eKtab
EN ع
خطفني الديك
اقرأ عينة مجانية

خطفني الديك

بقلم أمل حويجة

صفحة 1

حديث فراشتين

كاد النعاسُ يغلب جفني، وأنا مستلقية على العشب الطري تحت ظلال شجرة «الأكاسيا» التي تنشرُ عطرَها بسخاء في أرجاء حقل جدي..

فراشتان مزركشت

ان إحداهما زرقاءُ نيلية ٌبلون فجر بلاد الشرق والأخرى قرميديةٌ حمراءُ كسطوح بلاد الشمال الباردة, دارتا هنا وهناك، حتى استقرَّتا على عنقود الأكاسيا الأبيض الطيب الذي يعلو رأسي تماماً, وتابعـَتا حديثاً يبدو أنه قد بدأ منذ حين...

النيلية : بعد كل ذاك الحفل المدهش، قلقتِ وجافاك النومُ لمَ؟!..

القرميدية : لا أعرف!..

النيلية : وأنا أيضا لم أتمكن من النوم ليلة أمس!..

القرميدية : كنت أدورُ من ركن إلى آخر, باحثة ًعن سبيل للنوم, دون جدوى !..

النيلية : تماما هذا ما حدث معي !.. أُرهقـْتُ ولا أعرف كيف غفوت!..

القرميدية : أفتح النوافذ، أغلقها , أغمر جسدي بغطاء الجورية الصفراء لعل النوم يأتي... أبداً... ولم؟!.. ؟!.. لا أدري!..

النيلية : لعلك كنت جائعة؟!.. ..

القرميدية : كيف أجوع؟!.. ألم نتناول ِالعشاءَ معاً مع زهرة القرنفل الوردية؟!..

النيلية : آه... ربما كان عليكِ أن تستحمِّي، بعد تلك السهرة الصاخبة!..

القرميدية : فعلت, ما إن دخلتُ الدارَ، حتى استلقيت في كأس الماء مع الياسمين الأبيض, في وفي كل مرة أفعل هذا يأتيني النوم على غفلة، فأنهضُ مذعورة ًخوفاً من الغرق، إلا في الأمس, كانت عيناي مفتوحتين وضجري كاد يبكيني!..

النيلية : (بتأثر) حقاً؟! وما الذي كان يزعجك ويضجرك!..

القرميدية : ليتني أعرف!.. لا أعرف!..

النيلية : ربما لأنك تحضرين عرسَ فئرانٍ لأول مرة!..

القرميدية : على العكس، كان مدهشاً ولم أتوقع أن الفئران تحتفل بهذه الطريقة!..

النيلية : ألم ترُقـْك عاداتُ العرس وتقاليده؟!..

القرميدية : على العكس، كانت غريبة مثيرة!..

النيلية : هل أزعجـَك أحدٌ من أهل العروسين؟!..

القرميدية : أبداً، كانوا غاية ًفي اللطف!.. البيضُ منهم والسود، كانوا رائعين!..

النيلية : ألم تعجبـْك موسيقاهم وأغانيهم؟!..

القرميدية : لو لم تعجبني لما رقصت لهم بكل ذلك الفرح!..

صفحة 2

النيلية : مالذي كان يضجرك ويقلقك إذا؟!..

القرميدية : لا أعرف يا نيلية... نيلية, اسأليني أكثر, فربما أسئلتـُك تأتيني بالجواب!..

النيلية : همممم... طالما لا علاقة للأمر بعرس الفئران. إذاً, ربما كنت ترغبين بفعل شيء مميز أكثرَ من رقصتـِك الرائعة التي أدهشـْتِ بها كلَّ أصدقائنا في الحقل!..

القرميدية : حقاً أدهشت الجميع؟!..

النيلية : بالطبع, ألم تلاحظي ذلك!..

قرميدية : وأنتِ دُهشت أيضاً؟!..

النيلية : أكثر مما تتوقعين, كنتِ رائعة!..

القرميدية : آه!..

النيلية : أيعقل أن تقلقي بعد كل ذاك الفرح الذي كان يغمرك؟!..

القرميدية : ...!...

النيلية : آه, أنت موهوبة بفن تحضير العطور، لـِمَ لا تشغلي نفسك بها عندما يجافيك النوم ؟!.. فربما انشغالـُك بأمر ٍتحبـِّينـَه يجعلُ النعاس يتسلل إليك دون أن تشعري به!..

القرميدية : فعلت يا نيلية، جلست فوق غصن ِدالية العنب الذي أحضر عليه عطر «زهرة الجـُلـَّنار مع النرجس» ولكنني سرعان ما تعبت وبدا لي أنني أشوِّه العطر, فتركته وعدت أتنقل من زهرة لأخرى، لعل إحداهن تكون مـِخدة النوم التي أحتاجها, لكن, لا جدوى يا نيلية!..

النيلية : ربما بدأت تضجرين من هذا الحقل وترغبين بالسفر كعادتك!..

