صفحة 1
...و تُروى الرّياحين
أخذت نفسًا عميقًا، عصبت رأسها، ونفضت ثوبها، رصّت الكعك في الطبق، ونثرت عليه بعض السّكّر، نظرت بغبطةٍ حولها ؛ فلقد أنجزت كلّ ما تريد، قلبت البيت رأسًا على عقب على حدّ تعبيرها، بقي شيءٌ !؟ نعم، الرّيحان، هيّا يا سعاد املئي لي إبريق الماء..
- ماء..إبريق آه نعم، بعدما أنتهي ..
- كم أشتهي أن تجيبيني سريعًا!
جرجرت خطاها، سقت الرّيحان، قطفت بعضه، وضمّته إليها، استنشقته بعمقٍ، وكأنّها تستنشق أريج الأيّام السّالفة ..غسلت وجهها، ولكنّها لم تغسل آثار السّنين .عاودت : سعاد..سعاد..
- أمّي تعالي وانظري..
الأصوات مرتفعةٌ في الخارج : خيبر خيبر يا يهود..جيش محمّد سوف يعود..
- انظري يا أمّاه شهيدان جديدان ..
- لا حول ولا قوّة إلا بالله، ما عسانا أن نفعل يا سعاد..ها نحن نُنزع من حضن الحياة ..يا حسرة أمّهاتتهم .. وعلى وجه العيد !
- أتعلمين يا أمّي، لابدّ أن نسمي حارتنا حارة الشّهداء..
- هه..لو كان هذا يا بنيّتي، لسمّيت كلّ الحارات كذلك !
- لكنّهم الأكثر عندنا : خالي عصام، والشّيخ محمود، وأمّ جهاد، وابنها أحمد، نعم والبقال الّذي كان يبيعنا حلوى السّمسم ..آه ..وصديقتي خديجة..و..و..
هزّت الأمّ رأسها بانكسار، واحترقت أنفاسها وخانها دمعها وانصبّ من عينيها الحزينتين ..
- نعم، وأبوك يا سعاد..
صفحة 2
ارتفعت الأصوات في الخارج : خيبر خيبر يا يهود..جيش محمّد سوف يعود..
هرول شادي إلى حضن أمّه، طوّقته بيديها الحانيتين، داعبت خصل شعره البنيّة، وقبّلته على جبينه، ابتسم وتورّدت وجنتاه ..نظر إليها برجاء، ومدّ يده إلى جيبها، وإلى جيبها سريعًا، ابتسمت الأمّ، وعاودت تقبيله ..الله يحفظك يا نور عيوني..
- أشمّ رائحة لذيذةً..أمّي أريد كعكة.
- لك أنت فقط أطيب كعكة.
ذهب إلى الطبق وملأ جيبه، وتسلّل إلى الدرج و اندفع مسرعًا..اكتظت الأصوات في الخارج ، واختلطت الهتافات، ولكنّ ذلك الصّوت ما زال قويًّا : خيبر خيبر يا يهود..جيش محمّد سوف يعود.
- شادي ..سعاد أين شادي؟؟
- خرج، ليشتري لعبة، سيّارةٌ على حدّ ظنّي ..
- ماذا سيّارة ! خرج ! والشّارع هكذا !!
- ماذا أفعل يا أمّي لقد أصرّ ولم يسمعني !
- سأنزل لأراه، لاتتبعيني.
- أمّي ..أمّي ..ها هو شادي !
- شادي؟ أينه؟
- تعالي..هنا من النّافذة ..كم هو أحمق، يسير وسط المظاهرة !
- يا ويلي .. الله يستر ..سأريه عندما يعود !
- أمّي ..الحقي ! يطلقون النّار، الرّصاص يا أمّي..
ركضت الأمّ إلى النّافذة شادي أينه؟؟ أخذت تحدق بين النّاس .. الكلّ يفرّ، تلك امرأةٌ تشقّ جيبها، و هؤلاء صبيةٌ ملثّمون يحملون الحجارة .. شادي اشترى السّيّارة ! ها هو يلوّح بها : أمّاه ..أمّاه، اشتريت سيّارةً حمراء..احتضن سيّارته، وأشرق بابتسامته ..ولكنّها اقتحمته، توسّطت جبينه، تركت حفرةً مستديرةً ..انطلقت نافورةٌ حمراء ..هوت السّيّارة الحمراء، وهوى شادي، ارتسمت خارطةٌ دمويّةٌ على جبينه، كأنّها تشبه خارطة العالم العربيّ ! وبقيت الابتسامة مرسومةً على وجهه ..وصافح الموت فؤاده..انطلقت روحه كحمامة السّلام ! ستخرج جنازةٌ جديدة، ولكنّ الجثّة أصغر هذه المرّة ..سيأتي العيد دونما عيد، ويشرق الصّباح دونما شادي، وينضمّ إلى قوافل الأحزان، و تحتضن الأرض الشهداء، وتُبتلع العبرات والدّماء ..وتُروى الرّياحين..
