eKtab
EN ع
خريف الوطن
اقرأ عينة مجانية

خريف الوطن

بقلم محمد خالد النبالي

صفحة 1

المقدمة

إن الدلالات المهيمنة على النص تجعل من الجملة الشعرية نسقا أسلوبيا خاصا لكل يحافظ من خلالها على الوحدة العضوية للنصوص , والارتكاز هنا يكون على البعد الوجداني الذي يعطي المعنى المترتب على هذه الوحدة من خلال المقاربات المعنوية الرمزية والدلالات الإشارية .

نجد هنا الشاعر اعتمد على مشهدية الحوار ما بين الذات الوجدانية كمحور البؤرة المتنقله حسب انعكاس الرموز الموحية من الواقع المعاش حوله والتي يخضعها للترتيب الوضعي لحركة الحياة ضمن مساحة الوطن.

الشاعر محمد خالد النبالي اعتمد في مجموعته ( خريف الوَطَنْ) على ردة فعل الحياة وانعكاسها على ذاته وما تستنهضه هذه الردة من خلال حركة الحياة المكونة لرموزه التي تقارب قناعاته المشهدية واحداث تطورها الوضعي لكي يحكم المعنى ضمن دلالاته الجوهرية أي أن الشاعر يكون فكرة النص من الرؤيا المتكونة من طاقة التخيل الرمزي لكل الحالات المتحركة والثابتة في الإشارة المعنوية لهموم الإنسان و الوطن في نسق تصوري إدراكي أي أن الانعكاس الرمزي ماهو إلا انعكاس الواقع وما يحمله من هموم على ذاته والتي تقارب فهمه "السوسيولجي" لكل حدث يراه ضمن طاقته البصرية والمعرفيه،وهذا ما يوسع البعد الرمزي والدلالي في القصيدة لديه .

الشاعر اعتمد على اللقطة الرؤيوية المقاربة في انعكاسها الموضوعي الفهمي للفكرة عنده، الموحية لكل الحالات التي يعيشها في داخل ذاته بسبب الأزمة الموجودة في ذات الوطن، وهذا ما يوسع أفق الاختيارات المفردة اللغوية التي تنضج النص من خلال الإشارة إليه بالرمز المشع بالفهم الإدراكي الصوري والذي بدوره يكون الصورة الشعرية ضمن الحدث التضادي مع الذات ومعرفتها الإنسانية.

نص أتوضأ بالدم ...

وحْدهُ حطبُ الشّتاءِ

يُثرثرُ في فَمي
دَمْعَتي تفِرُ
صَوتي زَلْزلةُ قَبْر
عَقْلي طُرقاتٌ مُزدَحِمةٌ بالتّعبْ
والحرائرُ تُنادي
لا تُنادي يا ابْنةَ أُم
لا تسْألي أيْنَ الْعَرَبْ !!

الشاعر هنا يثبت الدلالة من خلال المقاربة بين رمز الذات وما يعني الأنتماء له في قضية يؤشرها ضمن مساحة هذه الذات والتي يعيش مخاضه النفسي أتجاهها، فلا يجد لها حلا فتتحول هذه القضية إلى رمز من الخواء والموت, فحطب الشتاء ما هو إلا إشارة إلى دلالة السكون والصمت، فحين تهمل أي قضية تتحول إلى ركن بارد لا ينبض بالحياة لأنها قد نسيت من قبل الآخرين، مما يجعلها تتحول إلى ثرثرة لا صلة لها بعمق الأنتماء،وهذا ما يتعبه لأن كل شيء أصبح خارج الحلم الذي يريد أن يصل له (وحْدهُ حطبُ الشّتاءِ / يُثرثرُ في فَمي /دَمْعَتي تفِرُ /صَوتي زَلْزلةُ قَبْر/عَقْلي طُرقاتٌ مُزدَحِمةٌ بالتّعبْ ) لهذا تأخذ هذه القضية شكل الألم لأنها أصبحت لا تهم الآخرين الذين ينتمون لها.

