eKtab
EN ع
خطاب الصورة الدرامية
اقرأ عينة مجانية

خطاب الصورة الدرامية

بقلم حسن عبود النخلة

صفحة 1

الإهداء

إلى

والدي الحبيب

الذي اغرقني بمحبته وعطفه

صفحة 2

مقدمة

يعد الخطاب المسرحي عنصراً أساسياً من عناصر التأسيس المعرفي، وهو أداة تفاعلية تتفرد عن الفنون الأخرى بالقدرة الواسعة على بلوغ غاياتها وإيصالها بشكل دقيق وعميق ومؤثر إلى المتلقي.

ومن مظاهر هذه القدرة التي يمتلكها الخطاب المسرحي هو ثراء أدواته الايصالية بين خطاب تدويني قرائي زاخر بالدلالات (نص) وخطاب سمعي وبصري (عرض).

ان ثراء النص كخطاب فكري وجمالي، وما يتمخض عنه من (صورة درامية)، تنتج عن مفردة الجسد بشكل خاص، وما تنسجه مخيلة المؤلف من مفردات اخرى لا يمكن ان يستوعب وجودها الا بيئة النص – كما هو في تلك المفردات الصورية التي تعج بها نصوص مسرح اللامعقول- كان دافعاً من وراء هذه الدراسة التي جمعت بين محورين مركزيين في انتاج الصورة الدرامية.

صفحة 3

الاول يتمثل بمعطيات المسرح اليوناني التي احتل فيها الجسد مكانته البارزة بعدّه متحركاً بصرياً يمتلك سيادته في اغناء الخطاب الدرامي، والثاني يرتبط بمسرح اللامعقول لما يميز الصورة الدرامية فيه من جموح بالخيال، وكسر للمألوف، وخرق للتوقعات.

ومن ضمن مساعي هذه الدراسة، هو تحقيق قراءة جديدة في هذا المجال المعرفي، إذ لم تركز الدراسات السابقة على الجسد إلا من خلال دوره الفكري والجمالي في بناء العرض المسرحي من خلال التمثيل الصامت، او من خلال عنصري الحركة والرقص.


على خلاف ذلك - ستعمل هذه الدراسة على محاولة رصد فعل الجسد وقراءة هذا الفعل وإنطاقه بوصفه جزءاً لا يتجزأ من أدوات الخطاب التي يتضمنها النص والتي تساهم مع بعضها البعض في إثراء الجانب الدلالي. كما وستتجه الى رصد التحولات التي طرأت على الخطاب الجسدي وما خضع اليه من متغيرات عبر تطور الفكر المسرحي اليوناني بغية تأسيس فهم واضح لدوره في بناء الخطاب العام للنص.

ثم ستعمل على الانتقال الى مرحلة معاصرة من مراحل تطور الصورة الدرامية وتشكلاتها الفنية كما برزت عبر النتاجات الادبية لمسرح اللامعقول، راصدة للوسائل البديلة التي تبناها هذا المسرح في صياغة مفهوم جديد للصورة الدرامية يقوم على وفق فاعلية الصورة المتخيلة وبنيتها وكيفية خلق موضع جديد للجسد فيها سعياً لخلق خطاب فكري وجمالي متقدم.

والله ولي التوفيق

حسن عبود النخيلة

أكاديمية الفنون الجميلة- جامعة البصرة

صفحة 4

الخطاب الحركي للجسد عند اليونان

شكل الجسد عاملاً مهماً من عوامل الخطاب الإنساني منذ أقدم الأزمنة، ولم يكن أداة للقراءة وإيصال المفاهيم بين أبناء الجنس البشري فحسب، بل انه كان مصدر ديمومة الحياة والتفاعل معها بشكل ايجابـي وبمظاهر شتى، فمرة يكون مظهراً من مظاهر كسب العيش الإنساني، وتارة عنصراً مهماً من عناصر التفاوض مع الطبيعة والتآلف معها، وبشكل أخر يكون تعبيرا إنسانياً عما يختلج في نفس الإنسان من فرحة وحزن.

ولاشك أن التعامل مع الجسد والتغيرات والتطورات التي طرأت عليه كعامل من عوامل الخطاب البشري وأداة للكشف عن مكنونات الإنسان وموقفه من الحياة والمجتمع والتعبير عنهما كان رهيناً بمستوى الوعي البشري الذي تحتمه المراحل التاريخية التي يمر بها الإنسان والتي تتحدد من خلالها علاقة الجسد بالتعبير الفني.