القرميدية : لا أعرف, لا, لا أعتقد هذا. (صمتت نيلية.. والقرميدية تلتفت إليها برجاء) إسأليني بعد!..

النيلية : تريحـُك أسئلتي؟!..

القرميدية : جداً.

النيلية : حسناً, بم كنت تفكرين وأنت قلقة؟!..

القرميدية : لم أكن أفكرُ بشيء مهم, كنت أراقب السماء, أعدُّ نجومـَها, أبحث عن قـُطبيها الشمالي والجنوبي، أحدد الجهات, أنشغل بممرات النمل المعقدة, أتذكر السهرة بكل تفاصيلها, أرقص, أتعب.اندس تحت مخدات الورود مرات ومرات، أزعجهم دون جدوى!..

النيلية : هل جرحت مشاعرَ أحدٍ أثناء النهار، مشاعر الذنب تستيقظ في الليل وتقلقنا!..

(تململت القرميدية خفقت بجناحيها, دارت في مكانها وبغضب قالت):

القرميدية : لا يا نيلية, لم أُغـْضـِبْ أحداً, أنت تعرفينني، ليس الأذى من طبعي!.. فأنا لست شريرة.

النيلية : آسفة, ليس بالضرورة أن نكون أشراراً، ولكننا نسببُ الأذى أحياناً دون أن نشعر بذلك.

(ابتعدت قرميدية وسرعان ما رجعت قائلة):

القرميدية : آسفة, لنعدْ إلى الأسئلة من جديد, إسأليني..

النيلية : لا... لن أفعل، لا أريدك أن تغضبي!..

القرميدية : أعدك ألاَّ أغضبَ!..

النيلية : لم تعد لدي أسئلة...

القرميدية : حقاً؟!..

(صمتت الفراشتان واعتلى الهمُّ وجه القرميدية, فلم تحتمل نيلية حزنَ رفيقتها، قالت لها بشرود)

النيلية : هل رجعت وحدك إلى المنزل أمس؟!..

القرميدية : نعم..

النيلية : هل كنت ترغبين أن يرافقك أحد ما بعد انتهاء العرس؟!..
 

صفحة 3

القرميدية : لا أعرف!..

النيلية : ...

القرميدية : ربما... يا صديقتي

النيلية : بعد أن صفق لك ملوك النحل والفراش وغنت أوراق الشجر مع فرح حشرات الحقل.؟!..

القرميدية : ..!.. ..

النيلية : بعد انتهاء كل هذا, كلُّ ذهبَ مع عائلته إلى داره وأنتِ بقيت وحيدة؟!..

القرميدية : ..!..

النيلية : عدتِ وحيدة إلى دارك بعد أن كانت تلفـُّك عيون مئات المعجبين!..

القرميدية : ..!....

النيلية : هذا هو سبب شعورك بالقلق..

القرميدية : كيف!..

(أسلمت القرميدية نفسـَها في حضن عنقود الأكاسيا وأغمضتْ عينيها قائلة):

ربما!.. معك حق.. شعرت بالوحدة...

النيلية : أنت فنانة إذاً!..

القرميدية : حقا!.. لمَ!..

النيلية : لأن هذا الشعورَ يعيشـُه المبدعون عادة!..

القرميدية : حقاً!..

النيلية : بالتأكيد!..

القرميدية : لم أكنْ أعرفُ أن هذا يحدثُ مع المبدعين, ترى هل أنا منهم يا نيلية؟!..

النيلية : بلى, أنت منهم, عيناك في الأمس كانتا متألقـَتيـْن وعبـَّرتا بفن راقٍ عن فرحك..

القرميدية : وهل تعتقدين أن الآخرين يرون ما ترين؟!..

النيلية : بل إنني واثقة.

القرميدية : (مبتسمة) شكراً صديقتي لو تعرفين كم أسعـَدْتـِني الآن، أنا فنانة إذاً (تضحك) لقد ساعدتني (تتثاءب)... أنا نعسانة!.. يبدو أنني سأنام!.. نعم سأنام, شكراً صديقتي!.. وسامحيني لأنني أتركـُك لأنامَ.

غفت القرميدية في حضن الأكاسيا الطيبة، والرضى مرتسمٌ على ملامحـِها, أما نيلية فكانت ساهمةً متعبة.!.. ..

نهضتُ لأراها عن قرب كانت غاية ًفي السحر والجمال فلون الفجر النيلي الذي ينساح على أجنحتها بتدريجات تصل إلى الأبيض الناصع جعلها تبدو كملكة، ملكة ٌ، لكنها مهمومة... سألتـُها:

ـ وأنت يا نيلية لمَ لم تنامي في الأمس ما الذي كان يقلقك؟!..

بوغتـَت بي ,أرادت أن تهربَ, لكنها تماسكت وحبست أنفاسها وبعد صمت كررتُ عليها السؤال:

ـ ما الذي كان يقلقك؟!..

ـ لا شيء!..