الشاعر وسط كل هذه الحالات مازال يمتلك الغضب والزلزلة وصوت الرفض لما وصلت إليه القضية التي ينتمي لها ( والحرائرُ تُنادي /لا تُنادي يا ابْنةَ أُم /لا تسْألي أيْنَ الْعَرَبْ !!) هذا التفجر والغضب داخله لا يجد صدى عند الآخرين وهم العرب والقضية هي قضية فلسطين حيث نجد العرب غير مبالين بها مع أنها هي قضيتهم الأساسية, وهذا ما يجعله يصل الى حالة اليأس من أي تغير يحدث.

صفحة 2

نص شهوة الربيع ...

هَذا الْكَوْنُ

" جُغْرافيا " لمقابرِ الْأحْياءْ

وجَوارحي في حَدائقِ الَّليْلِ

يُحاصُرها الصَّقيعُ

وغِطائي باردٌ جِدًا

وغاباتُ الظُّلْمةِ تَكْسو مَساحاتي

وبريحِ الْخريفِ

تَقْتَلعُ مِنْ داخلي

شَهْوَةَ الرَّبيعْ

وبعد أن وصل الى حالة اليأس والقنوط من عدم وجود حل لقضيته التي ينادي بها وهي قضية وطنه فلسطين يشعر أن كل شيء تحول إلى مقابر للموت والنهاية ( هَذا الْكَوْنُ /" جُغْرافيا " لمقابرِ الْأحْياءْ/وجَوارحي في حَدائقِ الَّليْلِ /يُحاصُرها الصَّقيعُ /وغِطائي باردٌ جِدًا )الشاعر أستخدم هنا ( جوارحي في حدائق الليل) كي يوحي للدلالة الواسعة على اليأس الذي يعيشه فكل شيء تحول إلى صقيع يحاصره فلم يعد هناك أمل وحتى الغطاء الذي يحميه من هذا الصقيع أصبح باردا جدا, فهو يريد أن يعطي المساحة التأويلية في الدلالة المعنوية تجاه ما يريد أن يوصله للمتلقي فكل شيء يموت خارجه من خلال حالة الألم داخله لأنه لا يجد حلا لوطنه فجغرافية الكون كلها لا تعني له إلا مقابر للأحياء و كل شيء خارج وطنه لا يعني له شيئا إلا الموت والنهايات التي ينتهي بها الكون .

استطاع الشاعر أن يوظف اللغة في مفرداتها في تحقيق التجاور الذهني في رسم أبعاد قضيته في وطنه فلسطين فهو لا يستطيع أن يستمر بالعيش خارج هذا الوطن المسلوب ,و نجد أن الوطن هنا تحول إلى بؤرة نصية تعطي لكل نصوص المجموعة بعدا وجوديا ونفسيا من خلال الحوار الذاتي " السوسيولجي" الذي يحكم باطن النص دون إظهاره لسطح الجملة الشعرية فبقى فعل الحركة التصورية الوجودية كامنا داخل النص في لحظة تفجر الرؤيا لدية (وغاباتُ الظُّلْمةِ تَكْسو مَساحاتي /وبريحِ الْخريفِ /تَقْتَلعُ مِنْ داخلي /شَهْوَةَ الرَّبيعْ ) كل شيء تحول إلى ريح الخريف ولم تعد لديه شهوة الربيع فلم تعد لدية روح الأمل بأن التغير آت إلى وطنه , وهذه حالة اليأس الكلي في روحه حيث شكلت البؤرة للحركة الشعرية لديه و جعل رمز الوطـــن هو المحـــرك لكل حالات التصور اللساني و الذي يبني عليه نسق الجملة الشعرية دون أن يفرط في المعنى الذي يؤشرة داخل جوهرية اللغة الذاتية عنده , فاستطاع الشاعر أن يعطي للغة بعدا تكوينيا في نسق رؤيته الشعرية ضمن حدود التناسق الفهمي بين الذات وحالات الوجود حوله .

نص تحديق في فوهة القبر...

