صفحة 1
ولا أحد يعرف ذلك
جلست - بعد ثلاثين عاماً - على مصطبة خشبية متآكلة الحواف، بدت الساحة أمامي خاوية والأبنية حائلة اللون ·· حقيبة ملابسي محاذاة المصطبة وإلى جانبي كيس به ما تبقى من طعام ·· أنظر الى الشجيرات العارية من أوراقها - مع أننا في منتصف الربيع - وأجتر الصور التي اختزنتها ذاكرتي فلا أجد أيما تطابق أو تشابه يوحي بملامح واضحة لما أرى ··· كل شيء شائخ ومهترئ·· وأنا أعود بعد ثلاثين عاماً بجلد لم تعد خلاياه تتجدد·
السيارة التي أقلّتني من عمّان إلى بغداد رمتني إلى هذا المكان ·· نزل كثير من الركاب وبقي القليل منهم··· ترددت قبل النزول وأنا اتطلّع من نافذة السيارة·· قلت للسائق :
- أروم الوصول الى مدينة الثورة·
رمقني ولم يعلّق بشيء ·· أنا من ناحيتي كنت أستعيد الكلام الذي قلته، فربما أخطأت في التسمية·· ولما كانت عيناه ما تزالان تحدقان باستغراب فقد نزلت في ساحة مربعة الشكل·
كان عدد من الرجال يعرضون خدماتهم·· سائقون وحمّالون وأطفال يبيعون العلكة والماء···· الجميع يتحدثون بطريقة سريعة وبمفردات لم تدخل قاموس ذاكرتي من قبل، حتى ليصعب عليّ الإمساك بحروفها··· الوجوه غريبة، ممصوصة، والمكان الذي يفترض أنه (كراج العلاوي) لا أثر لخارطته القديمة··· أخرج مساعد السائق الحقائب جميعها··· وبعد أن مضى الركاب كل صوب طريقه، رحتُ أتطلّع في المكان·
أربعة مداخل تفضي إلى شوارع طويلة ليس لي من علم بنهاياتها·· مدخل رقم (1) يقف عنده عدد من الشرطة وتسد الطريق إليه دعّامات كونكريتية·· حملتُ حقيبتي ولم ألتفت إلى أحد، فقد انتابتني مشاعر مضطربة من الوجوه المريبة·
كانت ثمة امرأة تهم بصعود سيارة أجرة، اسرعت اليها ورحت أسألها:
- كيف يمكنني الوصول إلى مدينة الثورة ؟
نظرت إليّ ولم تجب، بدت نظراتها كما لو أنها لم تفهم السؤال فأعدته ثانيةً، لكنها كانت قد استقلّت المقعد الخلفي وأغلقت الباب بسرعة كأنها تهرب مني·
سياج الساحة ذات الشكل المربع واطيء·· تلوح من خلفه بنايات لمطاعم أو فنادق رخيصة·· بعد دقائق امتلأ الركن الشمالي بجنود ضامري الأجسام، يدخنون بشراهة·· جلسوا بالتتابع على السياج، لم يتبادلوا الكلام كما لو أنهم قالوا كل ما عندهم في الطريق ولم يبق الاّ انتظار السيارة التي ستقلّهم، أو ربما هم منشغلون بالتحدث الى أنفسهم··· هل هم عائدون من وحداتهم في أقصى الشمال ويرومون الوصول الى بيوتهم في الجنوب؟ أم أنهم ماضون إلى تلك الوحدات؟·
انتبهت إلى صبي يقارب العاشرة، يرتدي بنطلوناً قهوائياً مهترئاً في الركبتين، وقميصاً أكبر من مقاسه·· لم يقل أي شيء·· فتحت الكيس وناولته برتقالة وقطعة بسكويت··· ظل ينظر إليّ للحظات قبل أن يمد يده ويختطف ما بيدي ثم يهرب خشية ان يراه أحد، كما لو أنه قام بالسرقة·· ومن حين لآخر يخرج اناس من أحد المداخل ويقطعون الساحة نحو المداخل الأخرى··· اناس عابسون متشنجون··· ودخل اثنان في معركة فيما كانت امرأة تقف قربهما، ترتدي ثوباً لمّاعاً وشعرها أحمر طويل يصل حدّ الخصر··· وبينما هما يتبادلان اللكمات والكلام القبيح انسلّت هي الى المدخل الذي يحمل الرقم (2) ·· كان الوقت يمر سريعاً والليل يتسلل ليغطي الفضاء والأشياء·