ابتعدت الأصوات، لكنّها ما زالت مستمرّة : خيبر خيبر يا يهود .. جيش محمّد سوف يعود..
صفحة 3
لستُ جبانًا
عُلقت الدّراسة هذا اليوم، كغيره من الأيّام القاتمة، هرول ليث و زملاؤه الثلاثة إلى بيوتهم، الطريق طويلةٌ ..مليئةٌ بالعثرات، والأزقّة مقفرةٌ ..كأنّ الأشباح تسكنها، أخذ الصّبية يحبسون أنفاسهم، حينما انطلق دويٌّ يقرع المسامع..
صاح ليث لزملائه : توقفوا ! خذ واحدة ! هيّا بنا أسرعوا ..
تنافس الصّبية على قطف الحجارة الصّلبة، وجمعوها في جيوبهم، سأل أحدهم : من سيتقدم !؟
- أنا..
- بل، أنا..
- لا أنت كنت الأوّل بعد خالد ..الله يرحمك يا خالد..
- اسكتوا !! قد تذهب، وأنتم تتكلّمون ..تقدّموا جميعًا المهم أن نفعل شيئًا .
تسلّل الصّبيّة من الزّقاق بسكون، تراصّ بعضهم خلف بعضٍ، دلّى ليث رأسه إليها وهمس : سأصيبها، شدّ على مقلاعه، وأسرع بقذفها، أخطأها.لا بدّ أن أصيبها ..قذف ثانيةً، ضرب قدمه بالأرض مرارًا ..لم يتحرك الجبان الّذي يركبها !
قهقه أحد الصّبية : ربما أنت الجبان ليس هو، لم لا تقترب أكثر!
- لستُ جبانًا ..سأريك ! تدفق الدّم الحارّ في عروقه ..تذكّر أباه، وخالد، وآيات، ومحمّد ..أنا مثلهم ..عليّ أن أكون مثلهم ...انتشل الحجارة من جيبه، وقف في وجه الغرفة الفولاذية، أطلق سربًا من الحجارة المتتابعة، تكهرب ذلك القابع في الآلة اللّعينة، تسابق الآخرون لقذف حجارتهم ..وثب ليث عاليًا، وأمطر حجارته الملتهبة ..يا الله لقد أخفته ..أخفته ..لست جبانًا ! فزع الصّبية : ليث انتبه اهرب إنّها تتحرّك ! التفت إلى رفقته سأهرب أنا سريعٌ، انظروا إليّ !
لكنّ تلك المشتعلة من الفوهة الكبيرة كانت الأسرع .. والله لستُ جبانًا هوت به إلى الأرض ..افترش جسده على الثرى ..تقدمت القلعة الدّبابة ـ وتراجعت..لا ليث سوّته بالأرض، وانصرفت تسحقّ بقيّة الشّجعان..
صفحة 4
كل شيءٍ ساكنٌ
كلّ شيءٍ ساكنٌ، الأزقّة، وأشجار السّرو، والحجارة، وما تبقّى من البيوت، حتّى صفوف النّمل تتسلّل بين ألواح الخشب بسكونٍ غريبٍ. ترتسم خطوط الشّمس على الجدران المكتظّة بالخطوط المتشابكة يتوسّطها رسمٌ نحيلٌ يتكرّر عليها، ويتكرّر في كتب التّاريخ والجغرافيا، وفي كثيرٍ من الأرواح المهاجرة .