مُبتَلًى بالموتِ والحياة

سأموتُ إن لمْ أُقْتَل

أمدُّ في تَفاصيلِ الهواءِ

جَميعَ الأمْنياتْ

لتَتَـنَمَّر كجَبلٍ مُندَسٍّ

بَيْنَ الخَيالاتْ

والرُّوحُ خَرِبةٌ

كَقَبرٍ قَديمْ

عَينهُ مَفْتوحةٌ

كَحَدقةِ البحرِ الميّت

يستمر الشاعر بطرح ما بداخله من أبعاد بصرية في رؤيته المتصاعدة بشكل "مونولوج" داخلي حول قضية وطنه لكي يؤشر حجم الألم والوجع الذي يعيشه في الداخل تجاه ما يحدث لهذا الوطن من إهمال لشعبه ولقضيته التي ينتمي إليها، والشاعر في جميع نصوصه يبنى الحدث النفسي من خلال التراكم اللساني التصوري فهو يجسد مشاعرة الداخلية التي تكونت من خلال هذا التراكم الانعكاسي داخل مساحته الذهنية ما جعل الرؤيا عنده هي الحدث الانفعالي تجاه القضية والوطن (مُبتَلًى بالموتِ والحياة /سأموتُ إن لمْ أُقْتَل /أمدُّ في تَفاصيلِ الهواءِ /جَميعَ الأمْنياتْ ) لم تعد الأشياء واضحة فهو يعيش ما بين الموت والحياة مع هذا هو سيموت وحتى الأمنيات سوف يبعثرها الهواء فلم يعد له أمل يقارب ما يتمناه لوطنه و حياته الخاصة وقد تحول إلى انعكاس كلي لهموم الوطن وقد تحولت الحياة عنده إلى هموم وغربة داخليه لا يستطيع أن يجد لها حلا إلا من خلال حل قضية وطنه، وما ذاته إلا ذات الوطن (لتَتَـنَمَّر كجَبلٍ مُندَسٍّ /بَيْنَ الخَيالاتْ /والرُّوحُ خَرِبةٌ /كَقَبرٍ قَديمْ /عَينهُ مَفْتوحةٌ /كَحَدقةِ البحرِ الميّت ) فكل ما يراه يحدث في الوطن يشعر به من الداخل فكل الخيالات والروح أصبحت خربة كقبر قديم وهو لهذا يؤشر ويوحي بالتأويل الدلالي إلى أقصى حالات اليأس و الموت بكل شيء داخله .

الشاعر استطاع أن يحقق التوازن الانفعالي التصوري بين الفكرة لدية والمشهد الخارجي لأحداث وطنه من خلال الإيحاء المعنوي وفق الدلالة المركبة التي تؤشر حجم المأساة التي تحدث لوطنه فكل شيء يجري إلى الموت مثل البحر الميت ولا شيء يبشر بالحياة إلا الموت المستمر .

استطاع النبالي أن يركب جملته الشعرية وفق الحدث التأويلي لحقيقة الحدث ضمن سياق الواقعية لهذا الحدث وليس ضمن الحدس الفهمي لقضية الوطن وفي سياق إيقاعي متصاعد للصوت الداخلي لجملته الشعرية في جميع نصوصه .

استخدم الشاعر الإيحاء الاستدراكي التناظري بين أزمته الذاتية وذات الوطن دون الإشارة إلى الوطن إلا من خلال التقارب الكبير لهذه الأزمة مع ذاته الإنسانية .

صفحة 3

نص ضجيج متكامل

حَطبٌ يَسْتعِرْ

والمطرُ حَسيرٌ لا يَنْهمِرْ

كَفرَ الكُفْرُ فينا

إنّهُ ضَجيجٌ مُتكامِلٌ

يَلْتهمُ خَدّ السَّماءِ الشّاحِبِ

فَمَتى يَأتي المطرُ

ويحْقنُ الأرْضَ

بِكَوثرٍ وعيونْ

مَتى نكونُ أَوْ لا نَكونْ ؟

يبقى الشاعر متوغلا في مأساة وطنه موحيا بعدم انفراج هذه المأساة بل العكس تزداد وجعا وألما وموتا (حَطبٌ يَسْتعِرْ /والمطرُ حَسيرٌ لا يَنْهمِرْ /كَفرَ الكُفْرُ فينا /إنّهُ ضَجيجٌ مُتكامِلٌ /يَلْتهمُ خَدّ السَّماءِ الشّاحِبِ) وأصبح كل شيء حوله لا يوحي إلا بالخيبة والمرارة فالحطب يستعر ولا شيء يوقده لكي يأتي الدفء منه وحتى المطر ينحسر إلى حد أصبح الكفر بكل شيء هو الموجود ,فلم يعد هنا إلا الضجيج الفارغ التي يلتهم حتى الأمل بالسماء أن تأتي بالحل والانفراج لأزمته (فَمَتى يَأتي المطرُ /ويحْقنُ الأرْضَ/ بِكَوثرٍ وعيونْ /مَتى نكونُ أَوْ لا نَكونْ ؟).