ـ أرجو أن تخبريني فلا يليق بك التعب.

ارتجفت رموشها واضطربت:

ـ لا شيء, إنها صديقتي ,لكنها تنسى أنني بحاجة أيضاً لأسئلتها.

قلت لها:

ـ هكذا، يؤذي الطيبون بعضهم بعضاً دون أن يقصدوا ذلك؟!..

قالت:

ـ أعتقد هذا!..

وطارت, لكنها من بعيد ٍدارتْ في الحقل ثم عادَت إليَّ , ارتفعت فوق رأسي عالياً وألقت ورقة ليمون، التقطتـُها وقرأت ما كتبتْ عليها:

«شكراً لأنك سألتـِني»!..

رفعتُ رأسي إليها أَنشـُدُ مرافقـَتـَها, لكنها كانت قد اختفت.

ـ 2007 ـ

صفحة 4

نفولة والسلحفاة لولو

نفولة هي سيارة أمي «أمولة»,وهي تشبه «لولو» سلحفاة والدي، لولو تأتي لزيارة نفولة كل يوم حاملة لها ورقة خس ونفولة ترفع مساحتيها مستغربة, فهي لا تعنيها هذه الخسة وما تشتهية موجود في محطة البترول وما سبق أن قدم لها عامل المحطة يوما خسة!...

لكن السلحفاة لولو لا تمل من هذا الواجب ومن هذه الهدية الأثيرة!..

اليوم عصراً, تقدمت لولو ببطء وتنزهت بين عجلات نفولة طويلا حتى فكرت نفولة أن هناك ما هناك خلف هذه الجولة الهادئة الصبورة, لكنها قررت ألا تعيرها اهتماما, فهي لاتطمح لبناء صداقة معها كي لاتتعزز عند الآخرين حكاية الشبه التي بينهما, باختصار, نفولة لا تريد أية علاقة بهذه اللولو, فأين هي وأين السلحفاة الصغيرة البطيئة الشاردة... الهائمة!.. وهي التي تنزلق بين السيارات غير آبهة بضخامتهما ولا بعجلاتها العريضة, تنافسهما بكل ثقة وكبرياء وتقطع المسافات الطويلة مثلهما تماما وتمتع ركابها بمحطات مذياعها المتنوعة وبنسمات «مكيّفها» العذبة!..

تعتز بصداقة «أمولة» لها وتحب أن تسمع الآخرين يرددون اسمها.. «نفولة»!.. تحرك مساحتيها بحركة راقصة حينما تكرر «أمولة» لصديقاتها:

«نفلة, في اللغة العربية, اسم معناه, ما تفعله مما لم يفرض ويطلب منك, أي أفعال الهبة والتطوع».. فتتمايل نفولة معتزة بنفسها ويصبح كل ما تقدمه من خدمات لنا بقيادة «أمولة» هو هبة وهدايا وتطوع!..

تتململ لولو السلحفاة من غرور هذه النفولة وتعود أدراجها إلي مستنجدة باجتهادي لأفتح لها المعجم وأجد معنى لاسمها يكون قويا ومنافسا, فتضع فيه حدا لدلع نفولة أمولة هذه!.. أتيت لها بالمعجم وقرأت لها:

«السلحفاة: دابة برية وبحرية ونهرية, لها أربع قوائم تختفي بين طبقتين عظميتين»..

لم يعجبها ما قرأت... فطلبت مني قراءة ما ذُكر في المعجم حول اسمها الآخر!.. ولا تقصد «لولو» بالطبع بل تقصد «الليل» الإسم الذي أطلقه والدي عليها, نظرا لما يجد في الليل من سحر وروعة. وفيما بعد صعب علينا مناداتها بالليل فأصبح اسمها «لولو» اسم الدلع لإسم «الليل»!..

قلبت المعجم.. وعندما وجدت كلمة ليل, قرأت لها :

«ليل: هو الوقت الممتد من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر» وتابعتُ : «والليلي هو الذي يحب سرى الليل. أي المشي في الليل»..

قاطعتني بخيبة أمل وانزعاج :

ـ أعرف كل هذه المعلومات قرأتها سابقا, معجمك هذا لم يأتني بجديد!..

تركتني وعادت تترنح نحو نفولة من جديد, وقفتْ قبالتها وسألتها :

ـ لو رغبت بالسير وحدك من دون أن يشغل محركك أحد هل تستطيعين؟!..

لم ترد عليها نفولة, فقد أدركت أن لهذا السؤال نوايا مشاكسة, مدت السلحفاة لولو رأسها من تحت قبتها العظمية بأقصى ما تستطيع, حركته يمينا ويسارا, لكن نفولة لم ترد عليها أبدا, خبأت رأسها قليلا وعادت لتمده من جديد بحماس وبسؤال مباغت أكثر من سابقه:

صفحة 5

ـ هل تستطيعين متابعة التلفاز معهم في سهرة المساء؟!..

لا جواب من نفولة !..

