إهداء
إلى ربيعة الريسوني رحلة الحياة المضيئة، وسهى ونوفل..
إلى للا سعيدة يسين التي دعمتني كثيراً..
إلى جولييت التي قصائدُها أنتجت جزءاً وافراً من هذا العمل...
والشكر موصول للصديق الفنان شوقي دلال لتفضله بالموافقة على وضع لوحته الجميلة على واجهة الكتاب.
تقديم
في أحد الأيام كنت أتجول على صفحات الفايسبوك، وطلبتُ من إحدى السيدات الشاعرات فيها إمكانية إضافتي إلى مجموعة أصدقائها، ففعلت لكن بحذرٍ شديد، وكنت أقرأ أعمالها باستمرار وأعارضها أحياناً، وشاءت الصدف بعد ذلك بوقت معين أن زارت المغرب في إطار مشاركةٍ في لقاء ثقافي، فالتقينا وتعرفت عليها كما تعرفتُ على مرافقين لها في نفس الإطار الأصدقاء الشاعر والناشر إبراهيم الجريفاني والصديقة الفنانة التشكيلية نجلاء السالم والصديقة الفنانة التشكيلية نهاد غريب..، فارتبطت أواصر صداقةٍ راقيةٍ بيننا جميعاً، ولما كانت عائدة إلى بلدها أهديتها ملزمة بها بعض أعمالي قرأتها وهي في الطائرة، وألحت علي بنـشرها، لكني لم أفعل، إذ كنت أعتبر أن ذلك أمرٌ شخـصي، ثم توالى نـشرها لقصائدها على النت وتوالت معارضتي لقصائدها.
إن أغلب أعمال هذه المجموعة هي معارضات لتلك القصائد التي كانت تنـشرها الشاعرة الصديقة جولييت أنطونيوس المنشور بعضاً منها في ديوانها "خطيئتي".
الفصل الأول :كلماتٌ أولـى
تقريباً
التقطَ في يديه أشياءً بلا قيمة
حجراً،
كسرة قرميد السقف،
عودي ثقاب محترقين،
المسمار الصدئ من الجدار المقابل
ورقة الشجر التي دخلت النافذة
القطرات المتساقطة من آنية الزهور المروية
تلك القصاصة من القش التي نفختها الريح إلى شعرك بالأمس
يأخذهم،
ويكوِّن في فنائه الخلفي، شجرة، تقريباً
الشعر يكمن في هذه الـ "تقريباً" هل تراه؟
يانيسريتسوس / اللذة الأولى
..... إن الصورة الشعرية هي نقطة الارتكاز لدي، وفي قصيدة النثر تظل الصورة هي محور الابداع الذي يـضيء للشاعر طريقه فيجد نفسه يمـضي إلى الامام قادرا على البقاء في ظل جلبة اصوات كثيرة ومتشابهة.
هدى ابلان ـ اليمن.
ولنتخيل الآن قصيدة تسمى "القصيدة الحرة" ويحار فيها القراء، فلا يستطيعون ان ينفوا عنها شعريتها ولا يعرفون كيف يؤكدون هذه الشعرية، ومن أية مقاييس سيفعلون، وقد كـسر الشاعر المقاييس القديمة للشعرية التي قرت عليها ثقافتهم، بل وتجرأ حتى على تلك المقاييس الجمالية الجديدة التي ولدتها تجارب اواسط القرن العشرين
نوري الجراح "القارة المجهولة" مقالة في مجلة دبي الثقافية.
بعد التجارب الجديدة لمجموعة من المبدعين نتساءل أين يبدأ الشعر وأين ينتهي، وما هي النصوص التي يمكن تسميتها شعراً ـ بشكل عام ، وما هي التي نرفع عنها هذه التسمية. وحينما لا ينتمي عمل ما إلى صنف ما او تصنيف (شعر كلاسيكي، شعر حر، شعر منثور، قصيدة نثر، شعر بتفعيلة الخ) فأين نضع العمل الذي يحتوي على صور شعرية، وإيقاع، هل نجد له مجالاً جديداً وتسمية، أم نمحوه ونرده إلى صاحبه.. إن العمل الإبداعي الذي يحتوي على معنى وعلى إيقاع وصور جميلة لا بد ان يجد له مكاناً بين الأعمال الإبداعية سواء أعطي له اسم أو تُرُيث في ذلك، ما دام يجد صدى في نفس القارئ، ويحدث في ذهنه ووجدانه وكذا عقله حركة فاعلة هادفة.
أطفئ النور يا صديقي
أطفئ النور يا صديقي
فأنا لا أريد رؤية ألوان أفكاري
في هذي الساعة القاحلة المتوترة
حيث تتحكم الذئاب الجائرة،
وامسكْ بيد ذاك الطفل ولا تشرد
هي قطعة الخبز تلك التي في يده تبرد
وفي أفكاري
يا صديقي،،
أطفئ النور وانظر إلى سرب الحمام
ينطلق من حيث تجمع الغمام
مهاجراً يخشى هذا الأنام
انظر جيداً واقتصد في الكلام
ولملم ما بقي في القلب من الآلام
ثم،... أوقد شمعتك يا صديقي
نحن بالحاجة لكثيرٍ من الضوء.
في هذه الساعات الملآى بالشوق.
يومي البارحة
تركت يومي البارحة في أحضان الزمن البعيد
وبدأت أقرأ قساوة حضورك العنيد
بين حزنٍ يتلوه عشقك، وحلمي المديد
يأخذ بعض أوراق عمري ويزيد
أيها الطائر المورق ومضات الكون الفسيح
لا تغني اليوم فكل قلبٍ هو الآن ضريح
أقفلَ اللون أبوابه على المد الكسيح
فانبرى يجري وما جرى فاليوم يطلُ
حبيساً في الأمس وما الزمن منه عقيق
كوني روح الأمس في اليوم..