فقد شكل الجسد في المراحل السابقة لانبثاق الدراما عند الإغريق أداة مباشرة ومركزية في تحقيق الخطاب الذي تأسس على فهم خاص لعلاقة الإنسان بالكون والآلهة، فكان خطاباً يتسم بالتعبير عن الاحتفالي الديني، والذوبان في الطقس الجماعي بشكل يؤكد الانتماء الى الموضوعة الاحتفالية.

والجسد في الاحتفالات الدينية الإغريقية كان أداة شمولية فكل المحتفلين يندمجون بأجسادهم في صنع هذه الطقوس الاحتفالية. ليعبروا بأجمعهم عن الفكرة ذاتها التي تقودهم إلى الاندماج بذات الإله، لتحل روحه بأجسادهم، فيأنسوا بها، وتمنحهم لذة الحياة وجمالها.

وعبر هذا الاندماج الجسدي الذي يؤسس لموقف يخلو من التعارض ويعلن الولاء التام للآلهة والتقرب إليها ومحاولة الظفر بحمايتها. تكون الأجساد مصدراً للخطاب الجماعي الذي يعبر عن المعتقد الديني الذي يسعى إلى ديمومة الحياة بما يمدها من عوامل الاستقرار التي لن تتم الا بعد ان تستنفد الأجساد طاقتها لتحل بها الطاقة الإلهية ومن ثم تعيد اليها نظام السعادة والنشوة من جديد.

صفحة 5

هذه العملية تتم بعد ان يمر الجسد بتطور حركي يأخذ شكلاً تصاعدياً فيه معالم الخطاب الحزين. حيث ينطلق هذا الطقس الديثرامبوسي ((بأشارة من قائد الكورس..، والغناء نواح وعويل، يصحبهما نفخ في الناي، وقرع الطبول، ورنين الصنوج (..) وتتصاعد حركة الرقص رويداً رويداً، والأصوات بالغناء حتى يبلغ المحتفلون حالة "المانيا"، وهي "جنون مقدس يقذفه الإله في صدر الإنسان". اذاك، ينقض المحتفلون على الحيوان يمزقون لحمه ويأكلونه نيئا، ويلعقون دمه الساخن. يمزقونه حياً، او تواً بعد ذبحه، فيما لا يزال ينتفض))[1].

يتم جزء من الطقوس الديثرامبوسية البدائية عند اليونان على هذا النحو حيث تنتقل الطاقة المحركة بين الأجساد لتسري بقوة لا إيقاف لها الا بتمزيق الجسد الساكن (جسد الحيوان) الذي أوثق في المذبح تحضيرا لهذه اللحظة، وهذا الحيوان الذي غالبا ما يكون عنـزاً يعبر عن ملامسة واقعية لذات الإله لأنه رمز له. ومن خلال هذا الرمز تحل قوى الإله في الأجساد الأخرى التي أصبح جزءاً منها بعد ان لعقت دمه وتناولته حياً ولم يزل محتفظاً بقوة الحياة.

اما في شكل احتفالي أخر هو السائد لدى المجتمع اليوناني لكونه يمثل المجموعة الأكبر والأمثل وهي تجوب الشوارع وتطوف بمواكب ضخمة، فان الجسد يتعرض لأقصى عمليات التهتك، حيث يكون خطابه مدفوعا بنشوة عارمة وبلذة جنسية متصاعدة بل ((لقد جرت العادة ان ترسل كل مستعمرة "عضو ذكورة" من قلبها إلى اثينة حيث تقام الاحتفالات الديونيسية))[2].

ومع نوع الطقس القائم على تعبير الجسد لم يكن ليُقرأ في تلك الطقوس سوى خطابٍ ثابت موحد من ناحية الفكرة ومن ناحية التجسيد الفني المتعلق بالطقس الديني. ولم يحظ خطاب الجسد بالتفرد أي ان يكون معبرا عن فكرة خاصة بمعزل عن كيان الطقوس- فكرة منفصلة عن الذات الإلهية ومصورة للذات البشرية وحدها، وما يضج في داخلها من إرهاصات تجاه وجودها او موقفها من الحياة والمجتمع- الا بعد ان دخل في حيز الفن المسرحي فغدا فكرة مؤثرة، وأداة قرائية مهمة، بل أصبح مصدر قراءات متعددة- كما سنوضح هذا لاحقا.