ـ هل تستطيعين النوم معهم في غرفة النوم ؟!..

لا جواب من نفولة !..

ـ هممممم... هل تستطيعين دخول المطبخ و شم روائح طبخهم الزكية ومشاركتهم الجلوس على طاولة العشاء ؟!..

لا جواب من نفولة!..

ـ هممممممممم!.. هممممم ... هل لديك أولاد ؟!..

زفرت دواليب السيارة وهبطت قليلا وهمست للولو :

ـ السيارات لا تبيض ولاتنتفخ بطونها بالأولاد.

تنشطت لولو برد نفولة وكان هذا بداية شعورها بالانتصار, تمشت بخيلاء أمام نفولة وهي تقول:

ـ عندما أكبر سأتزوج وأنجب الأولاد..

قالت لها السيارة نفولة :

ـ مسكينة أنت تكبرين وتشيخين أما أنا فأبقى كما أنا, والمصانع العظيمة التي اخترعتني تخترع لي يوميا قطعا جديدة أبدل بها مايتلف مني فأبقى شابة مدى الحياة .

لم تتوقع لولو هذه الإجابة ولم تجد ردا سريعا يفحم نفولة فأبدت عدم الإكتراث ,ابتسمت وخبأت رأسها من جديد تحت قوقعتها, لكنها لم تصبر كثيرا فمدت رأسها من جديد وسألت:

ـ لماذا يشبهونك أنت بي ولا يشبهونني بك؟!.. يقولون السيارة نفولة كالسلحفاة لولو لكنهم لا يقولون السلحفاة كالسيارة ؟!..

هههههههه.. وضحكت بصوت عال, احمرت عينا نفولة ودار محركها رغما عنها وأجابت بغضب :

ـ لأنه من المستحيل أن تكوني كالسيارة, جولة واحدة فقط لي في الحي تحتاج منك ألف ألف سنة لتنهيها, إنك بطيئة مملة, كما أنك عالة, لاحاجة لأحد إليك, حضورك وعدمه سيان..!..

تجمدت لولو في مكانها!.. خبأت رأسها, طوت أطرافها, أغمضت جفنيها واستغرقت في عتمة قوقعتها بعد أن سمعت ما سمعت من نفولة .

ندمت نفولة, فلم تكن تنوي إهانة لولو بهذه الطريقة, لكن لولو هذه استفزتها كثيرا, واحتارت ماذا تفعل!..

صمت ثقيل أحاط بالاثنتين ومن نافذتي حيث أتابع ما يجري شعرت بواجب التدخل لكن نفولة, فعلت شيئا آخر, ادارت مفتاح مذياعها وحركتْ مؤشر البحث بين المحطات, تجول المؤشر متجاوزا أصوات مذيعين ومذيعات وأخبارا هنا وهناك وقفز بسرعة عن نشرات الأخبار التي تُغضب لولو كثيرا حتى سمعت أغنيةً تحبها لولو, أوقفت المؤشر عندها وانتظرت حركة من لولو تعبر عن شئ لكن تلك لم تحرك ساكنا مما عزز شعور الندم عن نفولة, أطفأت نفولة محركها وسألت لولو برقة:

نفولة : لولو!.. ما اسم المغني الذي يغني هذه الأغنية؟!..
 

صفحة 6

أجابت لولو من تحت قوقعتها بصوت واهن :

لولو : «اللولو».

نفولة : اسم المطرب, اللولو ؟!..

لولو : إمممممم !..

نفولة : ومن أين هو ؟!..

أجابت لولو أيضا من داخل القوقعة :

لولو : من مدينة شهيرة بالغناء والطرب واسمها «حلب»..

نفولة : ولماذا اسمه «اللولو»؟!..

لولو : لأنه في المعجم لؤلؤ...

نفولة : إذا اسمك أيضا يعني «اللؤلؤ»؟!..

لولو : (من داخل القوقعة) لا... اسمي هو اسم الدلع «لليل»... والليل يعني من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر ..

نفولة : آآآه, كم أحب السير في الشوارع في هذا الوقت.

لولو : أنت ليلية إذا ,الليلي هو الذي يحب سرى الليل. أي المشي في الليل...

نفولة : أنت مثقفة يا لولو, متى تجدين الوقت للمطالعة والقراءة؟!..

لولو : (من داخل القوقعة) إنهم يضعون لي الخس دائما على جرائدهم فأطالعها حرفا حرفا أنهي ورقة الخس ومطالعة الجريدة معا .

نفولة : (بدهشة صادقة) أحسدك يا لولو , أنا لا أجد الوقت للقراءة والمطالعة, أمضي يومي أتنقل بين الشوارع والمدن فلا أملك سوى حفظ لا فتات الطرق وأسماء المطاعم والبنوك والمؤسسات ومراقبة الوجوه العابرة بسرعة...

كشفت لولو عن رأسها هذه المرة وقالت دون أن تنظر إلى نفولة..