قلت : لا بد لي من معرفة المكان الذي أنا فيه، ولكي أعرف ذلك عليّ أن أسير بضعة أمتار لأستطلع الطريق الصحيح··· وحتى لا أتعرض إلى ما لا تحمد عقباه لا بد أن أتحاشى السؤال·
صفحة 2
حملت حقيبتي ومضيت صوب المدخل الذي اختفت فيه المرأة ذات الشعر الأحمر والثوب اللماع·· كان عليّ أن أمر بدروب ضيقة قبل أن أصل إلى شارع عريض تضيئه فوانيس معلّقة على أعمدة متوسطة الطول·· لا أدري إن كان الضوء المنبعث منها بفعل الزيت أم أنها مصابيح كهربائية على شكل فوانيس·· شاهدت لافتات كثيرة تبارك الثبات على المبادئ والانتصارات العظيمة، وصوراً تزين الأعمدة وواجهات البيوت لرجل واحد بدت عليه ملامح الصرامة، وزينة من سعف النخيل والأوراق الملونة···· نوافذ البيوت بعضها مضاء والكثير منها مطفأ·· وفيما كنت أحاول استيعاب المشهد نبح كلب من وراء سياج طيني فألقى الرعب في أوصالي··· عدت خطوتين كيما أكون متحفزة إذا ما هاجمني مع أنني لا أملك الشجاعة في مثل هذه المواقف·· فكرت بالرجوع الى الساحة في الوقت الذي خرج رجل كهل من أحد البيوت، فهممتُ بمناداته لكنه عاد مسرعاً إلى البيت الذي خرج منه كما لو أنه نسي شيئاً ··· لم يخرج رغم مرور وقت طويل··· هذا يعني أنه لم ينس شيئاً ، ربما فضّل البقاء في ذلك البيت حتى الصباح·
كان عدد الجنود قد تزايد، وتوافد آخرون بعد دقائق ·· وثمة ركاب جدد ينزلون من احدى السيارات ويتجهون إما الى المداخل أو إلى سيارات الأجرة المرصوفة في أحد الجوانب··· سرت الى المدخل رقم (3) وما إن اجتزت الممر المحاط بجوانب صخرية حتى وجدتني أمام بيوت بائسة من الچينكو والصفيح، تنبعث منها روائح عفنة، ويتسرب دخان المواقد من بين شقوقها·· مشيتُ بضعة امتار وأنا أتساءل : أيمكن أن يكون الأمر قد التبس على السائق فأنزلني في المكان الخطأ؟ ·· أتذكر أن صوتي كان واضحاً حين قلت له : أروم الوصول الى مدينة الثورة·
صحيح أنه حدّق إليّ باستغراب مما حدا بي الى تكرار الكلام خشية أن يكون الرجل ثقيل السمع، لكن مساعده أسرع وأنزل الحقائب، وهذا يعني أنها المحطة الأخيرة التي أعرفها منذ ثلاثين عاماً، والتي تتفرع منها الدروب الى المدن الصغيرة ومنها مدينة الثورة، كل ما في المكان ليس له علاقة بكراج العلاوي، ولا بأي مكان أعرفه سابقاً··· وبما أن المدن كما البشر تشيخ وتهرم وتتغير، فقد أيقنت أن ما حدث خلال هذه السنوات كفيل بطمس ما كان قائماً·
دلفت إلى ممر شبه معتم، ينتهي بمكتب يجلس خلفه شاب ملامحه لا تنم عن عافية·· كنت قد قرأت اليافطة (فندق الذكريات) ··· فوجيء الشاب بدخولي واندهش من طلبي حين قلت:
- غرفة من فضلك·
لم أسأل عن أجرة المبيت ولا عن الخدمات·· أردت فقط أن أريح جسدي من ساعات السفر المضنية، وأنقذ نفسي من الليل الذي تغلغل في كل شبر من المكان·