وبدخول الجسد في حيز النص المسرحي فقد تحول من الجانب الوظيفي المنغلق (الارتباط بالتعبير عن الشعيرة الدينية بجوانبها الثابتة والمتكررة)، الى الجانب الفكري المنفتح (التعبير عن موقف الانسان تجاه الكون وتجاه وجوده في هذه الحياة المتطورة). وبذلك دخل الى مرحلة الوعي بعد ان تحول من الانصهار في المتطلب الديني بشكله السطحي المبتذل الذي يتبنى التضخيم الغرائزي، والغرق بالنشوة، والتلاشي في ذات الإله العظمى، والتبعية له. الى معترض عليه، ومعبر عن موقفه تجاهه، وممتلك لذاته الخاصة.

نقول ان الجسد كان تابعا في هذه المرحلة (مرحلة الخطاب الحركي) لانه كان فاقداً هويته الخاصة بعدَها جزءاً من هوية عظمى هي هوية الإله، واسيراً للنشوة التي يبعثها الإله فيه، والتي تبسط سلطانها الفادح عليه، وتلزمه بأن لا يشعر سواها وصولاً الى الانصهار بذات الإله.

ومن هنا يتسأل (تشيني) حيث يقول: ((فهل كان من الممكن ان تسمح هذه النشوة التي تزخر بها اعماق النفس بأن ينصرف صاحبها بعد تقديم قربانه دون ان ينتظم في المواكب من مواكب العرض المسرحي؟ وهل كان يكتفي.. بمجرد أن يسير الشخص وينشد ويلقي بالنكات والمزاحات؟ كلا بالطبع، لقد كان مما لابد منه ان يمثل دور الإله الشخص الذي يكون إلهاً))[3]

صفحة 6

ومما هو لافت للنظر وما يؤكد لنا هذا الخطاب السطحي المبتذل للجسد في المرحلة (الطقسية الديونيزوسية الاولى) اي مرحلة الخطاب الحركي- ان هذا الخطاب ارتبط بغاية غرائزية صرفة. انطلاقا من المبدأ الديونيزوسي الذي ارتسم هذا الطريق لأتباعه، فعلى الإنسان ((ان يتسامى عن الآم الوجود بالنشوة، وان لا يثق بقدرة العقل على اختراق أسرار الكون والالهة))[4]

وعليه كان لابد من إذابة العقل وإلغاء دوره تماماً وبشكل شمولي التأثير، وهذا ما جعل المحتفلين بديونيزوس ((يعبون الخمر بكميات كبيرة. وهنا يبدو احدهم وكانه قد خرج عن طوره، وبلغ حدا من النشوة اصبح معها مستعداً لاي تصرف غير معتاد. (..)ان حالة الانتشاء الهستيري لاتقف عند حدود المساهمين في الاحتفال، بل تشمل جمهور المشاهدين ايضا))[5]

لكن وكما أسلفنا بأن هذا الخطاب في مرحلته الاولى وبعد دخوله الحيز التدويني، اي بعد ان اصبح خطاب الجسد خطاباً مكتوباً من خلال ما حفظته لنا ذاكرة التاريخ من مسرحيات يونانية فإنه دخل الى مرحلة الوعي والخصوصية من خلال بروز الجانب الفكري التأملي، واستشعار الانسان لموقفه الحقيقي من الالهة، ومن المجتمع ومما يفرضه المتطور الحياتي عليه، فراح يطلق التعبير عما يؤكد نظرته الخاصة، وهي حصيلة تجربته الحياتية وموقفه من المجتمع. وبعد ان كان الإنسان وبحسب المقتضى الديني (الديونيزوسي) ممنوعاً من الانطلاق بأفكاره، وعليه دائما أن ينسى آلامه ويعالج مشكلاته بتغليب النشوة والانطلاق بها الى أقصى آفاقها، فأن تمتع الإنسان بالإفادة من الفكر جعل خطاب الصورة الجسدية بوصفه جزءاً من منظومة الدلالات الأخرى التي يحملها النص المسرحي، علامة واضحة على رقي الخطاب الانساني وتعدد اشكاله وغاياته، وعلى نـزعته الانسانية التي تمثل موقف الإنسان وصوته المعبر عن مطالبه ومعاناة التأسيس لخطاب إنساني خاص يمثل صوت الإنسان وموقفه، ويكشف عن مطالبه ومعاناته.