لولو : أنت مثقفة أيضا, سفرك الدائم واكتشافك أماكن كثيرة ولقاؤك بأناس كثيرين يجعلك تتعرفين على أمور كثيرة.

.. نهضت عجلات السيارة عن الأرض بنشاط وقالت نفولة بحماس :

نفولة : عندي فكرة..

لولو : ما هي؟!..

نفولة : أنا أحدثك كل يوم عن جولاتي وعما رأيت في شوارع المدينة وأنت تروين لي ما قرأت من أخبار ومعلومات في الجريدة...

رفعت لولو أطرافها واخضرت عيناها وقالت بحماس :

لولو : فكرة رائعة, وهكذا نصبح صديقتين, أليس كذلك...

تجيب نفولة بقناعة وثقة : بالتأكيد.

اقتربت خطوات والديَّ, وصلا, فتحت أمي «أمولة» باب السيارة وهي تدندن, والدي ألقى التحية على لولو كعادته وبيده جريدة وخسة خضراء شهية, تغمز نفولة لولو فتولول بضجيجها المعتاد عند كل انطلاقة لها, لتبدأ رحلة جديدة, تبتعد مع زغردات عجلاتها المبتهجة وأقترب أنا لأقف خلف السلحفاة لولو, أقضم جزرتي وتأكل خستها وندهش سوية لخبر طريف كتب في رأس الصفحة «الغروب بيتُ الشمس... أم الشروق بيتها»؟!..

ـ 2007 ـ

صفحة 7

وشاح صديقي

صديقي يأتي مع أهله كل صيف من بلد بعيد، ألقاه بلهفة، أسمع حكاياته بشغف، نخرج، نتقافز، ننسى الجوع وننسى العطش. مغامرات ومغامرات، أعتاد عليه وأخاف نهاية العطلة ومشهد توضيب الحقائب والسفر!..

واليوم، عندما خرجنا من المدرسة، كانت السماء مختبئة خلف غيمة واسعة، بدت لي كوشاح حملته الريح من ذلك المكان البعيد، حبات ناعمة من المطر سقطت بلطف من طيات السماء جعلتني أركض وألوح لوشاح الغيمة بيدي!..

نصب حجري وطائر لقلق يقف وحيداً عليه، اقتربت منه , مطر لطيف كان يبللنا برقة، قلت للقلق: أعرف هذه القطرات، أرسلها صديقي , صديقي يعيش في بلاد مطرها غزير..

ـ يا لقلق, صحوت اليوم مشتاقة إليه!..

ـ !.. ..

ـ أليس هذا الوشاح رسالة منه إذاً؟!..

رفع اللقلق رقبته الطويلة إلى أعلى وشد ساقيه كما لوكان يجرب أن يصل الغيمة ويسألها، ثم طوى رأسه حول رقبته وبدا لي أنه ابتسم، ركضت, قفزت, تدحرجت, سلمت نفسي للرذاذ واغتسلت تحت المطر!....

ـ 2007 ـ

 

الغروب بيتُ الشمس، أم الشروق بيتها؟!..

احترتُ... ما الهدية ُالتي سأختارُها «لشهد»؟!.. فأنا لم ألتق به منذ زمن طويل ولا أعرف ما الذي يحبه فعلا, عطرٌ؟!.. قميصٌ أزرقُ كقميصي؟!.. دميةٌ تضحك بمجرد التلويح لها؟!.. ضجرَتْ أختي الصغيرة ريتا، واتهمـَتـْني بالتردد، فهي اختارت محفظة صغيرة حمراءَ ملأتـْها بالأساور، وزيـَّنـَتـْها بالصور الصغيرة ورشـَّتـْها بعطر القرنفل لتكون هديتها «لفرح» أختِ شهد.!.. ..

أمي وأبي حملا القهوةَ العربية َوالعباءاتِ الشرقية َ، والبـَخـُور وكثيراً ما سمعناهما يرددن: نعم إنهم في الغرب يحبون هذه الأشياء!..

سألـَتـْني أختي اليوم «ماذا يعني: أنهم في الغرب»؟!.. فاجأني سؤالُها وأجبت دون اهتمام: «أنهم يعيشون حيثُ تغربُ الشمسُ، ونعيش نحن حيث تشرق»..

لكنها لم تفهم، وسألتني عن «شهد» و «فرح» هل هما يجلسان الآن بجوار الشمس التي تغرب؟!..

صفحة 8

لم أجد إجابة ًسريعة، لكنني قلت لها «وهل نحن الآن بجوار الشمس وهي تـُشرق»؟!..

فضحكتْ، لأن الشمسَ كانت تتوسط ُالسماءَ، وكانت الحرارة ُمرتفعة ً، لكنها استدركت وقالت:

«نعم، ففي الصباح الباكر أراها قريبة ًجداً من نافذتي وعندما تغرب أراها بعيدة».

معها حق, وأنا أرى الشروق قريباً دائماً, لم؟!..

