eKtab
EN ع
خطاب عن الاستعمار
اقرأ عينة مجانية

خطاب عن الاستعمار

بقلم ايميه سيزير

صفحة 1
ملاحظة أولى

حاول إيميه سيزير أن يفكك الاستعمار، وبما أنّ ذلك لم يتم كليّاً إلى الآن، فإنه استطاع أن يفكك جزءاً منه كان موجوداً فينا كأشخاص مستعمَرين.

فهذا العمل يجمع ثلاثة أشخاص، يجمعهم الاستعمار بمختلف أشكاله وأطيافه البيضاء حيث لم يستطع تطويقهم، وحيث قضوا معظم وقت هذا العمل في رحاب مبنى غزة وفي رحاب حيويته الدائمة، بشقاوة أطفال المبنى ونشاطهم، بوجودهم شبه الدائم والذي لا يتشتّت، وبالقهوة المتوافرة.

إن الذين داوموا على العمل في ترجمة هذا النص، من طبعته الإنكليزية(*) هم: شخص يعرف الإنكليزية ولا

يجيدهـا (صاحب هـذه الأسطر مع غرابة الأمر)، امـرأة

تجيد الإنكليزية وتعرف العربية لكن لا تكتبها (رواند نكد)، ورجل يجيد الإنكليزية ويعرف العربية ولكن لا يكتبها أيضاً (ابن سائق الشاحنة). وبالرغم من معرفتنا بالمثل القائل «كثرة الطبّاخين...» قررنا أن نخوض هذه التجربة بالتعاون والنقاش الدائمين في ما بيننا عوضاً عن الأخذ بالمثل المذكور. فعمل سيزير يتطلّب مجهود بحثي إذ ان نصه يتوزّع على قارات العالم. الأمر الذي جعل العمل أقرب إلى المتعة عبر إعادة تكوين معرفتنا من جديد، وكما أنه غير شكل علاقتنا فيما بيننا، فلم يكن التفاهم فيما بيننا هو الذي دفعنا إلى هذا العمل بقدر ما كان التفاهم هو نتيجة لهذا العمل، فانعكس ذلك على لغتنا (العربية والإنكليزية). وبما أنّ النص الأصلي مكتوب باللغة الفرنسية، فكان علينا دائماً أن نستعين بالأخت العزيرة بنسيم جلال والأخ فادي يمّين لمعرفتهما باللغة الفرنسية واللذان نشكرهما.

ومن دون أية إطالة، فإنّ أسباب ترجمة هذا الكتاب هي:

- محاولة للإسهام في تفكيك العنصرية بشكلها العربي وبالأخص تلك التي يواجهونها السود يومياً.

- وجود «ثقافة ’نصف بيضاء‘... ثقافة متعالية على غير البيض وتحمل مشاعر النقص أمام الأبيض».

- ولأن «العرب كانوا مستعمَرين (بفتح الميم)، وناضلوا ضد الاستعمار، وطوّروا في مرحلة من المراحل علاقة تضامن مع الشعوب الأخرى الواقعة تحت الاستعمار، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وهذا يؤسس لتراث تحرري(*)».

«...الطغاة القدامى، بشكل عام، يتفقون جيداً مع الجدد، وأنّه قد نشأت بينهم، على حساب الشعب، حلقة للخدمات المتبادلة والتواطؤ (**)».

عبد الجبار

كل الشكر والتقدير

كل الامتنان للذين ساهموا في هذا العمل بنصائحهم ومحبتهم ودعمهم:

شاهد عيان، أسعد سمّور، محاسن المصري، عبد الرحمن جاسم، علاء العلي، راجي عبد السلام، الأخ الرفيق فقيري، أسامة يوسف، صفية درويش، حسين الديماسي، طارق العلي، لورا ساسين، روز ساسين، نقولا حنّا، طوني يونان، نيما يكتاباراست، خلدون حجاج، نور دادوس، برناديت نكد، فيليب نكد، وكتيبه 5.
صفحة 2
ملاحظة ثانية

تنزلق قطرة من مطر الشتاء من على الرقبة نزولاً الى العمود الفقري إلى حيث تنتظر المناشير يدك لتصل.