صفحة 7

الخطاب التدويني للجسد في المسرحية اليونانية

أولا: برومثيوس مقيدا- تحرر الجسد من التبعية الالهية

قبل الشروع برصد خطاب الصورة الدرامية في المسرحية اليونانية لابد لنا اولاً من الإلتفات إلى أن علاقة الطقوس الاغريقية بالجسد وخلق الصورة الطقسية، وما يقدم لدى اليونان من أضاحي في هذه الطقوس والأعياد الدينية المعدة للإله ديونيزوس، وانتقال الجسد ليكون صورة يناط لها دوراً خطابياً بين ثنايا النصوص المسرحية اليونانية كل ذلك لم يأت من فراغ لاسيما إذا ما عرفنا ان ((ديونيسيوس عند الاغريق.. يموت على ايدي الجبابرة- وهم الهة العالم السفلي، عالم الظلام- ويقطعون جسده، ويلقون أشلاءه في مرجل يغلي وياكلونها، الامر الذي حمل زيوس- والد ديونيسيوس- على الانتقام من الجبابرة عندما احرقهم بصواعقه، ثم اعاد الطفل الميت الى الحياة.))[6].

هذا هو سر ورود الجسد وهيمنته الصورية في أغلب المسرحيات اليونانية وجعله تحت أنظار الآلهة ومناقشة قضيته والتأمل فيه، كما سوف نرى لاحقاً.

ان المتتبع لخطاب الصورة الدرامية في المسرحية اليونانية سيدرك قيمة الوعي الذي وصل اليه الإنسان بل انه سيكون امام فهم ووعي جديدين لوجود الإنسان وعلاقته بمجتمعه ودوره في بناء الحضارة وهو ما تحقق بأولى بواكير الأعمال المسرحية على يد الشاعر الإغريقي (ايسخيلوس)- وان كان الأخير قد تجنب التعامل مع نماذج بشرية صرفة، وكان الصدى الإنساني مُعبراً عنه في نصوصه بنماذج هي اقرب الى أنصاف الآلهة منه الى البشر، لكن الإعلان عن التحرر الإنساني، وامتلاك زمام الأمور طروحات واضحة التأكيد لديه، وفيها تأشير الى الإعلان عن تسجيل الإنسان لموقفه الخاص، وجعلِ جسده على الضد من التبعية بعد ان اعمل جانب الفكر فامتلك هويته الخاصة التي كانت ممحوة بسطوة الالهة، ولعل مسرحية (برومثيوس مقيداً) التي ترتبط حتى بعنوانها بوضع خاص للجسد يشير الى صورة درامية لافتة للانتباه، خير دليل يؤشر لنا هذا الامر، ففيها محاولة واضحة للتكبيل ولمنع الحركة لردع الفكر وإيقافه عند حده، لأنه خروج عن سنة الالهة وضرب لمصالحها واعتداء على حقها الخاص الذي يعنيها دون سواها، فبعد ان يغدو الانسان مفكراً يغدو الجسد واعياً ومتصرفاً ومستجيباً، ومنفذاً للأوامر الإنسانية الخاصة. وعلى اعتبار ان الجسد هو اداة التنفيذ وان الفكر هو اداة التخطيط، ولكون الفكر غير مُسيطَر عليه ولا يمكن محوه بعدَه مجرداً، فإن قمع الاداة المعبرة والمنفذة (المادية) يكون هو الحل الامثل للثأر من الفكر. وهذا ما فعله (زيوس) عندما عصى (برومثيوس) اوامره ونأى بإخلاصه عنه فسرق النار سر المعرفة ووهبها الى البشر، ليدلل على مرحلة جديدة لدور الجسد وموقفه من الاله، انها مرحلة إعلان الإنسان عن وجوده وموقفه وصلاحية تفكيره في تحديد دوره الايجابـي في الحياة، وما تفرضه عليه من عطاء إنساني، فلا ينساق إلا خلف ما هو صحيح، ومقبول بمقتضى قانون العقل لا قانون الإله.