ثم انهالت الأسئلة:

«ترى، عندما نصل إلى بلادهم، ونستيقظ في غـُرَفـِهم، هل ستكون الشمسُ بعيدةً عند شروقها؟!.. وقريبة ًعند غروبها؟!.. على عكس ما لدينا تماماً»!..

«وهل شمسهم مثلُ شمسنا حمراءُ قانية»؟!..

«وهل تشرق مرة ًواحدة كما يحدث عندنا، أم أنها تشرق أكثرَ من مرة في اليوم الواحد»؟!..

«وهل ينامون بعد الغروب أم بعد الشروق في بلادهم!.. وهل الغروب عندهم هو بيت الشمس أم الشروقُ بيتـُها»؟!..

كان من المفروض أن أجدَ إجاباتٍ لكل أسئلتها، ولكنني ضقت ذرعاً، وأجبتها بعصبية إلى حد الصراخ :

«الغروب والشروق يحدثان في كل مكانٍ على كوكب الأرض!.. وفي كل مكان أيضا هناك غرب وشرق!.. وهذه الشمس, نفسُها نجدها في كل بلدان العالم وعندما تـَغرُب عندَهم تـُشرقُ عندنا»!..

وقفتْ حائرة ًغيرَ فاهمةٍ، وارتجف ذقنها غضباً مني ,شعرتُ بالخجل والضعف أمامَ عينيها ووجنتيها المحمرتين ,ليس من عادتي أن أغضبَ هكذا ولكن عجزي عن تحديد هدية "شهد" ربما كان السبب!..

اتصلت صديقتي «رشا» وقالت لي «لـِمَ لا تأخذ ينُ معك صورَ خسوف نجمةِ الزهرة مع القمر التي صوَّرْتَها في الأمس»!.. وحذرتـْني من إقفال حقيبتي قبل أن ترى بنفسها ما وضعتُ, رشا ليست صديقتي فحسب بل إنها رفيقتي اليومية وتعرف كم أحب الفلك والنجوم البعيدة وكم أخترع حكايات عنهما,وتعرف أيضا كم أنا بشوق للقاء شهد, صديق الطفولة, سمعت مني كل تساؤلاتي, ترى كيف أصبح الآن ؟!.. هل نبتت له الشوارب, هل أصبح شابا, أم أنه لايزال كحجوم الصغار, وكنت مرتبكة من لحظة لقائِنا, لأنه سيلاحظ فورا كل التغيرات التي طرأت على جسدي, فالكل يقول لي «أصبحت صبية» سألتها:

«رشا، لماذا تـُسمى بلادُهم الغربَ ونحن الشرقَ»؟!..

كنت خجلى وأنا أسألها، لكنها صمتت، ثم أجابت بارتباك:

ـ لا أعرف، لم نأخذها في المدرسة بعد.

بمجرد إغلاقي الهاتف عاد يرنُّ من جديد كان ابن عمتي «ينال» قال لي:

ـ سأرسل معك حبوب القمح لنـُطعمي الحمامَ في ساحاتهم، فالحمامُ هناك يحبُّ أن يأكل من أكفِّ الناسِ مباشرة...

وقبل أن يقفل سألته:

ـ ينال, عندما زُرتـَهم العامَ الفائت، هل كان الغروبُ أقربَ إليك من الشروق؟!.. فكر قليلا وعندما لم يجد إجابة ضحك وودعني.

فكـَّرت أن أشتريَ لشهد «بوصلة» فالبوصلة تحددُ لنا دائماً أين نحن من الجهات، وهكذا سيعرف أين أنا بالنسبة إليه بمجرد تحديد جهة الشرق, ضحكت للفكرة وخشيت منها أن تكشف اضطرابا في داخلي لا أعرف معناه لكنه جميل ومدهش!..

ـ الشرق!... رااااائع وجدتـُها... أغاني وموسيقا... سأهديه بعض ما أحب من الموسيقى الشرقية!.. لا شك أنه سيفرح بسماعها .

ساعةً واحدةً كانت كافية لتمتلئ حقيبتي بأصواتٍ وألحانٍ شرقيةٍ رائعةٍ, ولا أعرف لـِمَ كان قلبي مضطرباً كلَّ هذا الاضطرابِ، وكأنني لأول مرة أكتشف أنني من الشرق وأنني أحببت هذا.

قبل السفر ,سمعتُ من الأصدقاء والمودعين, أسماء لم أسمع بها من قبل عن تلك البلاد التي سنقضي فيها إجازتـَنا!..

استعصى النومُ وتأجَّلَ حتى حملـَتـْنا الطائرة ُليلاً، غفا الجميع على صوت هديرها وبقيتْ أجفاني تتراقص لتخيلاتٍ سمعت معها نبضَ قلبي ,ها أنذا مع شهد وعائلتي نقطن في جبل اسمه «الأولمب» يرافقنا فيلسوفٌ اسمه سقراط, نتدفأ على الجمر مع أشعار هوميروس وتهز أرجوحتـَنا «فينوس» إلهة الحب والجمال ويردد لنا شعب الإغريق أروعَ أساطيرهم على مسارحهم الحجريةِ الضخمة، وتحمـِلـُنا «أثينا» على أجنحةِ طيورها، وأختي تحكي حكاية الشمس التي تغيب هناك في الصباح الباكر!..