بعد أن وصل إلى حالة اليأس يتحول هنا من طرح أزمة وطنه يصرخ في وجه كل هذا الاستلاب والقهر الجمعي لأنه يمثل أزمة أمة كاملة مرتبطة جوهريا مع وطن سلب ولا أحد يفكر بحل هذه الأزمة .

يبدأ الشاعر يصرخ متى يأتي المطر الذي هو رمز الحياة لانفراج هذه الأزمة ومتى نكون أو لا نكون , فيجب أن يضع حدا لهذا لكي لا تبقى قضيته معلقة لا حل لها سوى الضياع والنهاية التي لا نهاية لها وبعد أن طالت أزمتها وماساتها .

استطاع الشاعر أن يكون الجمل الترابطية المتصاعدة في بؤرة نصيه ترتبط بها جميع نصوص المجموعة وفق التنسيق اللغوي التراكمي الذي ينضج الجملة الشعرية لديه ضمن الإيقاع المتصاعد في طرح جميع أبعاد القضية الخاصة بوطنه من خلال التنويع الفهمي الاستدراكي لأزمته الإنسانية في المشهد الوطني , واستطاع أن يكون مجموعة شعرية مرتبطة كليا بأزمة الوطن ومن خلال الفهم الإشاري .

الشاعر والناقد

عباس باني المالكي / العراق

صفحة 4

توطئة الناشر

قبل ان اصبح ناشرا، تعرفت على الشاعر محمد النبالي في أروقة أكاديمية الفينيق، وصافحت تجريبه في أشياء قصيدة الوطن من خلال ركن مختص في الأكاديمية تحت مسمّى أدب الرسالة إنصافا للوطن، حيث ينطلق الخطاب الأدبيّ ويغرف من الضّاد رسالة تنصف الأوطان.

تجاوز الشاعر من خلال رصيده الثري في هذا اللون المنبرية والتقريرية منزاحا أكثر للشاعرية متأثرا بتجريبه السابق في أشياء قصيدة النثر المنفلتة داخل اللغة لصالح الاختلاف .

في هذا الديوان تمتد جغرافيا الوطن لدى الشاعر لتشمل كل بؤر التوجع والخيبات والانتكاسات على امتداد الجسد العربي وان لم تكن عناوين القصائد تشير لهذا حرفيا، إلا أن المحمول الشعري يحمل هذا البعد.

خريف الوطن مجموعة يجد فيها المتلقي رؤية الانسان من خلال رؤية الشاعر لأشياء الوجع العربي الواحد .

أمنيات التوفيق للشاعر النبالي

الناشر

زياد السعودي

ثَرْثَرة ٌ عَلى وجَع ِ الصَّفيح

يُثرثِرُ مطرٌ

عَلى وجَع ِ الصَّفيح ِ بِغُرْبَتي

لا قِماشَ

يَسْترُ عُريَّنا الْمنتهَكِ

بسياطِ الْعاصِفَة

وَحيدًا

أعُبُّ بناظريَّ

بَهارِج الْأضْواءْ

لَيْسَ لي مِنَ الْأرض

سِوى وحْلُها

وضيقُ قَبرٍ يَشْتريني

لعَلِّي

إذا ما ابْتلعَني التُّراب

أهداني

حُمْرةَ " تلاويني "