أو موت اليوم في الأمس..
تفتحي لي الطريق
إلى مجاهيل أضواء الزمن المضيء
اليوم في صورة الزمن العتيق
يتصارعان بنبذٍ ويقدحان الحريق
فينبت منهما حضورٌ لك أمواجُه عقيق
وأغيب في لجة هواه وأنسى الطريق
أطفئي النور (2)
أطفئي النور صديقتي
لا أريد رؤية ألوان أفكاري القاتمة
في هذي الساعة العتمة
حيث تتراكم جرذان الحياة القاتلة
أطفئي النور صديقتي فهذا الصبح يجيء
محملاً بالأمس وبشذو عصافير الربيع
سيأخذني الظل إلى منتهاه
ولن أجد في عباءتي سوى بعض الريح وبعضاً منكِ
آهٍ منكِ، آه.
أطفئي النور صديقتي
فأنا لا أريد رؤية أفكاري في لونها الحالي
تعبت من الإدراك
تعبت من الذكرى، والاشتراك
حملت شمساً في عمقي فهي تراني
وأنا بها أنوء
أطفئي النور صديقتي فلون أفكاري يقيدني
يضعني في لحظة ويسيجني
وهذه عتمةٌ لا حدود لها
وقلبي يشتعل في شمس تبهر الدنيا
ومنك تدنيني
فافتحي هذه الشبابيك معي
واعملي معي على تجسيد الرؤيا
في تقريب اللقيا
بيني وبينك ظل
بيني وبينك ظل
يتكاثف، يرف تم يطل
شفافاً يتموج لحظة ثم يلف
جنباته في لفائف من حفيف يزفُ
القافية للشعر وللسماء الزرقة ثم كطائر يُسف
بيني وبينك ظل
تنظرين إليه فتتراءى لك الأشياء كلها
وأنظره فتتراءين لي..
ظل يتراخى في لحظة ثم يشتد
صافٍ بلون العسل المذاب لا يخف
وبريح عطرٍ لا يجف
ولما أمد يدي يجذبها إليك
ولما تمدين يدك تتلألأين
كريح الصبح العليل هو الظل
كقطر الندى
كالإيقاع في القصيد
كمعنى الكلام
كسحر الروح وغموض دقات القلب..
بيني وبينك ظل
أهتف باسمك فيتراخى
تظهرين فيلتف
رقيقاً كحزمة ضوء
كشعاع نظرة
كدفء كلمة ترف بين شفتين
يلاعبهما الهوى وتلاعبه
يرقرق الماء صوته ويترقرق بجانبه
ولما يمر قبالة الظل يتلاشى اللون
ويعكس صفاءه الصافي
يلوح براحتيه إليك
ويشير إلي
ليس في العسل الطعم وحسب
فيه الرائحة والريح واللون
وفيه زفرة الصدر
وارتخاء الجسد
بيني وبينك ظل
لما رق النسيم في نظرتك
وارتاحت تقاسيم الهوى فيها
وارتعشت تلك الأسارير الصبية
ابتسمتْ مصابيح السماء
وكان الظل يرتق الفراغات
بين النسمة والأخرى
والبسمة والأخرى
كان يطوي اللحظات على نفسها
ويسوي اللحن في اللحن
بسرعة وبهجة
وكانت النوافذ تتفتح على السماء
وبعض القطر يتساقط
خفيفاً خفيفا
لا صوت لا همس
فقط دقات القلب في القلب
سريعة، كسيرة، ظليلة
بظِل الظل، بأثر الفراشة
تحلق في كثافة الهواء
تغزل وراءها الكثبان
اللون يسرق الظل
الظل يسكن اللون
الظل واللون يتحدان أو يتجاوران
للظل لون يبدعه
للألوان ظلال تتحرك في الألوان
سلامٌ في الصوت المتعالي في الظل
سلالم صاعدة في الصوت المتعالي في الضوء.
بيني وبينك ظل
يرق إلى أن يشف
تهزه الوان من غبش الفجر
ومن آيات الله في البر والبحر
والقدر.
يهز الحروف من سطور الكلام
وينضدها
ويرتب في القلب دقاته
ويرصعها
أوراق وردٍ، عطر شراب
ملح لذة، أو مسك رضاب
يأخذني إليك هذا الظل أخذ العباب
وأنشد معه على ايقاع عود ورباب
سأترك جانباً كل ذاك العذاب
وأفتح دفتراً من دفاتر أيام الشباب
يجمعني أنا وأنت الآن ظل
يختفي قليلاً قليلاً ثم يحل
كل من حوالينا له يجل
إنه النور الذي لا يضل
بيني وبينك كان ظل
يسير خفيفاً ولا يكل
الدمى والرصيف
تلهو الدمى على الرصيف
جذلى كأي لص عفيف
يسرع الخطى كجناح خفيف
بين ضم قاس وضم لطيف
لم تره في حلمها
لم تره في سرها
كتبتْ له رسالتها
وهي إليه في طريقها
سارت الدمى على الرصيف
بخطوٍ راقصٍ خفيف
الريح الحزينة
ريح هذه الليلة حزينة
برائحة البارود وأحقاد دفينة
كنت واقفاً يا سيدي
مرقت الرصاصة اللعينة
مزقت الصمت وقتلت السكينة
من باب الحياة إلى زرقة السماء
ما كان مطراً ولا شبيهاً بالماء
لم يكن يكفي الرجاء
كان الصقيع والنار سواء
رياح هذه الليلة حزينة
لا تؤاخذني
لا أخبار عندي تفرح
فقط فرقعات ودموع ثخينة
ليلة رياحها حزينة