انطلق يوسف في الزّقاق نورسًا عشق الحرّية، عربة الكعك محطّمة، وحبّات السّمسم متناثرة، لا أظنّ أبا منصورٍ يترك بيع الكعك !! و..أين شجرة البرتقال؟ كانت هنا ! كان برتقالها لذيذًا؛ لكنّ برتقال شجرتنا ألذّ ! أحسّ بلزوجةٍ ما في الأرض، يكاد ينزلق..الأغصان محطّمة، و البرتقال منبسطٌ على الأرض، وقافلة الغربان تقطع السّماء .. وكلّ شيءٍ ساكن ..قرأ يوسف على إحدى الجدران : فلسطين لنا ..أمّي تقول ذلك، والأستاذ محمود يقول ذلك أيضًا، لكنّهم فيها ! سار يوسف بخطواتٍ متأرجحةٍ ملتفتًا إلى بيت خاله، كان متيقّنًا أنّه سيسمع شيئًا كهذا :
- يوسف، أين كنت !؟ كم قلت لك لا تخرج !
- و لِمَ لا يا أمّاه؟!
- كلّ ما نحن فيه، ولِم لا ! لأنّهم سيقتلونك إنْ خرجت!
- لا ..أنا صغير، لِم يقتلونني؟!
- هم لا يعرفون صغيرًا ولا كبيرًا، هم يقتلون فقط.
- أقتلهم أنا قبل أن يروني، أو..أهرب !
- كم أنت عنيدٌ !! عنيدٌ كأبيك ..اذهب وساعد خالك..
أسرّ يوسف بعض الاستفهامات الحائرة في نفسه، بينما ظهرت البقية جليّةً على وجهه.ضرب الخال ظهره بيده الموشّحة بالسّمرة، وقال باندفاعٍ مختنق :
- يوسف بطلٌ، رجلٌ كأبيه، لا تخافي عليه.
- بطل..رجل، و ما الّذي جنيته من ذلك؟ زوجٌ أُخذ إلى السّجن و لا أعلم أحيٌّ هو أو ميّت، وابني الكبير الّذي اختفى بين عشيّةٍ وضحاها، و ابنتي الوحيدة تزوّجت ورحلت بعيدًا، وتقول لي لا تخافي على يوسف..ترنّحت كلماتها، وشقّت الدموع مجراها على وجنتيها..
- توكلي على الله يا أختي ..
صفحة 5
أخذت نفسًا من جوفها، وتمتمت : لا إله إلا الله..تأمّل يوسف : قال لنا الأستاذ إنّ صلاح الدّين فتح بيت المقدس ليرفع راية لا إله إلا الله ..ما زال كلّ شيءٍ ساكنٌ ..حُزمت الأمتعة، وأزِف الرحيل ..حمل يوسف شطائر الزّعتر . أُسرت الأدمع خلف قضبان القوّة..
- أمّي إلى أين نذهب؟؟
- سنرحل..
- إلى أين؟؟
- لا أعلم إلا أنّنا سنرحل !
- أمّي أريد العصافير.
- لن نذهب إلى البيت من أجل عصافيرك..حاول نسيانها..وإلا أخذوك !
- لا..لا أستطيع إنّها عصافيري، أريدها !
- إيّاك أن تذهب، وإلا..
- حسنًا، لن أذهب سأنتظركم في الخارج.
تصارعت الرّغبات في نفس يوسف : لا أستطيع تركها..من سيطعمها؟ من سيسقيها؟ و أنا أحبّها فهي توقظني كلّ صباحٍ، وتقف على يديّ حين ألاعبها ..انسحب مسرعًا يقطع الأزقّة، اشتمّ الكثير من الروائح الكريهة، يتخلّلها شذى الياسمين المتدلي على الأسوار ..كأنّه سمع بعض الأصوات ؛ لكنّ تغريد طيوره أقوى في مسمعه ..تعثر أمام الباب بشيءٍ ما ..تجاهل ذلك كلّه، ودفع الباب المثقّب بيديه الصّغيرتين ..ساحة المنزل ملطّخةٌ ببعض الألوان ..صعد إلى قفصه محاولًا خنق كلّ ما يؤرّقه، منتشلاً شجاعته من كلّ ما يخيفه ..بحث، حاول ثانيةً، لم يجد سوى حطام القفص .. وعصافير مجفّفةٍ كالدّمى الخشبيّة ..تمنّى أن يصرخ، أن يفجّر الصّمت المتجبّر .. ولكنّ الأصوات تقترب، لملم عصافيره، وضمّها إليه : آه يا عصافيري الحبيبة، أردت أخذكم معي .رطبت دموعه ريشات العصافير الجافّة تأمّل ما حوله ..