صفحة 5

لعلُّهُ

يُصَيِّرُني ذَهبًا

عَلى وجَناتِ السَّنابِل

كُلَّما دَعَتني أُمِّي

لحتْميَّةِ الرَّحيل

أبزغُ جَيشًا

كُلَّما ناداني التُّراب

وأتسامى مَعَ الرِّيح

غيمًا يولدُ منَ الْفَجْرِ

صُبحًا

يَرسم ُ بِخيوطٍ مِنْ قُزح

جَدائِلَ الشَّمس

مطرٌ

يعيدُني كُلَّما ارْتحلتُ

لثرثرةٍ

عَلى وجَعِ الصَّفيح

ترثرةٌ

تشي بِسَخطٍ

في عينِ الْعاصِفَة

عاصفَةٌ

لا تأبهُ لِوهنِ الْأجْسادِ النَّاحِلة

هديرٌ زمجرة ٌ رعد ٌ

برق ٌ وزبدٌ ومجونْ

لا أحَدَ يأبهُ لِعرائِنا

ولِسانُ الْحالِ

كَعَجوز كَبَّلَتْها السُّنونْ

صفحة 6

فَوقَ احْتِمالاتِ الغِيابْ

فَوقَ احْتِمالاتِ الغِيابْ

إلى روح الفَقيدِ الغائب الحاضِر أبي رحمهُ الله وأحْسَنَ مَثْواهْ

صافي العَشيرَة

مِعْطيرُ السَّريرَة

مِقْدامٌ فارسٌ نبيلْ

شَهمٌ هُمامٌ أصيلْ

حِصانُهُ السّيف

ما تَرجّلَ إلا حِينما

ناداهُ حُسْنُ الخِتامْ

كانَ رَمزًا خالدًا

زرَعَ الحُبَّ سَرْمدًا

تركَ القَلْبَ الكَسيرَ يذرِفُ

الآهاتَ تَوَجّعًا

مُقْلةُ العَيْنِ شَلّالٌ يَحْترقُ

لاتعْذِلوا عُيونًا

جَرى دَمْعُها

لا تَلوموا قَلبًا

قائِـمًا في الـحُزنِ

فَقَدْ غادَرَ الفارِسُ

مَضارِبَ القَبيلَهْ

وحْدَهَم أعْداءُ الوَطَنْ

لم يَرْثوا رَحيلَهْ

ما أدْرَكوا

أنَّ الزّمانَ

لنْ يفْقِدْ مَثيلَهْ

كَرامَتُـهُ شامخةٌ

تُطارِحُ العَلْياءْ

أبَـتاهْ

حَنيني يُشتِّـتُني يَكْويني

والدمعُ يَهُدُّني يُدْميني

شَمسُ الغُروبِ

تَغُصُّ بِحكايةِ ليْليَ الْـمُسهَّد

غِبتَ يا ظِلّ الْكَرَمْ

وارْتدى عُمري حِدادَ الْألمْ

أبا مُصْطَفى

يا حُزْنيَ الْكَبير

يا جُرْحًا في عُيونِ السِّنينِ يَسيرْ

يا ذَاكرةً في حَنايا الْمحبِّينْ

تَسْتفيقُ عَلى لَوْعةِ الْـحَنينْ

آهَــاتي تَنامَتْ في حَشْرَجاتِ الْأنينْ

أبَـتاهْ

قبرُكَ مَملكة

شُموخُكَ مَسْألة

سُكونُكَ مَلْحَمة

إهْنأ في مَرْقَدِكَ

بَعْدَ أن صَدَقْتَ الْبيَعةَ للوَطَنْ

وكَتبْتَ سِيرتَكَ بِحَرفِ النِّضالِ

عَلى جَبينِ الزَّمنْ

صفحة 7

أتَوضأ بالدّم

تهجُرني الشَّمسُ
فَمي ضالّ
وكُلّي في نِعْمَتِكَ يارَبْ
الّليلُ يُقشِّرُني
ويشربُ الدِّفْءَ مِنَ عروقي
ما حَرَّرَني الْيَأسُ
مِنْ حَياتي أوْ مَوْتي
في براثنِ الشّهْوةِ الْخالِصَة
يَغْتالُني صَوْتي
كُلُّ الْمحيطات تَغْتَسِلُ
مِنْ غَريزَتي
والْبِحارُ تَنْـْبـُعُ
مِنْ أطْرافِ شِفاهِ الْـحَرْف
كُلَّما قبضتُّ عَلى هذا الْكَوْن
أجِدُ بِيدي رَغْوةً وَجَفاءْ
أهُزُّ كَلِماتي
علّني أقْتَلعُها مِنَ الْـجُذورِ
فأسْمَعُ صَوتَ الوطنْ نائِحًا
يأمُرُني أنْ أتوضّأَ بالدّم خمسَ مرّاتْ
كُلَّما ذَكَرتُ اسمَ بلادي
أتوهُ في مُتَـتالِـيةِ الْـحَسْراتْ
تحْتقُرُني أوْراقُ الزَّيْتون
تكْوي وَجْهي
وجَنْبي وظَهْري
تترُكُني في جبالِ الْـمَوْتى
ترمُقُني بالضَّغائنِ الْـمُسنَّـنَـة
وتخْبِرُنيأنني
نِشارةُ أزمِنَة الْـحُثالة
رُضوخٌ
رَضوخٌ
كُلُّ ما في الْوجودِ حيٌّ
إلا أنا
وحْدهُ حطبُ الشّتاءِ
يُثرثرُ في فَمي
دَمْعَتي تفِرُّ
صَوتي زَلْزلةُ قَبْر
عَقْلي طُرقاتٌ مُزدَحِمةٌ بالتّعبْ
والحرائرُ تُنادي
لا تُنادي يا ابْنةَ أُم
لا تسْألي أيْنَ الْعَرَبْ !!