إن هذه المركزية في الصورة الدرامية التي حظي بها جسد (برومثيوس) والاستهداف الموجه إليه يشكل مصدراً للقراءات في هذا النص فعلى الرغم من الخطاب المؤلم الذي نستشفه من الجسد المعذب لا لكونه مقيداً فحسب، بل لأنه صار طعاماً للنسر الذي سلطه (زيوس) لينهش الكبد منه دون فكاك إلا في ساعات الليل، من اجل ان ينبت من جديد في الصباح ويستعيد تكوينه وشكله السابق فيستمر العذاب.

صفحة 8

غير أننا- لا نقرأ في الصورة الدرامية الناتجة عن هذا الجسد المعذب الهوان والخضوع -بقدر ما نكون امام خطاب يعلن لنا العزة والكبرياء بكل معانيهما فالجسد يبدي مقاومة مستمرة، ويؤشر لنا حالة النصر والشموخ لأنه لم يزل حياً ونامياً. ولو انتهت المسرحية بأن يقضى على (برومثيوس) بعدة نهشات من النسر فقط. لكان انتصاره وقتياً ولم يحقق أثره التواصلي في الخطاب الذي يجعل من الصورة الدرامية ثقيلة المحتوى، مستتبة الوجود الذي بمقدوره ان يعيد لنا هذا المجد السرمدي في كل لحظة يعتمل فيها العذاب وكأن (ايسخيلوس) كان قاصداً الإشارة إلى انحيازه للألم الإنساني لكن بحذق يجعله في منأى عن الشبهات.

لذلك في كل أوقات العذاب التي يمر بها (برومثيوس) يخبرنا خطاب الصورة الدرامية لجسده أنه باق ومنتصر، وهنا الخطاب بفعل عملية التواصل في تعذيب الجسد يمثل عملية تركيز دائمة لتثبيت هذا الموضوع.

فلو قلنا ان هذا التكرار في عملية التعذيب الجسدي يجسده (ايسخيلوس) في نصه من اجل تذكير العاصين بما سيلاقونه من مصير بشع بخروجهم عن طاعة الإله، وانه منحاز لمناصرته فإن (برومثيوس) على الرغم من خروجه عن الطاعة، بيد أنه فعل ما يجب ان يقوم به أي إنسان نبيل ومخلص، ولو انه أذعن للأمر الإلهي لما حظي بهذا المجد. وبهذا المقام لن يكون عذابه الأبدي إلا إجلالاً متواصلاً لما صنع.


من هنا فإننا نلمس خطاباً مقدساً نقرأه في جسد (برومثيوس) وفي طبيعة صورته الدرامية فجسده لم يدنس، لأنه لم يقترف إثماً الا بالمنظار الإلهي، ولكنه في المنظار الإنساني قد وقع ما وقع عليه بسبب سعيه لإحقاق الحق وفعل الفضيلة، ولم ينحدر الى الرذيلة في اي لحظة من اللحظات، فقد هم بفعله لا بدافع من نـزوة او تهور ولكن بفعل فكر نير وإنسانية رفيعة. وهذا الأمر يجعل الصورة الدرامية للجسد مبعثاً لخطاب يؤسس إلى المناصرة والتعاطف والشعور بمدى المرتبة العليا المتمثلة فيه:

((رئيسة الكورس: لاشك في انك ذهبت الى ابعد من هذا ايضا؟

برومثيوس: نعم لقد خلصت الناس من وسواس الموت.

رئيسة الكورس: اي علاج كشفته لهذا الداء؟

برومثيوس: وصنعت فيهم آمالا عمياء.

رئيسة الكورس: ياله من عزاء قوي هذا الذي زودت به بني الانسان!

برومثيوس: وفعلت اكثر من هذا: أهديتهم بهدية النار.

رئيسة الكورس: ماذا! النار المشتعلة هي اليوم في أيدي الفانين العابرين؟

برومثيوس: ومنها سيتعلمون فنونا وصناعات لا حصر لها.

رئيسة الكورس: اهذه هي التهم التي من اجلها زيوس...

برومثيوس: فرض عليً هذه الاهانات، ولم يضع حداً لآلامي!


رئيسة الكورس: ولم يتقرر حد لمحنتك هذه؟

برومثيوس: لا حد الا مزاجه هو.))[7].