- لا يُسمح بأيواء النساء·· هذا فندق يؤدي خدمات سريعة للجنود فقط·
لم أجد الرد، لكنه أردف:
- يبدو أنك غريبة، ولذلك يمكنك البقاء حتى الصباح، برغم أنني أتجاوز على التعليمات وقد أتعرض الى عقوبة الطرد·
أردت أن أقول إنني لست غريبة··· أنا ابنة هذا البلد، وما إن هممت بالكلام حتى راح يسعل سعلات حادة، ولما انتهى قال :
- الدفع مقدماً
أخرجت ورقة من فئة (مئة دولار) ·· نظر إليها وقبل أن يفتح فمه قلت:
- وصلت تواً ولم يسعفني الوقت للتصريف·
مدّ يده وأمسك بالورقة بأصابع مرتعشة·· ثم قام من خلف المكتب ليوصلني إلى الغرفة ·
صفحة 3
مذ أخبرني الطبيب الهولندي بأن المرض الخبيث يسري في جسدي قررت العودة، لأجد لي قبراً الى جانب قبور أهلي··· لم أسقط قبل هذا الوقت في فخ الحنين، حتــى أنني لم أحمل معي صوراً حين غادرت بلدي، الصور تذكي جمرات الذكرى، وأنا أريد أن أبدأ حياتي بعيداً عن عذابات الماضي، كنت قد نجحت في إبعاد قلبي وعقلي عن كل ما يجعلني عرضة لموت بطيء، تأقلمت مع الناس الغرباء في البلد الغريب·· وأصبحت فيما بعد أتباهى بكمية المفردات التي أتقنها من لغتهم·· اشتغلت وأحببت·· حلمت بتكوين أسرة كثيرة العدد تعويضاً عن أسرتي التي ماتت تحت أنقاض البيت إبان حرب الخليج الثانية·· ومرت عشر سنوات قضيتها مع زوجي، لكن عددنا ظل اثنين برغم المحاولات المتكررة مع أشهر الأطباء·
لم يكتف الرب بذلك بل أخذ زوجي إلى جواره وتركني أصنع من ذكرياتي زاداً أعتاش عليه فيما بعد·· ومع ذلك لم أقع فريسة الماضي·· كنت أقبل على الحياة بعد كل عثرة بارادة أقوى··· تخللت حياتي صداقات حميمة وأسفار كثيرة··· وكان الوطن يأتي على خاطري مثل حلم جميل لا يقف طويلاً ولا يستوقف·· يمر كما تمر وجوه الناس الذين تجمعهم صحبة طريق ما تلبث ان تنتهي··· هكذا درّبت حواسي وأتقنت لعبة النسيان أو التناسي في زخم سنوات أخرى لم أعد أيامها··· لكن، منذ أخبرني الطبيب الهولندي بحقيقة مرضي، فتحت الذاكرة أبوابها وأزالت الركام رويداً رويداً، فقام الحنين من مثواه وأعلن عن سياط ناره، صارت مقبرة النجف تتراءى لي كما لو أنني تركتها بالأمس يوم دفنت جثث أمي وأبي واختي الصغيرة··· لا أريد لجسدي أن يستقر بين الغرباء·· هذا ما عزمت عليه، وهذا ما حملني الى هنا ·· لا بد أن السائق أخطأ المكان·· غداً صباحاً ، حين ينجلي الليل سأتبيّن الأمر··
سحبت الغطاء على نصف جسدي وأغمضت عيني··· أصوات بساطيل تصعد وتنزل على السلالم·· همهمات وغناء متقطع يعلو وينخفض ·· نمت نوماً قلقاً وعندما سقط ضوء الشمس على وجهي أفزعتني لحظات الصحو، فقد كنت اتعذّب بكابوس مرعب·· رجل يدفعني من قمة جبل ليلقي بي الى أسفل الوادي، وأنا أصرخ لكن أحداً لا يسمعني:
- الحمد لله إنه الصباح·
بساطيل الجنود تنزل السلالم مرة أخرى·· اصواتهم تعلو دون أن التقط أيما مفردة منها·· اسرعتُ الى النافذة فتحتها فهالني ما رأيت·· النافذة تطل على مقبرة شاسعة ليس لها حدود·· قبورها بلا شواهد·· فركت عيني لئلا أكون ما زلت أحلم···