صفحة 8

الدائرةُ الْمغلقة

الدائرةُ الْمغلقة
نيسانُ مريضْ
الْـحفّارونَ قرّروا الدَّفْنَ دونَ تَأبينْ
عَقْلـُكَ ولِسانـُكَ مَريْضانِ
شُروقُ الشَّمْسِ
تحوَّلَ غربًا عنْ أرْض ِ الشّحوبِ
فلا شمسَ فوقَ أشْجاري
جالِسٌ مُتَقوْقِعُ أكوِّمُ أصابِعي
الدِّفءُ مجْرمٌ هارِبٌ والصَّقيعٌ بَيْنَ الْأكُفِّ
أديرُ وجْهي لِلْبحر ِ
انْعِكاسُ الْأمواج ِ مرآتـي
تحضُنُني بِحرارة
كم صَدْري مُشْتاقٌ!!
والْأمواجُ ارْتحالٌ لِعالم ٍ آخر
أرْسُمُ عَلى الشّاطئ قلْبًا يَتَهاوى
أينَ الْـحَقيقة؟
كُلُّ الْأشْياءِ
تُعاكِسُ النَّبضَ
غُموضُ الْـقاع ِ
لا يَعْرِفـُهُ أحَدْ
أسْرارُ الْـموتِ والْموْجِ
عَلى شِفاهِ الْبـُؤْس
ِ مِلحٌ ومَنْفى
والطَّريقُ انْتِظارْ
والْأحْلامُ مَذبوحَةٌ عَلى مِقْصلةِ الشّيطانِ
الرَّبيعُ مخطوفٌ جَريحٌ
عَليَّ الْعَوْدةَ لِداخِلِ الدَّائرةِ الْـمُغْلقَة
هَلْ سَينفَجرُ الدُّمَّلُ
ويَذْهَبُ الْخريفْ؟

صفحة 9

جَزيرةُ ابراهيم

الْوجوهُ قَمَريَّةٌ عاصِفَة

وكَثافَتُها فَوقَ طاقَتي

ما زالتِ الدَّائرةُ مُغْلقةٌ

النَّومُ /اليَقَظةُ

الطّعامُ /الْجوعُ

الْعَطشُ /الْارْتواء

ومجْموعَةُ مِنْ الْجوارحِ

تَهيمُ مِنَ الرَّصيفِ إلى الرَّصيفِ

الْكلامُ /الصَّمتُ

الْحزنُ /الْفرَحْ

أنظرُ في الْمرآةِ الْحامِضَة

لا يخْرجُ النّورُ مِنْ الظُّلْمَة

ولا الْفعلُ مِنْ الْكَلِمَة

ولاتُغنّي الشّجَرةُ لابْنَتِها

فأعضُّ الضّميرَ بأنْيابي

وألملِمُ شَبكةَ عتْمَتي الطَّافِحَةِ بالْخوْفِ

الَّليلُ كابوسٌ

والنَّهارُ بُؤسُ الرَّغيف

الزَّمانُ عَتْمة ٌ

خيَّمَتْ على جَزيرةِ إبْراهيم قَبْلَ انْبِلاجِ الْفَجْرِ

الشّروقُ ثَقيلٌ

مُتثاقِلٌ يَتضاءَلُ عُنْوة ً

الْأقْدامُ مُكَبَّلةٌ

إلا من نورُ الْأمين

ساطِعًا يَصْفعُ وجوهَ الْكُفْرِ الصَّفْراءْ

لهيبُ الْجزيرةِ يَتذَبْذَبُ

عِمامةُ هَارون َناصِعةٌ

ولا هَيبةَ تُذْكَر

غَيْمةٌ بَيضاء

سافَرتْ بِلا مَوْعِد

تُرى..