الرّيش المتناثر، الأرجوحة المائلة، أسراب نملٍ تحمل الكسر وتتوارى في الثقوب .. بقيت برتقالةٌ واحدةٌ مختبئةٌ أعلى الشجرة، ربما استطعتُ حمايتها .استجمع كلّ عبارات الحماسة، وربط الكيس بحزامه، وتسلّق الشجرة، اقترب منها أخيرًا، حاول التقاطها، فإذا بها تنفجر في وجهه، قبل أن يصل إليها، تبعتها رصاصة أخرى فتّتت كيس الزّعتر، تمسّك بالغصن بما تبقّى من قواه، اعترته رجفةٌ قويّةٌ ..أنا رجلٌ لن أهزم ..انطلقت رصاصةٌ جديدةٌ عرّت رأس الشجرة من الأوراق ..عنيدٌ كأبيه ..اندفعت بوحشيّةٍ، واخترقت جسده هذه المرّة..تمايل كطائرةٍ ورقيّةٍ، دحرج رأسه : أنا صغير لِم يـ قـ تـ لـ و نـ نـي؟؟!! هوى جسده كفراشةٍ بيضاء ..ورفرفت روحه لتلحق بعصافيره .. وأمطرت السّماء دماءً، و ريشًا، وحبّات زعتر ..الأزقّة مقفرة ..الجدران شاحبة، الأرض رطبةٌ بخليطٍ من البرتقال، والدّماء، والدّمع ..تقهقرت خطوط الشّمس قليلاً، خريطة فلسطين شامخةً على الأسوار .كُتب على الجدران :
( بالرّوح بالدّم نفديك يا فلسطين ) ..الوطن ينتظر ..وكلّ شيءٍ ساكن!
صفحة 6
نومًا هنيئًا
( يالله ينام.. يالله ينام ...بذبح له طير الحمام ..) غنّت له كثيرًا، ضمّته إلى صدرها طويلاً، وتمايلت به يمينًا وشمالاً، ولكنّه لم يزدد إلا يقظةً وإصرارًا على المتابعة : أمّي ما هذا الصّوت؟
إنّه..لا شيء ! أقول لك نم ..
- أمّي أنا جائع..
- غدًا أطعمك..غدًا..
ارتفعت الأصوات في الخارج، وأحكم الظلام انغلاقه على الأفق، استمرّ المذياع في ترديد الأخبار بصوتٍ خافتٍ: استشهد ثلاثون فلسطينيًّا، وأُصيب خمسةٌ وعشرون في اشتباكاتٍ مع القوّات المحتلّة في رام الله، الدّبّابات الإسرائيليّة تُحاصر جنين، والدّول العربيّة تُعرب عن...انقطع التيّار الكهربائيّ ! أين الشّمعة؟ أمّي أنا خائف ..هاتِ الكبريت يا أمل ..رفرفت ظلالهم على الجدران كالأشباح، وتثاقلت الأنفاس، تسلّلت بعض الدّمعات إلى وجه الأمّ، وحرقت بعض الأنفاس المقهورة ..أمّي أتبكين !؟ أنتِ خائفة؟
- خائفةٌ عليك يا بنيّ...
- أمّاه متى سيخرج اليهود من حيّنا؟
- حينما يخرجون من كلّ الأحياء ..لا تثرثر يا فادي، ونم..يالله ينام..يالله ينام، بذبح له طير الحمام..
- أمّي إلى أين أخذ اليهود أبي؟
- أخذت أنفاسًا أخرى وكأنّها تستل سيوفًا من قلبها..نم ولا تسأل..
قافلة الأصوات تقترب، ذبلت الشمعة حتّى رحل نورها، لكنّ السّماء تومض بالنيران كلّ حين !! المبنى يرتعش، هل خاف هو الآخر؟! تعالى الصّياح، تراكمت العائلة حول الأمّ يطلبون النّجدة، الحماية، الأمان ..انكبّت الأمّ على أطفالها كما ينكبّ الطّير على فراخه ..لا تخافوا يا أحبائي أنا معكم..يا إلهي الطف بنا يا ربّ، ارحمنا يا ربّ ..أمّي سامحيني..لم أكن فتاةً مطيعة ! أمّي أريد أن أنام، والله أريد أن أنام ! لا تخف يا فادي ..ستنام يا حبيبي ..يا إلهي ..يا ربّ ...وابتلعت القذائف بقيّة الكلمات ، والأنفاس، واحتضنتهم الأرض في جوفها الحنون، لُثموا، كما يلثم الموت ورد الغصون، و أخيرًا نام فادي في حضن أمّه، وناموا جميعًا في حضن الأرض .. يالله تنام.. يالله تنام..لاذبح له طير السّلام !!