لم أكن أحلم ··· لا أتذكر مقبرة بهذا الحجم··· أيمكن أن يكون قد مات في بغداد وحدها كل هؤلاء خلال الثلاثين عاماً الماضية؟ هذا يعني أن مقبرة النجف - وهي أكبر مقبرة في العالم - قد اتسعت هي الأخرى، وربما امتدت الى البيوت والشوارع ··· يا إلهي ·· أين يمكن أن أجد قبور أهلي؟ وماذا عن أقربائي ·· من يتحمل وزر امرأة جاءت لتموت بينهم···
عدت الى الساحة·· هي الوحيدة التي يمكنني أن أعرف من خلالها موطيء قدمي··· كانت النسوة قد انتشرن في الزوايا·· يقدمن الشاي والقيمر بينما أفواج الجنود ما زالت تتدفق··· عربات للأكل السريع وأكشاك سجائر وأطفال يبيعون العلكة ودراويش يحملون الأدعية المستنسخة ويتوسلون الناس لشرائها··· وجوه··· وجوه··· وجوه··· شاحبة مصفرّة، معصورة، مغبرّة·· ولهجات من كل صنف ولون·
جلست قرب امرأة مسنّة·· شربت الشاي وطلبت (لفّة قيمر)·· لا متّسع من الوقت لأسألها··· أصابعها تعمل بسرعة عجيبة، والجنود يشربون الشاي على عجل·· شاحنة عسكرية تخرج من المدخل رقم (4) يتحلّق حولها الجنود··· تمتليء وتمضي بهم·· الى أين ؟·· لا أدري··· وشاحنة ثانية ·· وثالثة·
حين فرغت المرأة سألتها :
- ما اسم هذا المكان؟
أجابتني بسؤال :
- هل أنت غريبة؟
ترددت ثم أجبت :
- نعم ·
صفحة 4
قالت:
- انه كراج الثورة
لم أتذكّر كراجاً بهذا الاسم فعدت أسألها:
- هل تقصدين مدينة الثورة؟
رمقتني بدهشة ثم قالت :
- أنت تتحدثين عن مكان لم يعد له وجود·
- كيف ؟
تلفّتت كما لو أنها خائفة من شيء ما قبل أن تقول :
- ما دمت لست من هذا البلد فسأبوح لك بسر ·· أنا من مدينة الثورة·· أو بالأصح من الذين نجوا من المذبحة·
سألتها والذعر يتملكني :
- أية مذبحة ؟
زمّت شفتيها وراحت تصب الشاي لرجل عابر ··· ظلت صامتة حتى انتهى ومضى ··· قرّبت رأسها من أذنــي وقالت :
- ألم يسمع العالم بنا؟ إنها إذن لخسارة كبرى ··· خسرنا الحياة ومتنا قبل أن نموت·
تلفتت ثانية وهمست:
- كنت خارج المدينة عندما أحاط بها رجال الحاكم ···ألقوا عليها السموم من الطائرات وانتهى كل شيء خلال ساعات قليلة··· انت قريبة الآن من المدينة التي كانت·· إنها اليوم مجرد مقبرة لا تحدها عين·
وأشارت بيدها·
- انها خلف ذاك الفندق ·· قبور لا تحمل اسماء أصحابها·
سكتت ثانية·· بدا وجهها المتغضّن أكثر شحوباً وغارت عيناها ·· ثم نظرت إليّ وقالت :
- محظوظ من يجد له قبراً يحمل اسمه·
سألتها :
- لماذا فعلوا بكم ذلك ؟
قالت - وهذه المرة لم تلتفت - الفقراء دائماً حطب الحكام، مع أنهم يأتون الى الحكم محمولين على اكتافهم·
القبور هناك مزدانة ··· تظللها الأشجار وتحيط بها النباتات المزهرة على مدار الفصول، حتى لتبدو المقابر مثل حدائق غنّاء··· أليس من الحكمة أن أجد لي مكاناً قرب شجرة، الى جوار زوجي؟ بين أصحابي الذين عشت بينهم ثلاثين عاماً؟