لا ترمها الآن...

عيناه تطوفان حول طاقم اللحى والقمصان المزرّرة الذي يسير قدماً. يسحب كتاب الصف الثامن الأدبي، يلجأ الكتاب إلى خيمةٍ من يديه المبللتين وأنفاسه المرتعشة وصدره:

...أتكلّم عن مجتمعاتٍ استنزفت من جوهرها (اللحى تحدق داخل الكتاب)، ثقافات مُرِّغَت تحت الأقدام (القمصان المزرّرة تزن الحقيبة)، مؤسساتٍ ملغّمة (المسبحة تفتش الجيَب)، أراضٍ صودرت (المسدس يرصد الكلمات)، دياناتٍ سحقت (العقائدية تداعب الزناد)، إبداعات فنية مذهلة دمرت (أحذية الجيش تبتسم بتكلّف)...

لا تصوِّب عينيك على الجزمات الملمّعة، وإنما على صورتها المتموِّجة. مطر الشتاء المنهمر يجرفها بعيداً، وينتشلها من البقعة.

علينا أن نغادر قبل أن يعودوا ثانيةً…

قطرة تتدلى من على السقف بثقل، بخجل، في مباني مشفى غزة في صبرا/ بيروت. أسمع العاصفة. يتكلمون معي عن التطور، عن «إنجازات»، شفاء الأمراض، مستويات العيش المحسنة... القطرة تسقط أخيراً على بياض الصفحة، بقعة تنتشر مع سواد الكلمات. هذه المرّة الكلمات المتسربة، العائمة بتدفق، هي بالإنكليزية، وقد ترجمت إلى العربية.

لقد مرّ أكثر من عقدين. الجسد المعذّب، للذي قرأ سيزير في ذلك اليوم، مدفون في لعنت آباد (ساحة اللعنة) في مقبرة شيراز. والآن تبقى الذاكرة كالحدث كما هي القطرة. كلية الوجود.

ابن سائق الشاحنة
صفحة 3
خطاب عن الاستعمار

إنّ الحضارة التي تُثبت عجزها عن حل المشاكل التي تخلق، هي حضارة منحطّة.

إنّ الحضارة التي تختار أن تغمض عينيها تجاه معظم مشاكلها المصيرية، هي حضارة مُتصدِّعة.

إنَّ الحضارة التي تستخدم مبادئها من أجل الخداع والمكر، هي حضارة مُحتضرة.

وفي الواقع إنّ ما يسمى بالحضارة الأوروبية - الحضارة «الغربيّة» - كما تم تشكيلها عبر قرنين من الحكم البرجوازي، هي عاجزة عن حل مسألتين أساسيتين على وجودها، واللتين قد تمّت إثارتهما: مسألة البروليتاريا، والمسألة الاستعمارية؛ الى حد أنّ أوروبا غير قادرة على تبرير نفسها إن كان ذلك أمام معيار «العقل» أو أمام معيار «الضمير»؛ وأنها تلجأ إلى النفاق بشكل تصاعدي مما يزيد من البغيضة لأنها أقل وأقل قدرة على الخداع.

لا يمكن الدفاع عن أوروبا.

على ما يبدو، هذا ما يهمس به الاستراتيجيون الأمريكيون لبعضهم بعضاً.

هذا ليس مهماً بحد ذاته.

المهم هو أن «أوروبا» أخلاقياً، وروحياً غير مبرّرة.

واليوم التهمة قد وُجهت ضدها ليس من قبل الكُتل الأوروبية فقط، بل على نطاق العالم، من قبل عشرات وعشرات الملايين من الرجال الذين، من عمق العبودية، عيّنوا أنفسهم قضاة.

قد يَقتل المستعمِر في الهند الصينية، يُعذّب في مدغشقر، يسجن في أفريقيا السوداء، يَقمع في جزر الهند الغربية. لكن من الآن فصاعداً يعي المستعمَرون أنهم يتقدمون عليه.

إنهم يعلمون أن «أسيادهم» المؤقتين يكذبون، ولذلك أسيادهم ضعفاء.

وبما أنّه قد طُلِبَ مني أن أتكلم عن الاستعمار والحضارة، فلنتجه مباشرةً إلى الكذبة الأساسية والتي تُشكِّل المصدر لما تبقى.