صفحة 7
جميلة
تبدو الحجرة صغيرةً جدًا، رغم أنّ أبي رحمه الله - قد أخبرني أنّها كبيرة ! ربما لأنّها مكتظة بأناسٍ كُثر والمزعج أكثر هو أنّني لا أعرفهم جميعًا !! ولكنّهم يقطنون بيتنا الّذي كان كبيرًا ! زاد الازدحام الرّتيب . تمامًا كما تتحلّق الوفود على المكان المنكوب بعد أن يضربه صاروخٌ، أو قذيفةٌ ما، فالجميع تحلّق حول مائدة طال انتظارها...وكان الهجوم على المائدة الصغيرة الجائعة يشبه تمامًا هجومهم علينا مع الفروق الهائلة في النتائج، فنحن لا ننال إلّا القليل، القليل الّذي لا يُسكت حتى صفير بطوننا الجوفاء وهم دائمًا يحصدون الكثير ممّا يرضي غرورهم الجشع يا إلهي كيف يمكنني أن أنسى الجوع، والنعاس، الخوف، والبرد... آه يا جسدي التّعيس لو أنّك ترحمني من طلباتك الّتي لا تنتهي ألا تعرف أنّك تحمل قلب فتاة فلسطينيّة؟؟ لعلّك لا تدري ما معنى أن أكون فتاةً فلسطينيّة في هذه الأعوام المتسابقة !! لا بدّ من طاقة أمل تفتح أمامي دربًا ورديًّا وسط الغابات الشوكيّة، كما كانت تقول معلّمة التّاريخ... لكن أين سأجد
المفتاح؟؟؟
وصل عدد الشهداء إلى 560 شهيدًا، بينما بلغ عدد الجرحى....صوت الأرقام لا يفارقنا أرواحنا أرقام، أجسادنا أرقام، أشلاؤنا أرقام ...طوال عمري أكره الريّاضيات ! ولكنّني الآن تعلّمته رغمًا عنّي ..أشعر بأنّني بتّ أقول كلامًا منظّمًا يؤهلني لحلم المستقبل :
( كانت معكم مراسلتكم من غزة : جميلة محمود) !
آه حلم جميل..ليته يتحقّق ...لكنّني ما زلت صغيرة على هذا عليّ أن أهتم بأمنياتي الصّغيرة، نعم التّحدي السّباق !! منال، هيّا يا منال فلنكمل الجولة الثّانية من السّباق.
- أيّ سباق يا جميلة والقذائف لا تعرف أحدًا؟؟!!
- أو ننتظر القذائف في بيوتنا؟ لا مفرّ من القدر أينما كنّا، إلا إذا كنت تخشين التّحدي !
- لا لا أخشى شيئًا، أنا لست جبانة ! فلنصعد إلى سطح المنزل فبل أن ينتبه لنا أحد.
- هه، من سينتبه لنا وسط هؤلاء !
- يبدو الدّرج طويلاً..
- بل يبدو أنّك ستخسرين أمام جميلة ذات الأرجل الطويلة..ههههه.
- كفاكِ غرورًا، أخيرًا قد وصلنا.
- نبدأ من هذا الحائط إلى ذاك وننطلق بعدما أعدّ إلى الثلاثة.
- جميلة أنا خائفة اسمعي صوت قذائف قريبة منّا.
- دائمًا هي قريبة ولا تصيبنا، قولي أنّك تخشين الهزيمة ! هيا أريد أن أحلّق بقدمي.
- لا، سأفوز أنا وسترين هيّا ابدأي العدّ.
- استعدي، واحد، اثنان، ثلاثة.
السّطح ذاته، مكان السّباق بعينه، ارتعد تزلزل بعد الأرقام الثلاثة ! ليس من حماس جميلة ولا من سرعة جري منال، ولكنّها ألعاب ناريّة، كانت تنتظر الأعداد الثلاثة لتأكل الألعاب النّهمة بعض لحوم البشر كأنّما تأكل بعض الحلوى ! قدما جميلة الطّويلة حلّقتا، لكن بلا عودة .وفوز منال تحقّق، ولكن إلى جنّة الخلد.