كنت قد دفنت زوجي بين شجرتين تشابكت أغصانهما من الأعلى كأنهما تعقدان اتفاقاً على حمايته·· سيّجت قبره باطار من الأزهار ونقشت على شاهدته (سنلتقي في الجنة) وعلى عكس ما كان لي من الأماني في تلك البلاد الغريبة، يبدو أنني مضيتُ إلى الجحيم·
صفحة 5
في الطائرة
تصغر البنايات ·· تنكمش على نفسها ··· تصبح الشوارع مجرد خيوط رفيعة، وتفقد البيوت أشكالها كلما حلّقت الطائرة، حتى يغدو سطح المدينة أشبه بلعبة دمى ما تلبث أن تختفي·
لم يكن خائفاً عندما التفت إليّ وسأل :
- ماذا نفعل لو قام أحد الإرهابيين واختطف الطائرة ؟
كنت قبل ذلك أرمي بصري إلى الغيوم التي انفرشت تحتنا كأنها جبال وتلال ممتدة إلى ما لا نهاية، تخطر على بالي أغنية لمطربة منسية تتمنى النوم بين الغيوم والسماء هرباً من العذّال ·
كان وجه الرجل الذي يجاورني في الطائرة جاداً، وعيناه تلمعان ببريق غريب·· تعلّقتُ بأحرف سؤاله كأنني أبحث عن خيوط أتشبث بها من الهاوية التي رماني إليها ·· نظرت إليه باستغراب فكرّر السؤال كما لو أن الأمر المريع سيقع، وأجبت :
- سأترك ذلك للقضاء والقدر·
ابتسمت عيناه بسخرية وقال :
- لا أظن ذلك، فها أنت ترتعبين لمجرد السؤال·
رددت ببرود:
- ربما ، فالإرهابيون كثر هذه الأيام·
وعدت أرمي بصري إلى امتداد الغيوم الكثيفة والمتفرقة، عازمةً بيني وبين نفسي ألاّ أرد·
- أحياناً يكون الخاطف صاحب قضية إنسانية فيقوم بهذا العمل لتسليط الضوء على قضيته·
لم أجد بدّاً من القول :
- القضايا الإنسانية لا تأتي على حساب أرواح البشر·
أكمل كأنه لا يسمعني:
- وأحياناً يصل الأمر ببعض الخاطفين إلى تنفيذ تهديدهم بنسف الطائرة إذا لم يستجب أحد لمطالبهم·
سقط قلبي من بين ضلوعي كما لو أن نصلاً حاداً أجتثه من مكانه، لكنني تحاشيت الالتفات إلى الرجل الغريب··· رحت أرقب جناح الطائرة وهو يميل قلت في نفسي لأطمئنها، إنها مجرد مطبات بين طيات الهواء·· عاد الرجل الى الكلام:
- أمامنا بحدود ساعة·· في هذا الوقت قد تحدث أمور كثيرة وكبيرة على مستوى الكرة الأرضية، ويموت ناس كثيرون في أحداث مختلفة·
صفحة 6
التزمت الصمت ومرت دقائق قليلة، كان خلالها منشغلاً بمتابعة مسرحية كوميدية على الشاشة التي أمامه·· ثم عاد وأغلقها:
- ليس مستبعداً أن يقوم أحدهم في هذه اللحظة ويعلن عن اختطاف الطائرة·
لم أعلق بشيء·· ومع ذلك لم يسكت، بل راح فيما يشبه التوسل يسأل:
- هل تختلف مشاعر الخوف لدى النساء عنها في الرجال؟
قلت دون أن أنظر إليه :
- هل افترضت الحدث وصدّقت افتراضك؟
- ليس افتراضاً ·· وسترين·
التفت اليه، تفرست في وجهه·· ملامح قاسية·· عينان تلمعان ببريق ماكر، كعيني نمر يراقب فريسته·· قلت بعصبية:
- ماذا جرى؟ ألا تجد حديثاً إلاّ الموت والإرهاب؟ لماذا لا تتابع المسرحية؟·
ابتسم ولانت ملامحه :
- اهدئي واسمعيني·· الإرهاب في كل مكان، في الفضائيات والكومبيوتر والمدارس والمطارات والبيوت والدوائر الحكومية والمعتقلات ومعسكرات الجنود و··· حتى في المقابر·
قلتُ بحسم :
