبية والمنح قصيرة الأجل وترتيب زيارات ميدانية قصيرة الأجل إلى مصر للمسؤولين عن القطاعات الحيوية في جمهوريات الكومنولث وإيفاد الخبراء المصريين في مهام قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل حسب احتياجات الجمهوريات. وتقديم بعض المساعدات الإنسانية العاجلة لبعض الدول المتضررة من الكوارث الطبيعية وتقديم منح دراسية بالمعاهد المصرية المتخصصة، فضلا عن العمل على دعم التواجد المصري في دول الكومنولث.
وتستفيد خمسة عشر دولة من أنشطة الصندوق هي: أرمينيا وجورجيا وطاجيكسان وتركمانستان وكازاختسان وقيرقيزيا ومولدوفا وأذربيجان واوزباكستان والبوسنة والهرسك ومقدونيا وألبانيا ومنغوليا وأفغانستان وتتارستان. ومنذ إنشائه قام الصندوق بتنظيم 720 دورة تدريبية شارك فيها 1475 متدربا من دول الكومنولث والدول الإسلامية في مجالات عدة منها اللغة العربية، والثقافة العربية والإسلامية، والدبلوماسية والبنوك، والصحة، والزراعية، والإعلام، والآثار، والقانون، والشرطة، والسياحة حيث يقوم الصندوق بتنظيم هذه الدورات بالتعاون الوثيق مع مراكز تدريب تابعة للوزارات والجامعات المصرية مثل أكاديمية الشرطة، والمعهد المصرفي المصري، مركز بحوث الإسكان والبناء، ومركز اللغة العربية، والمعهد الإقليمي لتكنولوجيا المعلومات والوحدة التنفيذية للمعونة الإنمائية، ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء والمركز المصري الدولي للزراعة.
وتطور عمل هذا الصندوق بإبرام اتفاقيات تعاون ثلاثي لتدريب الكوادر الفنية من دول الكومنولث بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية ووكالة المعونة الدولية اليابانية للمساهمة في تمويل بعض الكوادر المتخصصة الأفغانية في المعاهد والمراكز المصرية.
وواكب هذا التنظيم أيضا المتغيرات الداخلية ففتحت وزارة الخارجية قنوات اتصال مع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني ومراكز الأبحاث والدراسات السياسية والاستراتيجية، وأنشأت إدارة لشؤون مجلس الشعب والشورى يرأسها سفير بدرجة مساعد لوزير الخارجية كقناة اتصال مع المجلسين والتعامل مع طلبات الإحاطة والأسئلة التي يطرحها النواب.
وفي ظل هذا التنظيم اختفى منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية الذي ظهر للوجود لأول مرة عام 1937م وتولاه عبد الفتاح يحيي (ديسمبر 1937م إلى ابريل 1938م) ثم اختفى إلى أن أعاده الرئيس أنور السادات في مارس 1971م وأسنده إلى الوزير محمد حافظ إسماعيل. وكان الدكتور بطرس غالي آخر من تولاه (من نوفمبر عام 1977م إلى مايو 1991م) قبل تعيينه نائبا لرئيس الوزراء للاتصالات الخارجية لمدة سبعة أشهر حيث تولى مهامه سكرتيرا عاما للأمم المتحدة أول يناير 1992م.
وفي يناير 2007م استحدث وزير الخارجية أحمد أبو الغيط إدارة جديدة في الهيكل التنظيمي للوزارة تحت مسمى "إدارة الدبلوماسية العامة" لتحقيق الاتصال والتواصل مع المصريين بالداخل والخارج.
وفي سبتمبر من نفس العام أصدر وزير الخارجية قرارا بإنشاء وحدة جديدة إلى هيكل الوزارة هي "وحدة الفرانكفونية" تابعة لقطاع الهيئات والمنظمات الدولية بالوزارة لمتابعة المسائل المتعلقة بمنظمة الدول الناطقة بالفرنسية (الفرانكفونية) وذلك كون مصر عضو بهذه المنظمة منذ عام 1983م. وتضم في عضويتها نحو 50 دولة أغلبها دول إفريقية، وتستضيف مصر بمدينة الإسكندرية "جامعة سنجور" التي تعد أحد الأجهزة الرئيسية للمنظمة إلى جانب الوكالة الجامعية الفرانكفونية والمقر الإقليمي لقناة TV5 الفرنسية، والرابعة الدولية للمدن فضلا عن رئاسة مصري للمنظمة وهو الدكتور بطرس غالي وذلك خلال الفترة من 1997م إلى 2002م.
حتى نهاية عام 2007م بلغ عدد العاملين بوزارة الخارجية نحو ستة آلاف منهم نحو 915 دبلوماسيا بينهم نحو 192 دبلوماسية، وفتحت الخارجية الباب أمام قبول دفعتين من الملحقتين الدبلوماسيين خلال نفس العام للبلوغ بعدد الدبلوماسيين إلى 1200 دبلوماسي بسبب بلوغ عدد من السفراء سن التقاعد وللوصول بعدد الدبلوماسيين إلى 1200 دبلوماسي.
ونظرا لكون وزارة الخارجية من الوزارات السيادية فإن ميزانيتها السنوية لا يتم الإعلام عنها لاسيما بعد ثورة يوليو 1952م. وقد أثير جدل حول الميزانية في مجلس الشعب مرتين يفصل بينهما 75 عاما، وأثار الجدل حولها في المرتين حزب الوفد، الأولى في شهر يونيو عام 1924م حينما رصدت الحكومة مبلغا قدره 190 ألف و650 جنيها في أول ميزانية لوزارة الخارجية وانتقد النائب فخري عبد النور ما أسماه إنشاء قنصليات لا لزوم لها في الخارج واستنكر النائب محمد كامل الأسيوطي ارتفاع مرتبات العاملين في السلك الدبلوماسي فيما انتقدت جريدة "البلاغ" البعثات في الخارج وتساءلت: "ما فائدة هذه السفارات (..) هل هي زينة وبهرجة أم للإشراف على ما يسمونه مصالح المصريين في تلك البلاد".
والثانية في مايو 199 عند مناقشة مشروعي الخطة والموازنة للعام المالي 1999م – 2000م حين انتقد النائب الوفدي ياسين سراج الدين نائب رئيس الحزب زيادة نفقات وزارة الخارجية وطلب بـ"تقليص وإغلاق عدد من السفارات المصرية بالخارج"، ورد النائب عن الحزب الوطني الحاكم كمال الشاذلي بأن عدد السفارات يعكس علاقات مصر الجيدة مع كل دول العالم فيما طالب النائب محمد عبد اللاه من الحزب الوطني ورئيس جامعة الإسكندرية بفتح سفارات جديدة.