أطل الشروق في الفضاء الذي يحملنا وذابت العتمة في سحابات نيلية تشرق رويدا رويدا حتى غمرت بألوان سحرية,اختلط الأحمر بالبنفسجي بالأصفر ,لوحة ,لم أتخيل أنني سأراها يوما, وسحابات بيضاء صغيرة احمرت كوجنات الصغار, أيعقل أن يكون الشروق لديهم بهذا السحر!..

همستْ أختي:

ـ إنها تشرقُ, لا تغيب, وصباحُهم مثلُ صباحـِنا!.. ووجدت نفسي أضمـُّها وأضحك,هبطـَتْ طائرتـُنا في أثينا عاصمةِ الإغريق وفي استقبالنا, كانت وردة ٌحمراءُ «جورية» كورود بلادنا تنتظر, قفزتْ عيني من اليد التي تحملـُها إلى وجهِ صاحبها, شاب هادئ الملامح, إنها عيناه الودودة نفسها, لم تتغير, عـَرَفتـُه... إنه «شهد»!..

غمرني فرح كبير ومن نافذة السيارة التي كانت تـُقـِلـُّنا, كانت عينا أختي تراقب الشمسَ ووجدت نفسي أحدث «شهد» وكأنني تركته البارحة, قلت أشياء كثيرة وقدمت له صور الخسوف التي صورتها بنفسي، فنجمةِ الزهرة خـُسفتْ منذ أيام خلفَ القمر، وظهرتْ من الجانب الآخر ملتصقة ًبه، لتشكلَ مع هلالـِه خاتماً «بفص» ذهبي ناعم, وهنا شعرت بإصغاء الجميع لحكايتي, لا أعرف لم خجلت وسكت, لتبدأ أختي حكايتها عن أن الشروق في بلادنا هو بيت الشمس.

ـ 2007 ـ

صفحة 9

الصداع والسلحفاة


استيقظتُ صباحاً ورأسي تؤلمني ألماً شديداً، تأملت الشارع من نافذتي:

ترى هل أستطيع الذهاب إلى المدرسة؟!..

اليوم بالذات لا أستطيع الغياب، لدينا امتحان أنتظرتـُه منذ زمن وحضرت له كثيراً!.. وكنت بشوق لنظرات الإعجاب من معلمتي, الأنسة أميرة.

مرت «لولو»، سلحفاتي الصغيرة، توقفتْ عند إبهامي الذي تحب مداعبتـَه، لكنها وجدتـْني ساكنة لا أتحرك، أدركتْ أنني لست على ما يرام، «لولو» شديدة ُالحساسية وتشعر بي فوراً.

قلت لها : لولو. .أنا... «واوا»..

سكنتْ تماماً لتسمعني.. فتابعتُ:

ـ أريد أن أذهب إلى المدرسة. .

ـ .....

ـ لا أريد أن أمرض اليوم.

ـ .....

ـ هل أستطيع؟!..

مدت رقبتها من تحت قفصها الأخضر الصغير مشجعة رغبتي.

حسناً، لديَّ خطة يا لولو لتخفيف ألمي، هل تعرفين ماذا سأفعل؟!.. أولاً أشربُ الحليبَ مع المكسرات وآكل بيضة وأشبع، لأن الجوع يزيد ألمي, لن أخبر أمي، لن أخبر أحداً، وسأذهب, اتفقنا؟!..

أدارت قفصَها نحو المطبخ.. وأنا شرعت بتفيذ فكرتي الأولى. ظلت «لولو» تلاحقني أينما تحركت، وبين الفينة والأخرى تمد رأسها لتلامس إبهامي لا لتلعب هذه المرة بل لتطمئن عليَّ.

قلت لها:

ـ خطتي الثانية تتعلق بما سأفعله في الباص، سأغمض عيني ولن آتي بأية حركة حتى أصل المدرسة!..

بدأت تحاول التعلق بحقيبتي وتفشل,فهمت!! يا لها من فكرة رائعة، ربما كنت بحاجة لصديقة كسلحفاتي، لا أريد منها شيئاً سوى مرافقتي, همست لها «نعم سترافقينني يا لولو».

صفحة 10

وبسرية تامة وضعتها مع خستها في حقيبتي، علقت الحقيبة على ظهري وقررت الخروج قبل موعدي المعتاد. أوقفتني أمي:

ـ لمَ تخرجين باكراً اليوم؟!..

ـ أريد أن أتمشى على مهل لا رغبة لدي بالركض كعادتي يا أمي.