صفحة 9

هذا هو التمايز الواضح بين الفكر (البرومثيوسي) وبين المزاجية التي يتصف بها (زيوس) و(ايسخيلوس) يشير لهذا الامر علانية من خلال الحوار السالف، ويعطي تمييزاً واضحاً ما بين الاثنين، ويكشف عن إنتصار الفكر والجسد الذي حققه (برومثيوس) ملفتاً بذلك النظر الى الصورة الدرامية على اعتبارها مكون جسدي وفكري، يمثل الجانب المتمايز في نصه.

ومما لابد من الإشارة اليه انه مع ما نقرأه من خطاب للصورة الدرامية في هذه المسرحية غير ان وقوع الجسد فيها تحت سطوة الجمود بفعل عملية التكبيل التي مورست ضده جعل الخطاب الصوري يميل الى الثبات لان مقياس القراءات المختلفة لخطاب الصورة يتطلب وضع الجسد في اكثر من موقف، حتى يتسنى سبر تأثيره في تلك المواقف المختلفة، والموقف الذي مر به (برومثيوس) كان نهائياً، وكذلك فإن القراءات الثرية للصورة الدرامية تتطلب من الجسد ديناميكية متواصلة، والديناميكية عند (برومثيوس) توقفت إلا في فعلين ثابتين هما العقاب على الجسد، والحركة الوحيدة الناتجة عن العضو المعذب- متمثلة في تلاشي الكبد وعودته لسيرته الاولى -. وهي حركة لم تنبعث من ارادة (برومثيوس) ولكنها تأتت من تحكم الآلهة وسيطرتها على جسده.

صفحة 10

ثانياً: العنف الجسدي (اجا ممنون والمستجيرات)


لا تعلن مسرحية (برومثيوس مقيداً) لـ(اسخيلوس) عن الموقف النهائي لصورة الانسان في مسرحه، بل انها تكاد تكون المسرحية الوحيدة التي تقدم الانسان وهو يُسِخًر جسده لخدمة البشرية، ويجعل عذابه عوضاً عن حجب المعرفة وشيوعها، بل وتقدم لنا قيمة الانسان وهو محتفظ بنقائه وصفائه الانساني دون ان يعكره شئ، من ارتكاب للآثام وميل الى عقد المؤآمرات وانصراف الجسد للسير خلف نـزواته واشباع رغباته التي لاتمتلك مشروعيتها، فيبقى الجسد محتفظاً بخطابه الإنساني الممتلئ خيراً وعطاء.

ولكن في غالبية المسرحيات الأخرى التي اخترنا منها مسرحية (اجاممنون) و(المستجيرات)، فإن (ايسخيلوس) يسلك فيها مسلكاً مغايراً تماماً لما سبق وان طرحه في مسرحية (برومثيوس مقيداً)، فالجسد في مسرحية (اجاممنون) يعمل على اقتراف الآثام ويسعى لسفك الدماء بقصدية كاملة وارادة واعية، ومن اجل قضايا تتصل بإرضاء مصالح شخصية لا تمتلك اثراً عاماً سوى بلوغ الغايات الذاتية. اي ان الاجساد لا تلاقي حتفها من اجل قضية تبرر ما حل بها، قضية تجعل ما يحل بها يكون مقبولاً وحلاً لا استعاضة عنه. بل على العكس أن ما تقدم عليه الاجساد من ارتكاب للآثام يثبت ادانتها وتقصيرها وافتقارها الى الحنكة الفكرية التي شهدناها مسبقا مع (برومثيوس)، فالشخصيات بدأت تستفيد من فكرها ولكن لبلوغ انتصارها الشخصي اياً كانت النتائج المترتبة على هذا الأمر، ومهما كانت فداحة الخسائر. او انها لا تُفعلُ الجانب الفكري، فتصبح نتيجة لذلك أسيرة للأحقاد والضغائن وإرضاء الغرور والكبرياء التي يتولد عنها خلق للصورة الدرامية عبر الزج بالجسد بأكثر المواقف وحشية ودونية حتى لو كان هذا الأمر على حساب ما هو صحيح وعادل.