الاستعمار والحضارة؟

في معالجة هذا الموضوع، فإنَّ اللعنة الأكثر شيوعاً هي أن تكون المغفّل بحسن نيّة النفاق الجماعي الذي يُشَوِّه المشاكل بذكاء، ومن الأفضل شرعنة حلول الحقد المعروضة أمامها.

وبعبارة أخرى، الأمر الأساسي هنا أن نرى بوضوح، أن نفكر بوضوح - وأن ننصت بحذر - أن نُجيب بشكل واضح على السؤال الأول البريء: ما هو، جوهرياً، الاستعمار؟ لنتفق على ما ليس هو عليه: ليس التبشير، كما أنه ليس مشروعاً إحسانياً، وليس الرغبة في إبعاد حدود الجهل، المرض، والطغيان، وليس مشروعاً ملتزماً بنشر عظمة الله العظيم، وليس محاولة لبسط سيادة القانون. لنعترف مرّة وإلى الأبد، دون إغفال العواقب، أن الحركة الفاعلة الحاسمة هنا هي حركة تضم حركة المغامر والقرصان، بائع البقالة بالجملة ومالك السفينة، ومنقِّب الذهب والتاجر، الشهية والقوة، وخلفهم، الطيف المُسقَط المُهلك لشكل من الحضارة التي، تجد نفسها مرغمة، أثناء مرحلة معينة من تاريخها، لأسبابٍ داخليّة، على توسيع منافسة اقتصادياتها العدائية على نطاقٍ عالمي.

وفي متابعة دراستي التحليلية، وجدت أن النفاق هو من التاريخ الحديث؛ فلا كورتيز (Cortéz) باكتشافه المكسيك من قمة الهرم العظيم تيوكالي (teocalli)، ولا بيزارو (Pizzaro) في مواجهة كوزكو (Cuzco) (أقل بكثير من ماركو بولو Marco Polo في مواجهة كامبولوك Cambuluc)، ادّعى أنه المبشِّر لنظام الفوقيّة؛ فهم كانوا يقتلون، ينهبون، يملكون الخوذ والرماح، والأطماع؛ على أنّ مبرّرو الاستعباد أتوا لاحقاً؛ وأنّ المذنب الرئيسي في هذا المجال هو التحذلُق المسيحي، والذي أرسى المعادلات الكاذبة المسيحية = الحضارة، الوثنية = الوحشية، من حيث لا ينتج إلا استعماراً كريهاً وعواقب عنصريّة، والذين سيكونون الضحايا هم الهنود، الشعوب الصفراء، والزنوج[1].
صفحة 4
هذا تم حسمه، أُقر بأنه من الأمر الجيِّد أن نضع مختلف الحضارات في اتصال مع بعضها بعضاً؛ هذا أمر ممتاز لمزج مختلف العوالم؛ ومهما تكن عبقريتها الخاصة، فالحضارة التي تنطوي على نفسها تضمر، وهذا من أجل الحضارات، فالتبادل هو الهواء؛ إنّ من حُسن حظّها العظيم لأوروبا أنها كانت على مفترق الطرق، ولهذا كانت موضِع جميع الأفكار، وعاء لجميع الفلسفات، مكان التقاء الآراء، لقد كانت المركز الأفضل لإعادة توزيع الطاقة.

لكن بعد ذلك أسأل السؤال التالي: هل فعلاً وَضَعَ الاستعمار الحضارات على اتصال؟ أو، إذا كنتَ تفضل، بين جميع الطرق لإقامة الاتصال، هل كان الاستعمار هو الطريق الأفضل؟

أجيب بلا.

وأوكد أنّ بين الحضارة والاستعمار مسافة لا نهائية؛ إنها خارج جميع الحملات الاستعمارية التي تم التعهد بها، خارج جميع القوانين التي تم ترتيبها، خارج جميع المذكرات التي تم إيفادها عبر جميع الدورات الوزارية حيث لا يمكن أن تأتي قيمة إنسانية واحدة.