استغربتْ لكنها أُعجبت بهذا القرار المفاجئ. ودَّعتـُها مـُحاولةً تجاهلَ تقبيلها كي لا تشعر بالحرارة التي بدأت تلهب رأسي؟!.. نزلت درج المنزل على مهل، بينما السلحفاة تحاول تمسيد ظهري بلطف لكنها كانت تدغدغني, طلبتُ منها الهدوء، فالضحك يزيد ألمي , استندت إلى جذع شجرة الفلفل, مقابل دارنا وقلت للسلحفاة:

ـ هل تعرفين يا لولو؟!.. لأول مرة أجرب مقاومة المرض!.. الكبار يفعلون هذا كثيراً, وأنا اليوم بأمس الحاجة لأفعل مثلهم!.. تحركت السلحفاة بلطف, قلت لها :

ـ لولو, شكراً, شكراً لأنك رافقتني!..

وصلت الحافلة، صعدت، كانت أمي تراقبني من النافذة، لوَّحتُ لها, أخذت مقعدي وأغمضت عيني، نبضات رأسي كادت تقفز من جبهتي، سكنت واستسلمت لتنفسي الهادئ، إنني أجرب ما تطلبه أمي مني في حالات المرض والغضب:

«الهدوء. .. الهدوء التام»...

تحركت لولو في الحقيبة حركة ًقوية فعرفت أننا وصلنا، همست لها:

ـ لولو، لن أستسلم للمرض!...

دخلت قاعتي, تبادلنا التحية أنا والأنسة أميرة, إنها دائمة الابتسام, وابتسامتها تمدني بكثير من الشجاعة وضعت المحفظة بجواري، أسندت رأسي على طاولتي، الحرارة ترتفع أكثر، وصديقاتي شعرن بأني لست على مايرام, وربما بعض منافساتي اعتقدن أنني لست مهيأة جيدا للامتحان, حدثت نفسي:

ـ أنا قوية، رأسي توجعني لكنني سأكتب في الامتحان وسأبذل أقصى جهد عندي، أنا لست مريضة.. أنا بصحة جيدة!..

أغمضت عيني وبدأت أراجع معلوماتي, همست في أذني معلمتي إن كنتُ أعاني من شيء، رفعت رأسي، ابتسمت لابتسامتها لأطمئنها، لكنني لم أكن قادرة ًعلى الكلام و ربما هي الأخرى اعتقدت أنني خائفة ٌمن الامتحان.

استلمت ورقتي.. وسكنتْ «لولو» تماماً. قرأت السؤال الأول وكدت أقفز فوق الطاولة، سؤال سهل وأعرف إجابته, كتبت الإجابة بدقة، انتقلت إلى السؤال الثاني فالثالث فالرابع فالخامس, يا لها من أسئلة رائعة، نظرت إلى الآنسة أميرة نظرة تعرفها تماماً، تفهم منها أنني أعرف الإجابة فتبادلني النظرة بابتسامتها الرائعة, كتبت كلَّ إجاباتي على مهل وبهدوء, قلبي يرقص فرحاً وقلمي يكتب بخط جميل وواثق، لا بل إنه يضحك أيضاً.

راجعت كلَّ الإجابات، تأكدت أنني لم أفوِّت إجابة ًدون تدقيق، نهضت بحماس فزحفـَتْ حقيبتي خلفي، ضحكت رغماً عني وتعثرت، نظر الجميع إليَّ، دُهشت معلمتي، كتمت ضحكتي وخطفت محفظتي, سلمت ورقتي وقفزت إلى باحة المدرسة أصيح:

ـ سآخذ العلامة كلها.

ومع القفزة الثانية، ضربـَت ِالحرارة جبهتي، وأوقفني ضغط شديد في رأسي, آه... كنت قد نسيته, إنه الصداع الشرير, أسندتني السلحفاة من ظهري، ثم وصلت الأنسة أميرة إلي، وضعت كفها على جبهتي وشهقت:

ـ إنك ساخنة جدا, لم حضرت وأنت بهذه الحالة, أنت مريضة، اذهبي فوراً إلى المنزل واعتني بنفسك, وأنا سأتصل بأمك.

لم أكن قادرة على الرد, لكنني كنت راضية, ونشوة الانتصار على سخونتي كانت كبيرة, رافقتني حتى وصلت الحافلة, واتصلت بأمي وأخبرتها بمرضي وعودتي.

تساءلت: ترى كيف غاب عني الألم وقتَ الامتحان؟!.. ابتسمت شاكرة سلحفاتي، ونفسي، والصداعَ الذي نسيـَني في تلك الساعة!..

وفي المنزل كانت أمي تحيطني بعنايتها, و «لولو» المطمئنة، انشغلت بخيط الحقيبة المعقود حول خستها، وأنا, بين الصحو والإغفاءة كنت البطلة التي خرجت منتصرة من معركة قاسية, والأنسة أميرة تخطب في طالبات المدرسة جميعا وتعلن بابتسامتها الرائعة أنني, الأولى, وغفوت بعد هذا كله... بعمق.

ـ 2007 ـ