- أنا وأنت ماذا بوسعنا أن نفعل ·· ها ؟
نظر إليّ مقلصاً ما بين عينيه:
- هل تعرفين؟ أنت أكثر الوجوه صلاحية للرعب··· الوجوه كما أراها، حالة فريدة، كل شيء يرتسم عليها·· الحب، الكره، الغضب، الفزع، الابتسام، التشاؤم، الرعب·· تشغلني الوجوه كثيراً وتأخذ من وقتي الكثير··· آ ·· نسيت أن أقول لك أنا رسام بورتوريه·· أرسم وجوهاً فقط·· معارضي كلها رسوم لوجوه في حالات مختلفة·· معرضي الأول كان عن تأثير الحب في العيون، والثاني عن الحزن وما يتركه من تجاعيد على الوجه حتى ليبدو الطفل في عمر الشيخوخة·· الوجوه تتغير بتغير الأحداث، وتزداد غرابة عندما يداهمها الخطر·· الوجه الجميل يصبح مخيفاً، العيون تجحظ والشفاه تنفتح على سعتها··· الفكان يتباعدان ويكشفان عن عمق الصرخة التي ستتلاشى بعد حين·· كل ذلك يحدث في ثوان، لأن إضافة ثوانٍ أخرى يعني وقوع الكارثة، انكسار الأشياء وتشظّيها·· إذا نجوت - ربما أنا الراكب الوحيد الذي سينجو - فسيكون معرضي القادم بعنوان الذعر في عيون النساء لحظة الكارثة لهذا جذبني وجهك ·· إنه خامة صالحة تماماً لأفكاري·
- إنك أهوج·· إسمع إذا لم تسكت سأغير مكاني·
ورحت أمسح بعيني المقاعد باحثةً عن مكان ·· سمعته يقهقه ويقول :
- لا توجد مقاعد شاغرة·
صفحة 7
في الوقت ذاته التقت نظراتنا، فراعني شحوب وجهه، وتراجع بريق عينيه، أظنه كان ينتظر تعليقي على ما قال، لكنني تجاهلته وألصقت وجهي بالنافذة، رأسي يضج بالأسئلة، ماذا لو كان هذا الرجل إرهابياً؟ لماذا لا أبلغ عنه ؟ هل أصرخ بأعلى صوتي إنه ارهابي خذوا حذركم؟ ماذا لو هجموا عليه وفتشوه فلم يجدوا معه أي سلاح؟·· وطردت الفكرة عن رأسي، لكنه عاد للتلاعب بأعصابي، يسأل دون توتّر فيما يضخ إليّ شحنات أخرى من القلق:
- اهدئي قليلاً وتعالي نتفاهم·
- نتفاهم على ماذا ؟
- على أن نناقش مسألة الموت بالطائرة·
- تقصد القتل بالطائرة؟
- لا فرق·
- أوه·· إنك تجرني إلى حديث لا أريد الخوض فيه، مع رجل لا يهمني التعرف إليه·
- رجل يثير الأعصاب؟
- لماذا تعقّد الأمور؟
- الأمور معقدة منذ وجدنا على هذه الأرض·
- إذا لم تعجبك الحياة، وليس لك طاقة على الاستمرار في العيش، لماذا لا تنتحر؟
- لِمَ أنتحر والموت قادم؟
شعرت بثقل في رأسي ورأيت جسدي يطير ويتوزع في الفضاء :
- قل لن يصيبنا الاّ ما كتب الله·
- أكيد ··· وسيحدث·
- يا رجل ألا تكف؟··· أرجوك
- هل أنت متفائلة بالوصول أم أنك تتظاهرين؟
أحسستُ بقوة تسري في بدني·· كوّرت أصابع يدي ورفعتها باتجاه وجهه، لكن صوت المضيفة جعلني أتراجع :
(بعد دقائق ستهبط الطائرة في مطار عمّان ····)
صفحة 8
- ها نحن نصل ولم يحدث أي شيء·
- ما زال أمامنا بعض الوقت كما تقول المضيفة ·· انتظري ووسترين·
صرخت في داخلي :
- الرجل ارهابي اذن·· هاهو متأكد من أن شيئاً ما سيحدث·· نظرت إليه فازددت يقيناً بأنه رجل شرير·
(يرجى التأكد من ربط الأحزمة····)
قهقه:
- ما فائدة الأحزمة إذا وقعت الكارثة؟ لا شك أنهم يتسلون بنا·