أولاً يجب علينا أن نبحث كيف يعمل الاستعمار لتجريد المستعمِر من المدنية[2]، ليتوحّش عليه بالمعنى الحقيقي للكلمة، لتحقيره، لإثارته باتجاه الغرائز المدفونة، باتجاه الجشع، العنف، الكراهية العرقية، والنسبيّة الأخلاقيّة؛ ويجب أن نُظهِر أنّ، في كل مرّة يُقطَع الرأس أو تُقلَع العين في فيتنام ويرضون عن ذلك في فرنسا، في كل مرّة تُغتصب فتاة صغيرة ويرضون عن ذلك في فرنسا، في كل مرّة يُعذَّب مدغشقري ويرضون عن ذلك في فرنسا، تكتسب الحضارة وزناً إضافياً مميتاً، يحدث انحدار كوني، تنشأ الغرغرينا، ويبدأ مركز الإصابة بالانتشار؛ ففي نهاية كل هذه المعاهدات التي تم انتهاكها، كل هذه الأكاذيب التي تم نشرها، كل هذه الحملات التأديبية التي تم التغاضي عنها، كل هؤلاء السجناء الذين تم تقييدهم و«استجوابهم»، كل هؤلاء الوطنيين الذين تم تعذيبهم، وفي نهاية كل هذه الغطرسة العنصريّة التي تم تشجيعها، كل هذا التبجح الذي تم إظهاره، سمٌ قد قُطِّرَ داخل شرايين أوروبا؛ فتمضي القارة قدماً باتجاه الوحشية، ببطء لكن بثبات.

لكن في يومٍ صافٍ، أُيقظت البرجوازية بالصدمة المروّعة المرتدّة: الغستابو مشغولون، تُملأ السجون، يقف المعذِبون حول أدواتهم، يخترعون، ينقِّحون، يتناقشون.

الناس مدهوشون، ساخطون. قد يقال: «كم هذا غريب! لا تقلق ـ إنها النازية وستعبر!» قد ننتظر، وقد نأمل، وقد نخفي الحقيقة عن أنفسنا، إنها الهمجية، ولكنها الهمجية العُليا، التي تتوِّج، وتلخّص كل الرتابة الهمجية اليومية؛ إنّها لنازية، أجل، ولكن قبل أن نصبح ضحاياها، كنا شركاءها: إنّ النازية هذه، قد دعمناها قبل أن تسقط علينا، لقد أغمضنا أعيننا من فوق، شَرَّعناها، لأنّها، حتى آنذاك، لم تطبّق إلا على الشعوب غير الأُوروبية؛ إنّ النازية هذه، هي التي احتضناها وكنا المسؤولين عنها، والتي تُصِم، وتخرق، وتتسرب، قبل أن تبتلع بمياها المحمِّرة، كل فجوات هذه الحضارة الغربية، المسيحية.

أجل، قد يكون من المجدي أن نَدرُس سريرياً، بالتفصيل، الخطوات التي اتخذها هتلر والهتلرية لنظهر للمتميِّز جداً، الإنساني جداً، البرجوازي المسيحي جداً للقرن العشرين دون أن يكون له علِم بذلك، أن لديه هتلراً بداخله، أن هتلراً يسكنه، أن هتلراً هو شيطانه، وإن أدانه، فهو يكون متناقضاً. وذلك، في الأساس، ما لا يستطيع مسامحة هتلر عليه هو ليس الجريمة بحد ذاتها، الجريمة بحق الإنسان، ليس إذلال الإنسان بحد ذاته، إنما الجريمة بحق الإنسان الأبيض، إذلال الإنسان الأبيض، وحقيقة أنه طبَّقَ على أوروبا الاستعمارية الإجراءات التي كانت إلى ذلك الحين محفوظة حصرياً لعرب الجزائر، «كوليي» الهند (coolies)، و«عبيد» أفريقيا (niggers)[3].

وهذا هو الشيء العظيم الذي أحقد عليه ضد شبه الإنسانية: إنّها ولفترة طويلة قد قلّصت حقوق الإنسان، على أن مفهومها لهذه الحقوق كان- ولا يزال- ضيقاً مُقطَّعاً، ناقصاً ومنحازاً، وكل الأشياء المعتبرة فيها، عنصرية قذرة.