فـ(اجاممنون) بوصفه محارباً وملكاً شديد الكبرياء لم تثنه شفقة او عاطفة عن ذبح ابنته (افيجينا) وتقديمها قربانا للالهة (ارتميس) كي تأمر الرياح ان تعاود نشاطها وحركتها، ليتمكن من قيادة اسطوله الحربـي الى طروادة ويسترد (هيلانه) زوجه اخيه (مينلاوس) التي هربت مع عشيقها (باريس) بعد ان حل عليهم ضيفاً وقامت وطائد العلاقة الخائنة بينهما. و(اجاممنون) بإقدامه على هذا الفعل لم يأخذه وازع من شفقة على ابنته، ولا على الالاف من البشر الذين ستلتهمهم نيران الحرب بديلاً عن استرجاع امرأة خائنة فانية الاخلاق، بقدر ان شغله التفكير بمجده كمحارب وقائد للجيش.

وفي الوقت الذي نطلع فيه على خيانة الجسد من (هيلانه) فإننا نلمس ما يلعبه هذا الموقف من دور في التأسيس لكل ما سيعقبه من احداث وعلى ما سيُقدم عليه الجسد من خطاب. فخيانة الجسد هذه هي المحرك الاساس لاندفاع (اجامنون) صوب الحرب وبالتالي هي من قادت الى انتزاع الروح من جسد (افيجينا) كشرط للخوض في غمارها. وهي ايضا من ادت الى ما اعقبها من تساقط للآلاف من الاجساد في الحرب الطروادية. وتلا هذا الامر خيانة جسدية اخرى اقدمت عليها (قلوطمنسترا) سعياً لإرضاء ذاتها بالانتقام من زوجها (اجاممنون) بفعل قتله ابنتهما (افيجينا)، ولم يكفها هذا الامر فقتلت (اجاممنون) حال عودته من المعركة وهو يحمل بفخر وغرور انباء نصره على الطرواديين.

كل هذه التصفيات الجسدية تؤسس الى خطاب صوري درامي متحرك في غاية القسوة والبشاعة، يرسم شخصيات تخلو من الحكمة وتفتقر الى النبل، فبالدرجة الاولى ان كل ما حل بالأجساد جاء تحقيقا لنـزوات شخصية. ومن ناحية أخرى لم نشهد موقفاً واحداً يبرهن على جوهر إنساني نبيل يسعى الى تحقيق قضية تصب في مصلحة الصالح العام، او فيه تصحيح لما هو خاطئ. بقدر الوقوع بالأخطاء والخوض بالآثام دون اكتراث او محاسبة. وعلى الرغم من إذعان (اجاممنون) لمطالب الالهة ومسايرته إياها، وارتكابه الإثم بإزهاقه روح ابنته (افيجينا)، غير ان موقف (قلوطمنسترا) جاء على الضد منه، فقد انطوى موقفها على تأكيد الخروج عن إرادة الآلهة وعدم الالتزام بمطالبها. فعملت على قتل من ارتضى بتنفيذ تلك المطالب، وأسلمت جسدها إلى الشهوة والخيانة.


وكما اسلفنا ان الشخصيات في الاغلب الاعم عند (ايسخيلوس) تسعى الى ما يخدم اغراضها الشخصية ولا تدرك الا معاناتها. وهي هكذا ايضاً في مسرحية (المستجيرات) في أصلها الأسطوري [8]حيث لا تتردد بنات (دانوس) الخمسين، الا واحدة منهن، عن قتل أبناء عمهن الذين تزوجوا بهن عنوة، بعد ان يأمرهن أبوهن ان يتظاهرن بالرضا على هذه الزيجة، على ان تحمل كل واحدة منهن خنجراً لتسدده الى جسد زوجها في ليلة الزفاف. ورفض (دانوس) زواج ابناء (اجيتوس) الخمسين من بناته الخمسين، يعود لإعتقاد الأخير ان أخاه يريد هذا الامر طمعاً في الملك. ويكون ضحية هذا الامر تسعة واربعون جسداً. يضاف لهما جسد (دانوس) الذي يلاقي حتفه على يد احد ازواج بناته بعد ان تتردد ابنته عن قتله وتخبره بحقيقة مطالب ابيها، فيعمل على القصاص منه وعلى هذا الصعيد تتعدد الصور الدرامية ولكنها لا تبث سوى خطاب متكرر قوامه الاحتيال والغدر، والدموية التي لاترى إلا ذاتها عبر ازاحة شاملة لكل ما يكون عائقاً أمام هذه الذات.