ترى هل سيفعلها بمفرده أم ثمة من يتواطأ معه؟
(قائد الطائرة، الكابتن حمزة يهنئكم بسلامة الوصول ويتمنى لكم إقامة طيبة)·
ألقيت نظرة من النافذة ··· البنايات تعود إلى ححمها الطبيعي·· الخيوط الرفيعة تصبح شوارع·· البيوت تفصح عن أشكالها···· فطنت إلى أنه كف عن الكلام··· ربما شعر بالذنب، أو أنه قال كل ما يريد·· الحمد لله، ها نحن نصل·· عجلات الطائرة تحتك بمدرج المطار·· التفت إليه لأتشفى به :
- يا إلهي ·· أين مضى ؟
نظرت الى المقاعد والركاب·· الى الوجوه حولي فلم أعثر عليه·· أيكون قد مضى الى قمرة الطائرة؟
تحرك الركاب وراح البعض يفتح الرفوف العليا ويخرج حاجياته·· شددت على حقيبة يدي وتهيأت للنزول·· ها نحن نسير ببطء شديد·· نخرج من بطن الطائرة إلى (الخرطوم) الطويل الذي يفضي بنا إلى قاعة الوصول ·· أحث الخطى ·· أسرع·· أتلفت وأحدق بالوجوه·· أقف في الطابور الطويل وعيناي تجولان وتبحثان·· يختم الضابط جواز سفري·· أقف ثانية بانتظار حقيبة ملابسي وأنقّل نظري بين الحقائب والوجوه·· يلفظني بهو المطار إلى سيارات التاكسي··· أعود إلى بيتي بعد غياب دام شهرين··· البيت هادئ·· كل شيء كما تركته·· الصمت يخيّم على قطع الأثاث··· لكني منذ وصولي بدأت أشعر بأن هناك من يراقبني داخل البيت·
صفحة 9
هكذا تركتها
كيف تأتّى لي أن أكون في الأربعين، وهي التي تكبرني بعامين ما زالت تخطو ببطء صوب العاشرة؟··· ها هي ··· تتراءى لي· كما لو أن الزمن يلعب معي لعبة الاختباء والظهور· تقود سلسلة الكلب الروسي الذي اشتراه أبي· مرغماً· من صبي يقف على رصيف سوق الغزل· وحين ساومه ابي على السعر قال الصبي باصرار:
· لا ·· إنه غالي الثمن لأنه كلب أجنبي·
وبعد مساومات وذرف دموع من أختي، رق قلب أبي فدفع كل ما في جيبه·· ثم اتضح بعد يومين أن الكلب مسروق·· وكان صباحاً ممطراً عندما وقف شرطي أمام باب بيتنا واقتاد أبي الى مركز الشرطة صحبة الكلب وعويل اختي·· وعندما أفرج عن أبي كان يردد طيلة الطريق ما قاله صاحب الكلب الذي يسكن قصراً منيفاً على ضفاف دجلة:
هؤلاء الفقراء لا يكفون عن سرقة أسيادهم·
كانت اكواخنا وبيوتنا الطينية تتجاور وتتقابل على منحدر أرض تنخفض رويداً لتنتهي بورش الحرفيين الصغار·· معمل سجائر، مخبز، مصبغة، بيوت تغزل الصوف وأخرى تصنع البسط أو السلال والحصران ودكاكين لعمل الحلويات الرخيصة··
وعندما نصعد قليلاً من تلك الأرض ونطل برؤوسنا تلوح أمامنا قصور الأغننياء ممتدة على ضفاف النهر·· كان منظر اسراب الأوز يدهشنا وهي تتهادى على صفحة الماء لمسافات بعيدة، تعود بعدها الى قصورهم نافضة ما علق بريشها البراق، زاعقة حين نقترب منها كأنها تطلق اشارة التحذير لمنعنا من التجاوز على خطوط لا تراها أعيننا، لكننا نحسها برغم صغر أعمارنا، فنهرب قبل أن يسرع الحارس ويزجرنا بعصاه الغليظة·