هَلْ يَعودُ الْمطرْ؟

زمانُ "الْباشا" بالسِّياطِ حَضَرْ

سُخونةٌ تلْسَعُ وجْهَ الشّرْقِ

تَلْتهِمُ الْحِنْطةَ

والْقِطارُ يَسْحقُ وَجْهَ الجِهاتْ

فَيَموتُ َالْكلامُ

ويَرْحَلُ الصَّفير

غَريبًا قَبيحًا

بِوجْه ِ خِنْزيرٍ أبْيضٍ

يَعيثُ فَسادًا عَلى وجْهِ الْعُشْبِ الْأخْضَرْ

تحتَ إبْطِهِ عادَ الْأسْودُ الْعْنسيّ

ابْليس في وجوهٍ مُتكسِّرة

مُتسترًا يلبسُ" بَدْلةً" وخِنْجَر

يا وَجْهَ الْقَمرِ

اسْتحْكِم بِروح ِسيِّد الشَّباب

مَعْ سَحاباتِ الْوَجَعْ

فالْبُركان ُ يخَطُّ مَسارات الطَّريق

وكُتلُ الرَّمادِ تَحُطُّ عَلى جَسدِكَ النَّحيل

سَيموتُ إبْليس في عَتْمتهِ

لا مَحالةَ سَيفْنى إبْليس

ﺇنّ ذَهَبَ وجْهُ الْقَمَر

يَبْقى انْعِكاسُ الضّوءِ

عَلى عَتْمةِ الْقَدَرْ

صفحة 10

دنَّسوا الطَّهارةَ

يسألونَ لِمَ أنتَ حَزين ؟

يا قارِئةَ الفنجان أخْبريهم الْيَقين
ماذا أقولُ لقُبّعاتِ الْعبيدْ ؟
َمْ ياشَعْبَ الْآباءِ والأجْدادِ
تك
لَّ
اصْرخْ فأنتَ أعْلمُ بِما تَنْدى لَهُ شِمَمُ الْجِباهِ
مِنْ تلاوين الْعَذابْ
في بِلادي دنّسوا التُّرابْ
بَذَروا في كُلّ شِبرٍ حِقْدَهُمْ
وَزَرَعوا الْيتمَ في عُيونِ الْأطْفالْ
لا رَحْمةَ لا عَدْلَ
في قُلوبِ الدُّخَلاءْ
يا قارئةَ الْفنْجانْ
تَعِبَ الزَّمانْ

وتَصاعدَ الشّقاءْ

نَحوَ السَّماءْ
وهُمْ يَسْألونَ عنْ شُحوبي والدُّموعْ
وعَن ظَلامٍ
قَتل وَظيفَة الشّموعْ

أنا الْمسْلوبةُ أرْضي

أنا الْمذْبوحُ شَعْبي
وأنا الْمطْعونُ
وما زالَ الْعبيدُ يُتاجِرونَ
كلُّ شيءٍ يحْتَضِرْ
فإنْ غافَلتني بَسْمَةٌ ..
أعْتذرْ
يَشْتعِلُ غَيْظي
أتشظَّى ..

وأنْفَجِر
وإذا ضَحِكْتُ لحْظةً..
أنْتحِرْ
الْكَوْنُ قهرٌ ألمٌ جُرحٌ ودِماءْ
الْجناةُ الطُّغاةُ
دَنَّسوا الطَّهارَةَ
وأقاموا مَواخيرَ الدَّعارَة
أيا سَلاطينَ الْحضارَة
تاجَرْتُم بالشّعوبِ
بِئسَ التِّجارَةِ

يا شَعبيَ الجبّارْ

زمجِرْ فَجِّرْ غَضبكَ

لهيبًا ونارْ