ها هي تقف عند مدخل باب الغرفة،· بسنواتها التي تقترب من العاشرة، بثوبها الوردي المزهر الذي غادرت به الحياة بعد أن أنعجن بالدم وقطع اللحم تحت عجلة سيارة طائشة، سوى أن ثوبها الآن نظيف كما لبسته أول مرة·· تنظر اليّ· بعد حفنة من سنين انسلت من بين الهواجس· ابادلها النظرة·· كلانا مندهش·· تكسر الصمت بسؤال غريب:
هل أنت أمي؟
فيما الشك واليقين يتنازعان·· أقول، وأنا أعذر نسيانها:
انني أختك·
تتلاحق اغماضات عينيها وتدنو مني·
أختي؟·· كيف ؟
أنا لا أعرف · حقاً كيف أجيبها·· كيف أوصل لها معنى الكلام بأن الموتى لا يكبرون·· أو على الأرجح يفضلون الوقوف على حافة الزمن·
ترد بسخرية :
أنت امرأة عجوز·· لكنك تشبهين أمي·· حتى أنك أكبر منها بقليل·
صفحة 10
وكمن تتذكر:
أين هي؟ أين أمي؟
ولا تنتظر الإجابة، بل تعطي لنفسها الحق بالبحث في زوايا البيت تاركة لي فرصة استيعاب المشهد وتراكم الأسئلة·· من أين جاءت؟ وكيف احتفظت بدقة ملامحها ونعومة صوتها؟ ومن زعزع ذلك اليقين الذي يسكن أعماقي من أن الموتى يتزاورون فيما بينهم·· يتحدثون في شؤونهم ويعيدون على مسامع بعضهم ما مر بهم في تلك الرحلة العجيبة التي يسمونها الحياة؟ لو كان الأمر كذلك حقاً لعرفت بموت أمناً،· ولشاهدتها·· أي لغز غامض هو الموت؟
انقطع سيل تساؤلاتي وهي تدخل حاملة صورة تجمعني واياها في طفولتنا·
- هذه أنا وأختي التي تدعينها·· وبالطبع لا يمكن ان تعرفي ان الصورة التقطها أبي·
وفجأة تزعق:
- أين أشيائي الأخرى؟
ثم تنظر الى الجدران:
- هذا البيت لا أعرفه
أقول لها:
انتقلنا في غيابك· الى العديد من البيوت·
تكز على أسنانها وتقول بعصبية:
أنا لم أغب·· من قال ذلك؟ انك تفترضين أموراً لم تحدث·
تسكت قليلاً ثم تسأل:
من أنت؟ قولي أي شيء ولا تكرري بأنك أختي·
عبثاً أحاول افهامها·· أخذت تقاطعني مستنكرة كمن يعتقد أن لصاً دخل بيته واستولى على ممتلكاته·· واختفت ثانية في زوايا البيت وهي تدمدم بلغة مختلفة هذه المرة ·· ألقيت نظرة حولي·· سقط نظري على علبة الدواء فوق الكومدينو القريب من سريري· وتذكرت ان الوقت قد حان لأخذ ملعقة منه·· مددت يدي·· كان جسدي ثقيلاً وتعذر علي الوصول الى الدواء ·· وفي اللحظة التي شعرت بعجزي أطلت ثانية عند مدخل الباب·· نظرت الي·· لانت ملامحها·· ثم تقدمت نحو الدواء وناولتني اياه، وحين انتهيت من تناول الجرعة، أعادت العلبة الى مكانها ودنت من رأسي فأحسست أن يداً ناعمة تمتد تحته وتعدل بالأخرى الوسادة ·· اغمضت عيني، وما تزال مرارة الدواء على لساني·· شعرت بدوار خفيف، وبنقاط زرق تخترق ظلمة عيني·· تومض وتنطفئ ثم تتلاشى، وتنبثق نقاط أخرى لتلحق بها، كما نيازك نائية تذوب في الأفق البعيد·· ولا أدري كم مضى من وقت حين استفقت على صوت الممرضة يأتي على مقربة من رأسي·
كيف الأحوال؟
وقبل أن أجيبها تدس المحرار تحت لساني وترفع كم دشداشتي لتقيس الضغط ·· وبين ابتسامتها الهادئة وعمود الزئبق الذي يأخذ بالانخفاض تقول :
انك على ما يرام·· الحالة مستقرة·· وكذلك الحرارة، انها عند الحد الطبيعي·· ولكن ·· على من كنت تنادين؟